ترامب بعد زلزال الانتخابات النصفية: هل تعيد حرب إيران تشكيل النظام الدولي؟

 

تحليل جيوستراتيجي

 في مستقبل القوة الأمريكية والتحالفات الدولية



تمهيد: انتخابات أمريكية بأسئلة دولية


لم تكن الانتخابات النصفية الأمريكية التي جرت في الثالث من نوفمبر 2026 مجرد منافسة تقليدية على مقاعد مجلسَي النواب والشيوخ، اللذين يتكوّن منهما الكونغرس الأمريكي، ولا مجرد اختبار لشعبية الرئيس دونالد ترامب بعد عامين من عودته إلى البيت الأبيض. فقد جرت في ظرف استثنائي تتداخل فيه حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران مع أزمة الطاقة العالمية، وتفاقم الخلافات الأمريكية الأوروبية، واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد المنافسة الاستراتيجية بين واشنطن وبكين.


وقد أفضت الانتخابات إلى انتقال السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ إلى الديمقراطيين، في تحول يعيد توزيع السلطة بين البيت الأبيض والكونغرس خلال النصف الثاني من الولاية الرئاسية. والمفارقة أن ترامب نفسه أقر بأن حرب إيران كانت أحد العوامل التي ساهمت في خسارة حزبه.../...

انتفاضة الشعوب وسُنّة التدافع

 


من خراب العمران إلى أزمة العدالة في عالم مضطرب


تمهيد: حين يصبح السؤال أكبر من الأسعار


حين يسأل الناس: لماذا يحدث ما يحدث؟ تكون الإجابات الأولى حاضرة أمام العين: غلاء المعيشة، وارتفاع كلفة السكن والمحروقات، والبطالة، وتراجع الخدمات، وتعثر التعليم. وهذه ليست أوهامًا ولا ذرائع؛ إنها أعباء يومية ملموسة. لكن السؤال الذي تفرضه موجات الاحتجاج المتزامنة يتجاوز تعداد الأعباء: لماذا تتكرر هذه الأزمات، ولماذا يشعر جيل كامل أن المستقبل يبتعد عنه كلما ازداد تعليمه واتسعت معرفته بالعالم؟


هنا تبرز العدالة الاجتماعية بوصفها الجذر الذي تتصل به تلك الوقائع. فغلاء السكن، مثلًا، لا يُفهم من سعر الإيجار وحده، بل من موقع السكن في اقتصاد صار فيه أصلًا ماليًا، ومن توزيع الدخل والثروة، ومن قدرة الأجيال الجديدة على امتلاك نصيب من المدينة التي تعمل فيها. والبطالة لا تقتصر على غياب العمل، بل تمتد إلى اختلال الصلة بين الجهد والاستحقاق، وبين المؤهل والفرصة. لذلك قد تكون المعيشة وجه الأزمة الظاهر، فيما تكمن أعمق طبقاتها في شعور الناس بأن قواعد توزيع الفرص والموارد لا تنصفهم، وأن المؤسسات لا تسمعهم.../...

الصحراء المغربية: ماذا بعد انتهاء ولاية المينورسو؟

 

خيارات المغرب بعد الفيتو الروسي


لم يكن ما جرى في مجلس الأمن مجرد تعثر إجرائي في تجديد ولاية بعثة المينورسو. فقد كشف تصويت 30 أكتوبر 2026 عن انتقال ملف الصحراء إلى مرحلة أكثر صراحة في التنافس الدولي: روسيا أسقطت مشروع القرار الأمريكي، ثم أخفق المشروع الروسي البديل في الحصول على الأصوات اللازمة. وبانتهاء 31 أكتوبر، انتهت الولاية القانونية للبعثة من دون تجديد. 


وفي 1 نوفمبر، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أن المينورسو أوقفت عملياتها وأن فترة تصفيتها بدأت، من دون تحديد جدول زمني لإنجاز الانسحاب. وهكذا بدأ المسار الإداري لإنهاء البعثة، فيما بقيت كيفية تنفيذ الانسحاب ميدانيًا وملف النزاع السياسي مسألتين منفصلتين.../...

بعد الفيتو الروسي: قضية الصحراء إلى أين؟


 من تعثّر القرار إلى تثبيت المصالح على الأرض


لم تكن جلسة مجلس الأمن في 30 أكتوبر 2026 مجرد تصويت دوري على تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء. فقد انتهت إلى مشهد غير مألوف: مشروع أمريكي يسقط بالفيتو الروسي، ثم مشروع روسي بديل لا يحصد الأصوات اللازمة، فتدخل البعثة يومها الأخير من دون ولاية مجددة. وبين المشروعين، انكشف خلاف عميق حول مستقبل المسار الأممي، وحدود ما تستطيع القوى الكبرى فرضه أو تعطيله.


لكن السؤال لا يقف عند: من عطّل القرار؟ بل يمتد إلى ما بعد التصويت: هل دخل النزاع مرحلة جديدة تتراجع فيها إدارة الأمم المتحدة، بينما تتقدم سياسة تثبيت المصالح والتحالفات على الأرض؟ وهل يستطيع المغرب تحويل هذا التعثر إلى فرصة لإعادة صياغة واقع الملف، أم أن غياب التوافق الدولي سيترك المنطقة أمام فراغ يزيد احتمالات التوتر؟.../...

من الوحي إلى الخوارزمية: حدود المعرفة الدينية في عصر الذكاء الاصطناعي

دراسة

متى يكون ما ينتجه الذكاء الاصطناعي مجرد إعادة صياغة لما لقّنه الإنسان، ومتى يصبح تحليلًا مستقلًا نسبيًا للنص، وما القيمة المعرفية التي يجوز عندئذ نسبتها إلى هذا التحليل؟


تمهيد: حين دخلت الخوارزمية مجال المقدس


لم يعد حضور الذكاء الاصطناعي في المجال الديني مقتصرًا على البحث عن آية، أو ترجمة نص، أو الوصول السريع إلى فتوى محفوظة في قاعدة بيانات. فمع انتشار النماذج التوليدية، أصبح في مقدور المستخدم أن يطلب من الآلة شرح عقيدة، أو الدفاع عنها، أو نقدها، أو تفسير نص مقدس، أو مقارنة تأويلات مختلفة، أو بناء خطاب دعوي كامل موجه إلى فئة محددة من الناس. وبذلك انتقل الذكاء الاصطناعي تدريجيًا من وظيفة استرجاع المعرفة الدينية إلى المشاركة في إعادة صياغتها وتقديمها وترتيب حججها، وأحيانًا إنتاج استنتاجات جديدة انطلاقًا منها.


