تحليل مضمون خطاب البرلمان: من دولة بسرعتين إلى دولة بجناحين

 

القوة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والمجالية 

وإعادة تأسيس الشراكة مع إسبانيا


تمهيد: رسالة الخطاب الدينية والأخلاقية


تكتسب الآية التي افتُتحت بها جلسة البرلمان أهمية خاصة في فهم مضمون الخطاب الملكي والأولوية التي يضعها أمام الولاية التشريعية الجديدة. يقول تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177].


تعرض الآية 177 من سورة البقرة، البر في شبكة تجمع الإيمان والإنفاق ورعاية المحتاجين والوفاء بالعهد والصبر في الشدائد. وفي افتتاح ولاية تشريعية جديدة، تمنح هذه المعاني المسؤولية السياسية تأطيرًا دينيًا وأخلاقيًا: رعاية من يحتاجون إلى الحماية، والوفاء بما قُدم للمواطنين من تعهدات، وتحمل أعباء العمل العام.../...

موريتانيا وتسوية الصحراء: المخاوف المشروعة وفرص الشراكة مع المغرب

 


أعاد تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن الصحراء، المؤرخ في فاتح أكتوبر 2026، فتح سؤال يتجاوز الجدل حول الكويرة: كيف يمكن أن تتحول تسوية النزاع إلى مصدر استقرار وتكامل بين المغرب وموريتانيا، بدل أن تنقل المخاوف من الوضع القائم إلى ترتيبات المستقبل؟ فقد نقلت التغطيات المنشورة عن التقرير أن نواكشوط طلبت، خلال مفاوضات مدريد، تشكيل لجنة لتوضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم بصورة توافقية، ضمن نقاش شمل ضمانات التنفيذ والترتيبات الأمنية والمؤسساتية لأي تسوية مقبلة.


ينبغي أن يبدأ تحليل هذا الموقف من الاعتراف بمشروعية اهتمام موريتانيا بأمن حدودها ومصالحها الاقتصادية. فهي دولة مجاورة ستتأثر بنتائج التسوية، ومن حقها أن تبحث عن وضوح يمنع استمرار الغموض أو نشوء توترات جديدة. لكن مشروعية طلب الضمانات لا تعني أن نواكشوط تقدمت بمطالبة ترابية بالكويرة؛ فبحسب المعطيات المنشورة، لم يذكر المقترح الموريتاني المدينة بالاسم، بينما جاء الربط بينها وبين طلب اللجنة في النقاش الإعلامي والسياسي. وهذا فرق أساسي بين موقف الدولة والتأويلات المحيطة به.../...

من أَوْرَبَة سبتة ومليلية إلى أَفْرَقَة الهجرة

 


هل يحول المغرب الهجرة من ورقة إسبانية إلى قضية سيادة وعدالة قارية، 

ويضع أوروبا أمام مسؤولياتها التاريخية والأخلاقية؟



تمهيد: حان الوقت لتغيير موقع المتهم


نجحت إسبانيا، خلال أزمة الهجرة الأخيرة في سبتة، في الانتقال من موقع دولة تواجه نزاعًا تاريخيًا مع المغرب حول مدينتين محتلتين إلى موقع دولة تزعم أنها تدافع عن الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. ونقلت الملف من علاقتها الثنائية بالرباط إلى مؤسسات الاتحاد، وطالبت بالتضامن المالي والأمني والسياسي، وسعت إلى جعل أي ضغط على سبتة ومليلية ضغطًا على أوروبا كلها.


وبهذا التحرك لم تكتف مدريد بطلب المساعدة في مواجهة أزمة إنسانية وأمنية، بل استعملت الهجرة لإعادة بناء الموقع السياسي للمدينتين. فإذا أصبحتا حدودًا أوروبية، تحولت حمايتهما إلى مسؤولية سبع وعشرين دولة، وغدا الوجود الإسباني فيهما جزءًا من المنظومة الحدودية للاتحاد، لا مجرد أمر واقع تعترض عليه الرباط. لقد أوربت إسبانيا سبتة ومليلية حتى لا تواجه المغرب منفردة.../...

الصحراء: كيف يعتزم المغرب تنزيل مقترح الحكم الذاتي

 

قراءة في المعطيات المتاحة

وأسئلة المرحلة الانتقالية والضمانات الدولية والمساواة بين المواطنين


أعادت المعطيات التي نشرتها الصحافة بشأن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء النقاش إلى سؤال عملي: كيف يمكن الانتقال من مقترح الحكم الذاتي إلى نظام مؤسسي قابل للتطبيق؟ فالموضوعات المنقولة عن المفاوضات تشمل مجلسًا انتقاليًا، وضمانات دولية، وتقاسم الموارد، والعفو والمصالحة، ونزع السلاح وإعادة الإدماج، إلى جانب الترتيبات الأمنية والانتخابية. وهذه تفاصيل تستدعي النظر في مضمون التسوية وشروط تنفيذها، دون اعتبار مناقشتها اتفاقًا نهائيًا عليها. 


