‏إظهار الرسائل ذات التسميات بحوث دينية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بحوث دينية. إظهار كافة الرسائل

مناهج التفسير المعاصرة 03: القراءة الحضارية والسننية (07)

 

القرآن بوصفه كتاب بناء لا كتاب وعظ فقط


من المناهج التي أخذت تتشكل في الفكر الإسلامي المعاصر ما يمكن تسميته بـ القراءة الحضارية والسننية للقرآن. وهي قراءة لا تكتفي بالنظر إلى القرآن بوصفه كتاب عقائد وأحكام ومواعظ، بل تقرؤه بوصفه كتابًا يكشف سنن قيام الأمم وسقوطها، وشروط النهوض، وأسباب الهلاك، وقوانين التدافع، ومسؤولية الإنسان في بناء العمران على أساس العدل والتوحيد.


وهذا الاتجاه يختلف عن القراءة الوعظية التي تكتفي بإثارة العاطفة، كما يختلف عن القراءة الفقهية التي تركز على الأحكام التفصيلية، وعن القراءة الكلامية التي تنشغل بقضايا العقيدة المجردة. فالقراءة الحضارية تسأل: ماذا يقول القرآن عن حركة التاريخ؟ كيف تنهض أمة؟ لماذا تسقط الأمم؟ ما علاقة الإيمان بالعمل؟ ما أثر الظلم والفساد في انهيار المجتمعات؟ كيف تتحول النعم إلى نقم؟ كيف تعمل السنن الإلهية في الاجتماع البشري؟ .../...

ما معنى «الأمي» في القرآن؟

قراءة من داخل شبكة الاستعمال القرآني


تمهيد


ارتبط وصف محمد عليه السلام بـ«النبي الأمي» في الوعي الإسلامي ارتباطًا وثيقًا بفكرة أنه لم يكن يقرأ ولا يكتب، حتى أصبح معنى «الأمي» في هذا السياق يبدو بديهيًا لا يحتاج إلى بحث. ومن ثم انتقل النقاش غالبًا إلى سؤال تاريخي: هل كان محمد يعرف القراءة والكتابة؟ واستُحضرت للإجابة عنه أخبار السيرة وبعض الآيات التي تتحدث عن علاقته بالكتاب قبل نزول القرآن.


غير أن هذا السؤال، على أهميته، يفترض مسبقًا أن معنى «الأمي» قد حُسم، وأن الكلمة تدل أصلًا على عدم معرفة القراءة والكتابة. بينما يقتضي البحث من داخل القرآن أن يسبق ذلك سؤال أبسط وأكثر تأسيسًا: ماذا يعني القرآن نفسه حين يستعمل لفظ «الأمي»؟ .../...

إشكالية العبادة في خطاب محمد الفايد: الصلاة نموذجا

 

الجزء الثاني

الصلاة والركوع والسجود في ميزان القرآن


تمهيد: من سؤال «الله الحقيقي» إلى سؤال «العبادة الحقيقية»


أثار محمد الفايد في حديثه عن «الله الحقيقي» سؤالين متلازمين. يتعلق الأول بتصور الله نفسه، حين قرر أن «الله الذي تعبدونه ليس الله الحقيقي»، وأحال في البحث عنه إلى سبينوزا والحلاج. أما الثاني فيتعلق بالعبادة التي تليق بهذا الإله، حين اعترض على أن يُعبد الله «بالحس» أو «بالجسم»، وانتقد الركوع والسجود والحركات التي يؤديها المسلمون في صلاتهم، وذهب في وصف بعضها إلى استعمال عبارة «الحركات السخيفة».


وقد تناولنا السؤال الأول في دراسة مستقلة، انتهت إلى أن الاعتراض على بعض التصورات البشرية أو المكانية عن الله لا يكفي لإثبات أن «الله الحقيقي» هو إله سبينوزا، وأن القرآن يقدم بناءً مختلفًا للعلاقة بين الله والعالم والإنسان؛ فهو ينزه الله عن المماثلة، ويثبت في الوقت نفسه الخلق والربوبية والقرب والإرادة والأمر، ويحافظ على التمايز بين الرب والعبد والخالق والمخلوق.../...

