‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات سياسية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات سياسية. إظهار كافة الرسائل

هل تستعد أوروبا لمواجهة روسيا من دون أمريكا؟

 

الحرب الروسية الأوكرانية تدفع أوروبا إلى إعادة التسلح والاستعداد المدني

 في اختبار جديد للنظام الأمني الأطلسي


تمهيد: حين بدأت الحرب تقترب من حدود الناتو


حين اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية على نطاق واسع في فبراير 2022، بدا الخط الفاصل واضحًا نسبيًا بين ساحة الحرب ومجال حلف شمال الأطلسي. كانت أوكرانيا تخوض الحرب على أراضيها، فيما تدعمها الدول الغربية بالسلاح والمال والمعلومات والتدريب، مع حرص الناتو على تجنب الانتقال من دعم كييف إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع موسكو.


لكن استمرار الحرب واتساع وسائلها ومدياتها أخذا يضغطان تدريجيًا على هذا الفصل. فكلما ازدادت قدرة أوكرانيا على ضرب أهداف أعمق داخل روسيا، وتوسعت نوعية المساعدات الغربية، ازداد الاحتكاك بين موسكو ودول الحلف. ولم تعد آثار الحرب تتوقف عند الحدود الأوكرانية، بل ظهرت في أجواء بولندا ورومانيا ودول البلطيق، وفي البحر الأسود وبحر البلطيق، وفي الهجمات السيبرانية والعمليات الهجينة والتهديدات التي تطال البنى التحتية الحيوية.../...

أي رئيس حكومة يحتاجه المغرب في المرحلة المقبلة؟ (3)

 

من دولة بسرعتين إلى دولة بجناحين


تمهيد


في المقالين السابقين من هذه السلسلة، لم يكن السؤال عن الأشخاص بقدر ما كان عن النماذج التي اختبرها المغرب في رئاسة الحكومة خلال السنوات الأخيرة. فقد حمل وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة سنة 2011 اختبارًا لخيار سياسي ذي مرجعية إسلامية، في سياق أعقب احتجاجات 20 فبراير ودستورًا جديدًا أعاد تنظيم موقع رئيس الحكومة داخل البناء الدستوري. وبعد عشر سنوات، حمل وصول عزيز أخنوش سنة 2021 اختبارًا مختلفًا: رجل أعمال راكم تجربة طويلة في تدبير قطاعات استراتيجية، ودخل رئاسة الحكومة محمولًا على خطاب الكفاءة والنجاعة والقدرة على نقل منطق التدبير والنتائج إلى العمل الحكومي.


ولا يعني تقويم التجربتين اختزالهما في النجاح أو الفشل. فقد عمل كل نموذج داخل شروط سياسية واقتصادية واجتماعية مختلفة، وحقق نتائج وكشف في الوقت نفسه عن حدود ظهرت عند الانتقال من الوعود أو الخبرة القطاعية إلى إدارة التعقيد الذي تمثله الدولة والمجتمع معًا. ولذلك قد لا يكون السؤال الأهم، عشية دخول المغرب مرحلة سياسية جديدة: هل يحتاج إلى إسلامي آخر، أم رجل أعمال آخر، أم تقنوقراطي جديد؟ بل: ما الذي يحتاجه المغرب نفسه الآن، وأي وظيفة ينبغي أن يؤديها رئيس الحكومة في هذه المرحلة؟.../...

أي رئيس حكومة يحتاجه المغرب في المرحلة المقبلة؟ (2)

 

هل نجح نموذج رجل الأعمال في إدارة الدولة؟


تمهيد


إذا كان المقال الأول قد انتهى إلى أن عودة حزب العدالة والتنمية انتخابيًا لا تعني بالضرورة عودة النموذج الذي مثله إلى الصلاحية نفسها لقيادة المرحلة المقبلة، فإن التجربة التي خلفته تطرح سؤالًا مختلفًا. ففي انتخابات 2021 لم ينتقل المغرب فقط من حزب إلى حزب آخر، بل انتقل، في صورة رئيس الحكومة على الأقل، من سياسي إسلاموي تشكل أساسًا داخل العمل الحزبي والحركي إلى رجل أعمال أوليغارشي راكم تجربة طويلة في تدبير قطاع اقتصادي استراتيجي قبل أن يصل إلى رئاسة السلطة التنفيذية.


