‏إظهار الرسائل ذات التسميات بحوث دينية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بحوث دينية. إظهار كافة الرسائل

مناهج التفسير المعاصرة 03: القراءة المقارنة (13)

 

القرآن بين التراث الإسلامي والمناهج الغربية


من المناهج التي أصبحت ضرورية في العصر المعاصر القراءة المقارنة للقرآن، لا بمعنى إخضاع القرآن لمعايير الكتب الأخرى، ولا بمعنى قراءة الوحي من خارجه، بل بمعنى وضع القراءات المختلفة في ميزان واحد: كيف قرأ المسلمون القرآن؟ وكيف قرأه المستشرقون؟ وكيف تعاملت معه المناهج الغربية الحديثة؟ وما الذي يمكن أن نستفيده من المقارنة دون أن نفقد خصوصية الوحي؟


لقد فرض الواقع المعرفي المعاصر هذا النوع من القراءة. فالقرآن لم يعد يُدرس فقط داخل الحلقات التقليدية أو الجامعات الإسلامية، بل صار موضوعًا للدراسات الأكاديمية الغربية، ومناهج النقد التاريخي، واللسانيات، والأنثروبولوجيا، وتاريخ الأديان المقارن، وتحليل الخطاب، والهرمنيوطيقا، والسيميائيات. كما صار المسلم المعاصر يقرأ عن القرآن بلغات متعددة، وفي بيئات فكرية مختلفة، بعضها منصف، وبعضها منحاز، وبعضها ينطلق من مقدمات لا تعترف أصلًا بإمكان الوحي.../...

من الوحي إلى الخوارزمية: حدود المعرفة الدينية في عصر الذكاء الاصطناعي

دراسة

متى يكون ما ينتجه الذكاء الاصطناعي مجرد إعادة صياغة لما لقّنه الإنسان، ومتى يصبح تحليلًا مستقلًا نسبيًا للنص، وما القيمة المعرفية التي يجوز عندئذ نسبتها إلى هذا التحليل؟


تمهيد: حين دخلت الخوارزمية مجال المقدس


لم يعد حضور الذكاء الاصطناعي في المجال الديني مقتصرًا على البحث عن آية، أو ترجمة نص، أو الوصول السريع إلى فتوى محفوظة في قاعدة بيانات. فمع انتشار النماذج التوليدية، أصبح في مقدور المستخدم أن يطلب من الآلة شرح عقيدة، أو الدفاع عنها، أو نقدها، أو تفسير نص مقدس، أو مقارنة تأويلات مختلفة، أو بناء خطاب دعوي كامل موجه إلى فئة محددة من الناس. وبذلك انتقل الذكاء الاصطناعي تدريجيًا من وظيفة استرجاع المعرفة الدينية إلى المشاركة في إعادة صياغتها وتقديمها وترتيب حججها، وأحيانًا إنتاج استنتاجات جديدة انطلاقًا منها.


وقد بدأ هذا التحول يترك أثره في طبيعة تلقي الخطاب الديني نفسه. فالمتلقي الذي كان يعرف في السابق أنه يستمع إلى شيخ أو فقيه أو قس أو داعية، ويستطيع بالتالي أن ينسب الكلام إلى صاحبه ومدرسته ومذهبه، أصبح أمام خطاب تصدره آلة تبدو، في ظاهرها، مجردة من الانتماء المذهبي والمصلحة الشخصية والانفعال الديني. ومن هنا نشأ انطباع جديد لدى بعض المستخدمين: أن ما يقوله الذكاء الاصطناعي قد يكون أقرب إلى الحكم المحايد، لأنه لا يؤمن بعقيدة يدافع عنها، ولا ينتمي إلى تيار أو طائفة أو مذهب أو مؤسسة أو جماعة دينية يحمي سلطتها، ولا يتبنى أيديولوجيا يروّج لها، ولا يخشى مخالفة الموروث.../...