وقد بدأ هذا التحول يترك أثره في طبيعة تلقي الخطاب الديني نفسه. فالمتلقي الذي كان يعرف في السابق أنه يستمع إلى شيخ أو فقيه أو قس أو داعية، ويستطيع بالتالي أن ينسب الكلام إلى صاحبه ومدرسته ومذهبه، أصبح أمام خطاب تصدره آلة تبدو، في ظاهرها، مجردة من الانتماء المذهبي والمصلحة الشخصية والانفعال الديني. ومن هنا نشأ انطباع جديد لدى بعض المستخدمين: أن ما يقوله الذكاء الاصطناعي قد يكون أقرب إلى الحكم المحايد، لأنه لا يؤمن بعقيدة يدافع عنها، ولا ينتمي إلى تيار أو طائفة أو مذهب أو مؤسسة أو جماعة دينية يحمي سلطتها، ولا يتبنى أيديولوجيا يروّج لها، ولا يخشى مخالفة الموروث.../...

مِنَ المُلْكِ إِلَى المَلَكُوتِ: اتِّسَاعُ الكَوْنِ، وحدود المعرفةِ الإنسانية

 

سؤالٌ يتجاوزُ الإنسانَ


حين نتأمل اتساع الكون، بما يضم من مليارات المجرات وتريليونات النجوم والكواكب والأجرام، ينهض سؤال يتجاوز وصف نشأته وحركته مقارنة مع نشأة الإنسان وموقعه على هذا الكوكب الصغير المسمى "الأرض": ما غاية هذا الخلق الواسع؟ وإذا كانت العبادة غاية خلق الجن والإنس، كما يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، فهل يلزم من ذلك أن يكون هذا الكون الشاسع كله قد خُلق من أجل الإنسان وحده؟


قد يتضمن السؤال افتراضًا خفيًا: أن ما لا نعرف صلته المباشرة بنا لا بد أن يكون زائدًا أو بلا غاية. لكن هذا الافتراض يجعل الإنسان مركز الخلق ومقياس الوجود، مع أن القرآن يذكّره بأن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: 57]. فالإنسان مخاطَب ومسؤول، لكنه ليس بالضرورة مركز كل غاية في الخلق.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: القراءة الاستشراقية للقرآن والإسلام (12)

 

حين يُحاكم الوحي من خلال التاريخ والفقه وسلوك المسلمين


من القراءات التي لا يمكن تجاوزها في دراسة مناهج التفسير المعاصرة القراءة الاستشراقية للقرآن والإسلام. فهي لم تكن مجرد قراءة أكاديمية خارجية، بل كانت، في مراحل كثيرة، قوة معرفية كبرى ساهمت في تشكيل صورة الإسلام في الوعي الغربي، ثم أثرت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في بعض القراءات العربية الحديثة التي درست القرآن والتراث من داخل مفاهيم التاريخ، والثقافة، والسلطة، والنص، والخطاب، والأنسنة.


ولا ينبغي أن نتعامل مع الاستشراق بوصفه كتلة واحدة. فقد وُجد فيه باحثون جادون، ولغويون دقيقون، ومحققون خدموا المخطوطات، ودارسون بذلوا جهدًا في فهم التاريخ الإسلامي واللغة العربية والنص القرآني. لكن وُجد فيه أيضًا اتجاه واسع قرأ الإسلام من داخل خلفيات لاهوتية أوروبية، أو سياقات استعمارية، أو مركزية غربية، أو رغبة في تفسير الإسلام بوصفه ظاهرة تاريخية وثقافية لا وحيًا إلهيًا. ومن هنا وجب التفريق بين الاستفادة من بعض الجهد العلمي، وبين التسليم بالمقدمات التي حكمت كثيرًا من القراءات الاستشراقية.../...

معاش الأرامل في مالية 2027

 

ماذا عن الرجال الذين فقدوا زوجاتهم؟


أعاد الإعلان عن رفع معاش الأرامل من 50 إلى 100 في المائة، ابتداء من يناير 2027، الأمل إلى أسر تعتمد على معاش الزوج المتوفى لتأمين ضروريات العيش. ووفق ما أعلنه فوزي لقجع عند تقديم مشروع قانون المالية، يرتقب أن يستفيد من الإجراء نحو 431 ألف أرملة. غير أن الإعلان، بصيغته المتداولة، ترك سؤالًا يحتاج إلى جواب صريح: هل تشمل الزيادة الرجال المستحقين لمعاش زوجاتهم المتوفيات، أم تقتصر على النساء فقط؟  SNRT News


هذا السؤال يمس حياة أشخاص فقدوا شريك العمر وموردًا أساسيًا للعيش في الوقت نفسه. فقد يكون الأرمل رجلًا مسنًا، لا يتوفر على معاش شخصي أو دخل منتظم، ويعاني مرضًا مزمنًا أو ضعفًا يحول دون العمل. وبعد وفاة زوجته الموظفة، تستمر حاجته إلى الطعام والسكن والكهرباء والتنقل والأدوية والفحوص الطبية، وقد تضاف إليها مصاريف المساعدة المنزلية أو الرعاية اليومية.../...

الجزائر في النيجر: حماية المصالح أم أزمة نفوذ ؟

 

قراءة في القرار وحدوده ومخاطر اتساع المهمة


لم يعد إرسال الجيش الجزائري إلى النيجر مجرد احتمال. فقد استكمل البرلمان الجزائري، يوم الأحد 25 أكتوبر 2026، الموافقة على القرار الرئاسي، بعد تصويت المجلس الشعبي الوطني عقب مجلس الأمة. وبذلك انتقل النقاش من سؤال الوجهة إلى سؤال الجدوى: ماذا تريد الجزائر أن تحمي، وما حدود المهمة، وكيف تتجنب تحويل انتشار تقدمه باعتباره محدودًا إلى التزام يصعب إنهاؤه؟  www.aa.com.tr


لا تكفي للإجابة استعادة عنوان مكافحة الإرهاب. فالتهديد المسلح في الساحل حقيقي، لكن حقيقته لا تمنع إدراجه ضمن حسابات النفوذ والطاقة والتحالفات. والمطلوب قراءة القرار داخل شبكة العلاقات المحيطة به: هشاشة السلطة النيجرية، والمصالح الجزائرية المتنامية، واضطراب جنوب ليبيا، والمنافسة الإقليمية على الشراكات والممرات الاقتصادية، وتعدد القوى الخارجية الحاضرة في المنطقة.../...

