خطاب العرش 2026: من مغرب البنية التحتية إلى مغرب الدولة الاجتماعية

 

حين تنتقل أولوية العهد من بناء قوة الدولة إلى تعميم أثرها في حياة المواطن


لم يكن خطاب العرش الذي وجهه الملك محمد السادس إلى المغاربة مساء 29 يوليوز 2026 مجرد جرد لمنجزات سنة انقضت، ولا دفاعًا عن حصيلة حكومة توشك ولايتها على الانتهاء. كان، في بنيته العميقة، خطابًا عن حصيلة مسار، وعن انتقال المغرب من مرحلة أولى ركزت على بناء قوة الدولة وتحديث بنياتها الاستراتيجية، إلى مرحلة ثانية يفترض أن تجعل المواطن يشعر بالأثر المباشر لهذه القوة في حياته اليومية.


فبعد سبع وعشرين سنة من اعتلاء العرش، لم يتحدث الملك بمنطق المسؤول التنفيذي الذي يقدم تقريرًا قطاعيًا عن سنة مالية أو برنامج حكومي، بل بمنطق رئيس الدولة الذي يضع المنجزات الحالية داخل زمن استراتيجي طويل، يتجاوز عمر الحكومات والبرلمانات، ويستمر رغم تعاقب الأغلبية السياسية وتغير الوزراء والمسؤولين.../...

تونس: على عتبة الانفجار

 

حين يفشل الحكم الفردي في إنقاذ الدولة


لم يخرج التونسيون في صيف 2026 لأنهم استعادوا فجأة حنينًا إلى الأحزاب التي حكمت بعد الثورة، ولا لأنهم نسوا إخفاقات الانتقال الديمقراطي الذي أعقب سقوط زين العابدين بن علي. لقد خرجوا لأنهم بدأوا يكتشفون أن إسقاط الأحزاب من معادلة الحكم، وتركيز السلطات في يد رئيس واحد، لم يؤديا بالضرورة إلى دولة أكثر قوة، ولا إلى اقتصاد أكثر ازدهارًا، ولا إلى إدارة أكثر كفاءة.


فبعد خمس سنوات من الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها قيس سعيّد في 25 يوليوز 2021، بات الرئيس مسؤولًا بصورة مباشرة عن حصيلة الدولة؛ لأنه حلّ البرلمان، وأعاد تشكيل النظام الدستوري، وهمّش الأحزاب، وأضعف المؤسسات الوسيطة، ووسّع سلطة الرئاسة إلى درجة لم تعد تسمح له بإلقاء مسؤولية الفشل على شركائه أو خصومه.../...

مباراة الطب في قفص الاتهام

 

حين لا يكفي التفوق الدراسي، ويصبح مستقبل الشباب رهين مباراة تحاصرها الشبهات


انتقاء للكفاءة أم بوابة لإعادة إنتاج الامتياز؟

لم يعد النجاح في الباكالوريا، ولو بمعدل مرتفع، ضمانة لولوج التعليم العالي المتخصص في المغرب. فقد ينهي التلميذ سنوات دراسته بمعدل يفوق 18 من عشرين، ويصنف ضمن المتفوقين في مؤسسته أو جهته، ثم يجد نفسه خارج كليات الطب أو الهندسة أو المدارس العليا، بسبب مباراة إقصائية تختزل مساره الدراسي كله في اختبار لا يستغرق سوى ساعات قليلة.../...

عهد محمد السادس: بين التأْريخ والتقويم (03)

 


الوعد السياسي الأول: بين الانتقال الديمقراطي والتنمية بقيادة الدولة


لم يبدأ الوعد السياسي للعهد الجديد سنة 1999 من فراغ. فقد جاء انتقال العرش بعد مرحلة طويلة من حكم الحسن الثاني السلطوي، عرفت في سنواتها الأخيرة بداية مصالحة محسوبة مع المعارضة التاريخية، وفتحًا تدريجيًا للمجال السياسي، وإدماجًا جزئيًا لبعض القوى التي ظلت لعقود في موقع المعارضة الجذرية أو النقدية. وكانت تجربة التناوب التوافقي، بقيادة عبد الرحمن اليوسفي، التعبير الأبرز عن هذا التحول؛ إذ بدا أن الدولة، بعد سنوات طويلة من التوتر والصراع، اختارت أن تُدخل جزءًا من المعارضة إلى الحكم، لا بوصفه انتقالًا كاملًا للسلطة، بل بوصفه انتقالًا مضبوطًا داخل بنية ملكية قوية ومستمرة.../...