مِنَ المُلْكِ إِلَى المَلَكُوتِ: اتِّسَاعُ الكَوْنِ، وحدود المعرفةِ الإنسانية

 

سؤالٌ يتجاوزُ الإنسانَ


حين نتأمل اتساع الكون، بما يضم من مليارات المجرات وتريليونات النجوم والكواكب والأجرام، ينهض سؤال يتجاوز وصف نشأته وحركته مقارنة مع نشأة الإنسان وموقعه على هذا الكوكب الصغير المسمى "الأرض": ما غاية هذا الخلق الواسع؟ وإذا كانت العبادة غاية خلق الجن والإنس، كما يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، فهل يلزم من ذلك أن يكون هذا الكون الشاسع كله قد خُلق من أجل الإنسان وحده؟


قد يتضمن السؤال افتراضًا خفيًا: أن ما لا نعرف صلته المباشرة بنا لا بد أن يكون زائدًا أو بلا غاية. لكن هذا الافتراض يجعل الإنسان مركز الخلق ومقياس الوجود، مع أن القرآن يذكّره بأن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: 57]. فالإنسان مخاطَب ومسؤول، لكنه ليس بالضرورة مركز كل غاية في الخلق.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: القراءة الاستشراقية للقرآن والإسلام (12)

 

حين يُحاكم الوحي من خلال التاريخ والفقه وسلوك المسلمين


من القراءات التي لا يمكن تجاوزها في دراسة مناهج التفسير المعاصرة القراءة الاستشراقية للقرآن والإسلام. فهي لم تكن مجرد قراءة أكاديمية خارجية، بل كانت، في مراحل كثيرة، قوة معرفية كبرى ساهمت في تشكيل صورة الإسلام في الوعي الغربي، ثم أثرت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في بعض القراءات العربية الحديثة التي درست القرآن والتراث من داخل مفاهيم التاريخ، والثقافة، والسلطة، والنص، والخطاب، والأنسنة.


ولا ينبغي أن نتعامل مع الاستشراق بوصفه كتلة واحدة. فقد وُجد فيه باحثون جادون، ولغويون دقيقون، ومحققون خدموا المخطوطات، ودارسون بذلوا جهدًا في فهم التاريخ الإسلامي واللغة العربية والنص القرآني. لكن وُجد فيه أيضًا اتجاه واسع قرأ الإسلام من داخل خلفيات لاهوتية أوروبية، أو سياقات استعمارية، أو مركزية غربية، أو رغبة في تفسير الإسلام بوصفه ظاهرة تاريخية وثقافية لا وحيًا إلهيًا. ومن هنا وجب التفريق بين الاستفادة من بعض الجهد العلمي، وبين التسليم بالمقدمات التي حكمت كثيرًا من القراءات الاستشراقية.../...

مناهج التفسير المعاصرة :03 القراءة الرمزية والصوفية (11)

 

بين التزكية وذوبان المعنى في الإشارة


من القراءات التي تحتاج إلى موضع مستقل في مناهج التفسير المعاصرة القراءة الرمزية والصوفية، لا لأنها جديدة في أصلها، فقد عرف التراث الإسلامي التفسير الإشاري والعرفاني منذ قرون، بل لأنها عادت في العصر الحديث والمعاصر بأشكال متعددة: في التصوف التقليدي، وفي الكتابات الروحية، وفي التأويلات العرفانية، وفي بعض تيارات الروحانية الجديدة التي تستعمل ألفاظ القرآن لتغذية خطاب الطاقة والباطن والرمز والارتقاء الروحي.


وهذه القراءة تتحرك من سؤال مهم: هل القرآن خطاب للظاهر فقط؟ أم أن له أثرًا في القلب، وعمقًا في النفس، وإشارات تربوية وروحية تتجاوز مجرد الشرح اللفظي والحكم الفقهي؟ وهل يكفي أن نقرأ القرآن قراءة قانونية أو لغوية أو سياسية أو اجتماعية، دون أن ننتبه إلى أنه كتاب تزكية، وذكر، وخشية، وسكينة، وإنابة، ومحبة لله، وتحرير للنفس من الهوى والغفلة؟.../...