إشكالية «الله الحقيقي» في خطاب محمد الفايد

 


الجزء الأول

سبينوزا والحلاج في ميزان القرآن


تمهيد


أثار خبير التغذية المغربي محمد الفايد موجة جديدة من الجدل بعد تصريحات تجاوزت هذه المرة عددًا من القضايا الفقهية والحديثية التي سبق أن أثارت حوله نقاشًا واسعًا، لتصل إلى سؤال يقع في صميم التصور الديني نفسه: من هو الله الحقيقي؟ فقد قال، في عبارة شديدة الدلالة، إن «الله الذي تعبدونه ليس الله الحقيقي»، قبل أن يحدد المرجعية التي يحيل إليها بالقول إن «الله الحقيقي» هو الذي تحدث عنه سبينوزا والحلاج. ولم يقف خطابه عند تحديد مفهوم الله، بل ربط ذلك بطريقة عبادته، فانتقد الركوع والسجود وبعض الحركات التي يؤديها المسلمون في الصلاة، انطلاقًا من تصوره أن «الله الجوهر» لا يعبد بهذه الكيفية، كما اعترض على تصور الله بوصفه بعيدًا في السماء، وكرر عبارة أن «الله فيك».


وكان متوقعًا أن تثير عبارات بهذه الحساسية ردود فعل قوية، غير أن السجال لم يبق في حدود الاعتراض الفكري والديني، بل انتقل في جانب منه إلى التكفير والمطالبة بالمتابعة القضائية بدعوى الإساءة إلى الدين والمقدسات. وهكذا أصبح النقاش موزعًا بين من يرى في خطاب الفايد هدمًا لثوابت الإسلام، ومن يتعامل معه باعتباره اجتهادًا تجديديًا ينبغي أن يواجه بالحجة لا بالتكفير أو القضاء. لكن الاصطفاف بين هذين الموقفين قد يحجب سؤالًا أسبق منهما: قبل الحكم على صاحب القول، ما مدى صحة القول نفسه؟ وما المقصود أصلًا بـ«الله الحقيقي»؟ وبأي معيار يمكن للإنسان أن يقرر أن تصورًا لله أكثر مطابقة للحقيقة من تصور آخر؟.../...

مفهوم الربوبية في القرآن


من الإقرار بأن الله رب إلى العيش بمقتضى ربوبيته


يفتتح القرآن فاتحته، ويفتتح المؤمن قراءته بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الفاتحة: 2). وقد تبدو هذه العبارة، لكثرة تردادها، تقريرًا إيمانيًا مألوفًا لا يحتاج إلى مزيد من التأمل. غير أن موقعها في فاتحة الكتاب يكشف عن معنى أعمق؛ فالقرآن لا يقدم الله ابتداءً بوصفه رب جماعة أو أمة أو مجال مخصوص من الحياة، وإنما بوصفه ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.


لكن هذه العبارة التي تبدو واضحة تضعنا أمام سؤال سابق على البحث في معنى الربوبية نفسها: من هم ﴿الْعَالَمِينَ﴾؟ 


فإذا كنا نريد أن نفهم معنى أن يكون الله رب العالمين، فلا يكفي أن نبحث في معنى «الرب»، بل ينبغي أن نحدد أيضًا نطاق «المربوب» الذي تتعلق به هذه الربوبية. وهنا قد يكون المألوف الديني نفسه حجابًا يحول دون رؤية اتساع المفهوم القرآني.../...