حين تتحول المنصات إلى أدوات للتضليل والتحريض

 

حرية النقد ومسؤولية الكلمة في المجال العام المغربي


لم يعد النقاش العمومي يجري عبر المؤسسات السياسية والصحافة المسؤولة وحدهما؛ فقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي للأفراد التعبير والنشر والتعليق، وكشف مشكلات قد لا تجد طريقها إلى القنوات التقليدية. وهذه الإمكانية توسع المشاركة، لكنها تطرح سؤالًا عن شروطها: كيف نميز بين المعلومة والادعاء، وبين النقد والتشهير، وبين الدعوة إلى التغيير والتحريض على الاعتداء؟ وكيف نحافظ على حرية التعبير حين تصبح الكلمة قادرة على إلحاق ضرر يتجاوز صاحبها ومخاطَبيه المباشرين؟


تكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة في المجال المغربي، حيث تتجاور انتظارات اجتماعية مشروعة وخلافات سياسية وفكرية مع تنافس على التأثير وجذب الجمهور. وفي هذا السياق، يحتاج تقييم الخطاب الرقمي إلى معيار يتيح مساءلة السياسات والمسؤولين، ويكشف في الوقت نفسه اختلاق الوقائع وتحريف الأقوال واستعمال الإهانة والتخوين بدل الحجة. فحق الاعتراض لا يمنح صاحبه حصانة من النقد، كما أن حماية الاستقرار لا تعفي المؤسسات من تقديم المعلومة والإجابة عن الأسئلة وتحمل المسؤولية.../...

الهجرة في الاتجاه المعاكس

 

كيف نجعل الوطن بيئةً للحق والثقة والاستحقاق؟


لماذا يستطيع الإنسان أن يلتزم في بلد الهجرة بقواعد قد يتساهل في احترامها داخل وطنه؟ وكيف يصبح أكثر حرصًا على الموعد، وانضباطًا في العمل، واحترامًا للطابور والمجال العام، من دون أن تتغير قدراته أو يُستبدل تكوينه؟ يفتح هذا السؤال بابًا لفهم العلاقة بين الفرد والمؤسسة، لكنه يضعنا أيضًا أمام سؤال يخص أوطاننا: إذا كان تغيير البيئة قادرًا على تعديل السلوك، فلماذا يظل الرحيل إحدى الوسائل التي يبحث بها الإنسان عن شروط أفضل لحياته؟ ولماذا لا نعمل على بناء هذه الشروط حيث وُلد المواطن وحيث يرغب في البقاء؟


بهذا المعنى، يمكن التفكير في «الهجرة في الاتجاه المعاكس»: أي أن نجعل المؤسسات والخدمات والفرص التي يقصدها الناس بالهجرة قابلةً للتحقق داخل الوطن. فبقاء المواطن في وطنه أو عودته من ديار المهجر، على أهميتها، لا تكفي إذا عاد إلى شروط تُعطل كفاءاته وتستنزف وقته وتضعف ثقته. أما حين يتقدم الحق على الامتياز، وتصبح الكفاءة طريقًا فعليًا إلى الفرصة، فإن البقاء بدل الرحيل يكتسب معنى جديدًا، وتصبح الهجرة داخل الوطن كما العودة بالنسبة للمهاجر من بلاد الغربة اختيارًا يمكن أن يسنده الواقع إلى جانب الحنين.../...

مشروع مالية 2027: ماذا تموّل الحكومة؟

 


هل تبدأ الدولة الاجتماعية بتقليص المسافة بين المغربين؟


قراءة أولية

تعتمد هذه القراءة على المعطيات المنشورة عند تقديم المشروع، وعلى تصريحات وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية كما نقلتها التغطيات الصحافية. وبعد تعذر الاطلاع المباشر على الحزمة الرسمية كاملة، تبقى مطابقة الأرقام والمواد مع النص والجداول الأصلية مرحلة لازمة قبل اعتماد التحليل النهائي.


لا تكمن أهمية مشروع قانون المالية لسنة 2027 في أنه أول اختبار مالي للحكومة الجديدة فحسب، وإنما في أنه يضع العلاقة بين النمو والعدالة الاجتماعية أمام سؤال عملي: هل تستطيع الدولة أن تنقل سرعة إنجاز المشاريع إلى سرعة تحسن حياة المواطنين؟ فالميزانية تكشف ما تختاره الحكومة حين توزع الموارد، ومن تنتظر منه تمويل اختياراتها، ومن يستطيع أن ينتظر ثمارها ومن يحتاج إليها فورًا.../...

مناهج التفسير المعاصرة :03 القراءة الرمزية والصوفية (11)

 

بين التزكية وذوبان المعنى في الإشارة


من القراءات التي تحتاج إلى موضع مستقل في مناهج التفسير المعاصرة القراءة الرمزية والصوفية، لا لأنها جديدة في أصلها، فقد عرف التراث الإسلامي التفسير الإشاري والعرفاني منذ قرون، بل لأنها عادت في العصر الحديث والمعاصر بأشكال متعددة: في التصوف التقليدي، وفي الكتابات الروحية، وفي التأويلات العرفانية، وفي بعض تيارات الروحانية الجديدة التي تستعمل ألفاظ القرآن لتغذية خطاب الطاقة والباطن والرمز والارتقاء الروحي.


وهذه القراءة تتحرك من سؤال مهم: هل القرآن خطاب للظاهر فقط؟ أم أن له أثرًا في القلب، وعمقًا في النفس، وإشارات تربوية وروحية تتجاوز مجرد الشرح اللفظي والحكم الفقهي؟ وهل يكفي أن نقرأ القرآن قراءة قانونية أو لغوية أو سياسية أو اجتماعية، دون أن ننتبه إلى أنه كتاب تزكية، وذكر، وخشية، وسكينة، وإنابة، ومحبة لله، وتحرير للنفس من الهوى والغفلة؟.../...

طاعة الرسول واتباعه في القرآن: ما المرجع وما حدود الإلزام؟

 

قراءة علائقية في النبوة والوحي والرسالة والبلاغ والتبيين


لماذا يرتبط الأمر بالطاعة في القرآن بوصف «الرسول»؟ وما العلاقة بين طاعته وطاعة الله؟ وهل يقتضي اتباعه تحويل كل ما نُسب إليه من قول أو فعل أو تقرير إلى تشريع ديني ملزم لجميع الناس في كل زمان ومكان؟


تنطلق هذه الأسئلة من ضرورة فهم الوصف الذي تعلق به الأمر، ثم تحديد مضمون العلاقة التي يقيمها النص. فمحمد عليه السلام هو الشخص الذي تلقى الوحي وحمل الرسالة، وهو النبي والرسول الذي عاش بين قومه، وواجه أسئلتهم، وحكم في منازعاتهم، ودبّر شؤونًا تتصل بتجربتهم. لكن اجتماع هذه الجهات في شخص واحد لا يعفينا من تمييز ما يضيفه كل وصف، وما يترتب على كل موقع من مسؤولية.../...

