بين كليات القرآن ومقاصد الفقهاء
من المناهج التي برزت بقوة في الفكر الإسلامي المعاصر القراءة المقاصدية، وهي قراءة تنطلق من أن النصوص لا تُفهم على وجهها الكامل بمجرد الوقوف عند ألفاظها الجزئية، بل لا بد من ردّها إلى غاياتها الكبرى، ومقاصدها العامة، وروحها الكلية. وقد اكتسب هذا المنهج حضورًا خاصًا لأن كثيرًا من الأزمات المعاصرة نتجت عن جمود في قراءة النصوص، أو عن نقل أحكام من سياقات قديمة إلى واقع جديد دون اعتبار للمآلات والعلل والمقاصد.
ولا شك أن المقاصد، من حيث الأصل، فكرة صحيحة وضرورية. فالقرآن لا يقدّم أوامر ونواهي معزولة عن الغاية، بل يربط التشريع بالعدل، والرحمة، والتقوى، ورفع الحرج، وحفظ الكرامة، وإصلاح الإنسان، وإقامة القسط. فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة تطهير للنفس والمال، والصيام طريق إلى التقوى، والقصاص فيه حياة، والإنفاق تزكية وتكافل، والشورى حفظ للأمانة الجماعية، والوفاء بالعهد صيانة للثقة والعدل. ومن ثم، فإن قراءة الحكم منفصلًا عن مقصده تؤدي إلى جفاف الفهم، وتجاهل الرحمة، وتشويه التنزيل.../...














