كيف ينتقل الإنسان من نقد الوحي إلى صناعة طاغوت جديد؟
تمهيد
ليست المشكلة الكبرى في تاريخ الفكر الحديث أنه أعاد للعقل مكانته، بل أنه – في بعض مساراته – لم يكتفِ بذلك، بل رفع العقل من مقام الأداة إلى مقام المرجع الأعلى، ثم من مقام المرجع الأعلى إلى مقام السيد الذي يحق له أن يعيد تعريف الله، والدين، والإنسان، والحرية، والخير، والشر، والغاية، والمعنى. وعند هذه النقطة لم يعد العقل نورًا يهدي إلى حسن الفهم، بل صار سلطة تؤسس العالم من جديد على صورتها، وتطلب من الوجود كله أن يخضع لمعيارها المحدود.
وهنا تبدأ المأساة الحقيقية. لأن العقل حين يتجاوز حدَّه لا يظل عقلًا بالمعنى النبيل للكلمة، بل يتحول إلى ما يشبه الدين البديل: له مقدماته المؤسسة، وله مسلّماته التي لا يُسمح بالاقتراب منها، وله منطقه الذي يحدد ما يجوز قبوله وما ينبغي رفضه، وله أخلاقه، وله تفسيره الخاص للإنسان والعالم والمصير. ثم لا يلبث هذا العقل المتأله أن يثمر سياسيًا، فتظهر الدولة الحديثة – في بعض صورها – بوصفها الوريث الأرضي لهذا المقام الذي كان للوحي: فهي التي تحدد الخير العام، وهي التي تعرّف المصلحة العليا، وهي التي تمنح الحقوق أو تقيّدها، وهي التي تفرض على الإنسان ما ينبغي أن يراه، وأن يقوله، بل أحيانًا ما ينبغي أن يخافه ويطمئن إليه.../...












.jpg)
.png)
