مناهج التفسير القديمة (02)

 

(أنواع التفسير: من الرواية واللغة إلى الكلام والإشارة)


تمهيد: التفسير القديم ليس كتلة واحدة


لا يصح النظر إلى التفسير القديم بوصفه كتلة واحدة متجانسة، كما لا يصح التعامل معه بوصفه حقيقة نهائية مغلقة لا تقبل المراجعة. فقد نشأت مناهج التفسير الأولى داخل سياق تاريخي شديد التعقيد، اختلطت فيه الحاجة إلى بيان القرآن بالحاجة إلى ضبط الجماعة، وتداخل فيه اللسان بالرواية، والفقه بالسياسة، والكلام بالعقيدة، والزهد بالذوق الروحي، ثم تحولت هذه الجهود المتعددة مع الزمن إلى تراث واسع، فيه من العلم والبيان والاجتهاد ما لا يُنكر، وفيه أيضًا من أثر المذهب والسلطة والإسرائيليات والتأويلات المتنازعة ما لا يجوز إغفاله.../...

سيكولوجيا الدَّيْن وسوسيولوجيا التديُّن: كيف أعاد القرآن صياغة العقد البشري؟

 


تمهيد


لطالما سُجن مفهوم الدين في الوعي العام داخل قفص الشعائر المكررة والطقوس الجنائزية والمظاهر الهوياتية، حتى صار في كثير من الأحيان أقرب إلى علامة انتماء اجتماعي منه إلى نظام هداية وعدل ومسؤولية. ومع مرور الزمن، تحوّل الدين في المخيال الجمعي من قوة لتحرير الإنسان وإقامة القسط إلى مجال للفرار من الواقع، أو للاختباء خلف الطقس، أو لتبرير السلطة، أو لتغذية الانقسام المذهبي.../...

مفاهيم قرآنية: المشهد النوراني الأول

 

من الطين إلى الأسماء:

 الإنسان بين نور الاستخلاف ونداء الرجوع

(مبحث ديني)


تمهيد: حين اختُزلت قصة آدم في الخلق وغاب سرّ الاستخلاف


من أكثر القصص القرآنية حضورًا في الوعي الديني قصة آدم. ومع ذلك، فإن هذا الحضور الكثيف لم يمنع أن تُقرأ القصة في الغالب الأعم قراءة جزئية، تختزلها في مسائل متفرقة: هل كان آدم أول البشر؟ وهل خُلقت حواء من ضلعه؟ وما الشجرة التي أكل منها؟ ولماذا سجدت الملائكة له؟ وهل كان إبليس من الملائكة أم من الجن؟ وهل كان السجود سجود تحية أم سجود تكريم؟ ثم تتوقف القراءة عند هذه الأسئلة، أو تدور حولها، دون أن تنفذ إلى البنية العميقة والمدهشة التي يكشفها المشهد القرآني العظيم.


لقد تعامل كثير من التفسير التراثي مع القصة بوصفها حكاية بداية الخلق على غرار السرديات الكتابية السابقة، أو واقعة غيبية مفصولة عن البناء العام لمفهوم الإنسان، بينما يفصح القرآن عن شيء أعمق: نحن أمام مشهد كوني مؤسس، لا يتحدث عن خلق جسد من طين فحسب، بل عن انتقال من البشر بوصفه كائنًا أرضيًا قابلًا للإفساد وسفك الدماء، إلى آدم بوصفه الإنسان الأخلاقي العاقل والمُعلَّم، المؤهل لحمل الأمانة، والقيام بمهمة الاستخلاف، والدخول في عالم الابتلاء والذكر ، ومن ثم الرجوع من حيث أتى ملبّيا نداء الجنة.../...

إمارة المؤمنين بميزان قرآني

 


بين الدبلوماسية الدينية وأمانة حماية السلم الإفريقي

(حين يجتمع العلماء لا لتوسيع سلطان، بل لحماية الإنسان من الغلو والعنف، يصبح الدين جسرًا للتعارف والسلم، لا راية للهيمنة أو الصراع).


تمهيد

حين يدعو المغرب إلى ندوة تجمع علماء الدول الإفريقية حول موضوع إمارة المؤمنين وامتداداتها الدينية والتاريخية في إفريقيا، فإن السؤال لا ينبغي أن يُطرح بسطحية أو استعجال:


هل نحن أمام دبلوماسية دينية تستعمل الدين في السياسة، وتوظف الشرعية الروحية لتوسيع النفوذ المغربي في القارة الإفريقية؟ أم أمام مبادرة تحمل همًا إنسانيًا، ودينيًا، وتنمويًا أعمق، لأن الإرهاب الذي يضرب إفريقيا اليوم لم يعد مجرد انحراف ديني معزول، بل صار جزءًا من معركة كبرى على السلم، والاستقرار، والتنمية، وكرامة الإنسان الإفريقي؟.../...

من حبل الله إلى حبال المذاهب والأحزاب والجماعات

 

(المذاهب والجماعات والأحزاب الإسلامية بميزان قرآني)


تمهيد

ليست المشكلة في الاختلاف، بل في أن يتحول الاختلاف إلى تفرقة في الدين، وأن يصبح المذهب أو الجماعة أو الحزب حبلًا بديلًا عن حبل الله. فالقرآن لا يلغي العقل ولا الاجتهاد، لكنه يرفض أن تُختزل الرسالة في راية مغلقة، أو أن يصبح الولاء للجماعة أقوى من الولاء للحق.


حين يفقد الناس الثقة في الدولة، وفي القضاء، وفي الإدارة، وفي النخب السياسية، يبحثون عن بديل. وحين يرى الشباب فسادًا، واستبدادًا، ومحسوبية، وتفاوتًا اجتماعيًا، وخطابًا رسميًا لا يصدقه الواقع، يصبحون أكثر استعدادًا للتعاطف مع كل صوت يرفع شعار الإصلاح، ويهاجم السلطة، ويتكلم باسم الدين والعدل والشرع.../...

العلمانية والدولة المدنية بميزان قرآني

 


الصورة: صندوق الاقتراع يرمز إلى الآليات المدنية، والكتاب المفتوح يرمز إلى العدل والأمانة والشورى والكرامة. فالدولة العادلة لا تولد من كفة واحدة، بل من ميزان يجمع الحرية بالمحاسبة، والقانون بالأخلاق، والمواطنة بالمسؤولية.



