المغرب وإسبانيا: هل تتغير قواعد الردع على ضفتي المضيق؟


 كيف تعيد الصواريخ والمسيّرات والتصنيع العسكري وشبكات التحالف 

رسم الجغرافيا الاستراتيجية لغرب المتوسط؟


تمهيد: حين انتقلت ساحة الحرب الافتراضية من سبتة إلى الأندلس وجزر الكناري


ظل التفكير في أي مواجهة عسكرية افتراضية بين المغرب وإسبانيا مرتبطًا، لعقود، بجغرافيا تبدو شبه ثابتة: سبتة ومليلية في الواجهة، وشمال المغرب والضفة الجنوبية للمضيق في مقابل جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية الذي يؤدي وظيفة العمق الخلفي للقوات الإسبانية. وضمن هذه الصورة، كان السؤال العسكري التقليدي يدور أساسًا حول قدرة المغرب على تهديد المدينتين أو الدفاع عن ساحله ومجاله الجوي، أكثر مما كان يتعلق بإمكان امتداد المواجهة إلى القواعد والمنشآت الموجودة داخل الأراضي الإسبانية نفسها.


غير أن هذا التصور بدأ يفقد شيئًا من صلابته مع التحول المتسارع في القدرات العسكرية المغربية. فالمسألة لم تعد مقتصرة على تحديث الطائرات المقاتلة أو اقتناء مدرعات ومدفعية أكثر تطورًا، وإنما أخذت تشمل الاستطلاع والمراقبة، والطائرات غير المأهولة، والدفاع الجوي، والنيران الدقيقة بعيدة المدى، وأنظمة القيادة والسيطرة، إلى جانب بداية بناء قاعدة صناعية عسكرية محلية وشبكة متزايدة من الشراكات الدفاعية والتكنولوجية.../...

هل تستعد أوروبا لمواجهة روسيا من دون أمريكا؟

 

الحرب الروسية الأوكرانية تدفع أوروبا إلى إعادة التسلح والاستعداد المدني

 في اختبار جديد للنظام الأمني الأطلسي


تمهيد: حين بدأت الحرب تقترب من حدود الناتو


حين اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية على نطاق واسع في فبراير 2022، بدا الخط الفاصل واضحًا نسبيًا بين ساحة الحرب ومجال حلف شمال الأطلسي. كانت أوكرانيا تخوض الحرب على أراضيها، فيما تدعمها الدول الغربية بالسلاح والمال والمعلومات والتدريب، مع حرص الناتو على تجنب الانتقال من دعم كييف إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع موسكو.


لكن استمرار الحرب واتساع وسائلها ومدياتها أخذا يضغطان تدريجيًا على هذا الفصل. فكلما ازدادت قدرة أوكرانيا على ضرب أهداف أعمق داخل روسيا، وتوسعت نوعية المساعدات الغربية، ازداد الاحتكاك بين موسكو ودول الحلف. ولم تعد آثار الحرب تتوقف عند الحدود الأوكرانية، بل ظهرت في أجواء بولندا ورومانيا ودول البلطيق، وفي البحر الأسود وبحر البلطيق، وفي الهجمات السيبرانية والعمليات الهجينة والتهديدات التي تطال البنى التحتية الحيوية.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: القراءة الحضارية والسننية (07)

 

القرآن بوصفه كتاب بناء لا كتاب وعظ فقط


من المناهج التي أخذت تتشكل في الفكر الإسلامي المعاصر ما يمكن تسميته بـ القراءة الحضارية والسننية للقرآن. وهي قراءة لا تكتفي بالنظر إلى القرآن بوصفه كتاب عقائد وأحكام ومواعظ، بل تقرؤه بوصفه كتابًا يكشف سنن قيام الأمم وسقوطها، وشروط النهوض، وأسباب الهلاك، وقوانين التدافع، ومسؤولية الإنسان في بناء العمران على أساس العدل والتوحيد.


وهذا الاتجاه يختلف عن القراءة الوعظية التي تكتفي بإثارة العاطفة، كما يختلف عن القراءة الفقهية التي تركز على الأحكام التفصيلية، وعن القراءة الكلامية التي تنشغل بقضايا العقيدة المجردة. فالقراءة الحضارية تسأل: ماذا يقول القرآن عن حركة التاريخ؟ كيف تنهض أمة؟ لماذا تسقط الأمم؟ ما علاقة الإيمان بالعمل؟ ما أثر الظلم والفساد في انهيار المجتمعات؟ كيف تتحول النعم إلى نقم؟ كيف تعمل السنن الإلهية في الاجتماع البشري؟ .../...

أي رئيس حكومة يحتاجه المغرب في المرحلة المقبلة؟ (3)

 

من دولة بسرعتين إلى دولة بجناحين


تمهيد


في المقالين السابقين من هذه السلسلة، لم يكن السؤال عن الأشخاص بقدر ما كان عن النماذج التي اختبرها المغرب في رئاسة الحكومة خلال السنوات الأخيرة. فقد حمل وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة سنة 2011 اختبارًا لخيار سياسي ذي مرجعية إسلامية، في سياق أعقب احتجاجات 20 فبراير ودستورًا جديدًا أعاد تنظيم موقع رئيس الحكومة داخل البناء الدستوري. وبعد عشر سنوات، حمل وصول عزيز أخنوش سنة 2021 اختبارًا مختلفًا: رجل أعمال راكم تجربة طويلة في تدبير قطاعات استراتيجية، ودخل رئاسة الحكومة محمولًا على خطاب الكفاءة والنجاعة والقدرة على نقل منطق التدبير والنتائج إلى العمل الحكومي.


ولا يعني تقويم التجربتين اختزالهما في النجاح أو الفشل. فقد عمل كل نموذج داخل شروط سياسية واقتصادية واجتماعية مختلفة، وحقق نتائج وكشف في الوقت نفسه عن حدود ظهرت عند الانتقال من الوعود أو الخبرة القطاعية إلى إدارة التعقيد الذي تمثله الدولة والمجتمع معًا. ولذلك قد لا يكون السؤال الأهم، عشية دخول المغرب مرحلة سياسية جديدة: هل يحتاج إلى إسلامي آخر، أم رجل أعمال آخر، أم تقنوقراطي جديد؟ بل: ما الذي يحتاجه المغرب نفسه الآن، وأي وظيفة ينبغي أن يؤديها رئيس الحكومة في هذه المرحلة؟.../...

