الجزء الأول
سبينوزا والحلاج في ميزان القرآن
تمهيد
أثار خبير التغذية المغربي محمد الفايد موجة جديدة من الجدل بعد تصريحات تجاوزت هذه المرة عددًا من القضايا الفقهية والحديثية التي سبق أن أثارت حوله نقاشًا واسعًا، لتصل إلى سؤال يقع في صميم التصور الديني نفسه: من هو الله الحقيقي؟ فقد قال، في عبارة شديدة الدلالة، إن «الله الذي تعبدونه ليس الله الحقيقي»، قبل أن يحدد المرجعية التي يحيل إليها بالقول إن «الله الحقيقي» هو الذي تحدث عنه سبينوزا والحلاج. ولم يقف خطابه عند تحديد مفهوم الله، بل ربط ذلك بطريقة عبادته، فانتقد الركوع والسجود وبعض الحركات التي يؤديها المسلمون في الصلاة، انطلاقًا من تصوره أن «الله الجوهر» لا يعبد بهذه الكيفية، كما اعترض على تصور الله بوصفه بعيدًا في السماء، وكرر عبارة أن «الله فيك».
وكان متوقعًا أن تثير عبارات بهذه الحساسية ردود فعل قوية، غير أن السجال لم يبق في حدود الاعتراض الفكري والديني، بل انتقل في جانب منه إلى التكفير والمطالبة بالمتابعة القضائية بدعوى الإساءة إلى الدين والمقدسات. وهكذا أصبح النقاش موزعًا بين من يرى في خطاب الفايد هدمًا لثوابت الإسلام، ومن يتعامل معه باعتباره اجتهادًا تجديديًا ينبغي أن يواجه بالحجة لا بالتكفير أو القضاء. لكن الاصطفاف بين هذين الموقفين قد يحجب سؤالًا أسبق منهما: قبل الحكم على صاحب القول، ما مدى صحة القول نفسه؟ وما المقصود أصلًا بـ«الله الحقيقي»؟ وبأي معيار يمكن للإنسان أن يقرر أن تصورًا لله أكثر مطابقة للحقيقة من تصور آخر؟.../...