لكن فهم هذه المستجدات يحتاج إلى العودة إلى المبادرة التي قدمها المغرب إلى الأمم المتحدة سنة 2007. فكثير من عناصر التنزيل التي تبدو اليوم جديدة كانت حاضرة في النص الأصلي، ومنها مراجعة الدستور، والعفو، والمجلس الانتقالي، ونزع السلاح، والموارد المالية. ولذلك لا يتعلق السؤال بوجود تصور مغربي للتنفيذ من عدمه، بل بما احتفظ به المشروع المحدَّث من ذلك التصور، وما أضافه إليه، وما أصبح موضوعًا للتفاوض.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: القراءة الواقعية والاجتماعية للقرآن (09)

 


بين فقه التنزيل وخطر إخضاع النص للواقع


بعد القراءة العلمية للقرآن، تبرز في المناهج المعاصرة قراءة أخرى شديدة الأهمية، هي القراءة الواقعية والاجتماعية. وهي قراءة تنطلق من سؤال عملي مباشر: كيف يتعامل القرآن مع واقع الإنسان والمجتمع؟ وكيف يمكن تنزيل هدايته على مشكلات الحياة المتغيرة، من فقر وظلم واستبداد وتفكك أسري وصراع طبقي وانحراف أخلاقي وتبعية ثقافية واضطراب سياسي؟


وقد نشأت هذه القراءة من وعي صحيح بأن القرآن لم ينزل ليُقرأ في فضاء ذهني مجرد، ولا ليظل حبيس المصاحف والمحاريب، بل ليخاطب الإنسان في واقعه، ويهديه في علاقاته، ويقوّم اختلالات المجتمع، ويكشف أسباب الفساد، ويضع للناس ميزانًا في العدل والرحمة والأمانة والشورى والإنفاق وحفظ الكرامة.../...

إسبانيا تطلب تضامن أوروبا وتتجاهل جهود المغرب: من يحرس حدود من؟

 

حين تنسب مدريد إلى نفسها نجاح مكافحة الهجرة،

وتتنصل أوروبا من مسؤوليتها التاريخية والأخلاقية تجاه إفريقيا



تمهيد: إسبانيا تطلب الاعتراف وتتجاهل من صنع النتيجة


دعا وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي مارلاسكا، دول الاتحاد الأوروبي إلى إبداء مزيد من التضامن العملياتي والمالي والسياسي مع إسبانيا في مواجهة أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة منذ 30 يوليوز. وأكد أمام نظرائه الأوروبيين أن أي مهاجر ممن دخلوا المدينة لم يتمكن من مواصلة طريقه إلى دولة أخرى في الاتحاد، وأن الأزمة كان لها «تأثير منعدم» على بقية أوروبا بفضل نظام المراقبة المزدوجة والإجراءات التي اتخذتها حكومته.


ولم يكتف الوزير بالدفاع عن إدارة أزمة سبتة، بل قدم انخفاض الهجرة غير النظامية نحو إسبانيا بنسبة 46 في المائة، وبنسبة 74 في المائة عبر مسار جزر الكناري، بوصفه دليلًا على نجاح السياسة الإسبانية في الوقاية ومراقبة الحدود. ثم طالب الاتحاد الأوروبي بمكافأة هذا النجاح من خلال مزيد من التمويل والدعم والتضامن. غير أن في هذه الرواية طرفًا غائبًا يكاد يكون هو الذي صنع الجزء الأكبر من النتيجة التي تفاخر بها مدريد: المغرب.../...

فيليبي السادس في سبتة ومليلية: معركة السيادة تدخل طورا جديدا

 

حين تحاول مدريد تحويل المدينتين

إلى جزء غير قابل للنقاش من السيادة الإسبانية والهوية الأوروبية


لم يكن اختيار الثالث عشر والرابع عشر من أكتوبر موعدًا لزيارة الملك فيليبي السادس والملكة ليتيزيا إلى سبتة ومليلية تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا. فالزيارة تأتي مباشرة بعد احتفال إسبانيا بعيدها الوطني في الثاني عشر من أكتوبر، بما يجعل انتقال العاهل الإسباني إلى المدينتين امتدادًا رمزيًا لذلك الاحتفال، ورسالةً تربطهما بوحدة الدولة الإسبانية وتضعهما في قلب سرديتها الوطنية.


