سبتة تنفجر في وجه أوروبا

 

ماذا لو كانت الموجة المقبلة غير مغربية؟


لم تكن موجة الهجرة الجماعية الأخيرة نحو سبتة مجرد حادث حدودي عابر، ولا مجرد اندفاع مفاجئ لشباب استبد بهم اليأس فرأوا في البحر طريقًا مختصرًا إلى أوروبا. لقد تحولت، في غضون أيام، إلى أزمة متعددة المستويات: مأساة إنسانية، واختبار أمني، ومعركة روايات بين المغرب وإسبانيا، ومادة لإعادة إنتاج الخوف من الهجرة في الإعلام الأوروبي، وفرصة لإحياء السؤال الذي ظنت مدريد أنه أصبح خارج النقاش: ما طبيعة سبتة ومليلية؟ وما موقعهما الجغرافي والقانوني داخل أوروبا؟ وماذا لو تكررت الأزمة بمهاجرين غير مغاربة؟ .../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: تفسير القرآن بالقرآن (04)

 


من الشعار العام إلى المنهج التطبيقي


إذا كان التفسير الموضوعي قد حاول جمع الآيات حول موضوع واحد لبناء رؤية كلية، فإن القاعدة الأعمق التي يقوم عليها هذا الاتجاه هي قاعدة قديمة في أصلها، متجددة في حاجتنا إليها: تفسير القرآن بالقرآن. وهذه القاعدة ليست مجرد عبارة جميلة تتكرر في كتب علوم القرآن، ولا مجرد مبدأ نظري يُذكر في مقدمات التفاسير، بل هي مفتاح منهجي بالغ الأهمية؛ لأن القرآن، قبل كل شيء، هو أقدر نص على بيان نفسه بنفسه ومن داخله.


ومعنى تفسير القرآن بالقرآن أن لا يُفهم اللفظ القرآني منعزلًا عن بقية استعمالاته، ولا الآية منفصلة عن نظائرها، ولا الحكم بعيدًا عن كلياته، ولا المتشابه مستقلًا عن محكمه. فالقرآن ليس شذرات متفرقة، بل بناء متكامل، يفسر بعضه بعضًا، ويضيء بعضه بعضًا، ويكشف في موضع ما أجمله في موضع آخر، ويقيد في سياق ما أطلقه في سياق آخر، ويبين في آية ما قد يشتبه في آية أخرى.../...

أزمة سبتة بعد انحسار الحشود: ماذا بقي من الحدث؟

 

من الهجرة الجماعية إلى اختبار الاستخبارات والسيادة والنموذج الاجتماعي


لم تنته أزمة سبتة حين عاد معظم العابرين إلى المغرب، ولا حين استعادت المدينة بعض مظاهر حياتها اليومية. فقد انحسر التدفق البشري، لكن الأسئلة التي أطلقها بقيت مفتوحة، بل أصبحت أكثر وضوحًا بعد ظهور معطيات جديدة حول حجم الحشود، وعدد الضحايا، وفشل الاستباق الأمني، وطبيعة العودة الجماعية، والصمت المغربي، والتوظيف السياسي الأوروبي للحدث.


فما وقع لم يعد مجرد خبر عن عشرات الآلاف الذين عبروا الحدود خلال ساعات، بل تحول إلى اختبار شامل لعلاقة المغرب بإسبانيا، ولقدرة أجهزة الدولة في البلدين على التنبؤ بالأزمات، ولحدود النموذج الاقتصادي والاجتماعي المغربي، وللاتجاه الذي ستسلكه أوروبا في مواجهة الهجرة.../...

حين تتحول الهجرة من «أزمة إنسانية» إلى «غزو مغربي» لأوروبا

 

الهجرة في معادلة الصراع الدولي على الإنسان والسيادة وذاكرة الاستعمار


لم تعد أحداث سبتة مجرد واقعة حدودية بين المغرب وإسبانيا، ولا مجرد موجة جديدة من الهجرة غير النظامية يمكن اختزالها في عدد الداخلين والضحايا والعائدين. فقد تحولت خلال ساعات إلى حدث دولي أعاد فتح أسئلة الهجرة والسيادة والاستعمار والحدود والكرامة، وأصبح مادة لصراع سياسي وإعلامي بين اليمين واليسار في أوروبا والولايات المتحدة. وقد بدا هذا الصراع منذ اللحظة الأولى في اللغة التي اختارتها الصحف لوصف ما وقع.