النظام في المغرب: بين الشرعية الدينية والشرعية السياسية

 

أين تبدأ المرجعية وأين تنتهي السياسة؟


تمهيد


يطرح النقاش المتجدد حول الديمقراطية والإسلام السياسي في المغرب، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، سؤالًا يتجاوز التنافس بين الأحزاب والبرامج والمرشحين إلى طبيعة الشرعية نفسها التي يقوم عليها النظام السياسي: من أين تستمد السلطة مشروعيتها؟ وأين تنتهي الشرعية السياسية التي تمنحها المؤسسات والدستور وصندوق الاقتراع، وأين تبدأ الشرعية الدينية؟ وهل يمكن الجمع بينهما داخل نظام واحد من دون أن تتحول إحداهما إلى أداة لمنازعة الأخرى أو احتكارها؟


يكتسب هذا السؤال خصوصيته في المغرب لأن النظام الدستوري لم يفصل الدين عن الدولة على الطريقة التي عرفتها بعض التجارب العلمانية، كما أنه لم يؤسس دولة دينية تحتكر فيها مرجعية دينية السلطة السياسية. فقد حافظ على مؤسسة إمارة المؤمنين بوصفها جزءًا من البناء التاريخي والدستوري للملكية، وفي الوقت نفسه أقر التعددية الحزبية والانتخابات والتداول الديمقراطي، وجعل الأحزاب مؤسسات سياسية تتنافس على تمثيل المواطنين والمشاركة في ممارسة السلطة.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: القراءة المفاهيمية (06)

 

تحرير المصطلح القرآني من أسر التراث والحداثة


بعد التفسير الموضوعي والقراءة المقاصدية التي تميزت بها التفاسير المعاصرة، تبرز حاجة منهجية أخرى لا تقل أهمية، وهي القراءة المفاهيمية للقرآن. والمقصود بها دراسة المفاهيم القرآنية الكبرى من داخل القرآن نفسه، لا من خلال ما تراكم حولها في كتب الفقه والكلام والتصوف والسياسة، ولا من خلال ما تفرضه المفاهيم الحديثة القادمة من الفلسفة أو العلوم الإنسانية أو التجربة الغربية.


فكثير من أزمات الفهم الديني لا تبدأ من الأحكام، بل من المفاهيم. فإذا اضطرب مفهوم الدين، اضطربت العلاقة بين الإنسان وربه. وإذا اضطرب مفهوم الشريعة، اختلط الوحي بالفقه. وإذا اضطرب مفهوم السنة، اختلطت سنن الله في الخلق والتاريخ بالمرويات الحديثية. وإذا اضطرب مفهوم الطاعة، تحولت إلى خضوع للسلطة. وإذا اضطرب مفهوم الجهاد، تحول إلى عنف. وإذا اضطرب مفهوم الكفر، صار أداة إقصاء وتكفير. وإذا اضطرب مفهوم الأمة، تحول إلى شعار مذهبي أو سياسي بدل أن يكون أفقًا للشهادة والعدل.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: القراءة المقاصدية (05)

 

بين كليات القرآن ومقاصد الفقهاء


من المناهج التي برزت بقوة في الفكر الإسلامي المعاصر القراءة المقاصدية، وهي قراءة تنطلق من أن النصوص لا تُفهم على وجهها الكامل بمجرد الوقوف عند ألفاظها الجزئية، بل لا بد من ردّها إلى غاياتها الكبرى، ومقاصدها العامة، وروحها الكلية. وقد اكتسب هذا المنهج حضورًا خاصًا لأن كثيرًا من الأزمات المعاصرة نتجت عن جمود في قراءة النصوص، أو عن نقل أحكام من سياقات قديمة إلى واقع جديد دون اعتبار للمآلات والعلل والمقاصد.


ولا شك أن المقاصد، من حيث الأصل، فكرة صحيحة وضرورية. فالقرآن لا يقدّم أوامر ونواهي معزولة عن الغاية، بل يربط التشريع بالعدل، والرحمة، والتقوى، ورفع الحرج، وحفظ الكرامة، وإصلاح الإنسان، وإقامة القسط. فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة تطهير للنفس والمال، والصيام طريق إلى التقوى، والقصاص فيه حياة، والإنفاق تزكية وتكافل، والشورى حفظ للأمانة الجماعية، والوفاء بالعهد صيانة للثقة والعدل. ومن ثم، فإن قراءة الحكم منفصلًا عن مقصده تؤدي إلى جفاف الفهم، وتجاهل الرحمة، وتشويه التنزيل.../...