طاعة الرسول واتباعه في القرآن: ما المرجع وما حدود الإلزام؟

 

قراءة علائقية في النبوة والوحي والرسالة والبلاغ والتبيين


لماذا يرتبط الأمر بالطاعة في القرآن بوصف «الرسول»؟ وما العلاقة بين طاعته وطاعة الله؟ وهل يقتضي اتباعه تحويل كل ما نُسب إليه من قول أو فعل أو تقرير إلى تشريع ديني ملزم لجميع الناس في كل زمان ومكان؟


تنطلق هذه الأسئلة من ضرورة فهم الوصف الذي تعلق به الأمر، ثم تحديد مضمون العلاقة التي يقيمها النص. فمحمد عليه السلام هو الشخص الذي تلقى الوحي وحمل الرسالة، وهو النبي والرسول الذي عاش بين قومه، وواجه أسئلتهم، وحكم في منازعاتهم، ودبّر شؤونًا تتصل بتجربتهم. لكن اجتماع هذه الجهات في شخص واحد لا يعفينا من تمييز ما يضيفه كل وصف، وما يترتب على كل موقع من مسؤولية.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: القراءة السياسية والسلطانية (10)

 

القرآن بين شرعية الحكم وتبرير الطاعة


من أخطر القراءات التي أثرت في وعي المسلمين، وفي تشكيل مذاهبهم ومدارسهم وسلوكهم السياسي والديني، القراءة السياسية والسلطانية للقرآن. وهي قراءة لا تكتفي بفهم الآيات المتعلقة بالحكم والطاعة والجماعة والشورى والعدل، بل تعيد ترتيب هذه الآيات داخل سؤال السلطة: من يحكم؟ وبأي شرعية؟ وما حدود الطاعة؟ ومتى يكون الاعتراض فتنة؟ ومتى تكون مقاومة الظلم شهادة بالحق؟ وكيف يتحول القرآن من ميزان يحاكم السلطة إلى نص تستعمله السلطة لتثبيت نفسها؟


وهذه القراءة ليست ظاهرة متأخرة، ولا مجرد انحراف عابر في بعض عصور الاستبداد، بل هي من أعمق التحولات التي عرفها التاريخ الإسلامي منذ الفتنة الكبرى، ثم قيام الدولة الأموية، وما تلا ذلك من تشكل الدول السلطانية والمذاهب السياسية والكلامية والفقهية. فمنذ أن انتقل المسلمون من لحظة النبوة والخلافة الأولى إلى صراعات الملك والوراثة والغلبة، بدأ السؤال السياسي يتسلل إلى قلب التفسير والعقيدة والفقه: هل الحكم شورى كما يقول القرآن أم غلبة كما يقول ابن خلدون؟ هل الطاعة مشروطة أم مطلقة؟ هل الجماعة هي الأمة أم السلطان؟ هل الخروج على الظلم فتنة، أم السكوت عن الظلم فتنة أكبر؟.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: القراءة الواقعية والاجتماعية للقرآن (09)

 


بين فقه التنزيل وخطر إخضاع النص للواقع


بعد القراءة العلمية للقرآن، تبرز في المناهج المعاصرة قراءة أخرى شديدة الأهمية، هي القراءة الواقعية والاجتماعية. وهي قراءة تنطلق من سؤال عملي مباشر: كيف يتعامل القرآن مع واقع الإنسان والمجتمع؟ وكيف يمكن تنزيل هدايته على مشكلات الحياة المتغيرة، من فقر وظلم واستبداد وتفكك أسري وصراع طبقي وانحراف أخلاقي وتبعية ثقافية واضطراب سياسي؟


وقد نشأت هذه القراءة من وعي صحيح بأن القرآن لم ينزل ليُقرأ في فضاء ذهني مجرد، ولا ليظل حبيس المصاحف والمحاريب، بل ليخاطب الإنسان في واقعه، ويهديه في علاقاته، ويقوّم اختلالات المجتمع، ويكشف أسباب الفساد، ويضع للناس ميزانًا في العدل والرحمة والأمانة والشورى والإنفاق وحفظ الكرامة.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: القراءة العلمية للقرآن (08)

 

بين آيات الكون وخطر تحميل النص ما لا يحتمل


برزت القراءة العلمية للقرآن في العصر الحديث مع اتساع الاكتشافات العلمية وازدياد شعور المسلمين بالفجوة التي فصلت مجتمعاتهم عن التقدم العلمي. وقد انطلقت من رغبة مشروعة في بيان أن القرآن لا يعارض المعرفة الصحيحة، وأن الكتاب الذي دعا الإنسان إلى النظر في السماوات والأرض والآفاق والأنفس لا يمكن أن يكون خصمًا للبحث في الكون واكتشاف سننه.