تمهيد: هل الدين شأن شخصي فقط أم ميزان لبناء المجتمع؟

حين يُطرح مفهوم العلمانية في المجال العربي والإسلامي، لا يُطرح عادة بوصفه مصطلحًا سياسيًا يحتاج إلى تحرير، بل بوصفه ساحة صراع بين مشروعين متقابلين: مشروع يريد إخراج الدين من المجال العام باسم الحداثة، ومشروع يريد إدخال الدولة في الدين باسم الشريعة. وبين هذين الطرفين تضيع أسئلة أعمق: ما الدين في الخطاب القرآني؟ هل هو علاقة شخصية فقط بين الإنسان وربه؟ أم هو أيضًا ميزان اجتماعي للعدل والأمانة والكرامة؟ وهل يمكن بناء دولة مدنية جامعة دون أن تكون دولة علمانية بالمعنى الفلسفي، ودون أن تتحول في الوقت نفسه إلى دولة دينية أو حزبية تحتكر الكلام باسم الله؟.../...

هل يولد نظام عالمي جديد من تحت ظلال الردع النووي؟

 

الدار البيضاء: موقع مغربيّ تتقاطع عنده الخرائط الجيوسياسية للنظام العالمي القادم.


ليست كل المدن سواء حين تتحول إلى مسرح للقاءات كبرى. فبعض الأمكنة لا تستقبل الأحداث فقط، بل تمنحها معنى رمزيا. والدار البيضاء واحدة من هذه المدن. فهي ليست مجرد فضاء مغربي مفتوح على الأطلسي، ولا مجرد مدينة اقتصادية كبرى، بل تحمل في ذاكرتها السياسية لحظة من أكثر لحظات القرن العشرين حساسية: مؤتمر أنفا سنة 1943، حين اجتمع قادة الحلفاء في قلب الحرب العالمية الثانية، وبدأت ملامح عالم ما بعد الحرب تتشكل من تحت دخان المعارك.../...

القرآن ومناهج القراءة: بين التفسير والتأويل (01)

 

 بين قرآنٍ يُبيّن، وتراثٍ يراكم، وفتوى تُربك، وواقعٍ يتعثّر: أين ضاع الميزان؟


تمهيد:

يعيش المسلم اليوم مفارقة موجعة. فالقرآن يقدّم نفسه بوصفه فرقانًا يميز الحق من الباطل، وهاديا يخرج الإنسان من الظلمات إلى النور، وميزانًا يقوم به العدل والقسط. غير أن الواقع في كثير من البيئات الإسلامية يبدو بعيدًا عن هذا الصفاء: اضطراب في السياسة، ضعف في العلم، فساد في العمران، انقسام في الوعي، وتدين كثيرًا ما يتحول إلى شعار، أو عادة، أو خصومة، أو أداة تبرير.


من هنا ينهض السؤال الذي لا يذوب في التاريخ: إذا كان القرآن بهذا الوضوح في مقاصده الكبرى، فلماذا يبدو الواقع الإسلامي مرتبكًا؟ وإذا كان الوحي يدعو إلى التقوى، والعدل، والشورى، والرحمة، والعلم، والإصلاح، ومحاسبة النفس وتقويم السلطة، فلماذا حضرت في تاريخ المسلمين، قديمًا وحديثًا، صور كثيرة من الاستبداد، والفساد، والجمود، والضلال، والتنازع، والخلط بين الدين والمذهب، وبين الوحي والسلطة، وبين القرآن وما قيل في القرآن؟.../...

من انهيار النظام الليبرالي إلى فوضى النظام الجديد


تحليل جيواستراتيجي: العالم في لحظة التحولات الكبرى

(حين يولد النظام الجديد من رحم الفوضى)

تمهيد

لم يعد السؤال المطروح اليوم هو: هل ما زال النظام العالمي القديم قائمًا أم لا؟ بل السؤال الأعمق هو: ما الذي بقي منه؟

فالنظام الذي وُلد بعد نهاية الحرب الباردة، وادّعى أنه يقوم على الليبرالية، واحترام سيادة الدول، وحقوق الإنسان، وحرية التجارة، والقانون الدولي، والمؤسسات الدولية، لم يكن في حقيقته منفصلًا عن بنية أحادية القطبية جعلت الولايات المتحدة مركز القرار الدولي، والحارس الأعلى لقواعد اللعبة، والمفسّر الأخير لمعنى الشرعية والقانون والتدخل والعقوبة.

غير أن هذا النظام، بشقّيه المتداخلين: الليبرالي من حيث الخطاب، والأحادي من حيث القيادة، دخل اليوم مرحلة تفكك بنيوي عميق. لم تسقط مؤسساته كلها بعد، ولم تختف أدوات قوته التقليدية؛ فلا يزال الدولار حاضرًا، ولا يزال الناتو قائمًا، ولا تزال القواعد العسكرية الأمريكية منتشرة، ولا تزال المؤسسات المالية الغربية تمارس نفوذًا واسعًا. لكن ما انهار أو كاد ينهار هو شيء أخطر من البنية الشكلية: انهارت القدرة الأخلاقية والسياسية للنظام القديم على إقناع العالم بأنه نظام عادل، أو قادر، أو صالح لإدارة التوازنات الجديدة.../...

مأزق العقيدة الجزائرية في مواجهة الصعود الأطلسي القوي والسريع للمغرب

 

(حين تتحول ورقة الانفصال إلى تهديد أمني، يصبح الردع جزءًا من حماية السيادة.)


افتتاحية 

لم يعد ملف البوليساريو ورقة ضغط جزائرية منخفضة الكلفة؛ فقد بدأ يتحول، في القراءة الأمريكية والساحلية والمغربية، إلى عبء أمني يرتبط بإيران، وتندوف، والجماعات المسلحة، وممرات الساحل، ومشاريع الطاقة، ومشروع الأطلسي. فما كان يُقدَّم لعقود بوصفه “قضية تقرير مصير”، صار يُقرأ اليوم في دوائر متزايدة بوصفه سؤالًا أمنيًا مفتوحًا: من يراقب السلاح؟ من يتحمل مسؤولية المخيمات؟ وما حدود مسؤولية الجزائر عن تنظيم مسلح يتحرك من أرضها ضد وحدة دولة جارة بدعم من إيران؟


فالمشكل في الأصل ليس البوليساريو التي هي مجرد أداة وظيفية تستغل كواجهة سياسية وديبلوماسية، بل عقدة الريادة بين دولة مغربية أصيلة، تمتلك ذاكرة تاريخية، وحضارة عريقة، ومؤسسات ممتدة، وموقعًا أطلسيًا ـ إفريقيًا صاعدًا من جهة، ودولة جزائرية حديثة النشأة، خرجت من رحم الاستعمار الفرنسي مطلع ستينيات القرن الماضي وهي تبحث عن سردية إقليمية كبرى تمنحها ثقلًا يتجاوز حدودها من جهة أخرى. لذلك وجد عسكر الجزائر في نزاع الصحراء أداة لتعطيل صعود المغرب، وفي تندوف مجالًا لإنتاج ضغط دائم على خاصرته الجنوبية والشرقية معا.../...

