مدريد 2026: حين تُدار “قضية الأمة” بقانون الصمت… ويُترك الشعب للشائعات

 


يتقاسمون القرار تحت ضوء الشموع بعيدًا عن الرأي العام، ثم يتذكرون “الأمة” فقط عندما يحتاجون صورة الاصطفاف. أمّا حين تُطبخ التفاصيل وتُوزّع الحصص، يصبح الشعب مجرّد ديكور يُستدعى عند الضرورة ويُقصى عند الحقيقة.


تمهيد:

ليس غريبًا أن يتعطّش المغاربة لمعرفة ما دار في كواليس مدريد. الغريب حقًا هو أن تُفرض سرية مشددة على ملف يُسمّى رسميًا “قضية وطنية أولى”، ثم يُترك الرأي العام يتغذّى على التسريبات والهمس، بينما لا تصدر الحكومة إلا صمتًا باردًا… كأن الصحراء لا تعني المغاربة إلا عندما تتأزم الأمور وتحتاج الدولة صورة “الالتحام الوطني”.../...


مقدمة:

ما وقع في مدريد مطلع فبراير 2026 ليس تفصيلاً عابرًا. تقارير صحفية إسبانية تحدثت صراحة عن “قانون الصمت” المفروض في لقاءات جمعت المغرب والبوليساريو وبحضور ممثلين عن الجزائر وموريتانيا، بتيسير أمريكي وبالتنسيق مع المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا.


تغطية أخرى تحدثت عن “خارطة طريق” أمريكية قُبلت كقاعدة تفاوض، مع هدف الوصول إلى إطار سياسي لاحق في واشنطن.

 

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: 


- “هل هذا تقدم أم لا؟”

بل: 

- لماذا يُقدَّم للشعب فقط “النتيجة النهائية” -  إن قُدمت - ولا يُقدَّم له الحد الأدنى من فهم المسار؟



1) ما الذي نعرفه يقينًا؟ وما الذي يدخل في خانة “المتداول”؟

المؤكد:

لقاءات مدريد حصلت في سياق تنفيذ قرار مجلس الأمن 2797 (2025) الذي مدد ولاية “المينورسو” حتى 31 أكتوبر 2026، ويدفع نحو حل سياسي “واقعي/عملي”.


الأمم المتحدة أشارت في الإحاطة اليومية (9 فبراير 2026) إلى وجود دي ميستورا في مدريد ضمن هذا المسار.


الصحافة الإسبانية تحدثت عن تكتم شديد ولقاءات داخل السفارة الأمريكية بمدريد.


غير المؤكد رسميًا (لكن متداول إعلاميًا):


وجود “وثيقة تقنية موسعة” بعدد صفحات محدد، ومحتواها التفصيلي. هذه تفاصيل لا توجد نسخة منشورة منها رسميًا، لذلك تُقدَّم بوصفها “تسريبات/تقارير متداولة” لا “وثيقة مثبتة".



2)  التحول الحقيقي: من سؤال “هل نقبل الحكم الذاتي؟” إلى سؤال “كيف نطبّقه؟”

حين تصبح المفاوضات حول آليات التنزيل (مؤسسات، اختصاصات، حكامة، أمن محلي، موارد، إدماج…)، فهذا يعني انتقال الملف من “منصة شعارات” إلى “ورشة هندسة سياسية”.


وهنا تحديدًا تكمن خطورة الصمت الرسمي: لأن مرحلة التنزيل هي مرحلة توزيع السلطة والموارد والرموز… أي المرحلة التي تعني المواطن مباشرة، لا عبر البلاغات، بل عبر أثرها على حياته وحقوقه وتمثيله.


تغطية El País تتحدث عن قبول “خارطة طريق” أمريكية، وعن لجنة تقنية وخلاف على صلاحياتها - هذه لغة “تفاصيل” لا لغة بيانات.



3)  مصلحة واشنطن… بعيدًا عن خطاب الجيوسياسة

لنُسقِط عمداً لغة “روسيا/الصين” ونقرأ نوايا أمريكا ببراغماتية باردة: ماذا تريد واشنطن من إنهاء نزاع مُزمن كهذا؟


أ) تحويل “الملف الرمادي” إلى بيئة قابلة للتعاقد:

النزاعات الطويلة لا تُخيف السياسيين فقط؛ تُخيف شركات التأمين، التمويل، والمستثمرين.


واشنطن حين تدفع نحو “خارطة طريق” فهي عمليًا تدفع نحو خفض المخاطر القانونية والسياسية التي ترفع كلفة الاستثمار وتعرقل المشاريع الكبرى. (منطق ينسجم مع تغطيات مدريد كمسار تيسير أمريكي–أممي).


ب) اقتصاد المشاريع: من السياسة إلى “التمويل”

الولايات المتحدة (أيًا كانت الإدارة) تميل إلى تحويل الملفات إلى “قابلية قياس”: مشروع ميناء/لوجستيك/طاقة/مناطق حرة…


وهذا لا يتحقق تحت نزاع مفتوح أو قابل للاشتعال كل موسم. تغطية Bloomberg تشير إلى أن واشنطن “جمعت الخصوم” في مدريد ضمن محاولة حل إحدى أطول النزاعات في أفريقيا. 


ج) سلاسل الإمداد (الفوسفات/الأسمدة) كأمن غذائي

هنا لا نحتاج خصمًا جيوسياسيًا حتى نفهم: الفوسفات والأسمدة ملف عالمي حساس. تثبيت الاستقرار يعني تثبيت سلاسل الإمداد وتخفيف التقلبات.