مفهوم الألوهية: تفكيك التّأليه الزائف

 

(من عبودية الأشياء.. إلى عبادة الحق)


السؤال الحارق:  لماذا يقرّ كثير من الناس بوجود الله، ثم يعيشون عمليًا تحت آلهةٍ أخرى؟


خلاصة الميزان:  كلُّ خضوعٍ مُطْلَقٍ يُنتِج معيارًا فوق معيار الله هو صورةٌ من التأليه، ولو سُمّي «دينًا» أو «سياسة» أو «ثقافة».


تمهيد: «من فكرة الله» إلى «ميزان العبادة»: 


القرآن لا يبدأ بإثبات «وجود الله» بالطريقة الفلسفية المجردة، بل يبدأ بما هو أخطر: تحديد مَن يستحق العبادة، لأن جوهر الأزمة البشرية ليس نقص المعلومات عن الله، بل انحراف الوجهة: أن تعرف، ثم تخضع لغير الحق. لهذا جاءت الفاتحة، باعتبارها «مفتاح الكتاب» و  «أمّ القراءة»، لا لتخبرك أن الله موجود، بل لتضعك مباشرة أمام «ميثاق» يوميّ:  ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5).../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: التفسير الموضوعي (03)

 

من تجزئة الآيات إلى بناء الرؤية الكلية


بعد التفسير الإصلاحي (01)  والتفسير الحركي (02)، برز في الفكر الإسلامي المعاصر اتجاه آخر حاول أن يتجاوز الطريقة التقليدية القائمة على تفسير القرآن آية بعد آية، وسورة بعد سورة، لينتقل إلى دراسة القرآن من جهة موضوعاته الكبرى. وقد عُرف هذا الاتجاه باسم التفسير الموضوعي (03).


والدافع إلى هذا المنهج مفهوم ومشروع في أصله. فقد لاحظ كثير من الباحثين أن التفسير التجزيئي، على أهميته، قد يشتت المعنى أحيانًا؛ إذ يشرح الآية في موضعها دون أن يجمع نظائرها في القرآن كله. ومن ثم قد يفهم القارئ حكمًا، أو مفهومًا، أو قضية من خلال موضع واحد، بينما القرآن قد تناولها في مواضع متعددة، وسياقات مختلفة، ودرجات متنوعة من البيان. فكان لا بد من منهج يجمع الآيات المتعلقة بموضوع واحد، ثم يستخرج منها رؤية قرآنية كلية.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: التفسير الحركي (02)

 

حين يتحول القرآن إلى خطاب تعبئة وصراع


إذا كان التيار الإصلاحي الأول قد حاول أن يعيد القرآن إلى سؤال النهضة والعقل والحرية، فإن القرن العشرين شهد بروز اتجاه آخر أكثر حدة، يمكن تسميته بـ التفسير الحركي. وهذا الاتجاه لم يقرأ القرآن فقط بوصفه كتاب هداية فردية أو إصلاح اجتماعي، بل قرأه بوصفه كتاب حركة ومواجهة وتغيير وصراع بين الحق والباطل، وبين الإيمان والجاهلية، وبين الجماعة المؤمنة والواقع المنحرف.


وقد ارتبط هذا الاتجاه، بدرجات متفاوتة، بتجارب الحركات الإسلامية الحديثة، وبالتحولات السياسية الكبرى التي عرفها العالم العربي والإسلامي: سقوط الخلافة العثمانية، والاستعمار، وقيام الدولة الوطنية الحديثة، ونكبة فلسطين، وصعود القومية والاشتراكية، والاستبداد العسكري، والقمع السياسي، ثم ظهور الحركات الإسلامية بوصفها مشاريع بديلة تسعى إلى إعادة الإسلام إلى المجال العام.../...