فالآيات الكونية تشغل مساحة واسعة من الخطاب القرآني. يدعو القرآن إلى النظر في خلق السماوات والأرض، وتعاقب الليل والنهار، ونشأة الإنسان، وحركة الرياح، وإنزال الماء، وإنبات الأرض، وتكوين الجبال والبحار، ومسارات الشمس والقمر والنجوم، وأحوال الحيوان والطير والنحل. وهذه الآيات ليست زينة بيانية على هامش الرسالة، بل تدخل في بناء الحجة وتربط الإيمان بالنظر، والتوحيد بقراءة الكون، والخشية بالعلم.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: القراءة الحضارية والسننية (07)

 

القرآن بوصفه كتاب بناء لا كتاب وعظ فقط


من المناهج التي أخذت تتشكل في الفكر الإسلامي المعاصر ما يمكن تسميته بـ القراءة الحضارية والسننية للقرآن. وهي قراءة لا تكتفي بالنظر إلى القرآن بوصفه كتاب عقائد وأحكام ومواعظ، بل تقرؤه بوصفه كتابًا يكشف سنن قيام الأمم وسقوطها، وشروط النهوض، وأسباب الهلاك، وقوانين التدافع، ومسؤولية الإنسان في بناء العمران على أساس العدل والتوحيد.


وهذا الاتجاه يختلف عن القراءة الوعظية التي تكتفي بإثارة العاطفة، كما يختلف عن القراءة الفقهية التي تركز على الأحكام التفصيلية، وعن القراءة الكلامية التي تنشغل بقضايا العقيدة المجردة. فالقراءة الحضارية تسأل: ماذا يقول القرآن عن حركة التاريخ؟ كيف تنهض أمة؟ لماذا تسقط الأمم؟ ما علاقة الإيمان بالعمل؟ ما أثر الظلم والفساد في انهيار المجتمعات؟ كيف تتحول النعم إلى نقم؟ كيف تعمل السنن الإلهية في الاجتماع البشري؟ .../...

ما معنى «الأمي» في القرآن؟

قراءة من داخل شبكة الاستعمال القرآني


تمهيد


ارتبط وصف محمد عليه السلام بـ«النبي الأمي» في الوعي الإسلامي ارتباطًا وثيقًا بفكرة أنه لم يكن يقرأ ولا يكتب، حتى أصبح معنى «الأمي» في هذا السياق يبدو بديهيًا لا يحتاج إلى بحث. ومن ثم انتقل النقاش غالبًا إلى سؤال تاريخي: هل كان محمد يعرف القراءة والكتابة؟ واستُحضرت للإجابة عنه أخبار السيرة وبعض الآيات التي تتحدث عن علاقته بالكتاب قبل نزول القرآن.


غير أن هذا السؤال، على أهميته، يفترض مسبقًا أن معنى «الأمي» قد حُسم، وأن الكلمة تدل أصلًا على عدم معرفة القراءة والكتابة. بينما يقتضي البحث من داخل القرآن أن يسبق ذلك سؤال أبسط وأكثر تأسيسًا: ماذا يعني القرآن نفسه حين يستعمل لفظ «الأمي»؟ .../...

إشكالية العبادة في خطاب محمد الفايد: الصلاة نموذجا

 

الجزء الثاني

الصلاة والركوع والسجود في ميزان القرآن


تمهيد: من سؤال «الله الحقيقي» إلى سؤال «العبادة الحقيقية»


أثار محمد الفايد في حديثه عن «الله الحقيقي» سؤالين متلازمين. يتعلق الأول بتصور الله نفسه، حين قرر أن «الله الذي تعبدونه ليس الله الحقيقي»، وأحال في البحث عنه إلى سبينوزا والحلاج. أما الثاني فيتعلق بالعبادة التي تليق بهذا الإله، حين اعترض على أن يُعبد الله «بالحس» أو «بالجسم»، وانتقد الركوع والسجود والحركات التي يؤديها المسلمون في صلاتهم، وذهب في وصف بعضها إلى استعمال عبارة «الحركات السخيفة».