أي رئيس حكومة يحتاجه المغرب في المرحلة المقبلة؟ (2)

 

هل نجح نموذج رجل الأعمال في إدارة الدولة؟


تمهيد


إذا كان المقال الأول قد انتهى إلى أن عودة حزب العدالة والتنمية انتخابيًا لا تعني بالضرورة عودة النموذج الذي مثله إلى الصلاحية نفسها لقيادة المرحلة المقبلة، فإن التجربة التي خلفته تطرح سؤالًا مختلفًا. ففي انتخابات 2021 لم ينتقل المغرب فقط من حزب إلى حزب آخر، بل انتقل، في صورة رئيس الحكومة على الأقل، من سياسي إسلاموي تشكل أساسًا داخل العمل الحزبي والحركي إلى رجل أعمال أوليغارشي راكم تجربة طويلة في تدبير قطاع اقتصادي استراتيجي قبل أن يصل إلى رئاسة السلطة التنفيذية.


وقد قدم هذا الانتقال، بصورة مباشرة أو ضمنية، وعدًا مختلفًا عن وعد 2011. فلم يعد الرهان الأساسي على المرجعية أو الخطاب الأخلاقي ومحاربة الفساد، وإنما على الكفاءة والنجاعة والقدرة على الإنجاز. فالدولة، وفق هذا التصور، تحتاج إلى من يعرف كيف يدير المشاريع، ويعبئ الاستثمار، ويحدد الأهداف، ويتابع النتائج، وينقل إلى العمل الحكومي بعضًا من ثقافة الأداء التي يقوم عليها تدبير المؤسسات الاقتصادية الكبرى.../...

أي رئيس حكومة يحتاجه المغرب في المرحلة المقبلة؟ (1)

 

هل يمكن العودة إلى الخيار الإسلاموي؟


تمهيد


تدخل الانتخابات التشريعية المغربية لسنة 2026 في سياق يختلف في كثير من عناصره عن السياقات التي أفرزت الحكومات السابقة. فالسؤال المطروح هذه المرة لا يتعلق فقط بالحزب الذي سيتصدر الانتخابات أو بالتحالف الذي سيتمكن من تشكيل الأغلبية، وإنما يمتد إلى سؤال أعمق: أي نوع من رؤساء الحكومات يحتاجه المغرب في المرحلة المقبلة؟


خلال خمسة عشر عامًا تقريبًا، عرف المغرب تجربتين سياسيتين مختلفتين في الصورة التي قدمتا بها نفسيهما للرأي العام. جاءت الأولى مع صعود حزب العدالة والتنمية، حاملة خطابًا ذا مرجعية إسلامية ووعدًا بإصلاح السياسة ومحاربة الفساد وإعادة الاعتبار للعمل الحزبي. ثم جاءت تجربة عزيز أخنوش سنة 2021 في سياق مختلف، مقدمة نموذج رجل الأعمال الذي يفترض أن ينقل إلى تدبير الحكومة منطق الكفاءة والنجاعة والاستثمار والقدرة على الإنجاز.../...

ما معنى «الأمي» في القرآن؟

قراءة من داخل شبكة الاستعمال القرآني


تمهيد


ارتبط وصف محمد عليه السلام بـ«النبي الأمي» في الوعي الإسلامي ارتباطًا وثيقًا بفكرة أنه لم يكن يقرأ ولا يكتب، حتى أصبح معنى «الأمي» في هذا السياق يبدو بديهيًا لا يحتاج إلى بحث. ومن ثم انتقل النقاش غالبًا إلى سؤال تاريخي: هل كان محمد يعرف القراءة والكتابة؟ واستُحضرت للإجابة عنه أخبار السيرة وبعض الآيات التي تتحدث عن علاقته بالكتاب قبل نزول القرآن.


غير أن هذا السؤال، على أهميته، يفترض مسبقًا أن معنى «الأمي» قد حُسم، وأن الكلمة تدل أصلًا على عدم معرفة القراءة والكتابة. بينما يقتضي البحث من داخل القرآن أن يسبق ذلك سؤال أبسط وأكثر تأسيسًا: ماذا يعني القرآن نفسه حين يستعمل لفظ «الأمي»؟ .../...

هل يعيد المغرب رسم خريطته الاستراتيجية؟

 

من باريس ومدريد إلى تعدد البوابات نحو آسيا وأمريكا وأوروبا وإفريقيا


تمهيد


خلال أسابيع قليلة، تراكمت في غرب المتوسط وإفريقيا وأوروبا وقائع تبدو، للوهلة الأولى، منفصلة بعضها عن بعض. ففي إسبانيا، انتقلت الأزمة المرتبطة بأحداث سبتة من الجدل حول تدبير الحدود والهجرة إلى حملة سياسية وإعلامية مست المغرب ومؤسساته ورموزه، وبلغت من الحدة ما دفع الرباط إلى الرد بخطاب واضح يرفض تحويل المملكة إلى مادة للصراع السياسي الداخلي الإسباني. وفي فرنسا، تأجلت إلى بداية سنة 2027 زيارة الدولة التي كان يفترض أن يقوم بها الملك محمد السادس إلى باريس لتتويج مرحلة المصالحة وإطلاق «الشراكة الاستثنائية الوطيدة» بين البلدين، وإن كانت المعطيات المنشورة تربط التأجيل أساسًا باستكمال إعداد المعاهدة الاستراتيجية الكبرى وبالروزنامة السياسية للبلدين، ولا تقدم دليلًا على وجود أزمة جديدة بين الرباط وباريس.../...

الجنسية والذاكرة التاريخية في إسبانيا

 

من تجنيس الصحراويين والسفارديم إلى سؤال حقوق الموريسكيين


تمهيد


في العاشر من سبتمبر/أيلول 2026، أعاد مجلس النواب الإسباني فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في علاقة إسبانيا بذاكرتها التاريخية، حين وافق على مقترح قانون يتيح لفئات من الصحراويين المولودين في الصحراء الغربية قبل 29 سبتمبر/أيلول 1977، ولأبنائهم من الدرجة الأولى وفق الشروط التي يحددها النص، طريقًا استثنائيًا لاكتساب الجنسية الإسبانية خلال أجل محدد. ولم يكن التصويت مجرد تعديل تقني لقواعد الجنسية؛ فقد جرى في ظل نزاع الصحراء الغربية المستمر، وفي لحظة تتسم بحساسية خاصة في العلاقات المغربية الإسبانية، فيما تابع الجلسة ممثلون صحراويون من داخل البرلمان. وهكذا التقت في تصويت واحد قضايا تبدو للوهلة الأولى منفصلة: الجنسية، والذاكرة الاستعمارية، والمسؤولية التاريخية، والنزاع على الإقليم، والعلاقة بين الدولة وأشخاص كانوا في مرحلة سابقة خاضعين لسلطتها.../...