كلمة "آمين" لم ترد في القرآن مطلقا

 

قراءة لسانية وتاريخية في لفظة عابرة للأديان


قليلة هي الكلمات التي يرددها المؤمنون في اليهودية والمسيحية والإسلام كما يرددون كلمة “آمين”. ينطقها اليهودي في صلاته، والمسيحي في كنيسته، والمسلم بعد فاتحته ودعائه، ومع ذلك لا يتوقف كثيرون عند معناها الدقيق، ولا عند سر بقائها ثابتة بنطقها في اللغات والمعتقدات كلها. والمفارقة الأهم أن هذه الكلمة، التي استقرت في وجدان المسلمين حتى كادت تبدو عند العامة جزءًا من ختام الفاتحة، لا ترد في القرآن الكريم بالمطلق، وليست من ألفاظه، ولا من بنية سوره وآياته.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03 - 1

 

من جمود التراث إلى سؤال التجديد


تمهيد

لم تولد مناهج التفسير المعاصرة في فراغ معرفي هادئ، بل نشأت في لحظة تاريخية مأزومة، وجد فيها المسلمون أنفسهم بين ثقل تراث طويل من الشروح والمذاهب، وصدمة حضارية عنيفة تمثلت في الاستعمار الغربي، وتفكك الدولة العثمانية، وانكشاف التخلف العلمي والسياسي والعسكري، وصعود الدولة الحديثة، وانتشار مفاهيم الحرية والدستور والنهضة والعقلانية والإصلاح.


لقد كان السؤال الذي واجه المسلمين في هذه المرحلة سؤالًا مزدوجًا: لماذا تأخر العالم الإسلامي وتقدم العالم الغربي؟ وكيف نقرأ القرآن من جديد بطريقة تساعدنا على الخروج من الانحطاط؟ لم يعد الإشكال محصورًا في معنى لفظ، أو حكم فقهي، أو مسألة كلامية، بل صار متعلقًا بمصير الأمة كلها: الاستبداد، والاستعمار، والجهل، والتخلف، والتواكل، والاستعباد، والفساد، وانهيار الشورى، وضعف العقل، وغياب الفاعلية الحضارية..../...

صيغة الماضي في مشاهد القيامة: بين التحقق وسبق الوقوع

 


من قيامات الأمم والعوالم إلى القيامة الجامعة 


تمهيد: الزمن في أفق معنى قوله تعالى: 


﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الحديد: 3).


الإنسان لا يفكر في الزمن من فراغ، بل ينطلق من تجربته الأرضية المحدودة: من تعاقب الليل والنهار، وحركة الشمس والقمر، وتقسيم الساعات والأيام والشهور والأعوام، ومن شعوره بأن الماضي قد انقضى، وأن الحاضر لحظة ضيقة، وأن المستقبل لم يوجد بعد. ثم يحمل هذا النموذج معه إلى القرآن، فيحاول أن يفهم الزمن القدساوي في البرزخ والبعث والقيامة والحساب والجنة والنار داخل الخط الزمني نفسه الذي يقيس به حياته اليومية.


ومن هنا تنشأ أسئلة كثيرة تبدو لأول وهلة أسئلةً في النص، بينما هي في حقيقتها أسئلة ناتجة عن النموذج الزمني الذي فُرض عليه: كم سنة يبقى الميت في البرزخ من ساعة الموت إلى يوم القيامة؟ وكيف تمر عليه هذه السنين؟ وكيف يُحاسَب هذا العدد الهائل من الخلق؟ وكيف يتحدث القرآن عن أحداث مستقبلية بصيغة الماضي وهي لم تقع بعد؟ وهل قيامة البشر هي النهاية المطلقة لكل خلق وفعل إلهي؟ وهل ما نسميه «اليوم الآخر» يوم واحد بالمعنى العددي البشري، أم طور وجود كامل تتعدد داخله المقامات والمشاهد؟ .../...