وقد تناولنا السؤال الأول في دراسة مستقلة، انتهت إلى أن الاعتراض على بعض التصورات البشرية أو المكانية عن الله لا يكفي لإثبات أن «الله الحقيقي» هو إله سبينوزا، وأن القرآن يقدم بناءً مختلفًا للعلاقة بين الله والعالم والإنسان؛ فهو ينزه الله عن المماثلة، ويثبت في الوقت نفسه الخلق والربوبية والقرب والإرادة والأمر، ويحافظ على التمايز بين الرب والعبد والخالق والمخلوق.../...

إشكالية «الله الحقيقي» في خطاب محمد الفايد

 


الجزء الأول

سبينوزا والحلاج في ميزان القرآن


تمهيد


أثار خبير التغذية المغربي محمد الفايد موجة جديدة من الجدل بعد تصريحات تجاوزت هذه المرة عددًا من القضايا الفقهية والحديثية التي سبق أن أثارت حوله نقاشًا واسعًا، لتصل إلى سؤال يقع في صميم التصور الديني نفسه: من هو الله الحقيقي؟ فقد قال، في عبارة شديدة الدلالة، إن «الله الذي تعبدونه ليس الله الحقيقي»، قبل أن يحدد المرجعية التي يحيل إليها بالقول إن «الله الحقيقي» هو الذي تحدث عنه سبينوزا والحلاج. ولم يقف خطابه عند تحديد مفهوم الله، بل ربط ذلك بطريقة عبادته، فانتقد الركوع والسجود وبعض الحركات التي يؤديها المسلمون في الصلاة، انطلاقًا من تصوره أن «الله الجوهر» لا يعبد بهذه الكيفية، كما اعترض على تصور الله بوصفه بعيدًا في السماء، وكرر عبارة أن «الله فيك».


وكان متوقعًا أن تثير عبارات بهذه الحساسية ردود فعل قوية، غير أن السجال لم يبق في حدود الاعتراض الفكري والديني، بل انتقل في جانب منه إلى التكفير والمطالبة بالمتابعة القضائية بدعوى الإساءة إلى الدين والمقدسات. وهكذا أصبح النقاش موزعًا بين من يرى في خطاب الفايد هدمًا لثوابت الإسلام، ومن يتعامل معه باعتباره اجتهادًا تجديديًا ينبغي أن يواجه بالحجة لا بالتكفير أو القضاء. لكن الاصطفاف بين هذين الموقفين قد يحجب سؤالًا أسبق منهما: قبل الحكم على صاحب القول، ما مدى صحة القول نفسه؟ وما المقصود أصلًا بـ«الله الحقيقي»؟ وبأي معيار يمكن للإنسان أن يقرر أن تصورًا لله أكثر مطابقة للحقيقة من تصور آخر؟.../...

مفهوم الربوبية في القرآن


من الإقرار بأن الله رب إلى العيش بمقتضى ربوبيته


يفتتح القرآن فاتحته، ويفتتح المؤمن قراءته بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الفاتحة: 2). وقد تبدو هذه العبارة، لكثرة تردادها، تقريرًا إيمانيًا مألوفًا لا يحتاج إلى مزيد من التأمل. غير أن موقعها في فاتحة الكتاب يكشف عن معنى أعمق؛ فالقرآن لا يقدم الله ابتداءً بوصفه رب جماعة أو أمة أو مجال مخصوص من الحياة، وإنما بوصفه ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.


لكن هذه العبارة التي تبدو واضحة تضعنا أمام سؤال سابق على البحث في معنى الربوبية نفسها: من هم ﴿الْعَالَمِينَ﴾؟ 


فإذا كنا نريد أن نفهم معنى أن يكون الله رب العالمين، فلا يكفي أن نبحث في معنى «الرب»، بل ينبغي أن نحدد أيضًا نطاق «المربوب» الذي تتعلق به هذه الربوبية. وهنا قد يكون المألوف الديني نفسه حجابًا يحول دون رؤية اتساع المفهوم القرآني.../...

