تحديث الدولة بين الحذر الملكي ومقاومة القوى المناهضة للتغيير
لم يكن العاهل المغربي الشاب محمد السادس، في بداية عهده وهو يخطط للتغيير، أمام ورش إداري أو اقتصادي فقط، بل كان أمام سؤال أعمق يتعلق بقدرة المغرب على دخول العصر دون أن ينفجر داخليًا تحت ضغط الموروث الثقافي والديني والاجتماعي. فقد ورث الملك دولةً تحتاج إلى تحديث مؤسساتها، واقتصادًا يحتاج إلى الانفتاح، ومجتمعًا مثقلًا بالتفاوتات، وتعليمًا مأزومًا، وإدارة بطيئة، ونخبًا سياسية ضعيفة، ومثقفا مثقلا بالهم الإيديولوجي. لكنه ورث أيضًا بنية ثقافية شديدة الحساسية تجاه كل ما يُقدَّم باسم الحداثة أو الإصلاح أو المساواة أو الحرية أو مراجعة الفهم الديني السائد.
ومن هنا لم تكن معركة التحديث في المغرب معركة طرق وموانئ وقطارات ومشاريع كبرى فقط، بل كانت أيضًا معركة رمزية حول معنى الهوية، وحدود الدين بين الخطاب القرآني والفهم البشري، ووظيفة الدولة، وموقع المرأة، ومفهوم الأسرة، وشرعية الاجتهاد، وعلاقة المجتمع بالعصر. فالملك لم يعلن حربًا على تقاليد المجتمع، ولم يسع إلى اقتلاع المغرب من جذوره الدينية والثقافية، بل حاول أن يقود عملية تحديث حذرة تراعي حساسية المجتمع، وتتفادى الصدام المباشر مع البنى المحافظة، وتبحث عن صيغة توفق بين الاستقرار والإصلاح.../...