عهد محمد السادس: بين التأْريخ والتقويم (02)

 

عتبة العهد الجديد: انتقال العرش وسؤال الانتظار المغربي


لم يبدأ عهد محمد السادس من فراغ، فقد جاء انتقال العرش سنة 1999 بعد مرحلة طويلة من حكم الحسن الثاني، وهي مرحلة طبعت الدولة والمجتمع معًا؛ إذ تميزت، من جهة، ببناء مؤسسات الدولة بعد الاستقلال، وتثبيت السلطة المركزية، وترسيخ الملكية التنفيذية، وتميزت، من جهة أخرى، بإدارة صراعات سياسية حادة مع المعارضة، وسنوات من الاضطرابات والتوتر والانغلاق النسبي، ثم محاولات انفتاح ومصالحة جزئية في أواخر العهد.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: التفسير الموضوعي (03)

 

من تجزئة الآيات إلى بناء الرؤية الكلية


بعد التفسير الإصلاحي (01)  والتفسير الحركي (02)، برز في الفكر الإسلامي المعاصر اتجاه آخر حاول أن يتجاوز الطريقة التقليدية القائمة على تفسير القرآن آية بعد آية، وسورة بعد سورة، لينتقل إلى دراسة القرآن من جهة موضوعاته الكبرى. وقد عُرف هذا الاتجاه باسم التفسير الموضوعي (03).


والدافع إلى هذا المنهج مفهوم ومشروع في أصله. فقد لاحظ كثير من الباحثين أن التفسير التجزيئي، على أهميته، قد يشتت المعنى أحيانًا؛ إذ يشرح الآية في موضعها دون أن يجمع نظائرها في القرآن كله. ومن ثم قد يفهم القارئ حكمًا، أو مفهومًا، أو قضية من خلال موضع واحد، بينما القرآن قد تناولها في مواضع متعددة، وسياقات مختلفة، ودرجات متنوعة من البيان. فكان لا بد من منهج يجمع الآيات المتعلقة بموضوع واحد، ثم يستخرج منها رؤية قرآنية كلية.../...

رئيس الحكومة المقبل: هل يتجه المغرب إلى تكنوقراطي بلباس حزبي؟

 

بين الدولة الاجتماعية، وتعثر التسوية النهائية للصحراء، واستعجال أوراش 2030.


تمهيد

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، يتنامى الحديث في المغرب عن طبيعة الحكومة المقبلة، وعن الشخصية التي ستتولى رئاستها: هل يكون رئيس الحكومة زعيمًا حزبيًا بالمعنى التقليدي، أم تكنوقراطيًا يستند إلى غطاء حزبي وانتخابي؟ وهل ستفرز صناديق الاقتراع قيادة سياسية جديدة تحمل مشروعًا مستقلًا، أم أن طبيعة المرحلة ستفرض منذ البداية مواصفات محددة للشخصية القادرة على تدبيرها؟


وبعيدًا عن الأسماء المتداولة، وعن النتائج التي قد تفرزها الانتخابات، تبدو الحكومة المقبلة محكومة بثلاثة أوراش استراتيجية كبرى، تختلف في طبيعتها وآجالها، لكنها تجتمع في كونها تتجاوز البرامج الحزبية والولايات الحكومية الضيقة.../...

عهد محمد السادس: بين التّأريخ والتّقويم (01)

 

(ربع قرن من تحديث الدولة، في مغرب يسير بسرعتين)


توجد ثغرة معرفية واضحة في الكتابة عن الدول والأسر الحاكمة والعهود السياسية، تقع بين مفهوم التاريخ، ووظيفة المؤرخ، ومنهجية التأريخ، ومنطق الدولة، وإكراهات السياسة. فالدولة تميل، بطبيعتها، إلى تقديم تاريخها في صورة سردية للإنجاز والاستمرار والشرعية. والمؤرخ، حتى حين يتحرر من الرواية الرسمية، يظل غالبًا مشدودًا إلى ترتيب الوقائع، وتحليل السياقات، وربط الأحداث بأسبابها ونتائجها العامة. أما السياسة فتشتغل بمنطق مختلف، يقوم على التوازنات والمصالح وصناعة الخطاب وتبرير الاختيارات.


وبين هذه المستويات جميعًا تضيع أحيانًا وظيفة أخرى لا تقل أهمية: وظيفة التقويم.../...

إضراب المحامين: دفاع عن الاستقلال المهني، أم مقاومة لإنهاء الاحتكار؟

 

من غموض الأتعاب وغياب التخصص..

 إلى لوبيات الولوج والتكوين ورفض الرقابة على أموال الموكلين



حين تتحول المحاماة من الدفاع عن الحقوق إلى تعطيلها

حين تعلن جمعية هيئات المحامين بالمغرب مواصلة التوقف الشامل عن تقديم جميع الخدمات المهنية إلى أجل غير محدد، وتعليق العمل بنظام المساعدة القضائية تعيينًا وأداءً، فإن الأمر لا يعود مجرد احتجاج مهني على قانون مختلف بشأنه، بل يتحول إلى شلل مقصود لمرفق العدالة، يدفع ثمنه المواطن قبل الحكومة، والمتقاضي قبل وزير العدل، والمعتقل والمرأة المطلقة والعامل والمقاولة قبل المؤسسات التي صاغت القانون وصادقت عليه.


فالذي تتوقف مصالحه ليس عضوًا في الحكومة، ولا نائبًا برلمانيًا، ولا مسؤولًا عن إعداد المشروع، بل مواطن ينتظر جلسة قد تحدد حريته، أو أسرة تنتظر حكمًا بالنفقة، أو عامل يطالب بأجره، أو متضرر يسعى إلى تنفيذ حكم، أو صاحب دعوى يهدده فوات أجل الطعن أو التقادم. وهنا يظهر التناقض العميق في موقف الهيئات المهنية.../...

الأنبوب الأطلسي يسحب البساط من الجزائر

 

المغرب يبني ممر الطاقة القاري الذي تعجز الجغرافيا الجزائرية عن احتكاره


تمهيد

لم تمضِ سوى أيام قليلة على زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى برلين، وسعي الجزائر إلى تقديم نفسها شريكًا طاقيًا محوريًا لألمانيا وأوروبا، حتى جاء الرد من الضفة الأطلسية لإفريقيا.


ففي التاسع عشر من يوليوز 2026، احتضنت فريتاون، عاصمة سيراليون، القمة التاسعة والستين لرؤساء دول وحكومات المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، في سياق إقليمي اتجه نحو تثبيت مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي بوصفه مشروعًا جماعيًا للتكامل الطاقي، لا مجرد اتفاق ثنائي بين المغرب ونيجيريا.../...

ألمانيا والرهان الجزائري الخاسر

 

حين تحاول الجغرافيا منافسة النفوذ المغربي المتراكم في إفريقيا


لم تكن زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى ألمانيا مجرد محطة دبلوماسية عادية، ولا يمكن اختزال ما صدر عنها في البحث الألماني عن الغاز والهيدروجين الأخضر. فقد جاءت الزيارة في سياق إقليمي ودولي شديد الحساسية، يتسم بإعادة ترتيب الشراكات الأوروبية في شمال إفريقيا، وبتعاظم التقارب الفرنسي المغربي، وتراجع النفوذ الفرنسي التقليدي في الساحل، وصعود روسيا قوة أمنية رئيسية داخل مالي والنيجر وبوركينا فاسو.


ومن هنا يطرح الاتفاق الألماني الجزائري سؤالًا يتجاوز مضمونه المعلن: هل تراهن برلين فعلًا على الجزائر قوة إقليمية وبوابة أوروبية نحو الساحل وإفريقيا، أم أن الجزائر هي التي تحاول استثمار الحاجة الألمانية إلى الطاقة لتسويق دور سياسي أكبر مما تسمح به قدراتها الواقعية وشبكة علاقاتها الإقليمية؟ .../...

لامين يامال: إسباني حين ينتصر، ومغربي حين يُسأل عن أصوله

 


هل تحسم النجومية ما عجز الاندماج عن حسمه؟


لم يعد لامين يامال (أمين جمال) مجرد لاعب كرة قدم موهوب، ولا مجرد نجم قاد المنتخب الإسباني إلى لقب عالمي جديد. فقد أصبح، في سنوات قليلة، رمزًا لنقاش أوسع يتجاوز المستطيل الأخضر إلى أسئلة الهوية والهجرة والانتماء والدين والاندماج، بل وإلى الطريقة التي تعيد بها المجتمعات تعريف أبنائها حين ينجحون، وتتذكر أصولهم حين يتعثرون.


ومع تتويج إسبانيا بكأس العالم، عاد الجدل بقوة حول اختيار يامال تمثيل المنتخب الإسباني بدل المنتخب المغربي، بحكم أصوله المغربية من جهة الأب، وانتمائه الديني والثقافي الذي ظل حاضرًا في سلوكه وصورته العامة.../...