سبتة ومليلية وتقرير المصير

 

من يملك حق تقرير سيادة الإقليم: السكان أم الدولة؟


تمهيد


أعادت أزمة سبتة الأخيرة إلى الواجهة سؤالًا ظلت العلاقات المغربية الإسبانية تديره أكثر مما تحله: هل وضع سبتة ومليلية قضية أغلقها التاريخ، أم أن النزاع حول السيادة عليهما ما زال قائمًا، حتى وإن لم يكن موضوع تفاوض رسمي بين الرباط ومدريد؟


بالنسبة إلى إسبانيا، يبدو الجواب محسومًا. فقد أكد رئيس الحكومة بيدرو سانشيز أمام البرلمان في 3 سبتمبر 2026 أن سبتة ومليلية إسبانيتان منذ قرون، واستند إلى معاهدة واد راس ليقول إن السيادة الإسبانية عليهما ترسخت «إلى الأبد»، قبل أن يضيف أنهما ستظلان كذلك «حتى نهاية الزمان». ولم يكن وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس أقل وضوحًا عندما رفض إمكان التفاوض بشأن السيادة الإسبانية على المدينتين، مؤكدًا أن هذا الموضوع لا يدخل أصلًا ضمن القضايا القابلة للنقاش بين البلدين.../...

صدمة سبتة: لماذا تخشى إسبانيا المغرب الجديد؟

 

سيناريوهات المستقبل

من تغير ميزان العلاقات إلى تصعيد يصعب التحكم فيه


لم تبدأ المطالبة المغربية بسبتة ومليلية مع الأزمات الأخيرة التي عرفتها العلاقات بين الرباط ومدريد، ولم تولد من التحولات التي يشهدها المغرب في السنوات الأخيرة. ففي 30 يوليو 1956، بعد أشهر قليلة فقط من حصول المغرب على استقلاله، سجلت مذكرة سرية أميركية تصريحات للملك محمد الخامس أكد فيها أن المغرب وحكومته سيبذلان كل جهد لاستعادة السيادة على الأراضي التي يعتبرانها مغربية، وسمّت الوثيقة صراحة إفني ووادي الذهب ومليلية وسبتة وشمال موريتانيا، إلى جانب تصحيح الحدود الجزائرية. ولم يكن الأمر مجرد تصور عابر في لحظة الاستقلال؛ فقد استعادت الرباط طرفاية سنة 1958 وإفني سنة 1969، بينما بقيت سبتة ومليلية خارج السيادة المغربية، واستمرت المطالبة بهما بأشكال ودرجات مختلفة عبر العهود اللاحقة. وتؤكد وثيقة استخباراتية أميركية أخرى من السبعينيات أن المغرب، منذ استقلاله سنة 1956، طالب بالممتلكات الإسبانية في شمال غرب إفريقيا، بما فيها المدينتان.../...

إشكالية العبادة في خطاب محمد الفايد: الصلاة نموذجا

 

الجزء الثاني

الصلاة والركوع والسجود في ميزان القرآن


تمهيد: من سؤال «الله الحقيقي» إلى سؤال «العبادة الحقيقية»


أثار محمد الفايد في حديثه عن «الله الحقيقي» سؤالين متلازمين. يتعلق الأول بتصور الله نفسه، حين قرر أن «الله الذي تعبدونه ليس الله الحقيقي»، وأحال في البحث عنه إلى سبينوزا والحلاج. أما الثاني فيتعلق بالعبادة التي تليق بهذا الإله، حين اعترض على أن يُعبد الله «بالحس» أو «بالجسم»، وانتقد الركوع والسجود والحركات التي يؤديها المسلمون في صلاتهم، وذهب في وصف بعضها إلى استعمال عبارة «الحركات السخيفة».


وقد تناولنا السؤال الأول في دراسة مستقلة، انتهت إلى أن الاعتراض على بعض التصورات البشرية أو المكانية عن الله لا يكفي لإثبات أن «الله الحقيقي» هو إله سبينوزا، وأن القرآن يقدم بناءً مختلفًا للعلاقة بين الله والعالم والإنسان؛ فهو ينزه الله عن المماثلة، ويثبت في الوقت نفسه الخلق والربوبية والقرب والإرادة والأمر، ويحافظ على التمايز بين الرب والعبد والخالق والمخلوق.../...

المصالح المغربية: الإسبانية في ميزان النظرية العلائقية

 

دراسة

من الاعتماد المتبادل إلى بناء البدائل وحدود الإكراه الاقتصادي


تمهيد: من أزمة سبتة إلى سؤال الإكراه الاقتصادي


أعادت أزمة سبتة الأخيرة العلاقات المغربية–الإسبانية إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي، لكنها فعلت ذلك هذه المرة في سياق مختلف عن الأزمات السابقة. فإلى جانب الأسئلة المرتبطة بالهجرة والحدود والسيادة، ظهر في الخطاب الإسباني احتمال اللجوء إلى أدوات اقتصادية للضغط على المغرب إذا تكررت محاولات العبور الجماعي نحو المدينة. وتداولت وسائل إعلام إسبانية، في هذا السياق، معلومات عن إعداد الحكومة سرًّا خططًا للتعامل مع سيناريو من هذا النوع، شملت إمكان استخدام بعض مجالات التعاون الاقتصادي والطاقي في إدارة الأزمة.


ولا تكمن أهمية هذا الاحتمال في معرفة ما إذا كانت مدريد ستنفذ مثل هذه الإجراءات فعلًا، بقدر ما تكمن في السؤال الذي يطرحه حول طبيعة العلاقة بين البلدين. فالحديث عن استخدام الطاقة أو الكهرباء أو التجارة أو غيرها من أدوات الضغط يفترض وجود درجة من الاعتماد المغربي على وظائف تؤديها إسبانيا، كما يفترض أن تعطيل هذه الوظائف يمكن أن يولد كلفة تدفع الرباط إلى تعديل سلوكها. ومن ثم، فإن التهديد الاقتصادي، حتى قبل تنفيذه، يكشف تصورًا معينًا لتوزيع القوة داخل العلاقة المغربية–الإسبانية.../...