وقد قدم هذا الانتقال، بصورة مباشرة أو ضمنية، وعدًا مختلفًا عن وعد 2011. فلم يعد الرهان الأساسي على المرجعية أو الخطاب الأخلاقي ومحاربة الفساد، وإنما على الكفاءة والنجاعة والقدرة على الإنجاز. فالدولة، وفق هذا التصور، تحتاج إلى من يعرف كيف يدير المشاريع، ويعبئ الاستثمار، ويحدد الأهداف، ويتابع النتائج، وينقل إلى العمل الحكومي بعضًا من ثقافة الأداء التي يقوم عليها تدبير المؤسسات الاقتصادية الكبرى.../...

أي رئيس حكومة يحتاجه المغرب في المرحلة المقبلة؟ (1)

 

هل يمكن العودة إلى الخيار الإسلاموي؟


تمهيد


تدخل الانتخابات التشريعية المغربية لسنة 2026 في سياق يختلف في كثير من عناصره عن السياقات التي أفرزت الحكومات السابقة. فالسؤال المطروح هذه المرة لا يتعلق فقط بالحزب الذي سيتصدر الانتخابات أو بالتحالف الذي سيتمكن من تشكيل الأغلبية، وإنما يمتد إلى سؤال أعمق: أي نوع من رؤساء الحكومات يحتاجه المغرب في المرحلة المقبلة؟


خلال خمسة عشر عامًا تقريبًا، عرف المغرب تجربتين سياسيتين مختلفتين في الصورة التي قدمتا بها نفسيهما للرأي العام. جاءت الأولى مع صعود حزب العدالة والتنمية، حاملة خطابًا ذا مرجعية إسلامية ووعدًا بإصلاح السياسة ومحاربة الفساد وإعادة الاعتبار للعمل الحزبي. ثم جاءت تجربة عزيز أخنوش سنة 2021 في سياق مختلف، مقدمة نموذج رجل الأعمال الذي يفترض أن ينقل إلى تدبير الحكومة منطق الكفاءة والنجاعة والاستثمار والقدرة على الإنجاز.../...

هل يعيد المغرب رسم خريطته الاستراتيجية؟

 

من باريس ومدريد إلى تعدد البوابات نحو آسيا وأمريكا وأوروبا وإفريقيا


تمهيد


خلال أسابيع قليلة، تراكمت في غرب المتوسط وإفريقيا وأوروبا وقائع تبدو، للوهلة الأولى، منفصلة بعضها عن بعض. ففي إسبانيا، انتقلت الأزمة المرتبطة بأحداث سبتة من الجدل حول تدبير الحدود والهجرة إلى حملة سياسية وإعلامية مست المغرب ومؤسساته ورموزه، وبلغت من الحدة ما دفع الرباط إلى الرد بخطاب واضح يرفض تحويل المملكة إلى مادة للصراع السياسي الداخلي الإسباني. وفي فرنسا، تأجلت إلى بداية سنة 2027 زيارة الدولة التي كان يفترض أن يقوم بها الملك محمد السادس إلى باريس لتتويج مرحلة المصالحة وإطلاق «الشراكة الاستثنائية الوطيدة» بين البلدين، وإن كانت المعطيات المنشورة تربط التأجيل أساسًا باستكمال إعداد المعاهدة الاستراتيجية الكبرى وبالروزنامة السياسية للبلدين، ولا تقدم دليلًا على وجود أزمة جديدة بين الرباط وباريس.../...

الجنسية والذاكرة التاريخية في إسبانيا

 

من تجنيس الصحراويين والسفارديم إلى سؤال حقوق الموريسكيين


تمهيد


في العاشر من سبتمبر/أيلول 2026، أعاد مجلس النواب الإسباني فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في علاقة إسبانيا بذاكرتها التاريخية، حين وافق على مقترح قانون يتيح لفئات من الصحراويين المولودين في الصحراء الغربية قبل 29 سبتمبر/أيلول 1977، ولأبنائهم من الدرجة الأولى وفق الشروط التي يحددها النص، طريقًا استثنائيًا لاكتساب الجنسية الإسبانية خلال أجل محدد. ولم يكن التصويت مجرد تعديل تقني لقواعد الجنسية؛ فقد جرى في ظل نزاع الصحراء الغربية المستمر، وفي لحظة تتسم بحساسية خاصة في العلاقات المغربية الإسبانية، فيما تابع الجلسة ممثلون صحراويون من داخل البرلمان. وهكذا التقت في تصويت واحد قضايا تبدو للوهلة الأولى منفصلة: الجنسية، والذاكرة الاستعمارية، والمسؤولية التاريخية، والنزاع على الإقليم، والعلاقة بين الدولة وأشخاص كانوا في مرحلة سابقة خاضعين لسلطتها.../...

