من الوحي إلى الخوارزمية: حدود المعرفة الدينية في عصر الذكاء الاصطناعي

دراسة

متى يكون ما ينتجه الذكاء الاصطناعي مجرد إعادة صياغة لما لقّنه الإنسان، ومتى يصبح تحليلًا مستقلًا نسبيًا للنص، وما القيمة المعرفية التي يجوز عندئذ نسبتها إلى هذا التحليل؟


تمهيد: حين دخلت الخوارزمية مجال المقدس


لم يعد حضور الذكاء الاصطناعي في المجال الديني مقتصرًا على البحث عن آية، أو ترجمة نص، أو الوصول السريع إلى فتوى محفوظة في قاعدة بيانات. فمع انتشار النماذج التوليدية، أصبح في مقدور المستخدم أن يطلب من الآلة شرح عقيدة، أو الدفاع عنها، أو نقدها، أو تفسير نص مقدس، أو مقارنة تأويلات مختلفة، أو بناء خطاب دعوي كامل موجه إلى فئة محددة من الناس. وبذلك انتقل الذكاء الاصطناعي تدريجيًا من وظيفة استرجاع المعرفة الدينية إلى المشاركة في إعادة صياغتها وتقديمها وترتيب حججها، وأحيانًا إنتاج استنتاجات جديدة انطلاقًا منها.


وقد بدأ هذا التحول يترك أثره في طبيعة تلقي الخطاب الديني نفسه. فالمتلقي الذي كان يعرف في السابق أنه يستمع إلى شيخ أو فقيه أو قس أو داعية، ويستطيع بالتالي أن ينسب الكلام إلى صاحبه ومدرسته ومذهبه، أصبح أمام خطاب تصدره آلة تبدو، في ظاهرها، مجردة من الانتماء المذهبي والمصلحة الشخصية والانفعال الديني. ومن هنا نشأ انطباع جديد لدى بعض المستخدمين: أن ما يقوله الذكاء الاصطناعي قد يكون أقرب إلى الحكم المحايد، لأنه لا يؤمن بعقيدة يدافع عنها، ولا ينتمي إلى تيار أو طائفة أو مذهب أو مؤسسة أو جماعة دينية يحمي سلطتها، ولا يتبنى أيديولوجيا يروّج لها، ولا يخشى مخالفة الموروث.../...

مِنَ المُلْكِ إِلَى المَلَكُوتِ: اتِّسَاعُ الكَوْنِ، وحدود المعرفةِ الإنسانية

 

سؤالٌ يتجاوزُ الإنسانَ


حين نتأمل اتساع الكون، بما يضم من مليارات المجرات وتريليونات النجوم والكواكب والأجرام، ينهض سؤال يتجاوز وصف نشأته وحركته مقارنة مع نشأة الإنسان وموقعه على هذا الكوكب الصغير المسمى "الأرض": ما غاية هذا الخلق الواسع؟ وإذا كانت العبادة غاية خلق الجن والإنس، كما يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، فهل يلزم من ذلك أن يكون هذا الكون الشاسع كله قد خُلق من أجل الإنسان وحده؟


قد يتضمن السؤال افتراضًا خفيًا: أن ما لا نعرف صلته المباشرة بنا لا بد أن يكون زائدًا أو بلا غاية. لكن هذا الافتراض يجعل الإنسان مركز الخلق ومقياس الوجود، مع أن القرآن يذكّره بأن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: 57]. فالإنسان مخاطَب ومسؤول، لكنه ليس بالضرورة مركز كل غاية في الخلق.../...

مناهج التفسير المعاصرة 03: القراءة الاستشراقية للقرآن والإسلام (12)

 

حين يُحاكم الوحي من خلال التاريخ والفقه وسلوك المسلمين


من القراءات التي لا يمكن تجاوزها في دراسة مناهج التفسير المعاصرة القراءة الاستشراقية للقرآن والإسلام. فهي لم تكن مجرد قراءة أكاديمية خارجية، بل كانت، في مراحل كثيرة، قوة معرفية كبرى ساهمت في تشكيل صورة الإسلام في الوعي الغربي، ثم أثرت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في بعض القراءات العربية الحديثة التي درست القرآن والتراث من داخل مفاهيم التاريخ، والثقافة، والسلطة، والنص، والخطاب، والأنسنة.