الذكاء الاصطناعي وإصلاح الإدارة في المغرب: أي تغيير للمواطن والموظف؟

 

قراءة مقارنة في تجارب الإمارات وسنغافورة وكندا


مع إحداث المغرب وزارةً تحمل الذكاء الاصطناعي في مسماها، يبرز سؤال حارق: هل يبدأ تحول فعلي في علاقة المواطن بالإدارة، أم تُضاف واجهة تقنية جديدة إلى مساطر ما تزال تحكمها البيروقراطية؟


ماذا سيغير هذا الاختيار في حياة الناس؟ هل سيختصر الوثائق والتنقل والانتظار، ويحد من الزبونية والمحسوبية، ويجعل الحصول على الخدمة حقًا واضحًا يمكن تتبعه والمطالبة به؟ ثم ما مصير عشرات الآلاف من الموظفين الذين تقوم أعمالهم الروتينية على معالجة الملفات والتحقق من الوثائق واستقبال المرتفقين؟ وكيف ستُعاد صياغة مهامهم وتأهيلهم داخل الإدارة الجديدة؟.../...

البرنامج الحكومي في الميزان: أية رؤية للمغرب الجديد؟

 


قراءة تقييمية في خطاب رئيسة الحكومة 

بين الرؤية الحكومية والوعود الانتخابية وأسئلة التنفيذ


كما وعدنا متابعينا عند قراءة تشكيلة الحكومة، نعود إلى المحطة الثانية من التقييم، بعد تقديم رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، تصريحها أمام مجلسي البرلمان. فبعد مساءلة الفريق وتوزيع الحقائب، نفحص الرؤية: ما الذي تعتزم الحكومة تغييره؟ وبأي أدوات وآجال؟ وكيف تصل اختياراتها إلى حياة المواطنين؟  expresstv.ma


ولا يقتصر التقييم على حضور الوعود الانتخابية لحزب رئيسة الحكومة؛ فالبرنامج حصيلة تفاوض بين مكونات الأغلبية. ولذلك سنبحث ما احتُفظ به من تعهدات، وما عُدّل في مضمونه أو شروطه أو توقيته، وما أُضيف إليه، ومدى وضوح أسباب هذه الاختيارات وصلتها بالتفويض الانتخابي.../...

هل ينتقل الخلاف المغربي الإسباني من سبتة ومليلية إلى أعماق الأطلسي؟

 

من سبتة ومليلية إلى جبل تروبيك

حين تتعدد مسارح المساومة


تمهيد: من سبتة ومليلية إلى جبل تروبيك: حين تتعدد مسارح المساومة


انتهت زيارة الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى سبتة ومليلية، لكن سؤال تداعياتها على العلاقة المغربية الإسبانية يظل مفتوحًا. فقد أكدت مدريد من خلالها تصورها السيادي لوضع المدينتين، بينما لم تقابلها الرباط باحتجاج دبلوماسي معلن يماثل ردها على زيارة خوان كارلوس سنة 2007. غير أن اختلاف الرد لا يكفي لاستنتاج قبول مغربي بالدلالة السياسية للزيارة؛ فالصمت يترك مجالًا لتفسيرات متعددة، ولا يقوم مقام الاعتراف أو التنازل.


وقد كشفت التغطية الإعلامية المصاحبة للزيارة عن هذا الالتباس. فبين رواية إسبانية نسبت إلى مصادر مجهولة وجود موافقة مغربية، وخطاب إعلامي مغربي وصف المناسبة بالاستفزاز، بقي الفارق قائمًا بين العلم المسبق بالزيارة، واحتمال التنسيق لاحتواء تداعياتها. وهذه مستويات مختلفة لا يجوز جمعها في استنتاج واحد، خصوصًا حين تغيب التصريحات الرسمية التي تحسم طبيعة ما جرى خلف الأبواب المغلقة.../...

دستورية انعقاد المجلس الوزاري قبل التنصيب البرلماني

 

قراءة في التوقيت، والالتزام المالي، وهامش المبادرة الحكومية


المناسبة 


لماذا انعقد المجلس الوزاري غداة تعيين الحكومة، وقبل تقديم برنامجها أمام البرلمان والحصول على ثقته؟ وما دلالة إعلان أولويات اجتماعية، مقرونة بتمويل مقدّر لبرامج التنمية الترابية، في هذه المرحلة؟ وهل يتعلق الأمر باستكمال مسطرة مالية تضغط آجالها، أم باستجابة استباقية للمطالب الاجتماعية تلافياً لاحتمال تصاعد غضب الشارع، أم بتقاطع الاعتبارين؟


اكتسبت هذه الأسئلة حضورًا عقب المجلس الوزاري المنعقد يوم 17 أكتوبر 2026، الذي خُصص للتداول والمصادقة على التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027. فقد تضمن الإعلان أولويات تتصل بالقدرة الشرائية والصحة والتعليم والسكن وإدماج الشباب، إلى جانب الجهوية والسيادة الاستراتيجية والاستثمار والتوازنات المالية، مع إعلان تعبئة اعتمادات مقدرة بـ25 مليار درهم لبرامج التنمية الترابية المندمجة. aujourdhui.ma .../...

ماذا تقول تشكيلة «حكومة المعقول» قبل إعلان برنامجها؟

 

قراءة أولية في هندسة الحقائب، واختيار المسؤولين، وتوازن الاستمرارية والتجديد.


لم تمضِ ساعات على إعلان تشكيلة الحكومة التي ترأسها فاطمة الزهراء المنصوري حتى تعددت أوصافها: «حكومة المعقول» وفق وصف رئيستها، و «حكومة الاستمرارية» أو  «إعادة تدوير النخب» أو «المحاصصة» في قراءات منتقديها. وتكشف هذه التسميات اختلاف التوقعات، لكنها لا تكفي لتقييم الفريق الجديد؛ فالمعقول يحتاج إلى التزامات ونتائج، كما أن اتهام التشكيلة بالمحاصصة يحتاج إلى فحص العلاقة بين المناصب والاختصاصات ومعايير اختيار أصحابها.


وقبل تقديم البرنامج أمام البرلمان، تتيح التشكيلة نفسها مادةً للتحليل. فالإبقاء على مسؤولين سابقين، وعودة وجوه إلى الحكومة، وتجميع قطاعات تحت سلطة وزير واحد، وتوزيع أخرى بين وزير ووزراء منتدبين، اختيارات تطرح أسئلة عن تصور العمل المقبل. لماذا استمرت هذه الأسماء؟ وما الذي يبرر إسناد القطاعات إلى المسؤولين الجدد؟ وهل تساعد هندسة الحقائب على تنسيق القرار وتسريع التنفيذ، أم تزيد تداخل الصلاحيات وتصعّب تحديد المسؤولية؟.../...