سبتة ومليلية وتقرير المصير

 

من يملك حق تقرير سيادة الإقليم: السكان أم الدولة؟


تمهيد


أعادت أزمة سبتة الأخيرة إلى الواجهة سؤالًا ظلت العلاقات المغربية الإسبانية تديره أكثر مما تحله: هل وضع سبتة ومليلية قضية أغلقها التاريخ، أم أن النزاع حول السيادة عليهما ما زال قائمًا، حتى وإن لم يكن موضوع تفاوض رسمي بين الرباط ومدريد؟


بالنسبة إلى إسبانيا، يبدو الجواب محسومًا. فقد أكد رئيس الحكومة بيدرو سانشيز أمام البرلمان في 3 سبتمبر 2026 أن سبتة ومليلية إسبانيتان منذ قرون، واستند إلى معاهدة واد راس ليقول إن السيادة الإسبانية عليهما ترسخت «إلى الأبد»، قبل أن يضيف أنهما ستظلان كذلك «حتى نهاية الزمان». ولم يكن وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس أقل وضوحًا عندما رفض إمكان التفاوض بشأن السيادة الإسبانية على المدينتين، مؤكدًا أن هذا الموضوع لا يدخل أصلًا ضمن القضايا القابلة للنقاش بين البلدين.../...

صدمة سبتة: لماذا تخشى إسبانيا المغرب الجديد؟

 

سيناريوهات المستقبل

من تغير ميزان العلاقات إلى تصعيد يصعب التحكم فيه


لم تبدأ المطالبة المغربية بسبتة ومليلية مع الأزمات الأخيرة التي عرفتها العلاقات بين الرباط ومدريد، ولم تولد من التحولات التي يشهدها المغرب في السنوات الأخيرة. ففي 30 يوليو 1956، بعد أشهر قليلة فقط من حصول المغرب على استقلاله، سجلت مذكرة سرية أميركية تصريحات للملك محمد الخامس أكد فيها أن المغرب وحكومته سيبذلان كل جهد لاستعادة السيادة على الأراضي التي يعتبرانها مغربية، وسمّت الوثيقة صراحة إفني ووادي الذهب ومليلية وسبتة وشمال موريتانيا، إلى جانب تصحيح الحدود الجزائرية. ولم يكن الأمر مجرد تصور عابر في لحظة الاستقلال؛ فقد استعادت الرباط طرفاية سنة 1958 وإفني سنة 1969، بينما بقيت سبتة ومليلية خارج السيادة المغربية، واستمرت المطالبة بهما بأشكال ودرجات مختلفة عبر العهود اللاحقة. وتؤكد وثيقة استخباراتية أميركية أخرى من السبعينيات أن المغرب، منذ استقلاله سنة 1956، طالب بالممتلكات الإسبانية في شمال غرب إفريقيا، بما فيها المدينتان.../...

المصالح المغربية: الإسبانية في ميزان النظرية العلائقية

 

دراسة

من الاعتماد المتبادل إلى بناء البدائل وحدود الإكراه الاقتصادي


تمهيد: من أزمة سبتة إلى سؤال الإكراه الاقتصادي


أعادت أزمة سبتة الأخيرة العلاقات المغربية–الإسبانية إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي، لكنها فعلت ذلك هذه المرة في سياق مختلف عن الأزمات السابقة. فإلى جانب الأسئلة المرتبطة بالهجرة والحدود والسيادة، ظهر في الخطاب الإسباني احتمال اللجوء إلى أدوات اقتصادية للضغط على المغرب إذا تكررت محاولات العبور الجماعي نحو المدينة. وتداولت وسائل إعلام إسبانية، في هذا السياق، معلومات عن إعداد الحكومة سرًّا خططًا للتعامل مع سيناريو من هذا النوع، شملت إمكان استخدام بعض مجالات التعاون الاقتصادي والطاقي في إدارة الأزمة.