وهي أول زيارة يقوم بها فيليبي السادس إلى المدينتين منذ اعتلائه العرش سنة 2014، وأول زيارة لملك إسباني منذ أن زارهما خوان كارلوس والملكة صوفيا سنة 2007. وقد أثارت الزيارة السابقة أزمة دبلوماسية حادة مع المغرب، الذي أدانها واستدعى سفيره في مدريد للتشاور، لأنها مست إحدى أكثر القضايا التاريخية حساسية في العلاقات بين البلدين.../...

فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة: من تحديث الدولة إلى تحديث المجتمع

 

هل يستعيد المغرب جناحه الاجتماعي، أم يكتفي بتحديث صورته المادية؟


تمهيد: دلالة التعيين بين الشخص والمرحلة


لم يكن تعيين الملك محمد السادس لفاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة، وتكليفها بتشكيلها بالتشاور مع الأحزاب السياسية، مجرد تطبيق عادي للفصل السابع والأربعين من الدستور بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة انتخابات مجلس النواب. فالتعيين يحمل دلالة تتجاوز انتقال رئاسة الحكومة من حزب إلى آخر، بل تتجاوز أيضًا وصول امرأة، للمرة الأولى منذ الاستقلال، إلى قمة الجهاز التنفيذي المغربي. إنه يفتح سؤالًا أوسع حول المرحلة التي يريد المغرب دخولها بعد أكثر من ربع قرن انصب خلاله الجهد الأكبر على تحديث الدولة وبنياتها المادية: فهل حان الوقت للانتقال من الانتقال من تحديث الدولة إلى تحديث المجتمع؟.../...

استراتيجيات المغرب لنيل مقعد دائم في مجلس الأمن


المغرب مدرسة الدبلوماسية الهادئة والذكيّة

بين التحالفات الكبرى والشرعية الإقليمية


تمهيد: إصلاح مجلس الأمن وسؤال التمثيل الإفريقي


في خطابه أمام افتتاح المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، في 22 سبتمبر 2026، جدّد الأمين العام أنطونيو غوتيريش دعوته إلى إصلاح مجلس الأمن بما يجعله أكثر تمثيلًا لعالم اليوم وأكثر شرعية وفاعلية. وخصّ إفريقيا بالذكر، مؤكدًا أن استمرار غيابها عن العضوية الدائمة يجعل وجود مجلسٍ للأمن في القرن الحادي والعشرين بلا تمثيل إفريقي دائم وضعًا «غير عادل ولا يمكن الدفاع عنه». ولم تكن هذه الدعوة معزولة، بل جاءت امتدادًا لمواقف متكررة تطالب بتسريع الإصلاح وتجاوز بنية ما تزال تعكس إلى حد بعيد موازين القوى التي نشأت عقب الحرب العالمية الثانية، أكثر مما تعكس الخريطة السياسية والديمغرافية الراهنة [1][29].../...

انتخابات المغرب 2026: بين خطاب الهوية وخطاب الدولة الاجتماعية

 

لقجع يحوّل الفوز إلى وعود قابلة للمحاسبة،

وبنكيران يعود إلى التعبئة العقائدية والتشكيك في شرعية الاقتراع


لم ينته الجدل السياسي في المغرب بإعلان نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026، بل انتقل من التنافس على أصوات الناخبين إلى الصراع على معنى ما قالته الصناديق. فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات بحصوله على 97 مقعدًا من أصل 395، متقدمًا على التجمع الوطني للأحرار الذي حصل على 66 مقعدًا، وحزب الاستقلال الذي نال 65 مقعدًا. ولم تمنح هذه النتيجة الحزب المتصدر أغلبية تمكنه من الحكم منفردًا، لكنها منحته حق المبادرة السياسية، وجعلت الشخصية التي سيختارها الملك من داخله، وفق الفصل 47 من الدستور، محور المرحلة المقبلة.


وبينما عاد فوزي لقجع بعد إعلان النتائج إلى تأكيد الالتزامات التي قدمها خلال الحملة، اختار عبد الإله بنكيران تفسير النتيجة من زاوية مختلفة. فقد هاجم حزب الأصالة والمعاصرة، وطعن في نزاهة فوزه، واتهمه بتزوير الانتخابات، وتعهد بالعمل على إسقاطه والدفع نحو إعادة الاقتراع. وهكذا انتقلت المواجهة بسرعة من اختلاف حول البرامج إلى خلاف يمس شرعية النتيجة نفسها.../...