المغرب: من دولة وطنية إلى قوة إقليمية

 

كيف يُعيد صعود المغرب ترتيب حسابات الجوار والقوى الكبرى؟

قراءة علائقية في تسريع بناء القوة وتكامل الجبهة الداخلية والشراكات الخارجية


ما الذي يجمع تطوير الموانئ، وتوطين الصناعات الحديثة، وتحديث الجيش، وشبكات النقل، وتوسيع القدرات الدفاعية، والمبادرات الأطلسية والإفريقية، والانفتاح على شراكات تتقاطع فيها مصالح قوى دولية متنافسة؟ قد تبدو هذه الملفات متباعدة حين تُقرأ أخبارًا منفصلة، لكنها تفتح سؤالًا واحدًا حين ننظر إلى العلاقات بينها: كيف يُعد المغرب نفسه لدور إقليمي أوسع، وما الذي يتغير في حسابات الآخرين كلما اتسعت قدرته على الفعل؟


ينطلق هذا المقال من فرضية أن المغرب يعمل على تحويل تراكم قدراته إلى موقع جديد داخل شبكة المصالح الإقليمية والدولية. فالصناعة تحتاج إلى أسواق ومنافذ، والموانئ تحتاج إلى تدفقات تجارية، والاستثمار يحتاج إلى استقرار وحماية. ويحتاج الأمن إلى أجهزة عصرية واستخبارات قوية قادرة على الاستباق والتنسيق، فيما تتطلب حماية السيادة وردع التهديدات جيشًا نظاميًا حديثًا يجمع التكوين والكفاءة العملياتية والتسليح والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة. وتكتسب الدبلوماسية وزنًا حين تستند إلى هذه القدرات، وتعرض مشروعات ومنافع قابلة للتحقق. ومن تكامل هذه العناصر تتكون قوة تتجاوز أثر كل واحد منها منفردًا.../...

زيارة ملك إسبانيا إلى سبتة ومليلية: كيف نفهم الصمت المغربي؟

 

رسائل الاستفزاز الإسبانية والاحتواء المغربي:

في انتظار مقترح يعيد تحديد جوهر الأزمة وآفاق التعاون في التنمية والهجرة


لا تكمن أهمية زيارة الملك فيليبي السادس وعقيلته إلى سبتة ومليلية في رمزيتها السيادية وحدها، بل في السياق الذي اختارته مدريد لتقديمها، وفي الطريقة التي تعاملت بها الرباط معها. فالزيارة تأتي عقب أزمة هجرة وتوتر سياسي وأمني، وتسعى إسبانيا من خلالها إلى طمأنة سكان المدينتين وتأكيد حضور الدولة. أما المغرب، فلم يقابلها حتى الآن بتصعيد دبلوماسي معلن يماثل ما رافق زيارة خوان كارلوس سنة 2007،ولا برد فعل شعبي يعطي مدريد حجة تأويل الأزمة وفق منظورها الاستعماري القديم الذي يعتبر الثغرين جيبين متقدمين في شمال إفريقيا لحماية إسبانيا من عودة الإسلام الجهادي إلى شبه الجزيرة الإيبيرية ومن ثم إلى أوروبا.


وهذا الاختلاف يطرح سؤالًا يتجاوز البحث عن احتجاج غائب: هل فضلت الرباط احتواء المناسبة حتى لا تتحول قضية مراجعة التعاون في الهجرة إلى مواجهة بشأن السيادة والحدود الأوروبية؟ وهل يمكن أن يكون الامتناع عن التصعيد طريقةً للحفاظ على جدول أعمال مغربي، بدل ترك الزيارة تحدد موضوع الخلاف وتوقيته؟.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: القراءة السياسية والسلطانية (10)

 

القرآن بين شرعية الحكم وتبرير الطاعة


من أخطر القراءات التي أثرت في وعي المسلمين، وفي تشكيل مذاهبهم ومدارسهم وسلوكهم السياسي والديني، القراءة السياسية والسلطانية للقرآن. وهي قراءة لا تكتفي بفهم الآيات المتعلقة بالحكم والطاعة والجماعة والشورى والعدل، بل تعيد ترتيب هذه الآيات داخل سؤال السلطة: من يحكم؟ وبأي شرعية؟ وما حدود الطاعة؟ ومتى يكون الاعتراض فتنة؟ ومتى تكون مقاومة الظلم شهادة بالحق؟ وكيف يتحول القرآن من ميزان يحاكم السلطة إلى نص تستعمله السلطة لتثبيت نفسها؟


وهذه القراءة ليست ظاهرة متأخرة، ولا مجرد انحراف عابر في بعض عصور الاستبداد، بل هي من أعمق التحولات التي عرفها التاريخ الإسلامي منذ الفتنة الكبرى، ثم قيام الدولة الأموية، وما تلا ذلك من تشكل الدول السلطانية والمذاهب السياسية والكلامية والفقهية. فمنذ أن انتقل المسلمون من لحظة النبوة والخلافة الأولى إلى صراعات الملك والوراثة والغلبة، بدأ السؤال السياسي يتسلل إلى قلب التفسير والعقيدة والفقه: هل الحكم شورى كما يقول القرآن أم غلبة كما يقول ابن خلدون؟ هل الطاعة مشروطة أم مطلقة؟ هل الجماعة هي الأمة أم السلطان؟ هل الخروج على الظلم فتنة، أم السكوت عن الظلم فتنة أكبر؟.../...

تحليل مضمون خطاب البرلمان: من دولة بسرعتين إلى دولة بجناحين

 

القوة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والمجالية 

وإعادة تأسيس الشراكة مع إسبانيا


تمهيد: رسالة الخطاب الدينية والأخلاقية


تكتسب الآية التي افتُتحت بها جلسة البرلمان أهمية خاصة في فهم مضمون الخطاب الملكي والأولوية التي يضعها أمام الولاية التشريعية الجديدة. يقول تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177].


تعرض الآية 177 من سورة البقرة، البر في شبكة تجمع الإيمان والإنفاق ورعاية المحتاجين والوفاء بالعهد والصبر في الشدائد. وفي افتتاح ولاية تشريعية جديدة، تمنح هذه المعاني المسؤولية السياسية تأطيرًا دينيًا وأخلاقيًا: رعاية من يحتاجون إلى الحماية، والوفاء بما قُدم للمواطنين من تعهدات، وتحمل أعباء العمل العام.../...

موريتانيا وتسوية الصحراء: المخاوف المشروعة وفرص الشراكة مع المغرب

 


أعاد تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن الصحراء، المؤرخ في فاتح أكتوبر 2026، فتح سؤال يتجاوز الجدل حول الكويرة: كيف يمكن أن تتحول تسوية النزاع إلى مصدر استقرار وتكامل بين المغرب وموريتانيا، بدل أن تنقل المخاوف من الوضع القائم إلى ترتيبات المستقبل؟ فقد نقلت التغطيات المنشورة عن التقرير أن نواكشوط طلبت، خلال مفاوضات مدريد، تشكيل لجنة لتوضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم بصورة توافقية، ضمن نقاش شمل ضمانات التنفيذ والترتيبات الأمنية والمؤسساتية لأي تسوية مقبلة.


ينبغي أن يبدأ تحليل هذا الموقف من الاعتراف بمشروعية اهتمام موريتانيا بأمن حدودها ومصالحها الاقتصادية. فهي دولة مجاورة ستتأثر بنتائج التسوية، ومن حقها أن تبحث عن وضوح يمنع استمرار الغموض أو نشوء توترات جديدة. لكن مشروعية طلب الضمانات لا تعني أن نواكشوط تقدمت بمطالبة ترابية بالكويرة؛ فبحسب المعطيات المنشورة، لم يذكر المقترح الموريتاني المدينة بالاسم، بينما جاء الربط بينها وبين طلب اللجنة في النقاش الإعلامي والسياسي. وهذا فرق أساسي بين موقف الدولة والتأويلات المحيطة به.../...

من أَوْرَبَة سبتة ومليلية إلى أَفْرَقَة الهجرة

 


هل يحول المغرب الهجرة من ورقة إسبانية إلى قضية سيادة وعدالة قارية، 

ويضع أوروبا أمام مسؤولياتها التاريخية والأخلاقية؟



تمهيد: حان الوقت لتغيير موقع المتهم


نجحت إسبانيا، خلال أزمة الهجرة الأخيرة في سبتة، في الانتقال من موقع دولة تواجه نزاعًا تاريخيًا مع المغرب حول مدينتين محتلتين إلى موقع دولة تزعم أنها تدافع عن الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. ونقلت الملف من علاقتها الثنائية بالرباط إلى مؤسسات الاتحاد، وطالبت بالتضامن المالي والأمني والسياسي، وسعت إلى جعل أي ضغط على سبتة ومليلية ضغطًا على أوروبا كلها.


وبهذا التحرك لم تكتف مدريد بطلب المساعدة في مواجهة أزمة إنسانية وأمنية، بل استعملت الهجرة لإعادة بناء الموقع السياسي للمدينتين. فإذا أصبحتا حدودًا أوروبية، تحولت حمايتهما إلى مسؤولية سبع وعشرين دولة، وغدا الوجود الإسباني فيهما جزءًا من المنظومة الحدودية للاتحاد، لا مجرد أمر واقع تعترض عليه الرباط. لقد أوربت إسبانيا سبتة ومليلية حتى لا تواجه المغرب منفردة.../...

الصحراء: كيف يعتزم المغرب تنزيل مقترح الحكم الذاتي

 

قراءة في المعطيات المتاحة

وأسئلة المرحلة الانتقالية والضمانات الدولية والمساواة بين المواطنين


أعادت المعطيات التي نشرتها الصحافة بشأن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء النقاش إلى سؤال عملي: كيف يمكن الانتقال من مقترح الحكم الذاتي إلى نظام مؤسسي قابل للتطبيق؟ فالموضوعات المنقولة عن المفاوضات تشمل مجلسًا انتقاليًا، وضمانات دولية، وتقاسم الموارد، والعفو والمصالحة، ونزع السلاح وإعادة الإدماج، إلى جانب الترتيبات الأمنية والانتخابية. وهذه تفاصيل تستدعي النظر في مضمون التسوية وشروط تنفيذها، دون اعتبار مناقشتها اتفاقًا نهائيًا عليها. 


لكن فهم هذه المستجدات يحتاج إلى العودة إلى المبادرة التي قدمها المغرب إلى الأمم المتحدة سنة 2007. فكثير من عناصر التنزيل التي تبدو اليوم جديدة كانت حاضرة في النص الأصلي، ومنها مراجعة الدستور، والعفو، والمجلس الانتقالي، ونزع السلاح، والموارد المالية. ولذلك لا يتعلق السؤال بوجود تصور مغربي للتنفيذ من عدمه، بل بما احتفظ به المشروع المحدَّث من ذلك التصور، وما أضافه إليه، وما أصبح موضوعًا للتفاوض.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: القراءة الواقعية والاجتماعية للقرآن (09)

 


بين فقه التنزيل وخطر إخضاع النص للواقع


بعد القراءة العلمية للقرآن، تبرز في المناهج المعاصرة قراءة أخرى شديدة الأهمية، هي القراءة الواقعية والاجتماعية. وهي قراءة تنطلق من سؤال عملي مباشر: كيف يتعامل القرآن مع واقع الإنسان والمجتمع؟ وكيف يمكن تنزيل هدايته على مشكلات الحياة المتغيرة، من فقر وظلم واستبداد وتفكك أسري وصراع طبقي وانحراف أخلاقي وتبعية ثقافية واضطراب سياسي؟


وقد نشأت هذه القراءة من وعي صحيح بأن القرآن لم ينزل ليُقرأ في فضاء ذهني مجرد، ولا ليظل حبيس المصاحف والمحاريب، بل ليخاطب الإنسان في واقعه، ويهديه في علاقاته، ويقوّم اختلالات المجتمع، ويكشف أسباب الفساد، ويضع للناس ميزانًا في العدل والرحمة والأمانة والشورى والإنفاق وحفظ الكرامة.../...

إسبانيا تطلب تضامن أوروبا وتتجاهل جهود المغرب: من يحرس حدود من؟

 

حين تنسب مدريد إلى نفسها نجاح مكافحة الهجرة،

وتتنصل أوروبا من مسؤوليتها التاريخية والأخلاقية تجاه إفريقيا



تمهيد: إسبانيا تطلب الاعتراف وتتجاهل من صنع النتيجة


دعا وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي مارلاسكا، دول الاتحاد الأوروبي إلى إبداء مزيد من التضامن العملياتي والمالي والسياسي مع إسبانيا في مواجهة أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة منذ 30 يوليوز. وأكد أمام نظرائه الأوروبيين أن أي مهاجر ممن دخلوا المدينة لم يتمكن من مواصلة طريقه إلى دولة أخرى في الاتحاد، وأن الأزمة كان لها «تأثير منعدم» على بقية أوروبا بفضل نظام المراقبة المزدوجة والإجراءات التي اتخذتها حكومته.


ولم يكتف الوزير بالدفاع عن إدارة أزمة سبتة، بل قدم انخفاض الهجرة غير النظامية نحو إسبانيا بنسبة 46 في المائة، وبنسبة 74 في المائة عبر مسار جزر الكناري، بوصفه دليلًا على نجاح السياسة الإسبانية في الوقاية ومراقبة الحدود. ثم طالب الاتحاد الأوروبي بمكافأة هذا النجاح من خلال مزيد من التمويل والدعم والتضامن. غير أن في هذه الرواية طرفًا غائبًا يكاد يكون هو الذي صنع الجزء الأكبر من النتيجة التي تفاخر بها مدريد: المغرب.../...

فيليبي السادس في سبتة ومليلية: معركة السيادة تدخل طورا جديدا

 

حين تحاول مدريد تحويل المدينتين

إلى جزء غير قابل للنقاش من السيادة الإسبانية والهوية الأوروبية


لم يكن اختيار الثالث عشر والرابع عشر من أكتوبر موعدًا لزيارة الملك فيليبي السادس والملكة ليتيزيا إلى سبتة ومليلية تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا. فالزيارة تأتي مباشرة بعد احتفال إسبانيا بعيدها الوطني في الثاني عشر من أكتوبر، بما يجعل انتقال العاهل الإسباني إلى المدينتين امتدادًا رمزيًا لذلك الاحتفال، ورسالةً تربطهما بوحدة الدولة الإسبانية وتضعهما في قلب سرديتها الوطنية.


وهي أول زيارة يقوم بها فيليبي السادس إلى المدينتين منذ اعتلائه العرش سنة 2014، وأول زيارة لملك إسباني منذ أن زارهما خوان كارلوس والملكة صوفيا سنة 2007. وقد أثارت الزيارة السابقة أزمة دبلوماسية حادة مع المغرب، الذي أدانها واستدعى سفيره في مدريد للتشاور، لأنها مست إحدى أكثر القضايا التاريخية حساسية في العلاقات بين البلدين.../...

فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة: من تحديث الدولة إلى تحديث المجتمع

 

هل يستعيد المغرب جناحه الاجتماعي، أم يكتفي بتحديث صورته المادية؟


تمهيد: دلالة التعيين بين الشخص والمرحلة


لم يكن تعيين الملك محمد السادس لفاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة، وتكليفها بتشكيلها بالتشاور مع الأحزاب السياسية، مجرد تطبيق عادي للفصل السابع والأربعين من الدستور بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة انتخابات مجلس النواب. فالتعيين يحمل دلالة تتجاوز انتقال رئاسة الحكومة من حزب إلى آخر، بل تتجاوز أيضًا وصول امرأة، للمرة الأولى منذ الاستقلال، إلى قمة الجهاز التنفيذي المغربي. إنه يفتح سؤالًا أوسع حول المرحلة التي يريد المغرب دخولها بعد أكثر من ربع قرن انصب خلاله الجهد الأكبر على تحديث الدولة وبنياتها المادية: فهل حان الوقت للانتقال من الانتقال من تحديث الدولة إلى تحديث المجتمع؟.../...

استراتيجيات المغرب لنيل مقعد دائم في مجلس الأمن


المغرب مدرسة الدبلوماسية الهادئة والذكيّة

بين التحالفات الكبرى والشرعية الإقليمية


تمهيد: إصلاح مجلس الأمن وسؤال التمثيل الإفريقي


في خطابه أمام افتتاح المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، في 22 سبتمبر 2026، جدّد الأمين العام أنطونيو غوتيريش دعوته إلى إصلاح مجلس الأمن بما يجعله أكثر تمثيلًا لعالم اليوم وأكثر شرعية وفاعلية. وخصّ إفريقيا بالذكر، مؤكدًا أن استمرار غيابها عن العضوية الدائمة يجعل وجود مجلسٍ للأمن في القرن الحادي والعشرين بلا تمثيل إفريقي دائم وضعًا «غير عادل ولا يمكن الدفاع عنه». ولم تكن هذه الدعوة معزولة، بل جاءت امتدادًا لمواقف متكررة تطالب بتسريع الإصلاح وتجاوز بنية ما تزال تعكس إلى حد بعيد موازين القوى التي نشأت عقب الحرب العالمية الثانية، أكثر مما تعكس الخريطة السياسية والديمغرافية الراهنة [1][29].../...

انتخابات المغرب 2026: بين خطاب الهوية وخطاب الدولة الاجتماعية

 

لقجع يحوّل الفوز إلى وعود قابلة للمحاسبة،

وبنكيران يعود إلى التعبئة العقائدية والتشكيك في شرعية الاقتراع


لم ينته الجدل السياسي في المغرب بإعلان نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026، بل انتقل من التنافس على أصوات الناخبين إلى الصراع على معنى ما قالته الصناديق. فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات بحصوله على 97 مقعدًا من أصل 395، متقدمًا على التجمع الوطني للأحرار الذي حصل على 66 مقعدًا، وحزب الاستقلال الذي نال 65 مقعدًا. ولم تمنح هذه النتيجة الحزب المتصدر أغلبية تمكنه من الحكم منفردًا، لكنها منحته حق المبادرة السياسية، وجعلت الشخصية التي سيختارها الملك من داخله، وفق الفصل 47 من الدستور، محور المرحلة المقبلة.


وبينما عاد فوزي لقجع بعد إعلان النتائج إلى تأكيد الالتزامات التي قدمها خلال الحملة، اختار عبد الإله بنكيران تفسير النتيجة من زاوية مختلفة. فقد هاجم حزب الأصالة والمعاصرة، وطعن في نزاهة فوزه، واتهمه بتزوير الانتخابات، وتعهد بالعمل على إسقاطه والدفع نحو إعادة الاقتراع. وهكذا انتقلت المواجهة بسرعة من اختلاف حول البرامج إلى خلاف يمس شرعية النتيجة نفسها.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: القراءة العلمية للقرآن (08)

 

بين آيات الكون وخطر تحميل النص ما لا يحتمل


برزت القراءة العلمية للقرآن في العصر الحديث مع اتساع الاكتشافات العلمية وازدياد شعور المسلمين بالفجوة التي فصلت مجتمعاتهم عن التقدم العلمي. وقد انطلقت من رغبة مشروعة في بيان أن القرآن لا يعارض المعرفة الصحيحة، وأن الكتاب الذي دعا الإنسان إلى النظر في السماوات والأرض والآفاق والأنفس لا يمكن أن يكون خصمًا للبحث في الكون واكتشاف سننه.


فالآيات الكونية تشغل مساحة واسعة من الخطاب القرآني. يدعو القرآن إلى النظر في خلق السماوات والأرض، وتعاقب الليل والنهار، ونشأة الإنسان، وحركة الرياح، وإنزال الماء، وإنبات الأرض، وتكوين الجبال والبحار، ومسارات الشمس والقمر والنجوم، وأحوال الحيوان والطير والنحل. وهذه الآيات ليست زينة بيانية على هامش الرسالة، بل تدخل في بناء الحجة وتربط الإيمان بالنظر، والتوحيد بقراءة الكون، والخشية بالعلم.../...