د) ضغط الهجرة والتهريب: “إدارة مخاطر”

حتى لو بدا بعيدًا عن موضوع الصحراء، فإن استقرار مناطق العبور يهم واشنطن عبر الحليف الأوروبي الذي يعيش ضغط الهجرة سياسيًا وداخليًا.


الخلاصة: واشنطن تريد تحويل الصحراء من “بؤرة توتر تعطل المصالح” إلى “جسر مصالح”، لا بالضرورة حبًا في أحد، بل لأن هذا هو منطق الدول الكبرى حين تتلاقى السياسة بالمال.



4)  الجزائر والبوليساريو: لماذا “السرية” مفهومة… ولكنها ليست مبررًا لإقصاء الشعب؟

تقارير مدريد تشير إلى حضور جزائري في هذه الجولة، وهو تطور لافت مقارنة بمراحل سابقة من الرفض المعلن.


لكن الخطير ليس حضور الجزائر؛ الخطير أن تتحول السرية إلى عقيدة دائمة تُقصي الشعب المغربي الذي يهمه الأمر عن “الحد الأدنى” من الفهم.


الدولة ليست مطالَبة بنشر محاضر المفاوضات. لكنها مطالَبة على الأقل بـ:

الاعتراف بما يجري

تحديد الإطار العام

شرح منطق المسار دون أسرار حساسة

    •   هل وضعت الدولة خطوطا حمراء  لا يسمح بتجاوزها في المفاوضات؟ (المساومة على الصحراء الشرقية وفق ما تروج له بعض المصادر من باب انقاذ ماء وجه نظام العسكر في بلد الجوار).


نقول هذا لأن فراغ المعلومات لا يبقى فراغًا: يُملؤه آخرون بالشائعة، والتحريض، والقراءات المسمومة التي تثير حفيظة الشعب.



5) "الصحراء الشرقية” والتعويضات: ما حقيقة الأمر؟

تُتداول في بعض القراءات والتسريبات فكرة أن الجزائر قد تبحث ضمن أي تسوية عن “ضمانات نهائية” لإغلاق الملفات الحدودية مستقبلًا، وهي تسريبات يظهر فيها أحيانًا تعبير “الصحراء الشرقية” في الخطاب الشعبي، إلى جانب أحاديث عن مطالب مرتبطة بكلفة الدعم الطويل للبوليساريو. وبسبب السرية المفروضة على لقاءات مدريد، تبقى هذه العناصر غير مؤكدة رسميًا، لكنها تكشف منطقًا تفاوضيًا مفهومًا: أي طرف يدخل مرحلة إعادة التموضع يبحث عن “مخرج قابل للتسويق داخليًا” لا يبدو كخسارة رمزية صافية.


نحن هنا لا نؤكد ولا ننفي، لكننا نطرح ما هو متداول إعلاميا وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، في انتظار أن توضح الحكومة حقيقة الأمر.



6)  السؤال الذي لا تريد الحكومة سماعه: من يملك حق المعرفة؟

إذا كانت الصحراء “قضية وطنية”، فهل الوطنية تعني:


أن يكون الشعب “جدار دعم” عند الحاجة؟


أم أن يكون شريكًا على الأقل في فهم المسار عندما تُطبخ التفاصيل؟


لماذا يُطلب من المغاربة الاصطفاف حين يتعقد الملف، ثم يُطلب منهم الصمت حين يدخل الملف مرحلة “الحصص” والتفاصيل التقنية والضمانات الدولية؟


هذه ليست شعبوية.. هذه حماية للوحدة الوطنية: لأن الوحدة لا تبنى على الصمت، بل على الثقة. والثقة لا تُصنع في الظلام.



خاتمة: أسئلة مشروعة… والأجوبة يكتبها الصمت

إذا كانت مدريد بداية مرحلة “التنزيل”، فأين البلاغ الرسمي الذي يشرح الإطار العام؟


من يحدد خطوط “الاختصاصات” و ”الموارد” و ”الحكامة”؟


ما هي الضمانات الدولية؟ وما هو سقف “اللجنة التقنية”؟ 


ولماذا يظل الشعب آخر من يعلم؟


حين يصمت الرسمي، يصبح السؤال فعلًا وطنيًا. لا لأننا نبحث عن الإثارة - فحبنا لوطننا يجعلنا نترفع عن ذلك - بل لأننا نبحث عن تحصين الرواية الوطنية من الفراغ الذي يقتات منه الآخرون.


ليست المشكلة في التفاوض، بل في احتكار المعرفة وإقصاء مبدأ الشورى: لأنه حين يصبح الصمت سياسة رسمية، تتحول الوطنية إلى واجب من طرف واحد.


-----------------------------

قائمة المصادر التي استند إليها المقال

قرار مجلس الأمن 2797 (2025) وتمديد ولاية MINURSO حتى 31 أكتوبر 2026.  

الإحاطة اليومية للأمم المتحدة (9 فبراير 2026) والإشارة لوجود دي ميستورا في مدريد.  

تغطية El País حول “قانون الصمت” في لقاءات مدريد.  

تغطية El País حول “خارطة الطريق” وتفاصيل المسار التقني.  

تغطية Bloomberg/Bloomberg Government حول تيسير واشنطن للقاءات مدريد.  

International Crisis Group: قراءة تحليلية لمسار مدريد والعقبات.  


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق