غرب المتوسط على عتبة إعادة تشكيل استراتيجي

 

بحث جيوسياسي:

المغرب بين الشراكة الأمريكية الفرنسية، والمناورة الإسبانية الجزائرية، 

وعودة سبتة ومليلية إلى قلب المعادلة الأمنية


تمهيد: أزمة تتجاوز الهجرة والخلافات الثنائية


لم تعد التطورات المتلاحقة في العلاقات المغربية الإسبانية والفرنسية والأمريكية والجزائرية قابلة للفهم بوصفها ملفات منفصلة. ما يجري أوسع من ذلك بكثير. المنطقة الممتدة من الساحل الإفريقي إلى مضيق جبل طارق، ومن الصحراء الأطلسية إلى جنوب أوروبا، تدخل مرحلة إعادة تشكيل جيوسياسي وجيواستراتيجي قد تحدد لعقود مقبلة: من يراقب غرب المتوسط؟ ومن يحمي مضيق جبل طارق؟ ومن يقود التعاون الأمني الأمريكي في إفريقيا؟ وأي موقع سيبقى لإسبانيا في الضفة الجنوبية للمضيق؟ وهل تستطيع مدريد الاستمرار في الجمع بين المغرب والجزائر، وبين الالتزام الأطلسي وبناء هامش أوروبي مستقل عن واشنطن؟ ثم هل يمكن فصل مستقبل سبتة ومليلية عن التحول الجاري في وظائف المغرب العسكرية والبحرية والجوية في المنطقة؟ .../...

سبتة تنفجر في وجه أوروبا

 

ماذا لو كانت الموجة المقبلة غير مغربية؟


لم تكن موجة الهجرة الجماعية الأخيرة نحو سبتة مجرد حادث حدودي عابر، ولا مجرد اندفاع مفاجئ لشباب استبد بهم اليأس فرأوا في البحر طريقًا مختصرًا إلى أوروبا. لقد تحولت، في غضون أيام، إلى أزمة متعددة المستويات: مأساة إنسانية، واختبار أمني، ومعركة روايات بين المغرب وإسبانيا، ومادة لإعادة إنتاج الخوف من الهجرة في الإعلام الأوروبي، وفرصة لإحياء السؤال الذي ظنت مدريد أنه أصبح خارج النقاش: ما طبيعة سبتة ومليلية؟ وما موقعهما الجغرافي والقانوني داخل أوروبا؟ وماذا لو تكررت الأزمة بمهاجرين غير مغاربة؟ .../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: تفسير القرآن بالقرآن (04)

 


من الشعار العام إلى المنهج التطبيقي


إذا كان التفسير الموضوعي قد حاول جمع الآيات حول موضوع واحد لبناء رؤية كلية، فإن القاعدة الأعمق التي يقوم عليها هذا الاتجاه هي قاعدة قديمة في أصلها، متجددة في حاجتنا إليها: تفسير القرآن بالقرآن. وهذه القاعدة ليست مجرد عبارة جميلة تتكرر في كتب علوم القرآن، ولا مجرد مبدأ نظري يُذكر في مقدمات التفاسير، بل هي مفتاح منهجي بالغ الأهمية؛ لأن القرآن، قبل كل شيء، هو أقدر نص على بيان نفسه بنفسه ومن داخله.


ومعنى تفسير القرآن بالقرآن أن لا يُفهم اللفظ القرآني منعزلًا عن بقية استعمالاته، ولا الآية منفصلة عن نظائرها، ولا الحكم بعيدًا عن كلياته، ولا المتشابه مستقلًا عن محكمه. فالقرآن ليس شذرات متفرقة، بل بناء متكامل، يفسر بعضه بعضًا، ويضيء بعضه بعضًا، ويكشف في موضع ما أجمله في موضع آخر، ويقيد في سياق ما أطلقه في سياق آخر، ويبين في آية ما قد يشتبه في آية أخرى.../...

أزمة سبتة بعد انحسار الحشود: ماذا بقي من الحدث؟

 

من الهجرة الجماعية إلى اختبار الاستخبارات والسيادة والنموذج الاجتماعي


لم تنته أزمة سبتة حين عاد معظم العابرين إلى المغرب، ولا حين استعادت المدينة بعض مظاهر حياتها اليومية. فقد انحسر التدفق البشري، لكن الأسئلة التي أطلقها بقيت مفتوحة، بل أصبحت أكثر وضوحًا بعد ظهور معطيات جديدة حول حجم الحشود، وعدد الضحايا، وفشل الاستباق الأمني، وطبيعة العودة الجماعية، والصمت المغربي، والتوظيف السياسي الأوروبي للحدث.


فما وقع لم يعد مجرد خبر عن عشرات الآلاف الذين عبروا الحدود خلال ساعات، بل تحول إلى اختبار شامل لعلاقة المغرب بإسبانيا، ولقدرة أجهزة الدولة في البلدين على التنبؤ بالأزمات، ولحدود النموذج الاقتصادي والاجتماعي المغربي، وللاتجاه الذي ستسلكه أوروبا في مواجهة الهجرة.../...

حين تتحول الهجرة من «أزمة إنسانية» إلى «غزو مغربي» لأوروبا

 

الهجرة في معادلة الصراع الدولي على الإنسان والسيادة وذاكرة الاستعمار


لم تعد أحداث سبتة مجرد واقعة حدودية بين المغرب وإسبانيا، ولا مجرد موجة جديدة من الهجرة غير النظامية يمكن اختزالها في عدد الداخلين والضحايا والعائدين. فقد تحولت خلال ساعات إلى حدث دولي أعاد فتح أسئلة الهجرة والسيادة والاستعمار والحدود والكرامة، وأصبح مادة لصراع سياسي وإعلامي بين اليمين واليسار في أوروبا والولايات المتحدة. وقد بدا هذا الصراع منذ اللحظة الأولى في اللغة التي اختارتها الصحف لوصف ما وقع.


فبعض وسائل الإعلام تحدثت عن «أزمة إنسانية»، وبعضها وصف المشهد بأنه «فوضى حدودية»، بينما لجأت صحف محافظة وسياسيون يمينيون إلى عبارات مثل «الغزو» و«الاجتياح»  و«الهروب الكبير» و«انهيار الحدود». وهذه الكلمات ليست مترادفات بريئة؛ فكل واحدة منها تبني رواية مختلفة، وتحدد مسبقًا من هو الضحية، ومن هو المعتدي، ومن يتحمل المسؤولية.../...

غزوة سبتة الجديدة: هجرة جماعية أم رسالة سياسية؟

 

حين تلتقي أزمة شباب الشمال المغربي

بإغراء التسوية الإسبانية وصراع السيادة على الثغور المحتلة


لم تكن المشاهد القادمة من الحدود بين المغرب وسبتة يوم 30 يوليوز 2026 مجرد موجة عادية من الهجرة غير النظامية. فقد اندفع آلاف الأشخاص، وبينهم شباب وقاصرون ونساء وأطفال، نحو المعابر والشواطئ المحاذية للمدينة، ودخل بعضهم سباحة أو سيرًا حول الحواجز البحرية، بينما سقط آخرون غرقًا أو اختناقًا وسط التدافع.


وقد اختلفت التقديرات الأولى بصورة لافتة؛ فتحدثت بعض المصادر الإسبانية عن دخول ما بين ألفين وثلاثة آلاف شخص، قبل أن ترتفع تقديرات أخرى إلى عشرات الآلاف، بل إلى نحو 49 ألفًا خلال أربع وعشرين ساعة. وهذا التباين الهائل يفرض الحذر؛ لأن الفوضى الميدانية، وتعدد نقاط العبور، واحتمال احتساب الأشخاص أكثر من مرة، تجعل الرقم النهائي في حاجة إلى تدقيق رسمي مستقل. لكن المؤكد أن الحدث كان الأكبر من نوعه، وأنه تجاوز كثيرًا أزمة ماي 2021، وأربك قوات الأمن ومرافق الاستقبال في سبتة، ودفع مدريد إلى إرسال الجيش وتعزيزات أمنية إلى المدينة. كما توفي أكثر من 60 شخصًا خلال محاولات العبور.../...

خطاب العرش 2026: من مغرب البنية التحتية إلى مغرب الدولة الاجتماعية

 

حين تنتقل أولوية العهد من بناء قوة الدولة إلى تعميم أثرها في حياة المواطن


لم يكن خطاب العرش الذي وجهه الملك محمد السادس إلى المغاربة مساء 29 يوليوز 2026 مجرد جرد لمنجزات سنة انقضت، ولا دفاعًا عن حصيلة حكومة توشك ولايتها على الانتهاء. كان، في بنيته العميقة، خطابًا عن حصيلة مسار، وعن انتقال المغرب من مرحلة أولى ركزت على بناء قوة الدولة وتحديث بنياتها الاستراتيجية، إلى مرحلة ثانية يفترض أن تجعل المواطن يشعر بالأثر المباشر لهذه القوة في حياته اليومية.


فبعد سبع وعشرين سنة من اعتلاء العرش، لم يتحدث الملك بمنطق المسؤول التنفيذي الذي يقدم تقريرًا قطاعيًا عن سنة مالية أو برنامج حكومي، بل بمنطق رئيس الدولة الذي يضع المنجزات الحالية داخل زمن استراتيجي طويل، يتجاوز عمر الحكومات والبرلمانات، ويستمر رغم تعاقب الأغلبية السياسية وتغير الوزراء والمسؤولين.../...

تونس: على عتبة الانفجار

 

حين يفشل الحكم الفردي في إنقاذ الدولة


لم يخرج التونسيون في صيف 2026 لأنهم استعادوا فجأة حنينًا إلى الأحزاب التي حكمت بعد الثورة، ولا لأنهم نسوا إخفاقات الانتقال الديمقراطي الذي أعقب سقوط زين العابدين بن علي. لقد خرجوا لأنهم بدأوا يكتشفون أن إسقاط الأحزاب من معادلة الحكم، وتركيز السلطات في يد رئيس واحد، لم يؤديا بالضرورة إلى دولة أكثر قوة، ولا إلى اقتصاد أكثر ازدهارًا، ولا إلى إدارة أكثر كفاءة.


فبعد خمس سنوات من الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها قيس سعيّد في 25 يوليوز 2021، بات الرئيس مسؤولًا بصورة مباشرة عن حصيلة الدولة؛ لأنه حلّ البرلمان، وأعاد تشكيل النظام الدستوري، وهمّش الأحزاب، وأضعف المؤسسات الوسيطة، ووسّع سلطة الرئاسة إلى درجة لم تعد تسمح له بإلقاء مسؤولية الفشل على شركائه أو خصومه.../...

مباراة الطب في قفص الاتهام

 

حين لا يكفي التفوق الدراسي، ويصبح مستقبل الشباب رهين مباراة تحاصرها الشبهات


انتقاء للكفاءة أم بوابة لإعادة إنتاج الامتياز؟

لم يعد النجاح في الباكالوريا، ولو بمعدل مرتفع، ضمانة لولوج التعليم العالي المتخصص في المغرب. فقد ينهي التلميذ سنوات دراسته بمعدل يفوق 18 من عشرين، ويصنف ضمن المتفوقين في مؤسسته أو جهته، ثم يجد نفسه خارج كليات الطب أو الهندسة أو المدارس العليا، بسبب مباراة إقصائية تختزل مساره الدراسي كله في اختبار لا يستغرق سوى ساعات قليلة.../...

عهد محمد السادس: بين التأْريخ والتقويم (03)

 


الوعد السياسي الأول: بين الانتقال الديمقراطي والتنمية بقيادة الدولة


لم يبدأ الوعد السياسي للعهد الجديد سنة 1999 من فراغ. فقد جاء انتقال العرش بعد مرحلة طويلة من حكم الحسن الثاني السلطوي، عرفت في سنواتها الأخيرة بداية مصالحة محسوبة مع المعارضة التاريخية، وفتحًا تدريجيًا للمجال السياسي، وإدماجًا جزئيًا لبعض القوى التي ظلت لعقود في موقع المعارضة الجذرية أو النقدية. وكانت تجربة التناوب التوافقي، بقيادة عبد الرحمن اليوسفي، التعبير الأبرز عن هذا التحول؛ إذ بدا أن الدولة، بعد سنوات طويلة من التوتر والصراع، اختارت أن تُدخل جزءًا من المعارضة إلى الحكم، لا بوصفه انتقالًا كاملًا للسلطة، بل بوصفه انتقالًا مضبوطًا داخل بنية ملكية قوية ومستمرة.../...

عهد محمد السادس: بين التأْريخ والتقويم (02)

 

عتبة العهد الجديد: انتقال العرش وسؤال الانتظار المغربي


لم يبدأ عهد محمد السادس من فراغ، فقد جاء انتقال العرش سنة 1999 بعد مرحلة طويلة من حكم الحسن الثاني، وهي مرحلة طبعت الدولة والمجتمع معًا؛ إذ تميزت، من جهة، ببناء مؤسسات الدولة بعد الاستقلال، وتثبيت السلطة المركزية، وترسيخ الملكية التنفيذية، وتميزت، من جهة أخرى، بإدارة صراعات سياسية حادة مع المعارضة، وسنوات من الاضطرابات والتوتر والانغلاق النسبي، ثم محاولات انفتاح ومصالحة جزئية في أواخر العهد.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: التفسير الموضوعي (03)

 

من تجزئة الآيات إلى بناء الرؤية الكلية


بعد التفسير الإصلاحي (01)  والتفسير الحركي (02)، برز في الفكر الإسلامي المعاصر اتجاه آخر حاول أن يتجاوز الطريقة التقليدية القائمة على تفسير القرآن آية بعد آية، وسورة بعد سورة، لينتقل إلى دراسة القرآن من جهة موضوعاته الكبرى. وقد عُرف هذا الاتجاه باسم التفسير الموضوعي (03).


والدافع إلى هذا المنهج مفهوم ومشروع في أصله. فقد لاحظ كثير من الباحثين أن التفسير التجزيئي، على أهميته، قد يشتت المعنى أحيانًا؛ إذ يشرح الآية في موضعها دون أن يجمع نظائرها في القرآن كله. ومن ثم قد يفهم القارئ حكمًا، أو مفهومًا، أو قضية من خلال موضع واحد، بينما القرآن قد تناولها في مواضع متعددة، وسياقات مختلفة، ودرجات متنوعة من البيان. فكان لا بد من منهج يجمع الآيات المتعلقة بموضوع واحد، ثم يستخرج منها رؤية قرآنية كلية.../...

رئيس الحكومة المقبل: هل يتجه المغرب إلى تكنوقراطي بلباس حزبي؟

 

بين الدولة الاجتماعية، وتعثر التسوية النهائية للصحراء، واستعجال أوراش 2030.


تمهيد

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، يتنامى الحديث في المغرب عن طبيعة الحكومة المقبلة، وعن الشخصية التي ستتولى رئاستها: هل يكون رئيس الحكومة زعيمًا حزبيًا بالمعنى التقليدي، أم تكنوقراطيًا يستند إلى غطاء حزبي وانتخابي؟ وهل ستفرز صناديق الاقتراع قيادة سياسية جديدة تحمل مشروعًا مستقلًا، أم أن طبيعة المرحلة ستفرض منذ البداية مواصفات محددة للشخصية القادرة على تدبيرها؟


وبعيدًا عن الأسماء المتداولة، وعن النتائج التي قد تفرزها الانتخابات، تبدو الحكومة المقبلة محكومة بثلاثة أوراش استراتيجية كبرى، تختلف في طبيعتها وآجالها، لكنها تجتمع في كونها تتجاوز البرامج الحزبية والولايات الحكومية الضيقة.../...

عهد محمد السادس: بين التّأريخ والتّقويم (01)

 

(ربع قرن من تحديث الدولة، في مغرب يسير بسرعتين)


توجد ثغرة معرفية واضحة في الكتابة عن الدول والأسر الحاكمة والعهود السياسية، تقع بين مفهوم التاريخ، ووظيفة المؤرخ، ومنهجية التأريخ، ومنطق الدولة، وإكراهات السياسة. فالدولة تميل، بطبيعتها، إلى تقديم تاريخها في صورة سردية للإنجاز والاستمرار والشرعية. والمؤرخ، حتى حين يتحرر من الرواية الرسمية، يظل غالبًا مشدودًا إلى ترتيب الوقائع، وتحليل السياقات، وربط الأحداث بأسبابها ونتائجها العامة. أما السياسة فتشتغل بمنطق مختلف، يقوم على التوازنات والمصالح وصناعة الخطاب وتبرير الاختيارات.


وبين هذه المستويات جميعًا تضيع أحيانًا وظيفة أخرى لا تقل أهمية: وظيفة التقويم.../...

إضراب المحامين: دفاع عن الاستقلال المهني، أم مقاومة لإنهاء الاحتكار؟

 

من غموض الأتعاب وغياب التخصص..

 إلى لوبيات الولوج والتكوين ورفض الرقابة على أموال الموكلين



حين تتحول المحاماة من الدفاع عن الحقوق إلى تعطيلها

حين تعلن جمعية هيئات المحامين بالمغرب مواصلة التوقف الشامل عن تقديم جميع الخدمات المهنية إلى أجل غير محدد، وتعليق العمل بنظام المساعدة القضائية تعيينًا وأداءً، فإن الأمر لا يعود مجرد احتجاج مهني على قانون مختلف بشأنه، بل يتحول إلى شلل مقصود لمرفق العدالة، يدفع ثمنه المواطن قبل الحكومة، والمتقاضي قبل وزير العدل، والمعتقل والمرأة المطلقة والعامل والمقاولة قبل المؤسسات التي صاغت القانون وصادقت عليه.


فالذي تتوقف مصالحه ليس عضوًا في الحكومة، ولا نائبًا برلمانيًا، ولا مسؤولًا عن إعداد المشروع، بل مواطن ينتظر جلسة قد تحدد حريته، أو أسرة تنتظر حكمًا بالنفقة، أو عامل يطالب بأجره، أو متضرر يسعى إلى تنفيذ حكم، أو صاحب دعوى يهدده فوات أجل الطعن أو التقادم. وهنا يظهر التناقض العميق في موقف الهيئات المهنية.../...

الأنبوب الأطلسي يسحب البساط من الجزائر

 

المغرب يبني ممر الطاقة القاري الذي تعجز الجغرافيا الجزائرية عن احتكاره


تمهيد

لم تمضِ سوى أيام قليلة على زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى برلين، وسعي الجزائر إلى تقديم نفسها شريكًا طاقيًا محوريًا لألمانيا وأوروبا، حتى جاء الرد من الضفة الأطلسية لإفريقيا.


ففي التاسع عشر من يوليوز 2026، احتضنت فريتاون، عاصمة سيراليون، القمة التاسعة والستين لرؤساء دول وحكومات المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، في سياق إقليمي اتجه نحو تثبيت مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي بوصفه مشروعًا جماعيًا للتكامل الطاقي، لا مجرد اتفاق ثنائي بين المغرب ونيجيريا.../...

ألمانيا والرهان الجزائري الخاسر

 

حين تحاول الجغرافيا منافسة النفوذ المغربي المتراكم في إفريقيا


لم تكن زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى ألمانيا مجرد محطة دبلوماسية عادية، ولا يمكن اختزال ما صدر عنها في البحث الألماني عن الغاز والهيدروجين الأخضر. فقد جاءت الزيارة في سياق إقليمي ودولي شديد الحساسية، يتسم بإعادة ترتيب الشراكات الأوروبية في شمال إفريقيا، وبتعاظم التقارب الفرنسي المغربي، وتراجع النفوذ الفرنسي التقليدي في الساحل، وصعود روسيا قوة أمنية رئيسية داخل مالي والنيجر وبوركينا فاسو.


ومن هنا يطرح الاتفاق الألماني الجزائري سؤالًا يتجاوز مضمونه المعلن: هل تراهن برلين فعلًا على الجزائر قوة إقليمية وبوابة أوروبية نحو الساحل وإفريقيا، أم أن الجزائر هي التي تحاول استثمار الحاجة الألمانية إلى الطاقة لتسويق دور سياسي أكبر مما تسمح به قدراتها الواقعية وشبكة علاقاتها الإقليمية؟ .../...

لامين يامال: إسباني حين ينتصر، ومغربي حين يُسأل عن أصوله

 


هل تحسم النجومية ما عجز الاندماج عن حسمه؟


لم يعد لامين يامال (أمين جمال) مجرد لاعب كرة قدم موهوب، ولا مجرد نجم قاد المنتخب الإسباني إلى لقب عالمي جديد. فقد أصبح، في سنوات قليلة، رمزًا لنقاش أوسع يتجاوز المستطيل الأخضر إلى أسئلة الهوية والهجرة والانتماء والدين والاندماج، بل وإلى الطريقة التي تعيد بها المجتمعات تعريف أبنائها حين ينجحون، وتتذكر أصولهم حين يتعثرون.


ومع تتويج إسبانيا بكأس العالم، عاد الجدل بقوة حول اختيار يامال تمثيل المنتخب الإسباني بدل المنتخب المغربي، بحكم أصوله المغربية من جهة الأب، وانتمائه الديني والثقافي الذي ظل حاضرًا في سلوكه وصورته العامة.../...

بيغاسوس يعود في توقيت محسوب

 


من المستفيد من التشويش على التحالف الاستراتيجي المغربي الفرنسي؟


لم يكن اختيار يوم 16 يوليوز 2026 لإعادة فتح ملف «بيغاسوس» تفصيلًا زمنيًا عابرًا، كما لم يكن ما نُشر مجرد تحقيق صحافي منفرد ظهر مصادفة في إحدى الصحف. فقد أطلقت منظمة Forbidden Stories، في اليوم نفسه، عملية نشر متزامنة شاركت فيها صحيفة «لوموند» وأربع عشرة غرفة أخبار أخرى، من بينها مؤسسات إعلامية فرنسية ودولية وازنة، أعادت جميعها تقديم الاتهامات المتعلقة بالمغرب انطلاقًا من المادة المركزية نفسها، والمصدر المجهول نفسه، والمعطيات التقنية والوثائق ذاتها.


وهذا النشر الجماعي لا يعني أن خمس عشرة مؤسسة إعلامية أجرت خمس عشرة عملية تحقيق مستقلة وانتهت، كل واحدة منها على حدة، إلى النتيجة نفسها. فهو في جوهره عمل كونسورسيوم منسق، تتوزع داخله مهام البحث والتحرير والنشر، لكنه يستند إلى قاعدة مشتركة من المصادر والوثائق والخبرات. ولذلك فإن تعدد العناوين والمنابر لا يساوي بالضرورة تعدد الأدلة، بقدر ما يصنع ما يمكن تسميته تأثير الكتلة الإعلامية: يرى القارئ الاتهام يتكرر في عدد كبير من الصحف والإذاعات والمواقع في اللحظة نفسها، فيتهيأ له أنه أمام تقاطع مستقل لشهادات متعددة، بينما يتعلق الأمر في جانب كبير منه بتوزيع الرواية المركزية القديمة نفسها عبر قنوات مختلفة.../...

عن حب الوطن في زمن الإيديولوجيات العابرة للحدود

 

في معنى المواطنة حين تختلط الدولة بالسلطة


ليس حب الوطن شعارًا يُرفع عند الحاجة، ولا تهمة تُوزع على الخصوم، ولا صك ولاء يُقدَّم للسلطة، ولا قصيدة حماسية تُستدعى في لحظات الانتصار الرياضي أو التوتر السياسي. حب الوطن أعمق من ذلك كله. إنه وعي بمعنى الانتماء إلى أرض وشعب ومصير مشترك، وإدراك بأن الوطن ليس مجرد جغرافيا على الخريطة، ولا علمًا يرفرف فوق المؤسسات، بل ذاكرة جماعية، ولغة، وتاريخ، وألم مشترك، وأمل في مستقبل لا يملكه فرد ولا حزب ولا سلطة.


غير أن هذا المعنى يضيع حين تختلط المفاهيم في الوعي العام. فهناك من يجعل الوطن مرادفًا للنظام، فيرى كل نقد للسلطة خيانة، وكل مطالبة بالإصلاح تشويشًا، وكل معارضة خروجًا عن الصف الوطني. وهناك، في المقابل، من يجعل خصومته مع النظام خصومة مع البلد كله، فيفرح بأزماته، ويشمت في تعثراته، ويستقوي عليه بالخارج، كأن الوطن هو من ظلمه لا من أخطأ في تدبيره. وبين هذين الانحرافين تضيع الوطنية الحقيقية: وطنية لا تقدس السلطة، لكنها لا تهدم الدولة؛ لا تصفق للفساد، لكنها لا تفرح بانكسار البلاد.../...

المغرب وفرنسا: شراكة استراتيجية أم "إكس ليبان" جديدة؟

 

حين تحاول باريس العودة إلى إفريقيا من النافذة المغربية


لم تكن زيارة الوفد الفرنسي رفيع المستوى إلى المغرب مجرد محطة بروتوكولية عابرة في مسار العلاقات بين الرباط وباريس. فحجم الوفد، وطبيعة الملفات المطروحة، والحديث عن معاهدة صداقة تاريخية مرتقبة، كلها مؤشرات على أن البلدين يتحركان نحو إعادة صياغة العلاقة بينهما في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية. غير أن السؤال المغربي المشروع لا يتعلق فقط بعدد الاتفاقيات أو مجالات التعاون، بل بطبيعة هذه الشراكة نفسها: هل نحن أمام علاقة ندية بين دولتين مستقلتين، أم أمام إعادة تدوير للنفوذ الفرنسي القديم في صيغة استراتيجية جديدة؟ .../...

علي المرابط بين حرية التعبير ومسؤولية التشهير

 

ليست كل متابعة قمعًا، ولا كل تشهير صحافة.


أعادت واقعة توقيف الصحفي المثير للجدل علي المرابط، ثم إطلاق سراحه بعد الاستماع إليه من طرف النيابة العامة، النقاش المغربي القديم إلى واجهة الساحة: حرية الصحافة، حرية التعبير، حدود النقد، القانون الجنائي، قانون الصحافة، ومسؤولية الدولة في ضمان الحقوق. وكما كان متوقعًا، انقسم المشهد سريعًا بين من رأى في التوقيف دليلًا جديدًا على التضييق على الصحافة، ومن رأى فيه تطبيقًا عاديًا للقانون في مواجهة تصريحات اعتُبرت تشهيرية أو ماسّة بأشخاص ومؤسسات وطنية بما في ذلك المؤسسة الملكية .../...

المثقف والسخط المقدس: حين يكون نقد المجتمع شرطًا لإصلاح السلطة

 


عن مجتمع يلعن الفساد في القمة ويمارسه في التفاصيل اليومية


كثيرًا ما تُطرح أزمة الثقافة في العالم العربي من زاوية غياب المثقف. يقال إن المثقف انسحب، أو صمت، أو تراجع، أو فقد تأثيره، أو حل محله المؤثر السريع، والخطيب الشعبوي، والناشط الرقمي، وصانع الضجيج. غير أن هذا التشخيص، على وجاهته، يبقى ناقصًا ما لم نسأل سؤالًا أعمق: أي مثقف غاب؟ وما الدور الذي كان ينبغي أن ينهض به؟ وهل كانت أزمة الثقافة فعلًا نتيجة غياب المثقف، أم نتيجة اختزال وظيفته في نقد السلطة وحدها، وترك المجتمع خارج دائرة المساءلة؟ 


لقد تشكلت صورة المثقف في المخيال العربي الحديث، في الغالب، بوصفه صوتًا معارضًا للسلطة: يفضح الاستبداد، وينتقد الفساد، ويدافع عن الحريات، ويقف في وجه القمع، وينحاز إلى المقهورين. وهذا دور ضروري لا يمكن التقليل من شأنه؛ فلا ثقافة حية دون مساءلة السلطة، ولا كرامة سياسية دون نقد الاستبداد، ولا إصلاح للدولة دون كشف أعطابها. غير أن المأزق بدأ حين جرى اختزال المثقف في هذا الدور وحده، كأن المجتمع بريء دائمًا، وكأن السلطة فاسدة وحدها، وكأن الشعب ضحية مطلقة لا يشارك، من حيث يدري أو لا يدري، في إنتاج جزء من الفساد الذي يشتكي منه.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: التفسير الحركي (02)

 

حين يتحول القرآن إلى خطاب تعبئة وصراع


إذا كان التيار الإصلاحي الأول قد حاول أن يعيد القرآن إلى سؤال النهضة والعقل والحرية، فإن القرن العشرين شهد بروز اتجاه آخر أكثر حدة، يمكن تسميته بـ التفسير الحركي. وهذا الاتجاه لم يقرأ القرآن فقط بوصفه كتاب هداية فردية أو إصلاح اجتماعي، بل قرأه بوصفه كتاب حركة ومواجهة وتغيير وصراع بين الحق والباطل، وبين الإيمان والجاهلية، وبين الجماعة المؤمنة والواقع المنحرف.


وقد ارتبط هذا الاتجاه، بدرجات متفاوتة، بتجارب الحركات الإسلامية الحديثة، وبالتحولات السياسية الكبرى التي عرفها العالم العربي والإسلامي: سقوط الخلافة العثمانية، والاستعمار، وقيام الدولة الوطنية الحديثة، ونكبة فلسطين، وصعود القومية والاشتراكية، والاستبداد العسكري، والقمع السياسي، ثم ظهور الحركات الإسلامية بوصفها مشاريع بديلة تسعى إلى إعادة الإسلام إلى المجال العام.../...

ازدواج الجنسية والمسؤولية السياسية في المغرب

 


(حين يصبح تعدد الانتماء القانوني سؤالًا عن السيادة والولاء وتضارب المصالح)


تمهيد


لم يعد موضوع ازدواج الجنسية في المغرب مسألة شخصية تخص المهاجرين وأبناء الجالية وحدهم، بل بدأ يتحول إلى سؤال سياسي ودستوري يتعلق بطبيعة النخب التي تتولى تمثيل الدولة، وصناعة قوانينها، وإدارة مصالحها الاستراتيجية، والتفاوض باسمها مع دول أجنبية.


فمن الطبيعي أن يسعى المواطن العادي إلى الحصول على جنسية ثانية لأسباب متعددة؛ منها الإقامة الطويلة في بلد أجنبي، أو تسهيل السفر، أو تجاوز قيود التأشيرات، أو تحسين شروط العمل والاستقرار الاجتماعي، أو ضمان حقوق أبنائه وأسرته. ولا يجوز، من حيث المبدأ، اتهام مزدوجي الجنسية بضعف الوطنية أو التشكيك الجماعي في انتمائهم إلى المغرب، لأن الجنسية الأجنبية لا تلغي بالضرورة الارتباط بالوطن الأصلي، كما أن حمل الجنسية المغربية وحدها لا يشكل في ذاته ضمانة للنزاهة أو الإخلاص../....

كلمة "آمين" لم ترد في القرآن مطلقا

 

قراءة لسانية وتاريخية في لفظة عابرة للأديان


قليلة هي الكلمات التي يرددها المؤمنون في اليهودية والمسيحية والإسلام كما يرددون كلمة “آمين”. ينطقها اليهودي في صلاته، والمسيحي في كنيسته، والمسلم بعد فاتحته ودعائه، ومع ذلك لا يتوقف كثيرون عند معناها الدقيق، ولا عند سر بقائها ثابتة بنطقها في اللغات والمعتقدات كلها. والمفارقة الأهم أن هذه الكلمة، التي استقرت في وجدان المسلمين حتى كادت تبدو عند العامة جزءًا من ختام الفاتحة، لا ترد في القرآن الكريم بالمطلق، وليست من ألفاظه، ولا من بنية سوره وآياته.../...

بنكيران وخطاب الشتيمة: المسكوت عنه في معركة بلا مشروع

 

الإسلامويون بعد السلطة: 

حين تتحول الديمقراطية إلى سلّم مؤقت والدولة إلى شماعة


لا تكمن خطورة بعض الخطب السياسية في الكلمات التي تُقال فقط، بل في ما تكشفه تلك الكلمات من تحولات أعمق في البنية النفسية والسياسية لصاحبها. فالشتيمة، حين تصدر عن شخص عابر، قد تكون انفعالًا لحظيًا. أما حين تصدر عن زعيم حزبي سابق، ورئيس حكومة سابق، وأمين عام لحزب عرف تجربة طويلة في السلطة، فإنها لا تعود مجرد لفظة ساقطة في مهرجان خطابي، بل تصبح علامة سياسية تستحق القراءة.


من هنا لا ينبغي التعامل مع خرجة عبد الإله بنكيران الأخيرة بوصفها زلة لسان معزولة، أو مجرد لحظة غضب في سياق انتخابي متوتر. فالرجل لم يعد يتكلم من موقع معارضة تملك مشروعًا بديلًا، ولا من موقع زعامة حزبية تريد إقناع المجتمع ببرنامج جديد، بل من موقع سياسي يختلط فيه الحنين إلى زمن النفوذ، بألم الهزيمة، وبمحاولة استعادة الأضواء عبر الصدام اللفظي.../...

مونديال الشبهات.. حين تنتصر السياسة وتنهزم الرياضة

 


عندما تفقد كرة القدم براءتها


لم تعد كرة القدم، في نسختها العالمية الكبرى، مجرد لعبة تدور بين قدم وكرة وجمهور ينتظر النتيجة بشغف. لقد تحولت، بفعل تضخم المال والإعلام والسياسة والمراهنات، إلى صناعة كونية تتداخل فيها المصالح الرياضية بالاقتصادية، والحسابات التجارية بالرمزية السياسية، وصورة المنتخبات الكبرى بميزان الإشهار والرعاية والبث التلفزيوني. ومن هنا، لم يعد السؤال عن نزاهة مباراة ما مجرد انفعال جماهيري عابر، بل أصبح سؤالًا مشروعًا كلما تراكمت قرائن الغموض، وتكررت قرارات التحكيم المثيرة، وظهر أن بعض المنتخبات الكبرى تحظى بمعاملة مختلفة في اللحظات الحاسمة.../...

حين يفضح نجاح المغرب فشل العقل العروبي الشعاراتي

 


من ملاعب الكرة إلى مأزق العروبة العسكرية


لم تعد كرة القدم، في العالم العربي، مجرد لعبة يتنافس فيها اللاعبون داخل المستطيل الأخضر، ولا مجرد مناسبة عابرة للفرح أو الحزن أو الحماسة الرياضية. لقد تحولت، في لحظات كثيرة، إلى مرآة كاشفة لما يعتمل في النفوس من توترات، وما تختزنه الذاكرة السياسية من أحقاد، وما تخفيه الخطابات الكبرى من تناقضات عميقة بين ما تقوله الشعوب عن الأخوة والوحدة والتضامن، وما تمارسه بعض الجماهير والمنابر عند أول اختبار حقيقي.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03 - 1

 

من جمود التراث إلى سؤال التجديد


تمهيد

لم تولد مناهج التفسير المعاصرة في فراغ معرفي هادئ، بل نشأت في لحظة تاريخية مأزومة، وجد فيها المسلمون أنفسهم بين ثقل تراث طويل من الشروح والمذاهب، وصدمة حضارية عنيفة تمثلت في الاستعمار الغربي، وتفكك الدولة العثمانية، وانكشاف التخلف العلمي والسياسي والعسكري، وصعود الدولة الحديثة، وانتشار مفاهيم الحرية والدستور والنهضة والعقلانية والإصلاح.


لقد كان السؤال الذي واجه المسلمين في هذه المرحلة سؤالًا مزدوجًا: لماذا تأخر العالم الإسلامي وتقدم العالم الغربي؟ وكيف نقرأ القرآن من جديد بطريقة تساعدنا على الخروج من الانحطاط؟ لم يعد الإشكال محصورًا في معنى لفظ، أو حكم فقهي، أو مسألة كلامية، بل صار متعلقًا بمصير الأمة كلها: الاستبداد، والاستعمار، والجهل، والتخلف، والتواكل، والاستعباد، والفساد، وانهيار الشورى، وضعف العقل، وغياب الفاعلية الحضارية..../...

المغرب: من أجل وكالة وطنية مركزية للنانوتكنولوجيا

 

أسلحة ما بعد النووي، والسيادة العلمية، والاستعداد للحرب غير المرئية


تمهيد: حين تنتقل القوة من القنبلة التي تُرى إلى الجسيم الذي لا يُرى


ارتبط مفهوم أسلحة الدمار الشامل طوال القرن العشرين بصورة القنبلة النووية: انفجار هائل، وحرارة مدمرة، وإشعاع يمتد أثره إلى أجيال، وصاروخ أو طائرة تحمل السلاح من أراضي الدولة المهاجمة إلى أراضي الدولة المستهدفة. وقد أقامت القوى الكبرى توازنها العسكري على هذا النموذج، حتى أصبح امتلاك السلاح النووي عنوانًا للردع والسيادة والمكانة الدولية.


غير أن الثورة العلمية الجارية قد تدفع العالم نحو طور مختلف من التسلح، لا تكون فيه أخطر الأسلحة هي الأكبر حجمًا ولا الأعلى صوتًا، بل الأصغر والأخفى والأصعب اكتشافًا. فماذا لو لم تعد الدولة تحتاج إلى قنبلة تدمر مدينة كاملة في لحظات، وأصبح في إمكانها استخدام مواد أو أجهزة مجهرية تتسلل إلى الإنسان أو الآلة أو الماء أو الهواء، فتعطل جيشًا أو بنية تحتية حيوية أو منظومة اتصالات من دون انفجار ظاهر؟ وماذا لو أمكن تنفيذ هجوم واسع من دون أن تعرف الدولة المستهدفة على الفور هل تعرضت لعمل عسكري أم لوباء أم لعطل تقني أم لحادث بيئي؟.../...

هل خلق العلماء الحياة من لا شيء؟

 

خلية SpudCell بين الإنجاز العلمي، والمبالغة الإعلامية، والميزان القرآني


تمهيد

أثارت تجربة علمية أعلن عنها باحثون من جامعة مينيسوتا الأميركية موجة واسعة من الاهتمام، بعدما تناولتها وسائل إعلام دولية وعربية بعناوين توحي بأن العلماء نجحوا، للمرة الأولى، في «بناء خلية من الصفر»، تستطيع أن تتغذى وتنمو وتنسخ مادتها الوراثية وتنقسم كما تفعل الخلايا الحية.

وقدمت بعض التغطيات الإنجاز باعتباره خطوة كبرى نحو «صناعة الحياة»، وربطته بإمكان ظهور كائنات حية مصممة حسب الطلب، يمكن برمجتها مستقبلًا لإنتاج الأدوية والوقود والمواد الكيميائية، أو لاستخدامها في علاج السكري والسرطان ومعالجة التلوث وفهم نشأة الحياة الأولى.../...

المغرب والمنصة العسكرية الأطلسية الجديدة

 


هل يتحول الموقع المغربي إلى مركز ثقل استراتيجي بين أمريكا وإسرائيل وبريطانيا وفرنسا وكوريا الجنوبية؟


لم يعد تحديث الجيش المغربي مجرد مسألة تقنية تتعلق باقتناء أسلحة جديدة أو تحديث معدات قديمة، بل أصبح جزءًا من تحول أعمق في موقع المغرب داخل الخريطة العسكرية والاستراتيجية الغربية. فالمؤشرات المتراكمة خلال السنوات الأخيرة تكشف أن الرباط لم تعد تُعامل فقط بوصفها حليفًا مستقرًا في شمال إفريقيا، بل بوصفها منصة استراتيجية لإعادة توزيع الأدوار العسكرية واللوجستية والصناعية بين ضفتي المتوسط، والمحيط الأطلسي، والساحل الإفريقي.


هذا التحول لا يظهر في علاقة واحدة، ولا في صفقة واحدة، ولا في مناورة عسكرية واحدة، بل في تزامن عدة مسارات: خارطة طريق دفاعية مغربية أمريكية لعشر سنوات، تعاون تكنولوجي عسكري مع إسرائيل، شراكة استراتيجية متصاعدة مع بريطانيا، إعادة تأسيس للعلاقة مع فرنسا بعد أزمة طويلة، وانفتاح على كوريا الجنوبية في مجال الصناعات البحرية وبناء السفن. وإذا أضفنا إلى ذلك توتر العلاقة الأمريكية الإسبانية حول استعمال قواعد روتا ومورون، وبقاء مقر أفريكوم في ألمانيا بعيدًا عن القارة الإفريقية، فإن السؤال يصبح مشروعًا: هل يتحول المغرب إلى مركز ثقل عسكري غربي جديد جنوب المتوسط؟.../...

المغرب وأوروبا: من الطماطم والسردين إلى الصناعات المتقدمة

 

 حين يتحول المغرب من مورد تقليدي إلى منصة صناعية ثقيلة

تمهيد

طوال عقود، اعتادت أوروبا أن تنظر إلى المغرب من زاوية اقتصادية محدودة: بلد قريب جغرافيًا، مفيد فلاحياً، يصدر الطماطم، والحوامض، والسردين، والفوسفاط، وبعض المنتجات النسيجية، ويوفر يدًا عاملة وأسواقًا قريبة، لكنه لا يشكل تهديدًا حقيقيًا للصناعة الأوروبية الثقيلة أو المتقدمة. كانت العلاقة، في جوهرها، علاقة تكامل غير متكافئ: أوروبا تنتج التكنولوجيا والصناعة، والمغرب يزودها بما تحتاجه من مواد ومنتجات أقل قيمة مضافة.


لكن هذه الصورة بدأت تتغير بسرعة. فالمغرب في العهد الجديد، لم يعد يكتفي بأن يكون هامشًا فلاحيًا أو سوقًا استهلاكية أو قاعدة منخفضة الكلفة لبعض الصناعات التقليدية، بل بدأ يتحول إلى منصة صناعية مرتبطة بواحدة من أهم معارك القرن الحادي والعشرين: السيارات الكهربائية، وبطاريات الليثيوم، وسلاسل التوريد الخضراء، والنقل الكهربائي، والطاقة النظيفة.../...

صيغة الماضي في مشاهد القيامة: بين التحقق وسبق الوقوع

 


من قيامات الأمم والعوالم إلى القيامة الجامعة 


تمهيد: الزمن في أفق معنى قوله تعالى: 


﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الحديد: 3).


الإنسان لا يفكر في الزمن من فراغ، بل ينطلق من تجربته الأرضية المحدودة: من تعاقب الليل والنهار، وحركة الشمس والقمر، وتقسيم الساعات والأيام والشهور والأعوام، ومن شعوره بأن الماضي قد انقضى، وأن الحاضر لحظة ضيقة، وأن المستقبل لم يوجد بعد. ثم يحمل هذا النموذج معه إلى القرآن، فيحاول أن يفهم الزمن القدساوي في البرزخ والبعث والقيامة والحساب والجنة والنار داخل الخط الزمني نفسه الذي يقيس به حياته اليومية.


ومن هنا تنشأ أسئلة كثيرة تبدو لأول وهلة أسئلةً في النص، بينما هي في حقيقتها أسئلة ناتجة عن النموذج الزمني الذي فُرض عليه: كم سنة يبقى الميت في البرزخ من ساعة الموت إلى يوم القيامة؟ وكيف تمر عليه هذه السنين؟ وكيف يُحاسَب هذا العدد الهائل من الخلق؟ وكيف يتحدث القرآن عن أحداث مستقبلية بصيغة الماضي وهي لم تقع بعد؟ وهل قيامة البشر هي النهاية المطلقة لكل خلق وفعل إلهي؟ وهل ما نسميه «اليوم الآخر» يوم واحد بالمعنى العددي البشري، أم طور وجود كامل تتعدد داخله المقامات والمشاهد؟ .../...

كوفيد في ميزان القرآن: حين يتحول العلم من أمانة إلى سلطة

 

حين يدخل الفيروس إلى مختبرات السياسة، لا يعود الخطر بيولوجيًا فقط؛ بل يصبح الخوف نفسه مادةً للتوجيه، والاحتكار، وصناعة الطاعة.


تمهيد: الإعلان الذي أعاد فتح الجرح

أعاد الإعلان الصحفي الصادر عن مكتب مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية، في 18 يونيو 2026، فتح واحد من أخطر ملفات العصر الحديث: منشأ فيروس كوفيد-19، وحدود العلاقة بين المختبر، والسياسة، والمال، والخوف، وصناعة الرواية العامة. فقد أعلنت تولسي غابارد، مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية، نشر وثائق جديدة تتهم أنتوني فاوتشي، المدير السابق للمعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المعدية، بأنه موّل، بأموال دافعي الضرائب، أبحاثًا خطرة على فيروسات كورونا الخفاشية في معهد ووهان الصيني، وأن هذه الأبحاث صارت تُطرح اليوم، داخل هذا الخطاب الرسمي، بوصفها مصدرًا محتملًا لتسرب مختبري غير مقصود أشعل الجائحة على مستوى العالم.../...

الحرب الروسية الأوكرانية إلى أين؟

 

من حرب الاستنزاف إلى سؤال الحسم التكتيكي أو التحالف الاستراتيجي

(تحليل سياسي)

تمهيد: 

لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية حربًا محدودة بين جيشين على خطوط تماس واضحة، ولا مجرد نزاع إقليمي حول حدود وسيادة ونفوذ. لقد تحولت، بعد سنوات من القتال والاستنزاف، إلى مواجهة مركبة بين اقتصاد حرب روسي يريد الصمود طويلًا، ومنظومة غربية تسعى إلى رفع كلفة هذا الصمود حتى يصبح مكلفًا على موسكو أكثر مما تحتمل، أو على الأقل أكثر مما تستطيع تحويله إلى نصر سياسي واضح.


في بدايات الحرب، كان السؤال المركزي: هل تسقط كييف؟ ثم صار السؤال: هل تستطيع أوكرانيا الصمود؟ وبعد ذلك أصبح السؤال: هل تستطيع روسيا فرض واقع ميداني نهائي؟ أما اليوم، فإن السؤال يبدو أعمق وأخطر: هل دخلت الحرب مرحلة البحث عن حسم تكتيكي أو تحالف استراتيجي يخرجها من منطق الاستنزاف الطويل، خصوصًا بعدما بدا أن كل طرف عاجز عن فرض نصر شامل، وقادر في الوقت نفسه على منع هزيمة كاملة؟.../...

مناهج التفسير القديمة (02)

 

(أنواع التفسير: من الرواية واللغة إلى الكلام والإشارة)


تمهيد: التفسير القديم ليس كتلة واحدة


لا يصح النظر إلى التفسير القديم بوصفه كتلة واحدة متجانسة، كما لا يصح التعامل معه بوصفه حقيقة نهائية مغلقة لا تقبل المراجعة. فقد نشأت مناهج التفسير الأولى داخل سياق تاريخي شديد التعقيد، اختلطت فيه الحاجة إلى بيان القرآن بالحاجة إلى ضبط الجماعة، وتداخل فيه اللسان بالرواية، والفقه بالسياسة، والكلام بالعقيدة، والزهد بالذوق الروحي، ثم تحولت هذه الجهود المتعددة مع الزمن إلى تراث واسع، فيه من العلم والبيان والاجتهاد ما لا يُنكر، وفيه أيضًا من أثر المذهب والسلطة والإسرائيليات والتأويلات المتنازعة ما لا يجوز إغفاله.../...

سيكولوجيا الدَّيْن وسوسيولوجيا التديُّن: كيف أعاد القرآن صياغة العقد البشري؟

 


تمهيد


لطالما سُجن مفهوم الدين في الوعي العام داخل قفص الشعائر المكررة والطقوس الجنائزية والمظاهر الهوياتية، حتى صار في كثير من الأحيان أقرب إلى علامة انتماء اجتماعي منه إلى نظام هداية وعدل ومسؤولية. ومع مرور الزمن، تحوّل الدين في المخيال الجمعي من قوة لتحرير الإنسان وإقامة القسط إلى مجال للفرار من الواقع، أو للاختباء خلف الطقس، أو لتبرير السلطة، أو لتغذية الانقسام المذهبي.../...

مفاهيم قرآنية: المشهد النوراني الأول

 

من الطين إلى الأسماء:

 الإنسان بين نور الاستخلاف ونداء الرجوع

(مبحث ديني)


تمهيد: حين اختُزلت قصة آدم في الخلق وغاب سرّ الاستخلاف


من أكثر القصص القرآنية حضورًا في الوعي الديني قصة آدم. ومع ذلك، فإن هذا الحضور الكثيف لم يمنع أن تُقرأ القصة في الغالب الأعم قراءة جزئية، تختزلها في مسائل متفرقة: هل كان آدم أول البشر؟ وهل خُلقت حواء من ضلعه؟ وما الشجرة التي أكل منها؟ ولماذا سجدت الملائكة له؟ وهل كان إبليس من الملائكة أم من الجن؟ وهل كان السجود سجود تحية أم سجود تكريم؟ ثم تتوقف القراءة عند هذه الأسئلة، أو تدور حولها، دون أن تنفذ إلى البنية العميقة والمدهشة التي يكشفها المشهد القرآني العظيم.


لقد تعامل كثير من التفسير التراثي مع القصة بوصفها حكاية بداية الخلق على غرار السرديات الكتابية السابقة، أو واقعة غيبية مفصولة عن البناء العام لمفهوم الإنسان، بينما يفصح القرآن عن شيء أعمق: نحن أمام مشهد كوني مؤسس، لا يتحدث عن خلق جسد من طين فحسب، بل عن انتقال من البشر بوصفه كائنًا أرضيًا قابلًا للإفساد وسفك الدماء، إلى آدم بوصفه الإنسان الأخلاقي العاقل والمُعلَّم، المؤهل لحمل الأمانة، والقيام بمهمة الاستخلاف، والدخول في عالم الابتلاء والذكر ، ومن ثم الرجوع من حيث أتى ملبّيا نداء الجنة.../...

إمارة المؤمنين بميزان قرآني

 


بين الدبلوماسية الدينية وأمانة حماية السلم الإفريقي

(حين يجتمع العلماء لا لتوسيع سلطان، بل لحماية الإنسان من الغلو والعنف، يصبح الدين جسرًا للتعارف والسلم، لا راية للهيمنة أو الصراع).


تمهيد

حين يدعو المغرب إلى ندوة تجمع علماء الدول الإفريقية حول موضوع إمارة المؤمنين وامتداداتها الدينية والتاريخية في إفريقيا، فإن السؤال لا ينبغي أن يُطرح بسطحية أو استعجال:


هل نحن أمام دبلوماسية دينية تستعمل الدين في السياسة، وتوظف الشرعية الروحية لتوسيع النفوذ المغربي في القارة الإفريقية؟ أم أمام مبادرة تحمل همًا إنسانيًا، ودينيًا، وتنمويًا أعمق، لأن الإرهاب الذي يضرب إفريقيا اليوم لم يعد مجرد انحراف ديني معزول، بل صار جزءًا من معركة كبرى على السلم، والاستقرار، والتنمية، وكرامة الإنسان الإفريقي؟.../...