ولا تكمن أهمية هذا الاحتمال في معرفة ما إذا كانت مدريد ستنفذ مثل هذه الإجراءات فعلًا، بقدر ما تكمن في السؤال الذي يطرحه حول طبيعة العلاقة بين البلدين. فالحديث عن استخدام الطاقة أو الكهرباء أو التجارة أو غيرها من أدوات الضغط يفترض وجود درجة من الاعتماد المغربي على وظائف تؤديها إسبانيا، كما يفترض أن تعطيل هذه الوظائف يمكن أن يولد كلفة تدفع الرباط إلى تعديل سلوكها. ومن ثم، فإن التهديد الاقتصادي، حتى قبل تنفيذه، يكشف تصورًا معينًا لتوزيع القوة داخل العلاقة المغربية–الإسبانية.../...

فرنسا.. الفاعل الغائب في معادلة سبتة

 

من التقارب الإسباني-الجزائري إلى أزمة 30 يوليو: 

كيف أعادت العلاقات بين العلاقات تشكيل غرب المتوسط؟


تمهيد: ما الذي تخفيه أزمة سبتة؟


منذ أن انفجرت أحداث سبتة في 30 يوليو 2026، انصب جانب كبير من الاهتمام السياسي والإعلامي على الأسئلة المباشرة التي فرضها حجم العبور الجماعي نحو المدينة: من حرك عشرات الآلاف باتجاه الحدود؟ وهل كان ما وقع تدفقًا عفويًا غذته شبكات التواصل الاجتماعي، أم عملية منظمة تقف خلفها جهة ما؟ وماذا كانت تعرف أجهزة الاستخبارات الإسبانية قبل وقوع الحدث؟ وهل كان انهيار المراقبة على الجانب المغربي مجرد عجز ظرفي عن احتواء التدفق، أم أن وراءه حسابات سياسية تتجاوز الحدود؟


ازدادت هذه الأسئلة إلحاحًا مع توالي المعطيات اللاحقة: ظهور مؤشرات عن مساهمة شبكات وحسابات رقمية مرتبطة بالفضاء الجزائري في التعبئة، والخلاف داخل الحكومة الإسبانية حول طبيعة التحذيرات الاستخباراتية التي سبقت 30 يوليو، ودخول القضاء على خط التحقيق في المعلومات التي كانت متاحة قبل الأزمة، ثم انتقال تداعياتها من الحدود إلى الشارع والأمن والسياسة، وصولًا إلى التعامل معها باعتبارها مسألة تمس الأمن القومي الإسباني.../...

هل بدأ المغرب معركة إجبار إسبانيا على التفاوض حول سبتة؟

 

قراءة في تصعيد الرسائل السياسية بين الرباط ومدريد


لم تعد أزمة سبتة التي اندلعت في 30 و31 يوليو 2026 مجرد أزمة هجرة جماعية على حدود مدينة تديرها إسبانيا ويطالب بها المغرب. فخلال أقل من شهر، انتقلت القضية من السياج الحدودي إلى تصريحات الوزراء، ومنها إلى النقاش حول الضغط السياسي عن طريق الطاقة والكهرباء والمصالح الاقتصادية، ثم إلى مجلس الأمن القومي الإسباني، قبل أن تصل إلى مجلس ديني يرأسه الملك محمد السادس، حيث استُحضرت سبتة وعلماؤها وذاكرة تعبئة المغاربة لتحرير المدن المحتلة.


هذا التتابع هو الذي يمنح الأزمة دلالتها السياسية الحقيقية.


فلو تعلق الأمر فقط بعشرات الآلاف الذين تحركوا نحو سبتة في نهاية يوليو، لكان من الممكن قراءة ما حدث باعتباره أزمة حدودية ضخمة انتهت بمجرد استعادة المغرب السيطرة على حدوده وتشديد المراقبة ومنع موجات جديدة. لكن الذي وقع بعد ذلك كان مختلفًا: انتهت الموجة البشرية تقريبًا، بينما استمر التصعيد السياسي.../...