ولا ينبغي أن نتعامل مع الاستشراق بوصفه كتلة واحدة. فقد وُجد فيه باحثون جادون، ولغويون دقيقون، ومحققون خدموا المخطوطات، ودارسون بذلوا جهدًا في فهم التاريخ الإسلامي واللغة العربية والنص القرآني. لكن وُجد فيه أيضًا اتجاه واسع قرأ الإسلام من داخل خلفيات لاهوتية أوروبية، أو سياقات استعمارية، أو مركزية غربية، أو رغبة في تفسير الإسلام بوصفه ظاهرة تاريخية وثقافية لا وحيًا إلهيًا. ومن هنا وجب التفريق بين الاستفادة من بعض الجهد العلمي، وبين التسليم بالمقدمات التي حكمت كثيرًا من القراءات الاستشراقية.../...

معاش الأرامل في مالية 2027

 

ماذا عن الرجال الذين فقدوا زوجاتهم؟


أعاد الإعلان عن رفع معاش الأرامل من 50 إلى 100 في المائة، ابتداء من يناير 2027، الأمل إلى أسر تعتمد على معاش الزوج المتوفى لتأمين ضروريات العيش. ووفق ما أعلنه فوزي لقجع عند تقديم مشروع قانون المالية، يرتقب أن يستفيد من الإجراء نحو 431 ألف أرملة. غير أن الإعلان، بصيغته المتداولة، ترك سؤالًا يحتاج إلى جواب صريح: هل تشمل الزيادة الرجال المستحقين لمعاش زوجاتهم المتوفيات، أم تقتصر على النساء فقط؟  SNRT News


هذا السؤال يمس حياة أشخاص فقدوا شريك العمر وموردًا أساسيًا للعيش في الوقت نفسه. فقد يكون الأرمل رجلًا مسنًا، لا يتوفر على معاش شخصي أو دخل منتظم، ويعاني مرضًا مزمنًا أو ضعفًا يحول دون العمل. وبعد وفاة زوجته الموظفة، تستمر حاجته إلى الطعام والسكن والكهرباء والتنقل والأدوية والفحوص الطبية، وقد تضاف إليها مصاريف المساعدة المنزلية أو الرعاية اليومية.../...

الجزائر في النيجر: حماية المصالح أم أزمة نفوذ ؟

 

قراءة في القرار وحدوده ومخاطر اتساع المهمة


لم يعد إرسال الجيش الجزائري إلى النيجر مجرد احتمال. فقد استكمل البرلمان الجزائري، يوم الأحد 25 أكتوبر 2026، الموافقة على القرار الرئاسي، بعد تصويت المجلس الشعبي الوطني عقب مجلس الأمة. وبذلك انتقل النقاش من سؤال الوجهة إلى سؤال الجدوى: ماذا تريد الجزائر أن تحمي، وما حدود المهمة، وكيف تتجنب تحويل انتشار تقدمه باعتباره محدودًا إلى التزام يصعب إنهاؤه؟  www.aa.com.tr


لا تكفي للإجابة استعادة عنوان مكافحة الإرهاب. فالتهديد المسلح في الساحل حقيقي، لكن حقيقته لا تمنع إدراجه ضمن حسابات النفوذ والطاقة والتحالفات. والمطلوب قراءة القرار داخل شبكة العلاقات المحيطة به: هشاشة السلطة النيجرية، والمصالح الجزائرية المتنامية، واضطراب جنوب ليبيا، والمنافسة الإقليمية على الشراكات والممرات الاقتصادية، وتعدد القوى الخارجية الحاضرة في المنطقة.../...

حين تتحول المنصات إلى أدوات للتضليل والتحريض

 

حرية النقد ومسؤولية الكلمة في المجال العام المغربي


لم يعد النقاش العمومي يجري عبر المؤسسات السياسية والصحافة المسؤولة وحدهما؛ فقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي للأفراد التعبير والنشر والتعليق، وكشف مشكلات قد لا تجد طريقها إلى القنوات التقليدية. وهذه الإمكانية توسع المشاركة، لكنها تطرح سؤالًا عن شروطها: كيف نميز بين المعلومة والادعاء، وبين النقد والتشهير، وبين الدعوة إلى التغيير والتحريض على الاعتداء؟ وكيف نحافظ على حرية التعبير حين تصبح الكلمة قادرة على إلحاق ضرر يتجاوز صاحبها ومخاطَبيه المباشرين؟


تكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة في المجال المغربي، حيث تتجاور انتظارات اجتماعية مشروعة وخلافات سياسية وفكرية مع تنافس على التأثير وجذب الجمهور. وفي هذا السياق، يحتاج تقييم الخطاب الرقمي إلى معيار يتيح مساءلة السياسات والمسؤولين، ويكشف في الوقت نفسه اختلاق الوقائع وتحريف الأقوال واستعمال الإهانة والتخوين بدل الحجة. فحق الاعتراض لا يمنح صاحبه حصانة من النقد، كما أن حماية الاستقرار لا تعفي المؤسسات من تقديم المعلومة والإجابة عن الأسئلة وتحمل المسؤولية.../...