النظام في المغرب: بين الشرعية الدينية والشرعية السياسية

 

أين تبدأ المرجعية وأين تنتهي السياسة؟


تمهيد


يطرح النقاش المتجدد حول الديمقراطية والإسلام السياسي في المغرب، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، سؤالًا يتجاوز التنافس بين الأحزاب والبرامج والمرشحين إلى طبيعة الشرعية نفسها التي يقوم عليها النظام السياسي: من أين تستمد السلطة مشروعيتها؟ وأين تنتهي الشرعية السياسية التي تمنحها المؤسسات والدستور وصندوق الاقتراع، وأين تبدأ الشرعية الدينية؟ وهل يمكن الجمع بينهما داخل نظام واحد من دون أن تتحول إحداهما إلى أداة لمنازعة الأخرى أو احتكارها؟


يكتسب هذا السؤال خصوصيته في المغرب لأن النظام الدستوري لم يفصل الدين عن الدولة على الطريقة التي عرفتها بعض التجارب العلمانية، كما أنه لم يؤسس دولة دينية تحتكر فيها مرجعية دينية السلطة السياسية. فقد حافظ على مؤسسة إمارة المؤمنين بوصفها جزءًا من البناء التاريخي والدستوري للملكية، وفي الوقت نفسه أقر التعددية الحزبية والانتخابات والتداول الديمقراطي، وجعل الأحزاب مؤسسات سياسية تتنافس على تمثيل المواطنين والمشاركة في ممارسة السلطة.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: القراءة المفاهيمية (06)

 

تحرير المصطلح القرآني من أسر التراث والحداثة


بعد التفسير الموضوعي والقراءة المقاصدية التي تميزت بها التفاسير المعاصرة، تبرز حاجة منهجية أخرى لا تقل أهمية، وهي القراءة المفاهيمية للقرآن. والمقصود بها دراسة المفاهيم القرآنية الكبرى من داخل القرآن نفسه، لا من خلال ما تراكم حولها في كتب الفقه والكلام والتصوف والسياسة، ولا من خلال ما تفرضه المفاهيم الحديثة القادمة من الفلسفة أو العلوم الإنسانية أو التجربة الغربية.


فكثير من أزمات الفهم الديني لا تبدأ من الأحكام، بل من المفاهيم. فإذا اضطرب مفهوم الدين، اضطربت العلاقة بين الإنسان وربه. وإذا اضطرب مفهوم الشريعة، اختلط الوحي بالفقه. وإذا اضطرب مفهوم السنة، اختلطت سنن الله في الخلق والتاريخ بالمرويات الحديثية. وإذا اضطرب مفهوم الطاعة، تحولت إلى خضوع للسلطة. وإذا اضطرب مفهوم الجهاد، تحول إلى عنف. وإذا اضطرب مفهوم الكفر، صار أداة إقصاء وتكفير. وإذا اضطرب مفهوم الأمة، تحول إلى شعار مذهبي أو سياسي بدل أن يكون أفقًا للشهادة والعدل.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: القراءة المقاصدية (05)

 

بين كليات القرآن ومقاصد الفقهاء


من المناهج التي برزت بقوة في الفكر الإسلامي المعاصر القراءة المقاصدية، وهي قراءة تنطلق من أن النصوص لا تُفهم على وجهها الكامل بمجرد الوقوف عند ألفاظها الجزئية، بل لا بد من ردّها إلى غاياتها الكبرى، ومقاصدها العامة، وروحها الكلية. وقد اكتسب هذا المنهج حضورًا خاصًا لأن كثيرًا من الأزمات المعاصرة نتجت عن جمود في قراءة النصوص، أو عن نقل أحكام من سياقات قديمة إلى واقع جديد دون اعتبار للمآلات والعلل والمقاصد.