إشكالية «الله الحقيقي» في خطاب محمد الفايد

 


الجزء الأول

سبينوزا والحلاج في ميزان القرآن


تمهيد


أثار خبير التغذية المغربي محمد الفايد موجة جديدة من الجدل بعد تصريحات تجاوزت هذه المرة عددًا من القضايا الفقهية والحديثية التي سبق أن أثارت حوله نقاشًا واسعًا، لتصل إلى سؤال يقع في صميم التصور الديني نفسه: من هو الله الحقيقي؟ فقد قال، في عبارة شديدة الدلالة، إن «الله الذي تعبدونه ليس الله الحقيقي»، قبل أن يحدد المرجعية التي يحيل إليها بالقول إن «الله الحقيقي» هو الذي تحدث عنه سبينوزا والحلاج. ولم يقف خطابه عند تحديد مفهوم الله، بل ربط ذلك بطريقة عبادته، فانتقد الركوع والسجود وبعض الحركات التي يؤديها المسلمون في الصلاة، انطلاقًا من تصوره أن «الله الجوهر» لا يعبد بهذه الكيفية، كما اعترض على تصور الله بوصفه بعيدًا في السماء، وكرر عبارة أن «الله فيك».


وكان متوقعًا أن تثير عبارات بهذه الحساسية ردود فعل قوية، غير أن السجال لم يبق في حدود الاعتراض الفكري والديني، بل انتقل في جانب منه إلى التكفير والمطالبة بالمتابعة القضائية بدعوى الإساءة إلى الدين والمقدسات. وهكذا أصبح النقاش موزعًا بين من يرى في خطاب الفايد هدمًا لثوابت الإسلام، ومن يتعامل معه باعتباره اجتهادًا تجديديًا ينبغي أن يواجه بالحجة لا بالتكفير أو القضاء. لكن الاصطفاف بين هذين الموقفين قد يحجب سؤالًا أسبق منهما: قبل الحكم على صاحب القول، ما مدى صحة القول نفسه؟ وما المقصود أصلًا بـ«الله الحقيقي»؟ وبأي معيار يمكن للإنسان أن يقرر أن تصورًا لله أكثر مطابقة للحقيقة من تصور آخر؟.../...

فرنسا.. الفاعل الغائب في معادلة سبتة

 

من التقارب الإسباني-الجزائري إلى أزمة 30 يوليو: 

كيف أعادت العلاقات بين العلاقات تشكيل غرب المتوسط؟


تمهيد: ما الذي تخفيه أزمة سبتة؟


منذ أن انفجرت أحداث سبتة في 30 يوليو 2026، انصب جانب كبير من الاهتمام السياسي والإعلامي على الأسئلة المباشرة التي فرضها حجم العبور الجماعي نحو المدينة: من حرك عشرات الآلاف باتجاه الحدود؟ وهل كان ما وقع تدفقًا عفويًا غذته شبكات التواصل الاجتماعي، أم عملية منظمة تقف خلفها جهة ما؟ وماذا كانت تعرف أجهزة الاستخبارات الإسبانية قبل وقوع الحدث؟ وهل كان انهيار المراقبة على الجانب المغربي مجرد عجز ظرفي عن احتواء التدفق، أم أن وراءه حسابات سياسية تتجاوز الحدود؟


ازدادت هذه الأسئلة إلحاحًا مع توالي المعطيات اللاحقة: ظهور مؤشرات عن مساهمة شبكات وحسابات رقمية مرتبطة بالفضاء الجزائري في التعبئة، والخلاف داخل الحكومة الإسبانية حول طبيعة التحذيرات الاستخباراتية التي سبقت 30 يوليو، ودخول القضاء على خط التحقيق في المعلومات التي كانت متاحة قبل الأزمة، ثم انتقال تداعياتها من الحدود إلى الشارع والأمن والسياسة، وصولًا إلى التعامل معها باعتبارها مسألة تمس الأمن القومي الإسباني.../...

مفهوم الربوبية في القرآن


من الإقرار بأن الله رب إلى العيش بمقتضى ربوبيته


يفتتح القرآن فاتحته، ويفتتح المؤمن قراءته بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الفاتحة: 2). وقد تبدو هذه العبارة، لكثرة تردادها، تقريرًا إيمانيًا مألوفًا لا يحتاج إلى مزيد من التأمل. غير أن موقعها في فاتحة الكتاب يكشف عن معنى أعمق؛ فالقرآن لا يقدم الله ابتداءً بوصفه رب جماعة أو أمة أو مجال مخصوص من الحياة، وإنما بوصفه ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.


لكن هذه العبارة التي تبدو واضحة تضعنا أمام سؤال سابق على البحث في معنى الربوبية نفسها: من هم ﴿الْعَالَمِينَ﴾؟ 


فإذا كنا نريد أن نفهم معنى أن يكون الله رب العالمين، فلا يكفي أن نبحث في معنى «الرب»، بل ينبغي أن نحدد أيضًا نطاق «المربوب» الذي تتعلق به هذه الربوبية. وهنا قد يكون المألوف الديني نفسه حجابًا يحول دون رؤية اتساع المفهوم القرآني.../...

هل بدأ المغرب معركة إجبار إسبانيا على التفاوض حول سبتة؟

 

قراءة في تصعيد الرسائل السياسية بين الرباط ومدريد


لم تعد أزمة سبتة التي اندلعت في 30 و31 يوليو 2026 مجرد أزمة هجرة جماعية على حدود مدينة تديرها إسبانيا ويطالب بها المغرب. فخلال أقل من شهر، انتقلت القضية من السياج الحدودي إلى تصريحات الوزراء، ومنها إلى النقاش حول الضغط السياسي عن طريق الطاقة والكهرباء والمصالح الاقتصادية، ثم إلى مجلس الأمن القومي الإسباني، قبل أن تصل إلى مجلس ديني يرأسه الملك محمد السادس، حيث استُحضرت سبتة وعلماؤها وذاكرة تعبئة المغاربة لتحرير المدن المحتلة.


هذا التتابع هو الذي يمنح الأزمة دلالتها السياسية الحقيقية.


فلو تعلق الأمر فقط بعشرات الآلاف الذين تحركوا نحو سبتة في نهاية يوليو، لكان من الممكن قراءة ما حدث باعتباره أزمة حدودية ضخمة انتهت بمجرد استعادة المغرب السيطرة على حدوده وتشديد المراقبة ومنع موجات جديدة. لكن الذي وقع بعد ذلك كان مختلفًا: انتهت الموجة البشرية تقريبًا، بينما استمر التصعيد السياسي.../...