إلى متى سيظل المغرب يلعب دور دركي الحدود الجنوبية لأوروبا؟

 


(سبتة ومليلية جرحٌ جغرافي مفتوح في خاصرة السيادة المغربية، لا تلغيه خرائط القوة ولا يطويه صمت التاريخ.)


تمهيد: الثغرين المحتلين يمثلان اليوم ثمن الأمن الذي لا تريد إسبانيا دفعه.

ليست سبتة ومليلية مجرد مدينتين صغيرتين على الساحل الشمالي للمغرب. وليستا، في العمق، مجرد ملف حدودي قديم بين الرباط ومدريد. إنهما عقدة تاريخية وقانونية وسياسية وأمنية في قلب العلاقة بين المغرب وإسبانيا، بل في قلب العلاقة بين المغرب وأوروبا كلها.


تريد إسبانيا أن تتعامل معهما كأنهما ملف مغلق، خارج النقاش، وخارج التاريخ، وخارج منطق تصفية بقايا الحضور الأوروبي في إفريقيا. وتريد أوروبا، في الوقت نفسه، من المغرب أن يظل شريكًا أمنيًا موثوقًا، وحارسًا للبوابة الجنوبية للقارة، وسدًا أمام الهجرة غير النظامية، والجريمة المنظمة، والمخدرات، والتهديدات الجهادية القادمة من الساحل والصحراء.../...

عيد الأضحى في الميزان القرآني

 


(قصة الذبيح وبناء الشعيرة: بين القرآن والتراث)

تمهيد

كلما اقترب موسم الأضحى، عاد السؤال القديم الجديد: ما الذي يقوله القرآن فعلًا عن قصة الذبح؟ وهل شرّع القرآن عيدًا سنويًا باسم “عيد الأضحى”، أم أن الصورة المعروفة للعيد تشكلت لاحقًا عبر الرواية والسنة والفقه والممارسة التاريخية؟ وهل صرّح القرآن باسم الذبيح، أم تركه مسكوتًا عنه ليبقى مركز القصة هو الابتلاء والتسليم لا النزاع النسبي بين الذريتين؟

هذا السؤال ليس ترفًا فكريًا، ولا محاولة لنزع المعنى الروحي عن المناسبة، بل هو سؤال منهجي ضروري: ماذا قال القرآن؟ وماذا لم يقل؟ وأين ينتهي النص القرآني، وأين يبدأ البناء التاريخي والفقهي والروائي؟ .../...

في عصر الرفيق الاصطناعي.. لماذا صار الإنسان وحيدًا؟

 


(تراهم جميعا.. لكن قلوبهم شتى)


لم يعرف الإنسان في تاريخه وسائل اتصال كما يعرفها اليوم. يستطيع أن يرسل رسالة في لحظة، وأن يتكلم مع شخص في قارة أخرى، وأن يرى وجوهًا بعيدة عبر شاشة صغيرة، وأن يدخل في مجموعات لا تنتهي، وأن يتابع أخبار الناس وصورهم وأفراحهم وأفكارهم وأحزانهم ساعة بعد ساعة.. ومع ذلك، لم تختفِ الوحدة.

بل ربما صارت أكثر تعقيدًا. لم تعد الوحدة تعني بالضرورة أن يعيش الإنسان وحده، أو ألا يجد أحدًا حوله. قد يعيش وسط أسرته ويشعر بالغربة. قد يعمل بين زملاء كثيرين ولا يجد صديقًا. قد يملك مئات المتابعين ولا يجد شخصًا واحدًا يسمعه دون عجلة. قد يدخل كل يوم في محادثات قصيرة، لكنه لا يجد حديثًا واحدًا يمسّ أعماقه. هذه هي مفارقة العصر: اتصال واسع، وأُنس ضيق.../...

الفرق بين «كُتِبَ عليكم» و «فَرَضَ الله» في القرآن

 


في مراتب الإلزام القرآني وحدود الواجب والمستحب


تمهيد

من الأخطاء الشائعة في قراءة القرآن أن تُنقل المصطلحات الفقهية المتأخرة إلى النص القرآني نقلًا مباشرًا، فيُقال مثلًا: هذا فرض، وهذا واجب، وهذا سنة، وهذا مستحب، ثم يُطلب من القرآن أن يوافق هذا التقسيم كما استقر في علم الفقه. غير أن القرآن له لغته الخاصة، وله طريقته في بناء التكليف، وترتيب الأولويات، والتمييز بين ما لا يقوم الدين بدونه، وما يدخل في باب الزيادة، والتطوع، والإحسان.

ومن المصطلحات التي تحتاج إلى تحرير دقيق مصطلحا: «كُتِبَ عليكم» و «فَرَضَ الله». فهل هما بمعنى واحد؟ وهل كل ما ورد بلفظ «كُتِبَ» هو فرض لازم؟ وهل كل ما ورد بلفظ «فَرَضَ» أعلى رتبة من غيره؟ ثم ما هو الحدّ القرآني بين الواجب الذي لا يقوم الدين بدونه، وبين المستحب أو التطوعي الذي يكمل الدين ولا ينهدم أصل الدين بتركه؟.../...

المغرب الرقمي: التقنية في خدمة الإنسان أم فوقه؟

 


حين تدخل الخوارزميات إلى الإدارة والحياة العامة، يصبح السؤال الدستوري ضروريًا: كيف تبقى التقنية في خدمة المواطن لا فوقه؟


لم يعد الذكاء الاصطناعي في المغرب موضوعًا مستقبليًا، ولا ترفًا تقنيًا يخص الشركات الكبرى أو المختبرات الجامعية وحدها. لقد أصبح جزءًا من الرؤية الرقمية الوطنية، ومن الرهان الاقتصادي والإداري والاستراتيجي للمملكة في السنوات المقبلة.