ولا شك أن المقاصد، من حيث الأصل، فكرة صحيحة وضرورية. فالقرآن لا يقدّم أوامر ونواهي معزولة عن الغاية، بل يربط التشريع بالعدل، والرحمة، والتقوى، ورفع الحرج، وحفظ الكرامة، وإصلاح الإنسان، وإقامة القسط. فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة تطهير للنفس والمال، والصيام طريق إلى التقوى، والقصاص فيه حياة، والإنفاق تزكية وتكافل، والشورى حفظ للأمانة الجماعية، والوفاء بالعهد صيانة للثقة والعدل. ومن ثم، فإن قراءة الحكم منفصلًا عن مقصده تؤدي إلى جفاف الفهم، وتجاهل الرحمة، وتشويه التنزيل.../...

مفهوم الألوهية: تفكيك التّأليه الزائف

 

(من عبودية الأشياء.. إلى عبادة الحق)


السؤال الحارق:  لماذا يقرّ كثير من الناس بوجود الله، ثم يعيشون عمليًا تحت آلهةٍ أخرى؟


خلاصة الميزان:  كلُّ خضوعٍ مُطْلَقٍ يُنتِج معيارًا فوق معيار الله هو صورةٌ من التأليه، ولو سُمّي «دينًا» أو «سياسة» أو «ثقافة».


تمهيد: «من فكرة الله» إلى «ميزان العبادة»: 


القرآن لا يبدأ بإثبات «وجود الله» بالطريقة الفلسفية المجردة، بل يبدأ بما هو أخطر: تحديد مَن يستحق العبادة، لأن جوهر الأزمة البشرية ليس نقص المعلومات عن الله، بل انحراف الوجهة: أن تعرف، ثم تخضع لغير الحق. لهذا جاءت الفاتحة، باعتبارها «مفتاح الكتاب» و  «أمّ القراءة»، لا لتخبرك أن الله موجود، بل لتضعك مباشرة أمام «ميثاق» يوميّ:  ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5).../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: التفسير الموضوعي (03)

 

من تجزئة الآيات إلى بناء الرؤية الكلية


بعد التفسير الإصلاحي (01)  والتفسير الحركي (02)، برز في الفكر الإسلامي المعاصر اتجاه آخر حاول أن يتجاوز الطريقة التقليدية القائمة على تفسير القرآن آية بعد آية، وسورة بعد سورة، لينتقل إلى دراسة القرآن من جهة موضوعاته الكبرى. وقد عُرف هذا الاتجاه باسم التفسير الموضوعي (03).


والدافع إلى هذا المنهج مفهوم ومشروع في أصله. فقد لاحظ كثير من الباحثين أن التفسير التجزيئي، على أهميته، قد يشتت المعنى أحيانًا؛ إذ يشرح الآية في موضعها دون أن يجمع نظائرها في القرآن كله. ومن ثم قد يفهم القارئ حكمًا، أو مفهومًا، أو قضية من خلال موضع واحد، بينما القرآن قد تناولها في مواضع متعددة، وسياقات مختلفة، ودرجات متنوعة من البيان. فكان لا بد من منهج يجمع الآيات المتعلقة بموضوع واحد، ثم يستخرج منها رؤية قرآنية كلية.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: التفسير الحركي (02)

 

حين يتحول القرآن إلى خطاب تعبئة وصراع


إذا كان التيار الإصلاحي الأول قد حاول أن يعيد القرآن إلى سؤال النهضة والعقل والحرية، فإن القرن العشرين شهد بروز اتجاه آخر أكثر حدة، يمكن تسميته بـ التفسير الحركي. وهذا الاتجاه لم يقرأ القرآن فقط بوصفه كتاب هداية فردية أو إصلاح اجتماعي، بل قرأه بوصفه كتاب حركة ومواجهة وتغيير وصراع بين الحق والباطل، وبين الإيمان والجاهلية، وبين الجماعة المؤمنة والواقع المنحرف.


وقد ارتبط هذا الاتجاه، بدرجات متفاوتة، بتجارب الحركات الإسلامية الحديثة، وبالتحولات السياسية الكبرى التي عرفها العالم العربي والإسلامي: سقوط الخلافة العثمانية، والاستعمار، وقيام الدولة الوطنية الحديثة، ونكبة فلسطين، وصعود القومية والاشتراكية، والاستبداد العسكري، والقمع السياسي، ثم ظهور الحركات الإسلامية بوصفها مشاريع بديلة تسعى إلى إعادة الإسلام إلى المجال العام.../...