هل يتحول المغرب إلى سنغافورة شمال إفريقيا؟


ميناء الناظور ورهان الانتقال من استيراد الطاقة إلى صناعة وظيفتها الإقليمية


تمهيد: عندما كشفت إسبانيا قيمة الاعتماد


لم يكن الجدل الذي أثارته أزمة سبتة الأخيرة محصورًا في الهجرة والحدود والعلاقات السياسية بين الرباط ومدريد. فقد ظهر في النقاش الإعلامي الإسباني عنصر أشد حساسية يتعلق بالطاقة، عندما جرى استحضار اعتماد المغرب على البنية الإسبانية في الغاز والكهرباء ضمن الحديث عن أوراق الضغط التي يمكن أن تمتلكها مدريد في مواجهة الرباط.


ولا تعني مناقشة هذه الورقة إعلاميًا أنها تحولت إلى قرار رسمي للحكومة الإسبانية، لكن مجرد طرحها من قبل التلفزيون الرسمي الإسباني يكشف حقيقة استراتيجية لا ينبغي التقليل منها: كل اعتماد على وظيفة حيوية يؤديها طرف خارجي يمكن، في ظروف الأزمة، أن يتحول من علاقة منفعة إلى مصدر للضغط.../...

قانون المحاماة: استقلال الدفاع لا يعني استقلال المهنة عن المساءلة

 

قراءة تقويمية في القانون 66.23 

من زاوية الطرف الغائب عن الصراع: المواطن



تمهيد: حين يغيب المتقاضي عن معركة قانون المحاماة


أثار دخول القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة حيز التنفيذ، بعد أشهر من الاحتجاج والتوقف عن العمل، نقاشًا واسعًا حول مستقبل المهنة وحدود استقلالها وعلاقتها بالسلطة القضائية ووزارة العدل. وقد قدم المحامون معركتهم، في جانب كبير من خطابهم، باعتبارها دفاعًا عن استقلال المحاماة وحرية الدفاع، في مقابل توجه تشريعي يرون أنه يوسع مجالات الرقابة والتدخل في شؤون المهنة.


ولا يمكن التقليل من أهمية هذا الاعتراض. فالمحاماة لا تستطيع أداء وظيفتها إذا كان المحامي خاضعًا في دفاعه للسلطة التنفيذية، أو للقاضي الذي يترافع أمامه، أو لأي جهة تستطيع التأثير في اختياراته المهنية. واستقلال الدفاع، بهذا المعنى، ليس مطلبًا فئويًا ولا امتيازًا لصاحب المهنة، وإنما أحد شروط المحاكمة العادلة وضمانة أساسية لحماية الحقوق والحريات.../...

عهد محمد السادس بين التأريخ والتقويم: معركة الأصالة والحداثة (06)

 

تحديث الدولة بين الحذر الملكي ومقاومة القوى المناهضة للتغيير


لم يكن العاهل المغربي الشاب محمد السادس، في بداية عهده وهو يخطط للتغيير، أمام ورش إداري أو اقتصادي فقط، بل كان أمام سؤال أعمق يتعلق بقدرة المغرب على دخول العصر دون أن ينفجر داخليًا تحت ضغط الموروث الثقافي والديني والاجتماعي. فقد ورث الملك دولةً تحتاج إلى تحديث مؤسساتها، واقتصادًا يحتاج إلى الانفتاح، ومجتمعًا مثقلًا بالتفاوتات، وتعليمًا مأزومًا، وإدارة بطيئة، ونخبًا سياسية ضعيفة، ومثقفا مثقلا بالهم الإيديولوجي. لكنه ورث أيضًا بنية ثقافية شديدة الحساسية تجاه كل ما يُقدَّم باسم الحداثة أو الإصلاح أو المساواة أو الحرية أو مراجعة الفهم الديني السائد.


ومن هنا لم تكن معركة التحديث في المغرب معركة طرق وموانئ وقطارات ومشاريع كبرى فقط، بل كانت أيضًا معركة رمزية حول معنى الهوية، وحدود الدين بين الخطاب القرآني والفهم البشري، ووظيفة الدولة، وموقع المرأة، ومفهوم الأسرة، وشرعية الاجتهاد، وعلاقة المجتمع بالعصر. فالملك لم يعلن حربًا على تقاليد المجتمع، ولم يسع إلى اقتلاع المغرب من جذوره الدينية والثقافية، بل حاول أن يقود عملية تحديث حذرة تراعي حساسية المجتمع، وتتفادى الصدام المباشر مع البنى المحافظة، وتبحث عن صيغة توفق بين الاستقرار والإصلاح.../...