بيغاسوس يعود في توقيت محسوب

 


من المستفيد من التشويش على التحالف الاستراتيجي المغربي الفرنسي؟


لم يكن اختيار يوم 16 يوليوز 2026 لإعادة فتح ملف «بيغاسوس» تفصيلًا زمنيًا عابرًا، كما لم يكن ما نُشر مجرد تحقيق صحافي منفرد ظهر مصادفة في إحدى الصحف. فقد أطلقت منظمة Forbidden Stories، في اليوم نفسه، عملية نشر متزامنة شاركت فيها صحيفة «لوموند» وأربع عشرة غرفة أخبار أخرى، من بينها مؤسسات إعلامية فرنسية ودولية وازنة، أعادت جميعها تقديم الاتهامات المتعلقة بالمغرب انطلاقًا من المادة المركزية نفسها، والمصدر المجهول نفسه، والمعطيات التقنية والوثائق ذاتها.


وهذا النشر الجماعي لا يعني أن خمس عشرة مؤسسة إعلامية أجرت خمس عشرة عملية تحقيق مستقلة وانتهت، كل واحدة منها على حدة، إلى النتيجة نفسها. فهو في جوهره عمل كونسورسيوم منسق، تتوزع داخله مهام البحث والتحرير والنشر، لكنه يستند إلى قاعدة مشتركة من المصادر والوثائق والخبرات. ولذلك فإن تعدد العناوين والمنابر لا يساوي بالضرورة تعدد الأدلة، بقدر ما يصنع ما يمكن تسميته تأثير الكتلة الإعلامية: يرى القارئ الاتهام يتكرر في عدد كبير من الصحف والإذاعات والمواقع في اللحظة نفسها، فيتهيأ له أنه أمام تقاطع مستقل لشهادات متعددة، بينما يتعلق الأمر في جانب كبير منه بتوزيع الرواية المركزية القديمة نفسها عبر قنوات مختلفة.../...

عن حب الوطن في زمن الإيديولوجيات العابرة للحدود

 

في معنى المواطنة حين تختلط الدولة بالسلطة


ليس حب الوطن شعارًا يُرفع عند الحاجة، ولا تهمة تُوزع على الخصوم، ولا صك ولاء يُقدَّم للسلطة، ولا قصيدة حماسية تُستدعى في لحظات الانتصار الرياضي أو التوتر السياسي. حب الوطن أعمق من ذلك كله. إنه وعي بمعنى الانتماء إلى أرض وشعب ومصير مشترك، وإدراك بأن الوطن ليس مجرد جغرافيا على الخريطة، ولا علمًا يرفرف فوق المؤسسات، بل ذاكرة جماعية، ولغة، وتاريخ، وألم مشترك، وأمل في مستقبل لا يملكه فرد ولا حزب ولا سلطة.


غير أن هذا المعنى يضيع حين تختلط المفاهيم في الوعي العام. فهناك من يجعل الوطن مرادفًا للنظام، فيرى كل نقد للسلطة خيانة، وكل مطالبة بالإصلاح تشويشًا، وكل معارضة خروجًا عن الصف الوطني. وهناك، في المقابل، من يجعل خصومته مع النظام خصومة مع البلد كله، فيفرح بأزماته، ويشمت في تعثراته، ويستقوي عليه بالخارج، كأن الوطن هو من ظلمه لا من أخطأ في تدبيره. وبين هذين الانحرافين تضيع الوطنية الحقيقية: وطنية لا تقدس السلطة، لكنها لا تهدم الدولة؛ لا تصفق للفساد، لكنها لا تفرح بانكسار البلاد.../...

المغرب وفرنسا: شراكة استراتيجية أم "إكس ليبان" جديدة؟

 

حين تحاول باريس العودة إلى إفريقيا من النافذة المغربية


لم تكن زيارة الوفد الفرنسي رفيع المستوى إلى المغرب مجرد محطة بروتوكولية عابرة في مسار العلاقات بين الرباط وباريس. فحجم الوفد، وطبيعة الملفات المطروحة، والحديث عن معاهدة صداقة تاريخية مرتقبة، كلها مؤشرات على أن البلدين يتحركان نحو إعادة صياغة العلاقة بينهما في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية. غير أن السؤال المغربي المشروع لا يتعلق فقط بعدد الاتفاقيات أو مجالات التعاون، بل بطبيعة هذه الشراكة نفسها: هل نحن أمام علاقة ندية بين دولتين مستقلتين، أم أمام إعادة تدوير للنفوذ الفرنسي القديم في صيغة استراتيجية جديدة؟ .../...