فمن خلال استراتيجية «المغرب الرقمي» Maroc Digital 2030، لم يعد الحديث يدور فقط حول رقمنة الإدارة أو تسهيل بعض الخدمات، بل حول انتقال أوسع نحو اقتصاد رقمي، وإدارة ذكية، وسيادة رقمية، ومراكز بيانات، وبنية سحابية، وتكوين كفاءات، وإدماج الذكاء الاصطناعي في الصناعة والأمن والخدمات العمومية. وحين يبلغ التحول الرقمي هذا المستوى من العمق والاتساع، لا يعود السؤال تقنيًا فقط، بل يصبح سؤالًا دستوريًا أيضًا: كيف يحمي القانون الأسمى للأمة المواطن المغربي من سلطة الخوارزميات؟ .../...

فيروس هانتا: هل علينا أن نقلق أم نفهم؟

 

الخطر لا يبدأ من الهواء بين الناس، بل غالبًا من التعرض غير الآمن لمخلفات القوارض. الوقاية تبدأ بالتهوية، والترطيب، والتطهير، والتنظيف الحذر.


كلما ظهر اسم فيروس جديد في الأخبار، يستيقظ في الذاكرة خوف قديم: هل نحن أمام وباء جديد؟ هل يتكرر مشهد كوفيد؟ وهل ما يقال عن فيروس هانتا حقيقة علمية، أم موجة هلع رقمية جديدة؟


الجواب المتوازن يبدأ من هنا: فيروس هانتا ليس وهمًا، وقد يكون خطيرًا في بعض الحالات، لكنه ليس، بحسب المعطيات الحالية، تهديدًا وبائيًا عامًا يشبه كوفيد. لذلك لا نحتاج إلى الهلع، بل إلى الفهم.../...

الغذاء بين القرآن والسوق

قراءة نقدية في خطاب الدكتور العوضي ونظام "الطيبات"


تمهيد: حين يتحول الطعام إلى قضية إيمانية وشعبية

لم يكن الجدل الواسع حول الدكتور العوضي مجرد جدل طبي عابر حول البيض، أو الألبان، أو الدجاج الأبيض، أو البقوليات. لقد تحوّل الرجل، في نظر قطاع واسع من الجمهور العربي، إلى رمز لخطاب أعمق: خطاب يقول إن أزمة الإنسان الصحية ليست منفصلة عن فساد السوق، وعن التصنيع الغذائي، وعن التلاعب بما يأكله الناس، وعن الابتعاد عما سماه «الطيبات».

من هنا جاءت قوة تأثيره. فهو لم يخاطب الناس بوصفه صاحب حمية غذائية فقط، بل قدّم نفسه — أو قُدِّم في المخيال العام — كمن يعيد وصل الغذاء بالقرآن، والجسد بالفطرة، والصحة بالعودة إلى ما خلقه الله، في مقابل سوق حديثة تبيع للناس المرض في صورة غذاء.../...

خطة شاملة لحماية المعلومات الحساسة ومنع تسريبها والكشف عن مصادرها

 


تقرير تحليلي حول الأمن السيبراني، حماية البيانات، والتحقيق في مصادر التسريب

(أعده الموقع بمساعدة خبير مغربي في الأمن السيبراني بالمهجر)


تمهيد: المشكلة وخطورتها

لم تعد المعلومات الحساسة في الدولة الحديثة مجرد ملفات إدارية محفوظة داخل خوادم أو أرشيفات رقمية، بل أصبحت جزءًا من البنية السيادية للدولة، ومن رصيد الثقة بين المواطن والمؤسسة، ومن شروط الاستقرار الاجتماعي والسياسي. فبيانات الأجور، والمعرّفات الشخصية، والسجلات الاجتماعية، والوثائق العقارية، والمعطيات الصحية، والمعلومات الضريبية، وبيانات الشركات، كلها تمثل طبقات شديدة الحساسية من الحياة الخاصة والعامة في آن واحد.

وحين تتعرض هذه البيانات للاختراق أو التسريب - كما جدث أكثر من مرة في المغرب - فإن الضرر لا يبقى تقنيًا محدودًا. لأن المسألة لا تتعلق فقط بضعف خادم، أو كلمة مرور مخترقة، أو قاعدة بيانات مكشوفة، بل تتعلق بانكشاف جزء من المجتمع نفسه أمام الفضاء العام: أجور الموظفين، ممتلكات الأشخاص، علاقات الشركات، أوضاع الفئات الاجتماعية، وربما معطيات مرتبطة بمسؤولين أو شخصيات عمومية. وهنا يتحول التسريب من حادث معلوماتي إلى أزمة ثقة، ومن خلل تقني إلى مسألة سياسية واجتماعية وأمنية.../...

مالي على حافة الانفجار: الإرهاب الوظيفي وحرب النفوذ في الساحل

 


حين تتحول دولة في قلب الساحل

 إلى ساحة مفتوحة لحرب النفوذ والتمرد والإرهاب الوظيفي

لم تعد مالي اليوم مجرد اسم في نشرات الأخبار، ولا مجرد بقعة بعيدة في جغرافيا الساحل الإفريقي. لقد أصبحت مرآة مكسورة تعكس أزمات المنطقة كلها دفعة واحدة: هشاشة الدولة، وتوظيف الإرهاب، وصراع الممرات، وتنافس القوى الكبرى، وعودة الحروب بالوكالة بأقنعة جديدة. ما يجري هناك ليس حادثًا أمنيًا عابرًا، ولا مجرد تمرد محلي محدود، بل لحظة انفجار كاشفة، سقطت فيها الأقنعة، وظهرت تحت الغبار حقيقة أكثر قسوة: الساحل لم يعد هامشًا منسيًا، بل صار عقدة جيوسياسية تتقاطع فيها روسيا والغرب، الجزائر والمغرب، الجهاد والانفصال، الذهب والممرات، الدولة والفوضى. الهجمات الأخيرة في مالي، التي نُسبت إلى تنسيق بين جماعات مرتبطة بالقاعدة وفصائل طوارقية مسلحة، أعادت خلط الأوراق في البلد والمنطقة كلها، ووضعت باماكو وحلفاءها الروس أمام اختبار بالغ الخطورة.../...