فبعض وسائل الإعلام تحدثت عن «أزمة إنسانية»، وبعضها وصف المشهد بأنه «فوضى حدودية»، بينما لجأت صحف محافظة وسياسيون يمينيون إلى عبارات مثل «الغزو» و«الاجتياح»  و«الهروب الكبير» و«انهيار الحدود». وهذه الكلمات ليست مترادفات بريئة؛ فكل واحدة منها تبني رواية مختلفة، وتحدد مسبقًا من هو الضحية، ومن هو المعتدي، ومن يتحمل المسؤولية.../...

غزوة سبتة الجديدة: هجرة جماعية أم رسالة سياسية؟

 

حين تلتقي أزمة شباب الشمال المغربي

بإغراء التسوية الإسبانية وصراع السيادة على الثغور المحتلة


لم تكن المشاهد القادمة من الحدود بين المغرب وسبتة يوم 30 يوليوز 2026 مجرد موجة عادية من الهجرة غير النظامية. فقد اندفع آلاف الأشخاص، وبينهم شباب وقاصرون ونساء وأطفال، نحو المعابر والشواطئ المحاذية للمدينة، ودخل بعضهم سباحة أو سيرًا حول الحواجز البحرية، بينما سقط آخرون غرقًا أو اختناقًا وسط التدافع.


وقد اختلفت التقديرات الأولى بصورة لافتة؛ فتحدثت بعض المصادر الإسبانية عن دخول ما بين ألفين وثلاثة آلاف شخص، قبل أن ترتفع تقديرات أخرى إلى عشرات الآلاف، بل إلى نحو 49 ألفًا خلال أربع وعشرين ساعة. وهذا التباين الهائل يفرض الحذر؛ لأن الفوضى الميدانية، وتعدد نقاط العبور، واحتمال احتساب الأشخاص أكثر من مرة، تجعل الرقم النهائي في حاجة إلى تدقيق رسمي مستقل. لكن المؤكد أن الحدث كان الأكبر من نوعه، وأنه تجاوز كثيرًا أزمة ماي 2021، وأربك قوات الأمن ومرافق الاستقبال في سبتة، ودفع مدريد إلى إرسال الجيش وتعزيزات أمنية إلى المدينة. كما توفي أكثر من 60 شخصًا خلال محاولات العبور.../...

خطاب العرش 2026: من مغرب البنية التحتية إلى مغرب الدولة الاجتماعية

 

حين تنتقل أولوية العهد من بناء قوة الدولة إلى تعميم أثرها في حياة المواطن


لم يكن خطاب العرش الذي وجهه الملك محمد السادس إلى المغاربة مساء 29 يوليوز 2026 مجرد جرد لمنجزات سنة انقضت، ولا دفاعًا عن حصيلة حكومة توشك ولايتها على الانتهاء. كان، في بنيته العميقة، خطابًا عن حصيلة مسار، وعن انتقال المغرب من مرحلة أولى ركزت على بناء قوة الدولة وتحديث بنياتها الاستراتيجية، إلى مرحلة ثانية يفترض أن تجعل المواطن يشعر بالأثر المباشر لهذه القوة في حياته اليومية.


فبعد سبع وعشرين سنة من اعتلاء العرش، لم يتحدث الملك بمنطق المسؤول التنفيذي الذي يقدم تقريرًا قطاعيًا عن سنة مالية أو برنامج حكومي، بل بمنطق رئيس الدولة الذي يضع المنجزات الحالية داخل زمن استراتيجي طويل، يتجاوز عمر الحكومات والبرلمانات، ويستمر رغم تعاقب الأغلبية السياسية وتغير الوزراء والمسؤولين.../...

تونس: على عتبة الانفجار

 

حين يفشل الحكم الفردي في إنقاذ الدولة


لم يخرج التونسيون في صيف 2026 لأنهم استعادوا فجأة حنينًا إلى الأحزاب التي حكمت بعد الثورة، ولا لأنهم نسوا إخفاقات الانتقال الديمقراطي الذي أعقب سقوط زين العابدين بن علي. لقد خرجوا لأنهم بدأوا يكتشفون أن إسقاط الأحزاب من معادلة الحكم، وتركيز السلطات في يد رئيس واحد، لم يؤديا بالضرورة إلى دولة أكثر قوة، ولا إلى اقتصاد أكثر ازدهارًا، ولا إلى إدارة أكثر كفاءة.