سبتة في خطاب بنكيران إلى الملك بين التلميح والتصريح

 

من سؤال «من دبّر الأزمة وكيف؟» 

إلى السؤال الذي أغفله الخطاب: ماذا تفعل إسبانيا في سبتة؟


لم يكن طلب عبد الإله بنكيران فتح تحقيق في أحداث سبتة، في ذاته، أمرًا مستغربًا. فما وقع في 30 يوليو 2026 تجاوز في حجمه وتداعياته حدود حادث عابر للهجرة غير النظامية، وأثار أسئلة مشروعة حول كيفية وصول عشرات الآلاف إلى منطقة حدودية شديدة الحساسية، وحول أداء الأجهزة المعنية على جانبي الحدود. بل إن الجدل نفسه انتقل إلى داخل إسبانيا، وتعددت الروايات بشأن المسؤولية عن الأزمة والظروف التي جعلتها ممكنة. وما تزال التفسيرات الإسبانية نفسها تميز بين التخطيط المباشر للأحداث وبين السماح بمرورها أو التقصير في منعها، دون أن تقدم دليلًا حاسمًا على أن السلطات المغربية هي التي دبرتها ابتداءً.


ومن ثم، فالمشكلة ليست في حق بنكيران في السؤال، وإنما في بنية السؤال والجهة التي اختار توجيهه إليها.../...

عهد محمد السادس بين التأريخ والتقويم (05): الدولة الاجتماعية المؤجلة

 

من مشاريع الدعم إلى سؤال الكرامة والعدالة الاجتماعية


تمهيد


إذا كان الجزء السابق قد بيّن أن الدولة المغربية في عهد الملك محمد السادس استطاعت أن تقود مشاريع تحديث كبرى في البنية التحتية، والسيادة، والإدارة، والمدن، والاستثمار، والصورة الخارجية، فإن هذا الباب ينتقل إلى السؤال الأكثر حساسية في تجربة التنمية كلها: ماذا عن الإنسان؟ ماذا عن الفقير، والعامل، والعاطل، والتلميذ، والمريض، وساكن القرية، وساكن الهامش، والطبقة الوسطى التي تحمل عبء الحياة اليومية؟


ذلك أن نجاح الدولة في بناء الطرق، والموانئ، والمطارات، والسدود، والملاعب، والمناطق الصناعية، لا يكتمل إلا إذا انعكس على حياة المواطن في شكل تعليم جيد، وصحة قريبة، وشغل كريم، وسكن لائق، وحماية اجتماعية فعلية، وإحساس عام بأن التنمية لا تمر فوق المجتمع، بل تصل إليه وتنتشله من الهشاشة.../...

من الصحراء إلى سبتة: حين تحولت الملفات إلى أوراق قوة

 

قراءة في إعادة تشكل التحولات الجيوسياسية بغرب المتوسط

واشنطن وتندوف والجنسية والهجرة في إعادة رسم ميزان النفوذ بين المغرب وإسبانيا


تمهيد: من أزمة حدود إلى مشهد استراتيجي أوسع


لم تعد أحداث سبتة الأخيرة قابلة للقراءة باعتبارها أزمة هجرة عابرة، ولا مجرد خلل أمني على حدود مدينة محتلة، ولا حتى خلافًا ثنائيًا جديدًا بين المغرب وإسبانيا. فسرعان ما تجاوزت الوقائع الميدانية معناها المباشر، لتكشف عن تداخل ملفات كانت تتحرك في مسارات متوازية منذ أشهر، قبل أن تلتقي فجأة في لحظة سياسية واحدة.


ففي الوقت الذي كانت فيه مدريد تواجه تدفقًا غير مسبوق للمهاجرين نحو سبتة، كانت واشنطن قد بدأت، قبل ذلك بأشهر، إدخال سبتة ومليلية لأول مرة إلى نقاش داخل مؤسسة أمريكية رسمية، من خلال تقرير لجنة الاعتمادات بمجلس النواب الذي دعا إلى تشجيع حوار دبلوماسي حول مستقبل المدينتين.../...