بين حرية العبادة والمزايدة السياسوية بالدين

 

كيف نقرأ حادثة مراكش في ميزان الإسلام والمواطنة؟

تمهيد

أثارت واقعة صلاة زوار يهود عند سور باب دكالة بمراكش موجةً واسعة من الجدل، وتحوّل مشهد عابر في الفضاء العام إلى مادة خصبة للانفعال، وللشعارات، والتظاهرات، وللمزايدة السياسية المتدثرة بالدين. بعض الأصوات قرأته بوصفه “اختراقًا صهيونيًا”، وبعضها قدّمه كأنه إهانةٌ للإسلام أو اعتداء على هوية المغرب، مع أن أصل المسألة، في جوهرها، يتصل بسؤال أعمق بكثير: 

- كيف نفهم التعايش الديني في بلدٍ كالمغرب؟ وأين ينتهي الحق في العبادة، وأين تبدأ المزايدة الطائفية؟ 

الذي ثبت في التغطية الصحفية المتداولة أن الواقعة ارتبطت بصلاة ليهود قرب باب دكالة، ثم أعقبتها احتجاجات رفعت شعارات مناهضة للتطبيع وربطت الحدث بغزة وبالاختراق الصهيوني. لكن تحويل كل حضور يهودي في المغرب إلى “معركة هوية” ليس دليل غيرة على الدين، بقدر ما هو علامة على خلل أعمق في فهم الدين، وفي فهم الدولة، وفي فهم المواطنة نفسها.../...

من تأليه العقل إلى تأليه الدولة...

 


كيف ينتقل الإنسان من نقد الوحي إلى صناعة طاغوت جديد؟


تمهيد

ليست المشكلة الكبرى في تاريخ الفكر الحديث أنه أعاد للعقل مكانته، بل أنه – في بعض مساراته – لم يكتفِ بذلك، بل رفع العقل من مقام الأداة إلى مقام المرجع الأعلى، ثم من مقام المرجع الأعلى إلى مقام السيد الذي يحق له أن يعيد تعريف الله، والدين، والإنسان، والحرية، والخير، والشر، والغاية، والمعنى. وعند هذه النقطة لم يعد العقل نورًا يهدي إلى حسن الفهم، بل صار سلطة تؤسس العالم من جديد على صورتها، وتطلب من الوجود كله أن يخضع لمعيارها المحدود.

وهنا تبدأ المأساة الحقيقية. لأن العقل حين يتجاوز حدَّه لا يظل عقلًا بالمعنى النبيل للكلمة، بل يتحول إلى ما يشبه الدين البديل: له مقدماته المؤسسة، وله مسلّماته التي لا يُسمح بالاقتراب منها، وله منطقه الذي يحدد ما يجوز قبوله وما ينبغي رفضه، وله أخلاقه، وله تفسيره الخاص للإنسان والعالم والمصير. ثم لا يلبث هذا العقل المتأله أن يثمر سياسيًا، فتظهر الدولة الحديثة – في بعض صورها – بوصفها الوريث الأرضي لهذا المقام الذي كان للوحي: فهي التي تحدد الخير العام، وهي التي تعرّف المصلحة العليا، وهي التي تمنح الحقوق أو تقيّدها، وهي التي تفرض على الإنسان ما ينبغي أن يراه، وأن يقوله، بل أحيانًا ما ينبغي أن يخافه ويطمئن إليه.../...

دين العصر الجديد: أو سوقُ الروحانيات وسرابُ الخلاص

 


﴿هُوَ ٱلَّذِي أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ 

[الفتح: 4].

 

حين نتحدث عن دين العصر الجديد، فإننا لا نقصد دينًا مؤسسًا على كتاب واحد، ولا ملةً ذات عقيدة منضبطة وشعائر محددة، بل نقصد ذلك الخليط الواسع من المعتقدات والممارسات والتصورات التي تعد الإنسان بالخلاص عبر “الطاقة”، و“الوعي الكوني”، و“الاهتزازات”، و“الشفاء الروحي”، و“الاستنارة الداخلية”، و“الاتحاد بالكون من خلال الذبذبات”. إنه تدينٌ سائل، انتقائي، هجين، يلتقط عناصره من القبالة، التصوف الشرقي، والباطنية القديمة، والغنوصية، والعلاج بالطاقة، والتنمية الذاتية، ثم يعيد تقديمها في لغة حديثة ناعمة، فردانية، ومغرية.

وأما الصنم الكوني فليس حجرًا يُنصب في معبد، بل فكرةٌ كبرى تُرفع إلى مقام المطلق: كونٌ مؤلَّه، أو طاقةٌ غامضة تُنسب إليها القدرة على الهداية والشفاء والمنح والمنع، أو ذاتٌ بشرية تُدرَّب على أن ترى في نفسها مركز النور ومصدر الخلاص. 

وأما روحانيات السوق فهي تلك النسخة الاستهلاكية من التدين، حيث يتحول القلق إلى فرصة تجارية، والبحث عن المعنى إلى خدمة مدفوعة الأجر، والسلام الداخلي إلى منتج قابل للتسويق.../ ...

الحرب على إيران في ميزان القرآن

 



أخلاق الحرب في القرآن وحدود الشرعية القتالية

قراءة مقارنة بين الميزان القرآني والمعيار الإنساني والمصلحة السياسية


مقدمة

من أكثر ما يوقع النقاشات السياسية المعاصرة في الاضطراب أن الناس كثيرًا ما يدخلون إلى الحرب من باب الاصطفاف قبل باب الميزان. فيصبح السؤال: 

  • من نؤيد؟ 

قبل أن يصبح: 

  • بأي معيار نحكم؟ 

وهنا تضيع الفروق بين الحرب الدفاعية والحرب التوسعية، وبين رد العدوان والعقاب الجماعي، وبين الضرورة المنضبطة ومنطق الهيمنة.

وتزداد هذه الحاجة إلحاحًا حين يتعلق الأمر بالحرب الجارية على إيران، في ظل تصعيد أمريكي إسرائيلي واسع، وضربات متبادلة، واستهداف منشآت حساسة وبنى تحتية، مع حديث متواصل عن وقف إطلاق نار لم يستقر بعد، وتحذيرات من اتساع الخطر الإقليمي والاقتصادي. وتشير تقارير حديثة إلى أن القتال ما يزال مفتوحًا على احتمالات تصعيد إضافي، مع مبادرات لوقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز، من دون حسم نهائي حتى الآن.../...