النظام في المغرب: بين الشرعية الدينية والشرعية السياسية

 

أين تبدأ المرجعية وأين تنتهي السياسة؟


تمهيد


يطرح النقاش المتجدد حول الديمقراطية والإسلام السياسي في المغرب، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، سؤالًا يتجاوز التنافس بين الأحزاب والبرامج والمرشحين إلى طبيعة الشرعية نفسها التي يقوم عليها النظام السياسي: من أين تستمد السلطة مشروعيتها؟ وأين تنتهي الشرعية السياسية التي تمنحها المؤسسات والدستور وصندوق الاقتراع، وأين تبدأ الشرعية الدينية؟ وهل يمكن الجمع بينهما داخل نظام واحد من دون أن تتحول إحداهما إلى أداة لمنازعة الأخرى أو احتكارها؟


يكتسب هذا السؤال خصوصيته في المغرب لأن النظام الدستوري لم يفصل الدين عن الدولة على الطريقة التي عرفتها بعض التجارب العلمانية، كما أنه لم يؤسس دولة دينية تحتكر فيها مرجعية دينية السلطة السياسية. فقد حافظ على مؤسسة إمارة المؤمنين بوصفها جزءًا من البناء التاريخي والدستوري للملكية، وفي الوقت نفسه أقر التعددية الحزبية والانتخابات والتداول الديمقراطي، وجعل الأحزاب مؤسسات سياسية تتنافس على تمثيل المواطنين والمشاركة في ممارسة السلطة.../...

هل يتحول المغرب إلى سنغافورة شمال إفريقيا؟


ميناء الناظور ورهان الانتقال من استيراد الطاقة إلى صناعة وظيفتها الإقليمية


تمهيد: عندما كشفت إسبانيا قيمة الاعتماد


لم يكن الجدل الذي أثارته أزمة سبتة الأخيرة محصورًا في الهجرة والحدود والعلاقات السياسية بين الرباط ومدريد. فقد ظهر في النقاش الإعلامي الإسباني عنصر أشد حساسية يتعلق بالطاقة، عندما جرى استحضار اعتماد المغرب على البنية الإسبانية في الغاز والكهرباء ضمن الحديث عن أوراق الضغط التي يمكن أن تمتلكها مدريد في مواجهة الرباط.


ولا تعني مناقشة هذه الورقة إعلاميًا أنها تحولت إلى قرار رسمي للحكومة الإسبانية، لكن مجرد طرحها من قبل التلفزيون الرسمي الإسباني يكشف حقيقة استراتيجية لا ينبغي التقليل منها: كل اعتماد على وظيفة حيوية يؤديها طرف خارجي يمكن، في ظروف الأزمة، أن يتحول من علاقة منفعة إلى مصدر للضغط.../...

قانون المحاماة: استقلال الدفاع لا يعني استقلال المهنة عن المساءلة

 

قراءة تقويمية في القانون 66.23 

من زاوية الطرف الغائب عن الصراع: المواطن



تمهيد: حين يغيب المتقاضي عن معركة قانون المحاماة


أثار دخول القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة حيز التنفيذ، بعد أشهر من الاحتجاج والتوقف عن العمل، نقاشًا واسعًا حول مستقبل المهنة وحدود استقلالها وعلاقتها بالسلطة القضائية ووزارة العدل. وقد قدم المحامون معركتهم، في جانب كبير من خطابهم، باعتبارها دفاعًا عن استقلال المحاماة وحرية الدفاع، في مقابل توجه تشريعي يرون أنه يوسع مجالات الرقابة والتدخل في شؤون المهنة.


ولا يمكن التقليل من أهمية هذا الاعتراض. فالمحاماة لا تستطيع أداء وظيفتها إذا كان المحامي خاضعًا في دفاعه للسلطة التنفيذية، أو للقاضي الذي يترافع أمامه، أو لأي جهة تستطيع التأثير في اختياراته المهنية. واستقلال الدفاع، بهذا المعنى، ليس مطلبًا فئويًا ولا امتيازًا لصاحب المهنة، وإنما أحد شروط المحاكمة العادلة وضمانة أساسية لحماية الحقوق والحريات.../...

عهد محمد السادس بين التأريخ والتقويم: معركة الأصالة والحداثة (06)

 

تحديث الدولة بين الحذر الملكي ومقاومة القوى المناهضة للتغيير


لم يكن العاهل المغربي الشاب محمد السادس، في بداية عهده وهو يخطط للتغيير، أمام ورش إداري أو اقتصادي فقط، بل كان أمام سؤال أعمق يتعلق بقدرة المغرب على دخول العصر دون أن ينفجر داخليًا تحت ضغط الموروث الثقافي والديني والاجتماعي. فقد ورث الملك دولةً تحتاج إلى تحديث مؤسساتها، واقتصادًا يحتاج إلى الانفتاح، ومجتمعًا مثقلًا بالتفاوتات، وتعليمًا مأزومًا، وإدارة بطيئة، ونخبًا سياسية ضعيفة، ومثقفا مثقلا بالهم الإيديولوجي. لكنه ورث أيضًا بنية ثقافية شديدة الحساسية تجاه كل ما يُقدَّم باسم الحداثة أو الإصلاح أو المساواة أو الحرية أو مراجعة الفهم الديني السائد.


ومن هنا لم تكن معركة التحديث في المغرب معركة طرق وموانئ وقطارات ومشاريع كبرى فقط، بل كانت أيضًا معركة رمزية حول معنى الهوية، وحدود الدين بين الخطاب القرآني والفهم البشري، ووظيفة الدولة، وموقع المرأة، ومفهوم الأسرة، وشرعية الاجتهاد، وعلاقة المجتمع بالعصر. فالملك لم يعلن حربًا على تقاليد المجتمع، ولم يسع إلى اقتلاع المغرب من جذوره الدينية والثقافية، بل حاول أن يقود عملية تحديث حذرة تراعي حساسية المجتمع، وتتفادى الصدام المباشر مع البنى المحافظة، وتبحث عن صيغة توفق بين الاستقرار والإصلاح.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: القراءة المفاهيمية (06)

 

تحرير المصطلح القرآني من أسر التراث والحداثة


بعد التفسير الموضوعي والقراءة المقاصدية التي تميزت بها التفاسير المعاصرة، تبرز حاجة منهجية أخرى لا تقل أهمية، وهي القراءة المفاهيمية للقرآن. والمقصود بها دراسة المفاهيم القرآنية الكبرى من داخل القرآن نفسه، لا من خلال ما تراكم حولها في كتب الفقه والكلام والتصوف والسياسة، ولا من خلال ما تفرضه المفاهيم الحديثة القادمة من الفلسفة أو العلوم الإنسانية أو التجربة الغربية.


فكثير من أزمات الفهم الديني لا تبدأ من الأحكام، بل من المفاهيم. فإذا اضطرب مفهوم الدين، اضطربت العلاقة بين الإنسان وربه. وإذا اضطرب مفهوم الشريعة، اختلط الوحي بالفقه. وإذا اضطرب مفهوم السنة، اختلطت سنن الله في الخلق والتاريخ بالمرويات الحديثية. وإذا اضطرب مفهوم الطاعة، تحولت إلى خضوع للسلطة. وإذا اضطرب مفهوم الجهاد، تحول إلى عنف. وإذا اضطرب مفهوم الكفر، صار أداة إقصاء وتكفير. وإذا اضطرب مفهوم الأمة، تحول إلى شعار مذهبي أو سياسي بدل أن يكون أفقًا للشهادة والعدل.../...