مناهج التفسير القديمة (02)

 

(أنواع التفسير: من الرواية واللغة إلى الكلام والإشارة)


تمهيد: التفسير القديم ليس كتلة واحدة


لا يصح النظر إلى التفسير القديم بوصفه كتلة واحدة متجانسة، كما لا يصح التعامل معه بوصفه حقيقة نهائية مغلقة لا تقبل المراجعة. فقد نشأت مناهج التفسير الأولى داخل سياق تاريخي شديد التعقيد، اختلطت فيه الحاجة إلى بيان القرآن بالحاجة إلى ضبط الجماعة، وتداخل فيه اللسان بالرواية، والفقه بالسياسة، والكلام بالعقيدة، والزهد بالذوق الروحي، ثم تحولت هذه الجهود المتعددة مع الزمن إلى تراث واسع، فيه من العلم والبيان والاجتهاد ما لا يُنكر، وفيه أيضًا من أثر المذهب والسلطة والإسرائيليات والتأويلات المتنازعة ما لا يجوز إغفاله.../...

مفاهيم قرآنية: المشهد النوراني الأول

 

من الطين إلى الأسماء:

 الإنسان بين نور الاستخلاف ونداء الرجوع

(مبحث ديني)


تمهيد: حين اختُزلت قصة آدم في الخلق وغاب سرّ الاستخلاف


من أكثر القصص القرآنية حضورًا في الوعي الديني قصة آدم. ومع ذلك، فإن هذا الحضور الكثيف لم يمنع أن تُقرأ القصة في الغالب الأعم قراءة جزئية، تختزلها في مسائل متفرقة: هل كان آدم أول البشر؟ وهل خُلقت حواء من ضلعه؟ وما الشجرة التي أكل منها؟ ولماذا سجدت الملائكة له؟ وهل كان إبليس من الملائكة أم من الجن؟ وهل كان السجود سجود تحية أم سجود تكريم؟ ثم تتوقف القراءة عند هذه الأسئلة، أو تدور حولها، دون أن تنفذ إلى البنية العميقة والمدهشة التي يكشفها المشهد القرآني العظيم.


لقد تعامل كثير من التفسير التراثي مع القصة بوصفها حكاية بداية الخلق على غرار السرديات الكتابية السابقة، أو واقعة غيبية مفصولة عن البناء العام لمفهوم الإنسان، بينما يفصح القرآن عن شيء أعمق: نحن أمام مشهد كوني مؤسس، لا يتحدث عن خلق جسد من طين فحسب، بل عن انتقال من البشر بوصفه كائنًا أرضيًا قابلًا للإفساد وسفك الدماء، إلى آدم بوصفه الإنسان الأخلاقي العاقل والمُعلَّم، المؤهل لحمل الأمانة، والقيام بمهمة الاستخلاف، والدخول في عالم الابتلاء والذكر ، ومن ثم الرجوع من حيث أتى ملبّيا نداء الجنة.../...

إمارة المؤمنين بميزان قرآني

 


بين الدبلوماسية الدينية وأمانة حماية السلم الإفريقي

(حين يجتمع العلماء لا لتوسيع سلطان، بل لحماية الإنسان من الغلو والعنف، يصبح الدين جسرًا للتعارف والسلم، لا راية للهيمنة أو الصراع).


تمهيد

حين يدعو المغرب إلى ندوة تجمع علماء الدول الإفريقية حول موضوع إمارة المؤمنين وامتداداتها الدينية والتاريخية في إفريقيا، فإن السؤال لا ينبغي أن يُطرح بسطحية أو استعجال:


هل نحن أمام دبلوماسية دينية تستعمل الدين في السياسة، وتوظف الشرعية الروحية لتوسيع النفوذ المغربي في القارة الإفريقية؟ أم أمام مبادرة تحمل همًا إنسانيًا، ودينيًا، وتنمويًا أعمق، لأن الإرهاب الذي يضرب إفريقيا اليوم لم يعد مجرد انحراف ديني معزول، بل صار جزءًا من معركة كبرى على السلم، والاستقرار، والتنمية، وكرامة الإنسان الإفريقي؟.../...