من هرمز إلى سبتة ومليلية: كيف انقلبت خريطة القوة لصالح المغرب؟

 

لم تعد المسألة، في غرب المتوسط، مجرد خلافات حدودية قديمة بين المغرب وإسبانيا، ولا مجرد توتر عابر في البحر الأحمر أو الخليج. ما يجري اليوم أوسع من ذلك بكثير: تصدع في البنية الغربية نفسها، وانكشاف في موقع أوروبا داخل النظام الأطلسي، وارتقاء تدريجي للمغرب من موقع “الجار الجنوبي المزعج” إلى موقع الفاعل الجيوسياسي الذي بدأت الصحافة الإسبانية تتحدث عنه بقلق لا تخطئه العين. ويكفي أن نقرأ ما كتبته صحيفة "لا راسون" (La Razón) الإسبانية عن مزاج ترامب تجاه مدريد، وعن إمكان نقل الثقل العسكري الأمريكي من إسبانيا إلى المغرب، وعن الأصوات الأمريكية التي بدأت تتكلم علنًا عن سبتة ومليلية بوصفهما ملفًا غير مغلق، حتى ندرك أن إسبانيا لم تعد تخاف فقط من المغرب، بل من تبدل قواعد اللعبة التي كانت تحتمي بها .../...

مفهوم الأمانة في القرآن.. والفرق بينها وبين العهد والميثاق والحق

 

(الأمانة: اختبار الإنسان فيما استخلف فيه بميزان الحق)


سؤال صادم:

لماذا يربط القرآن بين الإيمان وبين الأمانة ربطًا حاسمًا، حتى يجعل خيانتها علامة انهيارٍ داخلي لا مجرد خطأ سلوكي؟

ولماذا تُذكر الأمانة مع العهد في موضع واحد: ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾؟


جواب القرآن: 

لأن الأمانة في القرآن ليست مجرد شيءٍ تُعيده إلى صاحبه، بل هي مبدأ شامل: كل ما أُودِع عندك من حق، أو تكليف، أو قدرة، أو ولاية، أو شهادة، أو مسؤولية، فأنت مؤتمن عليه.


فإذا أديته بالحق كنت أمينًا، وإذا حرّفته أو ضيّعته أو استغللته كنت خائنًا، ولو كنت في أعين الناس ذكيًا أو ناجحًا أو قويًا.../...

موقع المغرب من حرب الممرات المائية

 


هل يتحول الاضطراب في المشرق إلى فرصة بالنسبة للمغرب؟


تمهيد: حين تضطرب المضائق الشرقية… يتغير وزن الجغرافيا الإقتصادية

في الحروب الكبرى، لا يستفيد الأقرب إلى النار دائمًا، بل قد يستفيد أحيانًا من يقف بعيدًا عنها لكن في موقع العبور البديل. وهذا بالضبط ما يجعل المغرب حاضرًا في الحسابات الجديدة التي فرضتها حرب الممرات في الشرق الأوسط. فحين يختنق هرمز، ويتعطل باب المندب، وتتردد الشركات في العودة الآمنة إلى خطوط الملاحة الشرقية عبر قناة السويس، يبدأ العالم في إعادة النظر في مساراته البحرية واللوجستية، وفي الموانئ التي يمكن أن تتحول من مراكز إقليمية إلى عقد استراتيجية في خريطة التجارة الدولية الجديدة.../...

مستجدات الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران

 

هذه ليست حرب صواريخ فقط…

 بل حرب على من يملك كسر التوازن بين الردع والطاقة والمضائق.


تمهيد: لم تعد المنطقة تعيش أزمة عابرة… بل إعادة تشكيل بالقوة

هذه الحرب لا تسأل: من يملك القوة؟ بل تسال: من يملك خنق العالم من بوابة المضائق؟

لأن ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لم يعد مجرد جولة توتر جديدة بين تحالف أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة ثانية، ولا استمرارًا تقليديًا لـ ”حرب الظل” التي حكمت المنطقة لسنوات. منذ الضربات الواسعة التي بدأت في 28 فبراير، دخلت المواجهة طورًا مختلفًا: الحرب لم تعد تدور فقط في الأطراف، بل صارت تضرب العمق، وتعيد وصل الملف النووي بأمن الخليج، وبالممرات البحرية، وبأسعار الطاقة، وبالأسواق العالمية في الوقت نفسه. ولهذا لم يعد السؤال هو: من يملك التفوق العسكري النظري؟ بل: من يستطيع أن يفرض على الآخر كلفة لا تُحتمل قبل أن يُجبر هو نفسه على التراجع؟  .../...

الرسول والنبي في القرآن: كيف صُنعت سلطة دينية تزاحم الوحي؟


حين يحتكر البشر مفاتيح المعنى، لا يعود الوحي هدايةً للناس.. 

بل يصبح "رهينة معبدٍ" يحرسه الكهنة.


تمهيد: السؤال الحارق:

إذا كان الله قد أكمل الدين، وأتم نعمته على العالمين، وأنزل الكتاب مفصلا بالحق، ولم يفرط فيه من شيء بل جاء تبيانا لكل شيء:

- فلماذا لم يعد القرآن وحده، عند كثيرين، كافيًا في مقام التشريع؟

- وكيف تحوّل من النص المؤسِّس إلى مجرد “أصل أول”، ثم أُلحق به “أصل ثانٍ” و“أصل ثالث” و“أصل رابع”، حتى صار البناء الفقهي التاريخي عند الناس أقوى حضورًا من الوحي نفسه؟

- ثم من أين بدأ هذا الخلل أصلًا؟

- هل بدأ مع وضع منظومة أصول التشريع الفقهية؟

- أم بدأ يوم اختلط على الناس معنى الرسول ومعنى النبي؟ .../...

لا نريد إحراق التراث… نريد فقط أن نسقط عرشه

 

(ميثاق القراءة ومنهج المقارنة.. سياسة المصدر وحدود الاحتجاج)

  •  إن أخطر ما أصاب هذه الأمة: ليس هجر تلاوة القرآن، بل هجره مرجعيةً وسيادةً، حتى صار كثيرون يرفعونه تاجا فوق رؤوسهم، ويزعمون أنه دستورا ينظم حياتهم،  ثم يحكمون بغيره.

مدخل: حين يصبح النص المؤسِّس آخرَ ما يُرجع إليه

ليست المشكلة الكبرى في أن يختلف الناس في الفهم، فذلك من طبيعة النظر البشري، ولا في أن يخلّف التاريخُ تراثًا واسعًا من الشروح والمدونات والاجتهادات، فذلك أيضًا أمر مفهوم في كل أمة.


المشكلة تبدأ حين يختلّ ترتيب المقامات: حين يبقى القرآن في مقام التعظيم اللفظي، بينما تُنقل سلطة الحُكم والتشريع والتوجيه العملي إلى خارجه.