سبتة في خطاب بنكيران إلى الملك بين التلميح والتصريح

 

من سؤال «من دبّر الأزمة وكيف؟» 

إلى السؤال الذي أغفله الخطاب: ماذا تفعل إسبانيا في سبتة؟


لم يكن طلب عبد الإله بنكيران فتح تحقيق في أحداث سبتة، في ذاته، أمرًا مستغربًا. فما وقع في 30 يوليو 2026 تجاوز في حجمه وتداعياته حدود حادث عابر للهجرة غير النظامية، وأثار أسئلة مشروعة حول كيفية وصول عشرات الآلاف إلى منطقة حدودية شديدة الحساسية، وحول أداء الأجهزة المعنية على جانبي الحدود. بل إن الجدل نفسه انتقل إلى داخل إسبانيا، وتعددت الروايات بشأن المسؤولية عن الأزمة والظروف التي جعلتها ممكنة. وما تزال التفسيرات الإسبانية نفسها تميز بين التخطيط المباشر للأحداث وبين السماح بمرورها أو التقصير في منعها، دون أن تقدم دليلًا حاسمًا على أن السلطات المغربية هي التي دبرتها ابتداءً.


ومن ثم، فالمشكلة ليست في حق بنكيران في السؤال، وإنما في بنية السؤال والجهة التي اختار توجيهه إليها.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: القراءة المقاصدية (05)

 

بين كليات القرآن ومقاصد الفقهاء


من المناهج التي برزت بقوة في الفكر الإسلامي المعاصر القراءة المقاصدية، وهي قراءة تنطلق من أن النصوص لا تُفهم على وجهها الكامل بمجرد الوقوف عند ألفاظها الجزئية، بل لا بد من ردّها إلى غاياتها الكبرى، ومقاصدها العامة، وروحها الكلية. وقد اكتسب هذا المنهج حضورًا خاصًا لأن كثيرًا من الأزمات المعاصرة نتجت عن جمود في قراءة النصوص، أو عن نقل أحكام من سياقات قديمة إلى واقع جديد دون اعتبار للمآلات والعلل والمقاصد.


ولا شك أن المقاصد، من حيث الأصل، فكرة صحيحة وضرورية. فالقرآن لا يقدّم أوامر ونواهي معزولة عن الغاية، بل يربط التشريع بالعدل، والرحمة، والتقوى، ورفع الحرج، وحفظ الكرامة، وإصلاح الإنسان، وإقامة القسط. فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة تطهير للنفس والمال، والصيام طريق إلى التقوى، والقصاص فيه حياة، والإنفاق تزكية وتكافل، والشورى حفظ للأمانة الجماعية، والوفاء بالعهد صيانة للثقة والعدل. ومن ثم، فإن قراءة الحكم منفصلًا عن مقصده تؤدي إلى جفاف الفهم، وتجاهل الرحمة، وتشويه التنزيل.../...

عهد محمد السادس بين التأريخ والتقويم (05): الدولة الاجتماعية المؤجلة

 

من مشاريع الدعم إلى سؤال الكرامة والعدالة الاجتماعية


تمهيد


إذا كان الجزء السابق قد بيّن أن الدولة المغربية في عهد الملك محمد السادس استطاعت أن تقود مشاريع تحديث كبرى في البنية التحتية، والسيادة، والإدارة، والمدن، والاستثمار، والصورة الخارجية، فإن هذا الباب ينتقل إلى السؤال الأكثر حساسية في تجربة التنمية كلها: ماذا عن الإنسان؟ ماذا عن الفقير، والعامل، والعاطل، والتلميذ، والمريض، وساكن القرية، وساكن الهامش، والطبقة الوسطى التي تحمل عبء الحياة اليومية؟


ذلك أن نجاح الدولة في بناء الطرق، والموانئ، والمطارات، والسدود، والملاعب، والمناطق الصناعية، لا يكتمل إلا إذا انعكس على حياة المواطن في شكل تعليم جيد، وصحة قريبة، وشغل كريم، وسكن لائق، وحماية اجتماعية فعلية، وإحساس عام بأن التنمية لا تمر فوق المجتمع، بل تصل إليه وتنتشله من الهشاشة.../...

بحث جيوسياسي: اتفاق مكة والتحالف الثلاثي


قراءة في إعادة تشكيل النظام الأمني في الشرق الأوسط


تمهيد: لم يكن توقيع اتفاق مكة بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان حدثًا عسكريًا عابرًا يمكن إدراجه ضمن سلسلة الاتفاقيات الدفاعية التي اعتاد الشرق الأوسط أن يشهدها منذ عقود، بل جاء في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الحرب الإيرانية الإسرائيلية، وتصاعد هجمات الحوثيين على الملاحة الدولية، وتعثر المفاوضات النووية، وازدياد الحديث عن إعادة تموضع الولايات المتحدة في المنطقة، مع تحولات عميقة في موازين القوى الدولية بعد الحرب الأوكرانية واحتدام المنافسة الأمريكية مع الصين وروسيا.


ولذلك لم يكن مستغربًا أن يحظى الاتفاق باهتمام واسع في مراكز الدراسات ووسائل الإعلام العالمية؛ إذ لم يُقرأ باعتباره مجرد معاهدة دفاع بين ثلاث دول، بل باعتباره مؤشرًا على احتمال دخول الشرق الأوسط مرحلة جديدة من إعادة بناء منظومته الأمنية، بعد عقود ظل فيها الأمن الإقليمي قائمًا أساسًا على المظلة الأمريكية والتحالفات الثنائية، بينما بقيت مشاريع الأمن العربي والإسلامي المشترك عاجزة عن التحول إلى مؤسسات فعالة.../...

من الصحراء إلى سبتة: حين تحولت الملفات إلى أوراق قوة

 

قراءة في إعادة تشكل التحولات الجيوسياسية بغرب المتوسط

واشنطن وتندوف والجنسية والهجرة في إعادة رسم ميزان النفوذ بين المغرب وإسبانيا


تمهيد: من أزمة حدود إلى مشهد استراتيجي أوسع


لم تعد أحداث سبتة الأخيرة قابلة للقراءة باعتبارها أزمة هجرة عابرة، ولا مجرد خلل أمني على حدود مدينة محتلة، ولا حتى خلافًا ثنائيًا جديدًا بين المغرب وإسبانيا. فسرعان ما تجاوزت الوقائع الميدانية معناها المباشر، لتكشف عن تداخل ملفات كانت تتحرك في مسارات متوازية منذ أشهر، قبل أن تلتقي فجأة في لحظة سياسية واحدة.