فبعد خمس سنوات من الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها قيس سعيّد في 25 يوليوز 2021، بات الرئيس مسؤولًا بصورة مباشرة عن حصيلة الدولة؛ لأنه حلّ البرلمان، وأعاد تشكيل النظام الدستوري، وهمّش الأحزاب، وأضعف المؤسسات الوسيطة، ووسّع سلطة الرئاسة إلى درجة لم تعد تسمح له بإلقاء مسؤولية الفشل على شركائه أو خصومه.../...

مباراة الطب في قفص الاتهام

 

حين لا يكفي التفوق الدراسي، ويصبح مستقبل الشباب رهين مباراة تحاصرها الشبهات


انتقاء للكفاءة أم بوابة لإعادة إنتاج الامتياز؟

لم يعد النجاح في الباكالوريا، ولو بمعدل مرتفع، ضمانة لولوج التعليم العالي المتخصص في المغرب. فقد ينهي التلميذ سنوات دراسته بمعدل يفوق 18 من عشرين، ويصنف ضمن المتفوقين في مؤسسته أو جهته، ثم يجد نفسه خارج كليات الطب أو الهندسة أو المدارس العليا، بسبب مباراة إقصائية تختزل مساره الدراسي كله في اختبار لا يستغرق سوى ساعات قليلة.../...

عهد محمد السادس: بين التأْريخ والتقويم (03)

 


الوعد السياسي الأول: بين الانتقال الديمقراطي والتنمية بقيادة الدولة


لم يبدأ الوعد السياسي للعهد الجديد سنة 1999 من فراغ. فقد جاء انتقال العرش بعد مرحلة طويلة من حكم الحسن الثاني السلطوي، عرفت في سنواتها الأخيرة بداية مصالحة محسوبة مع المعارضة التاريخية، وفتحًا تدريجيًا للمجال السياسي، وإدماجًا جزئيًا لبعض القوى التي ظلت لعقود في موقع المعارضة الجذرية أو النقدية. وكانت تجربة التناوب التوافقي، بقيادة عبد الرحمن اليوسفي، التعبير الأبرز عن هذا التحول؛ إذ بدا أن الدولة، بعد سنوات طويلة من التوتر والصراع، اختارت أن تُدخل جزءًا من المعارضة إلى الحكم، لا بوصفه انتقالًا كاملًا للسلطة، بل بوصفه انتقالًا مضبوطًا داخل بنية ملكية قوية ومستمرة.../...

عهد محمد السادس: بين التأْريخ والتقويم (02)

 

عتبة العهد الجديد: انتقال العرش وسؤال الانتظار المغربي


لم يبدأ عهد محمد السادس من فراغ، فقد جاء انتقال العرش سنة 1999 بعد مرحلة طويلة من حكم الحسن الثاني، وهي مرحلة طبعت الدولة والمجتمع معًا؛ إذ تميزت، من جهة، ببناء مؤسسات الدولة بعد الاستقلال، وتثبيت السلطة المركزية، وترسيخ الملكية التنفيذية، وتميزت، من جهة أخرى، بإدارة صراعات سياسية حادة مع المعارضة، وسنوات من الاضطرابات والتوتر والانغلاق النسبي، ثم محاولات انفتاح ومصالحة جزئية في أواخر العهد.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: التفسير الموضوعي (03)

 

من تجزئة الآيات إلى بناء الرؤية الكلية


بعد التفسير الإصلاحي (01)  والتفسير الحركي (02)، برز في الفكر الإسلامي المعاصر اتجاه آخر حاول أن يتجاوز الطريقة التقليدية القائمة على تفسير القرآن آية بعد آية، وسورة بعد سورة، لينتقل إلى دراسة القرآن من جهة موضوعاته الكبرى. وقد عُرف هذا الاتجاه باسم التفسير الموضوعي (03).


والدافع إلى هذا المنهج مفهوم ومشروع في أصله. فقد لاحظ كثير من الباحثين أن التفسير التجزيئي، على أهميته، قد يشتت المعنى أحيانًا؛ إذ يشرح الآية في موضعها دون أن يجمع نظائرها في القرآن كله. ومن ثم قد يفهم القارئ حكمًا، أو مفهومًا، أو قضية من خلال موضع واحد، بينما القرآن قد تناولها في مواضع متعددة، وسياقات مختلفة، ودرجات متنوعة من البيان. فكان لا بد من منهج يجمع الآيات المتعلقة بموضوع واحد، ثم يستخرج منها رؤية قرآنية كلية.../...

رئيس الحكومة المقبل: هل يتجه المغرب إلى تكنوقراطي بلباس حزبي؟

 

بين الدولة الاجتماعية، وتعثر التسوية النهائية للصحراء، واستعجال أوراش 2030.