هناك لا نكون أمام “تراث” فقط، بل أمام شيء أشد خطورة: إعادة تشكيل الدين من داخل الدين، حتى يصبح النص المؤسِّس حاضرًا في التلاوة، غائبًا في السيادة، وتصبح المرجعيات البشرية هي الحاكم العملي الفعلي، ولو بقي المصحف مرفوعًا فوق الرؤوس.../...

مفهوم الهُدى والضلال في القرآن

 

كيف يعمل القرآن كخريطة طريق؟ وما معنى الانحراف عنها؟


افتتاحية

إذا كانت الفطرة بوصلة داخلية، فلماذا يضلّ الناس؟

وإذا كان الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فلماذا يُختبر الإنسان؟

ثم إذا كان القرآن هدى، فلماذا لا يهتدي به كل من يقرأه؟


القرآن يجيب بمنطقٍ واحد: الهداية ليست “معلومة” تُقرأ، بل “مسار” يُسلك؛ والضلال ليس نقص نصٍّ، بل اختلال ميزانٍ داخلي يفسد الاستجابة.../...

التوحيد وأنماط الانحراف

 

التوحيد يعني تحريرٌ للقلب من كلِّ تأليهٍ زائف: 

«المال، الهوى، الرمز… فلا معبودَ بحقٍّ إلا الله».


السؤال الحارق: 
كيف يقع الشرك في أمةٍ تُردّد «لا إله إلا الله» صباح مساء، ثم تمارس، من حيث تدري أو لا تدري، تقديسًا لغير الله؟

تمهيد: الشرك ليس صنمًا من حجر… بل صنمٌ من معيار
أكبر خطأٍ ورثته المخيلة الدينية هو حصر الشرك في صورة بدائية: رجلٌ يعبد حجرًا. القرآن نفسه يهدم هذا الاختزال؛ لأنه يعالج الشرك بوصفه انحرافًا معرفيًا وأخلاقيًا وسياسيًا: صناعة مرجعيات بديلة تُنافس الله في حقه الأعلى.

ولهذا لا يكفي أن تقول: أنا لا أسجد لصنم».. الامتحان أعمق :
لمن تكون الطاعة العليا؟
من يحدد الحق والباطل في ضميرك؟
ما المرجعية التي تُسكتك حين تعلم أنك ظلمت؟
ما الذي يملك قلبك عند الخوف والرجاء؟

هنا يُكتشف الشرك الخفي، وتظهر الأنداد والطواغيت لا كأسماءٍ خارجية، بل كأنظمة معيارية تحكم الإنسان من الداخل والخارج.../...

العقل في القرآن: من هندسة السماء إلى ميزان العقل

 


{وَرَفَعَ السَّمَاءَ وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} (الرحمن: 7)

تمهيد: 

لا يبدو الوجود في الرؤية القرآنية مجرد ركام من المادة أو صدفة من الحركة، بل هو تجسيد حي لمنظومة محكمة من التوازن والتقدير. وعندما يقرر الخالق في كتابه الحكيم حقيقة "وَرَفَعَ السَّمَاءَ وَوَضَعَ الْمِيزَانَ"، فهو لا يخبرنا فقط عن قوانين الفيزياء التي تحفظ الأجرام في مداراتها، بل يضع بين أيدينا "القانون الكلي" الذي يحكم الوجود بأسره من عرشه إلى فرشه.

إن اقتران "رفع السماء" بـ "وضع الميزان" هو إشارة بليغة إلى أن التوازن الذي يحفظ اتساق الكون العلوي، هو ذاته التوازن الذي ينبغي أن يحكم حياة الإنسان في الأرض. فالميزان هنا ليس أداة مادية فحسب، بل هو "العقل" الذي أودعه الله في النفس البشرية ليكون القسط هو الحاكم في كل حركة وسكنة تحقيقا للعدل.../...

مراحل العمر بميزان القرآن وعلم النفس

 


القرآن لا يقيس “العمر” بالسنين… بل بتبدّل الفتن وجريان السنن


مدخل:

في الوعي الشائع تُقاس الحياة بالأعمار: طفولة، شباب، نضج، كهولة، شيخوخة، فأرذل العمر. كأنها محطات بيولوجية فقط. أمّا القرآن فيقرأ العمر قراءةً أعمق: مسار ابتلاءٍ تتبدّل فيه الفتنة بتبدّل المرحلة، بينما يبقى ميزان الهداية ثابتًا.

ليست المشكلة أن الإنسان “يتغيّر”؛ المشكلة أن مركز القرار في داخله (القلب/النفس) قد يبدّل مرجعيته مع كل انتقال: مرة تُغريه المتعة، ثم الصورة، ثم الإنجاز، ثم المال والامتداد… حتى يظن أنه يترقى، وهو في الحقيقة قد ينتقل من فتنة إلى أخرى.../...

يتامى الإمام.. كيف يتم الاصطفاف السياسي باسم التعاطف الديني؟

 

«حين تُستعمل فلسطين قناعًا… لتمرير ولاءٍ عابرٍ لمرجعية معادية للوطن»

مدخل: بين ميزان القرآن وفتنة الولاءات العابرة: حين يتحول التعاطف إلى تجنيدٍ رمزيّ ضد الوطن. وحين يستغل الدين للدفاع عن نظام ولاية كهنوتية، تصبح طنجة عنوانا ومسرحا لتبديل الولاء.


تمهيد: حين يتحوّل “الدين” إلى بوابة اختراق سياسي

منذ الضربة التي أودت بحياة القيادة الإيرانية السبت الماضي، بدأت في طنجة مجموعات من الشباب تخرج في تظاهرات داعمة لإيران، رافعةً (في بعض اللقطات) أعلام إيران وفلسطين معًا، مع كرّ وفرّ في الشوارع والأزقة التفافًا على تدخلات الشرطة. المشهد لا يمكن اختزاله في “تفاعل عاطفي” مع حدث خارجي؛ لأن التعاطف مع المظلومين من فطرة الرحمة. لكن حين تتحول العاطفة إلى ولاء سياسي، ومذهبي لدولةٍ خارجية تكن العداء للمغرب، وتُلبَّس بلباس فلسطين، فنحن أمام شيء أخطر: هندسة تأثير تحاول إعادة تشكيل الوعي داخل المغرب تحت عنوان “الدين" و"مظلومية الشعوب".../...

كيف قتلت خوارزميات الفناء القيادة الإيرانية

 


حين تصبح البيانات أبلغ من الخرسانة: نهاية عصر المخابئ وبداية “الشفافية القاتلة”.


تمهيد: حين تتكلم الأكواد ويصمت الرصاص

(تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الفائق تنهي زمن الخرسانة… وتدشن زمن انكشاف القيادة).