ففي الوقت الذي كانت فيه مدريد تواجه تدفقًا غير مسبوق للمهاجرين نحو سبتة، كانت واشنطن قد بدأت، قبل ذلك بأشهر، إدخال سبتة ومليلية لأول مرة إلى نقاش داخل مؤسسة أمريكية رسمية، من خلال تقرير لجنة الاعتمادات بمجلس النواب الذي دعا إلى تشجيع حوار دبلوماسي حول مستقبل المدينتين.../...

عهد محمد السادس: بين التأْريخ والتقويم (04)

 

الدولة القائدة ومشاريع التحديث


تمهيد: من البنية التحتية إلى سؤال الأثر الاجتماعي


من بين السمات البارزة للتجربة المغربية في عهد الملك محمد السادس أن الدولة لم تكتفِ بدور الحَكَم أو المنظِّم أو الضامن العام للتوازنات، بل تقدمت إلى موقع الفاعل القائد في عملية التنمية. فقد اختارت أن تقود مشاريع التحديث الكبرى مباشرة، وأن تجعل من البنية التحتية، والتهيئة الترابية، وجلب الاستثمار، وتطوير الواجهات الحضرية، وتحديث الإدارة، وتعزيز الأمن، وتحديث الجيش، أدوات مركزية لإعادة تشكيل صورة المغرب داخليًا وخارجيًا.


لم يكن هذا الاختيار معزولًا عن السياق الذي وُلد فيه العهد الجديد. فالمغرب الخارج من نهاية القرن العشرين كان يواجه أعطابًا متراكمة: ضعفًا في التجهيزات الأساسية، وفوارق مجالية عميقة، وهشاشة في الاقتصاد المنتج، وبطالة متنامية، وتفاوتًا واضحًا بين المدن الكبرى والمناطق الطرفية. لذلك بدا أن الدولة لا تستطيع أن تنتظر دينامية اقتصادية أو اجتماعية تلقائية، ولا أن تترك التنمية لقوى السوق وحدها، بل كان عليها أن تتدخل بقوة، وأن تجعل من الاستثمار العمومي رافعة لفتح الطرق، وبناء الموانئ، وتحديث المطارات، وتطوير السكك الحديدية، وتأهيل المدن، وإطلاق المناطق الصناعية، والانخراط في سلاسل الإنتاج العالمية.../...

أزمة سبتة.. بين القضاء والسياسة

 

الدعاوى ضد مسؤولين مغاربة…

هل يحاكم القضاء المغرب أم يكشف أزمة إسبانيا؟


لم يكن مستغربًا أن تثير الشكاوى التي استهدفت مسؤولين مغاربة أمام المحكمة الوطنية الإسبانية اهتمامًا إعلاميًا وسياسيًا واسعًا، بالنظر إلى حساسية العلاقات المغربية الإسبانية، وإلى الطابع الاستثنائي لأزمة سبتة التي شهدت خلال أيام قليلة تدفقًا غير مسبوق لآلاف المهاجرين نحو المدينة المحتلة.


غير أن الضجة التي رافقت هذه الشكاوى تكشف في الوقت نفسه عن مفارقة لافتة؛ إذ إن كثيرًا من التعليقات الإعلامية والسياسية تعاملت مع مجرد فتح التحقيق وكأنه إدانة مسبقة، أو كما لو أن القضاء الإسباني قد حسم بالفعل في مسؤولية الدولة المغربية أو بعض مسؤوليها، بينما تختلف الحقيقة القانونية عن ذلك اختلافًا جوهريًا.../...

مفهوم الألوهية: تفكيك التّأليه الزائف

 

(من عبودية الأشياء.. إلى عبادة الحق)


السؤال الحارق:  لماذا يقرّ كثير من الناس بوجود الله، ثم يعيشون عمليًا تحت آلهةٍ أخرى؟


خلاصة الميزان:  كلُّ خضوعٍ مُطْلَقٍ يُنتِج معيارًا فوق معيار الله هو صورةٌ من التأليه، ولو سُمّي «دينًا» أو «سياسة» أو «ثقافة».


تمهيد: «من فكرة الله» إلى «ميزان العبادة»: 


القرآن لا يبدأ بإثبات «وجود الله» بالطريقة الفلسفية المجردة، بل يبدأ بما هو أخطر: تحديد مَن يستحق العبادة، لأن جوهر الأزمة البشرية ليس نقص المعلومات عن الله، بل انحراف الوجهة: أن تعرف، ثم تخضع لغير الحق. لهذا جاءت الفاتحة، باعتبارها «مفتاح الكتاب» و  «أمّ القراءة»، لا لتخبرك أن الله موجود، بل لتضعك مباشرة أمام «ميثاق» يوميّ:  ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5).../...

غرب المتوسط على عتبة إعادة تشكيل استراتيجي

 

بحث جيوسياسي:

المغرب بين الشراكة الأمريكية الفرنسية، والمناورة الإسبانية الجزائرية، 

وعودة سبتة ومليلية إلى قلب المعادلة الأمنية


تمهيد: أزمة تتجاوز الهجرة والخلافات الثنائية


لم تعد التطورات المتلاحقة في العلاقات المغربية الإسبانية والفرنسية والأمريكية والجزائرية قابلة للفهم بوصفها ملفات منفصلة. ما يجري أوسع من ذلك بكثير. المنطقة الممتدة من الساحل الإفريقي إلى مضيق جبل طارق، ومن الصحراء الأطلسية إلى جنوب أوروبا، تدخل مرحلة إعادة تشكيل جيوسياسي وجيواستراتيجي قد تحدد لعقود مقبلة: من يراقب غرب المتوسط؟ ومن يحمي مضيق جبل طارق؟ ومن يقود التعاون الأمني الأمريكي في إفريقيا؟ وأي موقع سيبقى لإسبانيا في الضفة الجنوبية للمضيق؟ وهل تستطيع مدريد الاستمرار في الجمع بين المغرب والجزائر، وبين الالتزام الأطلسي وبناء هامش أوروبي مستقل عن واشنطن؟ ثم هل يمكن فصل مستقبل سبتة ومليلية عن التحول الجاري في وظائف المغرب العسكرية والبحرية والجوية في المنطقة؟ .../...