من حبل الله إلى حبال المذاهب والأحزاب والجماعات

 

(المذاهب والجماعات والأحزاب الإسلامية بميزان قرآني)


تمهيد

ليست المشكلة في الاختلاف، بل في أن يتحول الاختلاف إلى تفرقة في الدين، وأن يصبح المذهب أو الجماعة أو الحزب حبلًا بديلًا عن حبل الله. فالقرآن لا يلغي العقل ولا الاجتهاد، لكنه يرفض أن تُختزل الرسالة في راية مغلقة، أو أن يصبح الولاء للجماعة أقوى من الولاء للحق.


حين يفقد الناس الثقة في الدولة، وفي القضاء، وفي الإدارة، وفي النخب السياسية، يبحثون عن بديل. وحين يرى الشباب فسادًا، واستبدادًا، ومحسوبية، وتفاوتًا اجتماعيًا، وخطابًا رسميًا لا يصدقه الواقع، يصبحون أكثر استعدادًا للتعاطف مع كل صوت يرفع شعار الإصلاح، ويهاجم السلطة، ويتكلم باسم الدين والعدل والشرع.../...

العلمانية والدولة المدنية بميزان قرآني

 


الصورة: صندوق الاقتراع يرمز إلى الآليات المدنية، والكتاب المفتوح يرمز إلى العدل والأمانة والشورى والكرامة. فالدولة العادلة لا تولد من كفة واحدة، بل من ميزان يجمع الحرية بالمحاسبة، والقانون بالأخلاق، والمواطنة بالمسؤولية.



تمهيد: هل الدين شأن شخصي فقط أم ميزان لبناء المجتمع؟

حين يُطرح مفهوم العلمانية في المجال العربي والإسلامي، لا يُطرح عادة بوصفه مصطلحًا سياسيًا يحتاج إلى تحرير، بل بوصفه ساحة صراع بين مشروعين متقابلين: مشروع يريد إخراج الدين من المجال العام باسم الحداثة، ومشروع يريد إدخال الدولة في الدين باسم الشريعة. وبين هذين الطرفين تضيع أسئلة أعمق: ما الدين في الخطاب القرآني؟ هل هو علاقة شخصية فقط بين الإنسان وربه؟ أم هو أيضًا ميزان اجتماعي للعدل والأمانة والكرامة؟ وهل يمكن بناء دولة مدنية جامعة دون أن تكون دولة علمانية بالمعنى الفلسفي، ودون أن تتحول في الوقت نفسه إلى دولة دينية أو حزبية تحتكر الكلام باسم الله؟.../...

القرآن ومناهج القراءة: بين التفسير والتأويل (01)

 

 بين قرآنٍ يُبيّن، وتراثٍ يراكم، وفتوى تُربك، وواقعٍ يتعثّر: أين ضاع الميزان؟


تمهيد:

يعيش المسلم اليوم مفارقة موجعة. فالقرآن يقدّم نفسه بوصفه فرقانًا يميز الحق من الباطل، وهاديا يخرج الإنسان من الظلمات إلى النور، وميزانًا يقوم به العدل والقسط. غير أن الواقع في كثير من البيئات الإسلامية يبدو بعيدًا عن هذا الصفاء: اضطراب في السياسة، ضعف في العلم، فساد في العمران، انقسام في الوعي، وتدين كثيرًا ما يتحول إلى شعار، أو عادة، أو خصومة، أو أداة تبرير.


من هنا ينهض السؤال الذي لا يذوب في التاريخ: إذا كان القرآن بهذا الوضوح في مقاصده الكبرى، فلماذا يبدو الواقع الإسلامي مرتبكًا؟ وإذا كان الوحي يدعو إلى التقوى، والعدل، والشورى، والرحمة، والعلم، والإصلاح، ومحاسبة النفس وتقويم السلطة، فلماذا حضرت في تاريخ المسلمين، قديمًا وحديثًا، صور كثيرة من الاستبداد، والفساد، والجمود، والضلال، والتنازع، والخلط بين الدين والمذهب، وبين الوحي والسلطة، وبين القرآن وما قيل في القرآن؟.../...