في الحروب القديمة كان الاختباء لعبةَ الجغرافيا: نفقٌ أعمق، جدارٌ أثخن، حراسةٌ أكثر. أمّا في حروب 2026، فالاختباء صار لعبةَ البيانات: من يترك أثرًا رقميًا، ولو ضئيلًا، يصير “مرئيًا” مثل مصباح في ليلٍ أسود. هذه هي الشفافية القاتلة: أن تتحول السرية إلى وهم، وأن يغدو “المخبأ” نفسه فخًا؛ لأن الخوارزمية لا ترى الخرسانة… بل ترى الأنماط.

خلال الأشهر الماضية ظهرت تقارير متعددة عن تصاعد دور أنظمة الذكاء الاصطناعي في توليد الأهداف وتسريع دورة الاستهداف، مع جدل أخلاقي واسع حول تقليص الإشراف البشري. هذا السياق وحده يفسّر لماذا صار الناس يسألون بقلق: هل يمكن أن تتوسع الحرب إلى عالمية؟ لأن سرعة القرار في زمن “الآلة” قد تتجاوز قدرة السياسة على الفرملة.../...

ذكاء بلا حكمة: يُحوّل الخوارزميات إلى سلطة؟

«حين يسبق الذكاءُ الحكمةَ.. يسقط تاج الكرامة»


لم يعد السؤال اليوم: هل الذكاء الاصطناعي ذكي؟

بل صار السؤال الأكثر خطورة: هل “الذكاء” يكفي حين تغيب “الحكمة”؟

وكيف نتفادى كارثة مستقبل شديد الذكاء.. لكنه بلا معنى؟


إن التحدي الذي سيواجهنا ونحن نطرق أبواب المستقبل بعنف هو: هل سنظل نملك “الحكمة” التي تُحسن توجيه هذه القوة؟


لأن الذكاء في جوهره،  قدرة على معالجة البيانات، أما الحكمة فهي قدرة على قراءة المآلات: أي أن ترى النهاية وهي لا تزال في بذرة البداية، وأن تُميّز بين “ما يمكن فعله” و ”ما يجب فعله".../...

رمضان ليس “شتنبر”… والأمة لا تصوم وتفطر خارج التوقيت

 


(تفكيك موجةٍ مغالطات رائجة حول رمضان والحج)


مدخل: حين يتحول الدين إلى “ترند”

في كل رمضان يظهر نوعٌ جديد من “الفتاوى الفيروسية”: شخص يلتقط كلمة، يبني عليها قصة لغوية مثيرة، ثم يقفز منها إلى حكمٍ تشريعي واتهامٍ للأمة كلها. والنتيجة ليست تصحيحًا، بل فوضى تخلط بين اللغة والفلك والتاريخ والعبادة… ثم يُقدَّم الخلط على أنه “عودة إلى القرآن". هذه المقالة لا تدافع عن عادةٍ لمجرد أنها عادة، ولا تهاجم الناس لمجرد أنهم تساءلوا؛ بل تضع كل دعوى في ميزانها: القرآن ماذا يقول؟ اللغة كيف تعمل؟ الفلك ماذا يثبت؟ التاريخ ماذا يشهد؟ ... ثم أين يتسلل “الاقتطاع” ليصنع فتنة؟ .../...

الصيام في المغرب: حين يتحوّل “ميزان التقوى” إلى معركة على الألفاظ…

 


“بين شيخٍ يُفتي، وتنويريٍ يقتطع، وشرطيٍ يعتقل… تضيع وظيفة الصيام: {لعلكم تتقون}”.

تمهيد

في رمضان من هذه السنة، لم يعد الجدل حول الصيام جدلَ تزكيةٍ وتقوى، بل صار سوقًا صاخبًا لثلاث فوضى متداخلة: فوضى تأويلٍ يقتطع الآيات ليهدم الفريضة، وفوضى فقهٍ يضيف “عقوبات” لم يذكرها القرآن، وفوضى سلطةٍ تُحوّل العبادة إلى ملف جنائي. والنتيجة عبثية: فريقٌ يريد صيامًا بلا تكليف بحجة “كتب عليكم”، وفريقٌ يريد تكليفًا بلا ميزان فيصنع كفارات وسجونًا، بينما القرآن يتحدث عن شيء آخر تمامًا: صيامٍ يحرّر الإنسان من وهم العجز ووهم الاستقلال، ويعيد الدين من الشعار إلى المعيار.../...

إسبانيا والمغرب عند المضيق: حسابات الردع وموانع الجغرافيا والاقتصاد

 


(ما قالته وما لم تقله La Razón حول توازن الردع في مضيق جبل طارق)

تمهيد

 نشرت صحيفة La Razón الإسبانية صباح اليوم 23 فبراير 2026 تقريرًا بعنوان: “España y Marruecos: radiografía de dos ejércitos que se miran de frente en el Estrecho” قدّمت فيه “صورة إشعاعية” بالأرقام لميزان القدرات العسكرية بين البلدين في فضاء المضيق وبحر البوران.


وتأتي أهمية هذا التقرير من كونه يرصد - من زاوية إسبانية - التحول المتدرّج في بنية التسلح المغربي، ويقارنه بالقدرات الإسبانية التقليدية، خصوصًا في المجال البحري والجوي، داخل منطقة تُعدّ من أكثر الممرات المائية حساسية في العالم.../...

لماذا نصوم؟

 


﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

(البقرة: 183)


1) من أين نعرف غاية العبادات؟

كلما تعلّق الأمر بفريضة من فرائض الله، كالصلاة والزكاة والحج والصيام، نجد في الثقافة الشائعة ميلًا إلى تحويل العبادة إلى “تفاصيل تقنية” لا تنتهي: ماذا يفطّر؟ ما الذي يبطل؟ ما الذي يُكره؟ وما الذي يوجب قضاءً أو كفارة… ثم يصبح الدين كأنه ملف إجراءات، لا مشروع هداية.

والإشكال ليس في وجود أحكامٍ تنظّم العبادة، بل في أن تتحول هذه الأحكام إلى مركز الدين، وأن يُقال للناس ضمناً: إن معرفة مقاصد التشريع لا تُدرك إلا عبر طبقات من المرويات، بينما القرآن نفسه هو كتاب التشريع والهداية والتعليل؛ يذكر الفرض ويذكر غايته، ويضع القاعدة ويكشف المقصد، لأن المشرّع هو الله وحده: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾.../...