سبتة تنفجر في وجه أوروبا

 

ماذا لو كانت الموجة المقبلة غير مغربية؟


لم تكن موجة الهجرة الجماعية الأخيرة نحو سبتة مجرد حادث حدودي عابر، ولا مجرد اندفاع مفاجئ لشباب استبد بهم اليأس فرأوا في البحر طريقًا مختصرًا إلى أوروبا. لقد تحولت، في غضون أيام، إلى أزمة متعددة المستويات: مأساة إنسانية، واختبار أمني، ومعركة روايات بين المغرب وإسبانيا، ومادة لإعادة إنتاج الخوف من الهجرة في الإعلام الأوروبي، وفرصة لإحياء السؤال الذي ظنت مدريد أنه أصبح خارج النقاش: ما طبيعة سبتة ومليلية؟ وما موقعهما الجغرافي والقانوني داخل أوروبا؟ وماذا لو تكررت الأزمة بمهاجرين غير مغاربة؟ .../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: تفسير القرآن بالقرآن (04)

 


من الشعار العام إلى المنهج التطبيقي


إذا كان التفسير الموضوعي قد حاول جمع الآيات حول موضوع واحد لبناء رؤية كلية، فإن القاعدة الأعمق التي يقوم عليها هذا الاتجاه هي قاعدة قديمة في أصلها، متجددة في حاجتنا إليها: تفسير القرآن بالقرآن. وهذه القاعدة ليست مجرد عبارة جميلة تتكرر في كتب علوم القرآن، ولا مجرد مبدأ نظري يُذكر في مقدمات التفاسير، بل هي مفتاح منهجي بالغ الأهمية؛ لأن القرآن، قبل كل شيء، هو أقدر نص على بيان نفسه بنفسه ومن داخله.


ومعنى تفسير القرآن بالقرآن أن لا يُفهم اللفظ القرآني منعزلًا عن بقية استعمالاته، ولا الآية منفصلة عن نظائرها، ولا الحكم بعيدًا عن كلياته، ولا المتشابه مستقلًا عن محكمه. فالقرآن ليس شذرات متفرقة، بل بناء متكامل، يفسر بعضه بعضًا، ويضيء بعضه بعضًا، ويكشف في موضع ما أجمله في موضع آخر، ويقيد في سياق ما أطلقه في سياق آخر، ويبين في آية ما قد يشتبه في آية أخرى.../...

أزمة سبتة بعد انحسار الحشود: ماذا بقي من الحدث؟

 

من الهجرة الجماعية إلى اختبار الاستخبارات والسيادة والنموذج الاجتماعي


لم تنته أزمة سبتة حين عاد معظم العابرين إلى المغرب، ولا حين استعادت المدينة بعض مظاهر حياتها اليومية. فقد انحسر التدفق البشري، لكن الأسئلة التي أطلقها بقيت مفتوحة، بل أصبحت أكثر وضوحًا بعد ظهور معطيات جديدة حول حجم الحشود، وعدد الضحايا، وفشل الاستباق الأمني، وطبيعة العودة الجماعية، والصمت المغربي، والتوظيف السياسي الأوروبي للحدث.


فما وقع لم يعد مجرد خبر عن عشرات الآلاف الذين عبروا الحدود خلال ساعات، بل تحول إلى اختبار شامل لعلاقة المغرب بإسبانيا، ولقدرة أجهزة الدولة في البلدين على التنبؤ بالأزمات، ولحدود النموذج الاقتصادي والاجتماعي المغربي، وللاتجاه الذي ستسلكه أوروبا في مواجهة الهجرة.../...

حين تتحول الهجرة من «أزمة إنسانية» إلى «غزو مغربي» لأوروبا

 

الهجرة في معادلة الصراع الدولي على الإنسان والسيادة وذاكرة الاستعمار


لم تعد أحداث سبتة مجرد واقعة حدودية بين المغرب وإسبانيا، ولا مجرد موجة جديدة من الهجرة غير النظامية يمكن اختزالها في عدد الداخلين والضحايا والعائدين. فقد تحولت خلال ساعات إلى حدث دولي أعاد فتح أسئلة الهجرة والسيادة والاستعمار والحدود والكرامة، وأصبح مادة لصراع سياسي وإعلامي بين اليمين واليسار في أوروبا والولايات المتحدة. وقد بدا هذا الصراع منذ اللحظة الأولى في اللغة التي اختارتها الصحف لوصف ما وقع.


فبعض وسائل الإعلام تحدثت عن «أزمة إنسانية»، وبعضها وصف المشهد بأنه «فوضى حدودية»، بينما لجأت صحف محافظة وسياسيون يمينيون إلى عبارات مثل «الغزو» و«الاجتياح»  و«الهروب الكبير» و«انهيار الحدود». وهذه الكلمات ليست مترادفات بريئة؛ فكل واحدة منها تبني رواية مختلفة، وتحدد مسبقًا من هو الضحية، ومن هو المعتدي، ومن يتحمل المسؤولية.../...

غزوة سبتة الجديدة: هجرة جماعية أم رسالة سياسية؟

 

حين تلتقي أزمة شباب الشمال المغربي

بإغراء التسوية الإسبانية وصراع السيادة على الثغور المحتلة


لم تكن المشاهد القادمة من الحدود بين المغرب وسبتة يوم 30 يوليوز 2026 مجرد موجة عادية من الهجرة غير النظامية. فقد اندفع آلاف الأشخاص، وبينهم شباب وقاصرون ونساء وأطفال، نحو المعابر والشواطئ المحاذية للمدينة، ودخل بعضهم سباحة أو سيرًا حول الحواجز البحرية، بينما سقط آخرون غرقًا أو اختناقًا وسط التدافع.


وقد اختلفت التقديرات الأولى بصورة لافتة؛ فتحدثت بعض المصادر الإسبانية عن دخول ما بين ألفين وثلاثة آلاف شخص، قبل أن ترتفع تقديرات أخرى إلى عشرات الآلاف، بل إلى نحو 49 ألفًا خلال أربع وعشرين ساعة. وهذا التباين الهائل يفرض الحذر؛ لأن الفوضى الميدانية، وتعدد نقاط العبور، واحتمال احتساب الأشخاص أكثر من مرة، تجعل الرقم النهائي في حاجة إلى تدقيق رسمي مستقل. لكن المؤكد أن الحدث كان الأكبر من نوعه، وأنه تجاوز كثيرًا أزمة ماي 2021، وأربك قوات الأمن ومرافق الاستقبال في سبتة، ودفع مدريد إلى إرسال الجيش وتعزيزات أمنية إلى المدينة. كما توفي أكثر من 60 شخصًا خلال محاولات العبور.../...