الانتخابات التي أعادت رسم خريطة السلطة في المغرب

 

لقجع يزيح الأحرار  عن الصدارة، ويحاصر المصباح.. 

ويقود الأصالة والمعاصرة إلى الفوز.


تمهيد: من توقع الاتجاه إلى تفسير النتيجة


قبل أيام قليلة من إعلان نتائج الانتخابات التشريعية، بدأت سلسلة «أي رئيس حكومة يحتاجه المغرب في المرحلة المقبلة؟» التي نشرناها على موقعنا بسؤال لم يكن ظاهره تنبؤيًا. فلم تنطلق من استطلاعات الرأي، ولا من ترتيب الأحزاب في انتخابات 2021، ولا من الرغبة في ترشيح شخص بعينه؛ بل بدأت بتحديد الوظيفة التي تحتاج إليها المرحلة، ثم بحثت عن النموذج السياسي والحزب والشخصية التي تتقاطع عندها شروط هذه الوظيفة.


اختبرت السلسلة ثلاثة نماذج عرفها المغرب أو أصبح مرشحًا لاختبارها: السياسي الإسلاموي الذي قاد الحكومة عشر سنوات، ورجل الأعمال الأوليغارشي الذي تولى قيادتها منذ 2021، والتكنوقراط الذي انتقل من إدارة ملفات الدولة إلى المجال الحزبي. وانتهى التحليل إلى أن العدالة والتنمية يستطيع استعادة جزء من قوته الانتخابية من دون أن يستعيد بالضرورة أهليته السابقة لقيادة المرحلة؛ وأن نموذج رجل الأعمال الأوليغارشي بلغ حدوده السياسية؛ وأن طبيعة الأوراش المقبلة قد تدفع إلى نموذج ثالث يجمع الخبرة المالية والتنفيذية بالانتماء إلى الحزب الذي يسمح له الفصل 47 بالوصول إلى رئاسة الحكومة.../...

التطبيع بين منطق الدولة ومنطق الجماعة

 

السياسة الخارجية بين المصلحة العليا للدولة والبعد الأخلاقي


تمهيد: حين يختلف منطق الدولة عن منطق الجماعة


أعاد قرار المغرب وإسرائيل الارتقاء بعلاقاتهما الدبلوماسية من مستوى مكتبي الاتصال إلى مستوى السفارتين وتبادل السفراء، في أعقاب الاجتماع الثلاثي الذي جمع في نيويورك وزيري خارجية البلدين برعاية أمريكية، سؤال التطبيع بقوة إلى واجهة النقاش السياسي المغربي. ولم يكن ذلك مستغربًا بالنظر إلى الظرف الإقليمي الذي جاء فيه القرار، وإلى ما خلفته الحرب في غزة والسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من رفض واسع داخل المجتمع المغربي.


وسرعان ما انتقل الاعتراض من الشارع ووسائل التواصل الاجتماعي إلى التنظيمات السياسية والدعوية. فقد أعلنت جماعة العدل والإحسان رفضها للخطوة، وجدد حزب العدالة والتنمية موقفه الرافض للتطبيع، كما اعتبر تحالف اليسار أن الانتقال إلى تبادل السفراء يمثل تصعيدًا في مسار يرفضه من أساسه. وبذلك عاد إلى الواجهة خلاف لم يبدأ مع القرار الأخير، لكنه اكتسب هذه المرة أهمية إضافية بسبب تزامنه مع الانتخابات التشريعية وما رافقها من تنافس سياسي حاد.../...

المغرب وإسبانيا: هل تتغير قواعد الردع على ضفتي المضيق؟


 كيف تعيد الصواريخ والمسيّرات والتصنيع العسكري وشبكات التحالف 

رسم الجغرافيا الاستراتيجية لغرب المتوسط؟


تمهيد: حين انتقلت ساحة الحرب الافتراضية من سبتة إلى الأندلس وجزر الكناري


ظل التفكير في أي مواجهة عسكرية افتراضية بين المغرب وإسبانيا مرتبطًا، لعقود، بجغرافيا تبدو شبه ثابتة: سبتة ومليلية في الواجهة، وشمال المغرب والضفة الجنوبية للمضيق في مقابل جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية الذي يؤدي وظيفة العمق الخلفي للقوات الإسبانية. وضمن هذه الصورة، كان السؤال العسكري التقليدي يدور أساسًا حول قدرة المغرب على تهديد المدينتين أو الدفاع عن ساحله ومجاله الجوي، أكثر مما كان يتعلق بإمكان امتداد المواجهة إلى القواعد والمنشآت الموجودة داخل الأراضي الإسبانية نفسها.


غير أن هذا التصور بدأ يفقد شيئًا من صلابته مع التحول المتسارع في القدرات العسكرية المغربية. فالمسألة لم تعد مقتصرة على تحديث الطائرات المقاتلة أو اقتناء مدرعات ومدفعية أكثر تطورًا، وإنما أخذت تشمل الاستطلاع والمراقبة، والطائرات غير المأهولة، والدفاع الجوي، والنيران الدقيقة بعيدة المدى، وأنظمة القيادة والسيطرة، إلى جانب بداية بناء قاعدة صناعية عسكرية محلية وشبكة متزايدة من الشراكات الدفاعية والتكنولوجية.../...

هل تستعد أوروبا لمواجهة روسيا من دون أمريكا؟

 

الحرب الروسية الأوكرانية تدفع أوروبا إلى إعادة التسلح والاستعداد المدني

 في اختبار جديد للنظام الأمني الأطلسي


تمهيد: حين بدأت الحرب تقترب من حدود الناتو


حين اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية على نطاق واسع في فبراير 2022، بدا الخط الفاصل واضحًا نسبيًا بين ساحة الحرب ومجال حلف شمال الأطلسي. كانت أوكرانيا تخوض الحرب على أراضيها، فيما تدعمها الدول الغربية بالسلاح والمال والمعلومات والتدريب، مع حرص الناتو على تجنب الانتقال من دعم كييف إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع موسكو.


لكن استمرار الحرب واتساع وسائلها ومدياتها أخذا يضغطان تدريجيًا على هذا الفصل. فكلما ازدادت قدرة أوكرانيا على ضرب أهداف أعمق داخل روسيا، وتوسعت نوعية المساعدات الغربية، ازداد الاحتكاك بين موسكو ودول الحلف. ولم تعد آثار الحرب تتوقف عند الحدود الأوكرانية، بل ظهرت في أجواء بولندا ورومانيا ودول البلطيق، وفي البحر الأسود وبحر البلطيق، وفي الهجمات السيبرانية والعمليات الهجينة والتهديدات التي تطال البنى التحتية الحيوية.../...