عهد محمد السادس: بين التأْريخ والتقويم (04)

 

الدولة القائدة ومشاريع التحديث


تمهيد: من البنية التحتية إلى سؤال الأثر الاجتماعي


من بين السمات البارزة للتجربة المغربية في عهد الملك محمد السادس أن الدولة لم تكتفِ بدور الحَكَم أو المنظِّم أو الضامن العام للتوازنات، بل تقدمت إلى موقع الفاعل القائد في عملية التنمية. فقد اختارت أن تقود مشاريع التحديث الكبرى مباشرة، وأن تجعل من البنية التحتية، والتهيئة الترابية، وجلب الاستثمار، وتطوير الواجهات الحضرية، وتحديث الإدارة، وتعزيز الأمن، وتحديث الجيش، أدوات مركزية لإعادة تشكيل صورة المغرب داخليًا وخارجيًا.


لم يكن هذا الاختيار معزولًا عن السياق الذي وُلد فيه العهد الجديد. فالمغرب الخارج من نهاية القرن العشرين كان يواجه أعطابًا متراكمة: ضعفًا في التجهيزات الأساسية، وفوارق مجالية عميقة، وهشاشة في الاقتصاد المنتج، وبطالة متنامية، وتفاوتًا واضحًا بين المدن الكبرى والمناطق الطرفية. لذلك بدا أن الدولة لا تستطيع أن تنتظر دينامية اقتصادية أو اجتماعية تلقائية، ولا أن تترك التنمية لقوى السوق وحدها، بل كان عليها أن تتدخل بقوة، وأن تجعل من الاستثمار العمومي رافعة لفتح الطرق، وبناء الموانئ، وتحديث المطارات، وتطوير السكك الحديدية، وتأهيل المدن، وإطلاق المناطق الصناعية، والانخراط في سلاسل الإنتاج العالمية.../...

أزمة سبتة.. بين القضاء والسياسة

 

الدعاوى ضد مسؤولين مغاربة…

هل يحاكم القضاء المغرب أم يكشف أزمة إسبانيا؟


لم يكن مستغربًا أن تثير الشكاوى التي استهدفت مسؤولين مغاربة أمام المحكمة الوطنية الإسبانية اهتمامًا إعلاميًا وسياسيًا واسعًا، بالنظر إلى حساسية العلاقات المغربية الإسبانية، وإلى الطابع الاستثنائي لأزمة سبتة التي شهدت خلال أيام قليلة تدفقًا غير مسبوق لآلاف المهاجرين نحو المدينة المحتلة.


غير أن الضجة التي رافقت هذه الشكاوى تكشف في الوقت نفسه عن مفارقة لافتة؛ إذ إن كثيرًا من التعليقات الإعلامية والسياسية تعاملت مع مجرد فتح التحقيق وكأنه إدانة مسبقة، أو كما لو أن القضاء الإسباني قد حسم بالفعل في مسؤولية الدولة المغربية أو بعض مسؤوليها، بينما تختلف الحقيقة القانونية عن ذلك اختلافًا جوهريًا.../...

غرب المتوسط على عتبة إعادة تشكيل استراتيجي

 

بحث جيوسياسي:

المغرب بين الشراكة الأمريكية الفرنسية، والمناورة الإسبانية الجزائرية، 

وعودة سبتة ومليلية إلى قلب المعادلة الأمنية


تمهيد: أزمة تتجاوز الهجرة والخلافات الثنائية


لم تعد التطورات المتلاحقة في العلاقات المغربية الإسبانية والفرنسية والأمريكية والجزائرية قابلة للفهم بوصفها ملفات منفصلة. ما يجري أوسع من ذلك بكثير. المنطقة الممتدة من الساحل الإفريقي إلى مضيق جبل طارق، ومن الصحراء الأطلسية إلى جنوب أوروبا، تدخل مرحلة إعادة تشكيل جيوسياسي وجيواستراتيجي قد تحدد لعقود مقبلة: من يراقب غرب المتوسط؟ ومن يحمي مضيق جبل طارق؟ ومن يقود التعاون الأمني الأمريكي في إفريقيا؟ وأي موقع سيبقى لإسبانيا في الضفة الجنوبية للمضيق؟ وهل تستطيع مدريد الاستمرار في الجمع بين المغرب والجزائر، وبين الالتزام الأطلسي وبناء هامش أوروبي مستقل عن واشنطن؟ ثم هل يمكن فصل مستقبل سبتة ومليلية عن التحول الجاري في وظائف المغرب العسكرية والبحرية والجوية في المنطقة؟ .../...