تمهيد

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، يتنامى الحديث في المغرب عن طبيعة الحكومة المقبلة، وعن الشخصية التي ستتولى رئاستها: هل يكون رئيس الحكومة زعيمًا حزبيًا بالمعنى التقليدي، أم تكنوقراطيًا يستند إلى غطاء حزبي وانتخابي؟ وهل ستفرز صناديق الاقتراع قيادة سياسية جديدة تحمل مشروعًا مستقلًا، أم أن طبيعة المرحلة ستفرض منذ البداية مواصفات محددة للشخصية القادرة على تدبيرها؟


وبعيدًا عن الأسماء المتداولة، وعن النتائج التي قد تفرزها الانتخابات، تبدو الحكومة المقبلة محكومة بثلاثة أوراش استراتيجية كبرى، تختلف في طبيعتها وآجالها، لكنها تجتمع في كونها تتجاوز البرامج الحزبية والولايات الحكومية الضيقة.../...

عهد محمد السادس: بين التّأريخ والتّقويم (01)

 

(ربع قرن من تحديث الدولة، في مغرب يسير بسرعتين)


توجد ثغرة معرفية واضحة في الكتابة عن الدول والأسر الحاكمة والعهود السياسية، تقع بين مفهوم التاريخ، ووظيفة المؤرخ، ومنهجية التأريخ، ومنطق الدولة، وإكراهات السياسة. فالدولة تميل، بطبيعتها، إلى تقديم تاريخها في صورة سردية للإنجاز والاستمرار والشرعية. والمؤرخ، حتى حين يتحرر من الرواية الرسمية، يظل غالبًا مشدودًا إلى ترتيب الوقائع، وتحليل السياقات، وربط الأحداث بأسبابها ونتائجها العامة. أما السياسة فتشتغل بمنطق مختلف، يقوم على التوازنات والمصالح وصناعة الخطاب وتبرير الاختيارات.


وبين هذه المستويات جميعًا تضيع أحيانًا وظيفة أخرى لا تقل أهمية: وظيفة التقويم.../...

إضراب المحامين: دفاع عن الاستقلال المهني، أم مقاومة لإنهاء الاحتكار؟

 

من غموض الأتعاب وغياب التخصص..

 إلى لوبيات الولوج والتكوين ورفض الرقابة على أموال الموكلين



حين تتحول المحاماة من الدفاع عن الحقوق إلى تعطيلها

حين تعلن جمعية هيئات المحامين بالمغرب مواصلة التوقف الشامل عن تقديم جميع الخدمات المهنية إلى أجل غير محدد، وتعليق العمل بنظام المساعدة القضائية تعيينًا وأداءً، فإن الأمر لا يعود مجرد احتجاج مهني على قانون مختلف بشأنه، بل يتحول إلى شلل مقصود لمرفق العدالة، يدفع ثمنه المواطن قبل الحكومة، والمتقاضي قبل وزير العدل، والمعتقل والمرأة المطلقة والعامل والمقاولة قبل المؤسسات التي صاغت القانون وصادقت عليه.


فالذي تتوقف مصالحه ليس عضوًا في الحكومة، ولا نائبًا برلمانيًا، ولا مسؤولًا عن إعداد المشروع، بل مواطن ينتظر جلسة قد تحدد حريته، أو أسرة تنتظر حكمًا بالنفقة، أو عامل يطالب بأجره، أو متضرر يسعى إلى تنفيذ حكم، أو صاحب دعوى يهدده فوات أجل الطعن أو التقادم. وهنا يظهر التناقض العميق في موقف الهيئات المهنية.../...

الأنبوب الأطلسي يسحب البساط من الجزائر

 

المغرب يبني ممر الطاقة القاري الذي تعجز الجغرافيا الجزائرية عن احتكاره


تمهيد

لم تمضِ سوى أيام قليلة على زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى برلين، وسعي الجزائر إلى تقديم نفسها شريكًا طاقيًا محوريًا لألمانيا وأوروبا، حتى جاء الرد من الضفة الأطلسية لإفريقيا.


ففي التاسع عشر من يوليوز 2026، احتضنت فريتاون، عاصمة سيراليون، القمة التاسعة والستين لرؤساء دول وحكومات المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، في سياق إقليمي اتجه نحو تثبيت مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي بوصفه مشروعًا جماعيًا للتكامل الطاقي، لا مجرد اتفاق ثنائي بين المغرب ونيجيريا.../...