الهجرة في الاتجاه المعاكس

 

كيف نجعل الوطن بيئةً للحق والثقة والاستحقاق؟


لماذا يستطيع الإنسان أن يلتزم في بلد الهجرة بقواعد قد يتساهل في احترامها داخل وطنه؟ وكيف يصبح أكثر حرصًا على الموعد، وانضباطًا في العمل، واحترامًا للطابور والمجال العام، من دون أن تتغير قدراته أو يُستبدل تكوينه؟ يفتح هذا السؤال بابًا لفهم العلاقة بين الفرد والمؤسسة، لكنه يضعنا أيضًا أمام سؤال يخص أوطاننا: إذا كان تغيير البيئة قادرًا على تعديل السلوك، فلماذا يظل الرحيل إحدى الوسائل التي يبحث بها الإنسان عن شروط أفضل لحياته؟ ولماذا لا نعمل على بناء هذه الشروط حيث وُلد المواطن وحيث يرغب في البقاء؟


بهذا المعنى، يمكن التفكير في «الهجرة في الاتجاه المعاكس»: أي أن نجعل المؤسسات والخدمات والفرص التي يقصدها الناس بالهجرة قابلةً للتحقق داخل الوطن. فبقاء المواطن في وطنه أو عودته من ديار المهجر، على أهميتها، لا تكفي إذا عاد إلى شروط تُعطل كفاءاته وتستنزف وقته وتضعف ثقته. أما حين يتقدم الحق على الامتياز، وتصبح الكفاءة طريقًا فعليًا إلى الفرصة، فإن البقاء بدل الرحيل يكتسب معنى جديدًا، وتصبح الهجرة داخل الوطن كما العودة بالنسبة للمهاجر من بلاد الغربة اختيارًا يمكن أن يسنده الواقع إلى جانب الحنين.../...

مشروع مالية 2027: ماذا تموّل الحكومة؟

 


هل تبدأ الدولة الاجتماعية بتقليص المسافة بين المغربين؟


قراءة أولية

تعتمد هذه القراءة على المعطيات المنشورة عند تقديم المشروع، وعلى تصريحات وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية كما نقلتها التغطيات الصحافية. وبعد تعذر الاطلاع المباشر على الحزمة الرسمية كاملة، تبقى مطابقة الأرقام والمواد مع النص والجداول الأصلية مرحلة لازمة قبل اعتماد التحليل النهائي.


لا تكمن أهمية مشروع قانون المالية لسنة 2027 في أنه أول اختبار مالي للحكومة الجديدة فحسب، وإنما في أنه يضع العلاقة بين النمو والعدالة الاجتماعية أمام سؤال عملي: هل تستطيع الدولة أن تنقل سرعة إنجاز المشاريع إلى سرعة تحسن حياة المواطنين؟ فالميزانية تكشف ما تختاره الحكومة حين توزع الموارد، ومن تنتظر منه تمويل اختياراتها، ومن يستطيع أن ينتظر ثمارها ومن يحتاج إليها فورًا.../...

مناهج التفسير المعاصرة :03 القراءة الرمزية والصوفية (11)

 

بين التزكية وذوبان المعنى في الإشارة


من القراءات التي تحتاج إلى موضع مستقل في مناهج التفسير المعاصرة القراءة الرمزية والصوفية، لا لأنها جديدة في أصلها، فقد عرف التراث الإسلامي التفسير الإشاري والعرفاني منذ قرون، بل لأنها عادت في العصر الحديث والمعاصر بأشكال متعددة: في التصوف التقليدي، وفي الكتابات الروحية، وفي التأويلات العرفانية، وفي بعض تيارات الروحانية الجديدة التي تستعمل ألفاظ القرآن لتغذية خطاب الطاقة والباطن والرمز والارتقاء الروحي.


وهذه القراءة تتحرك من سؤال مهم: هل القرآن خطاب للظاهر فقط؟ أم أن له أثرًا في القلب، وعمقًا في النفس، وإشارات تربوية وروحية تتجاوز مجرد الشرح اللفظي والحكم الفقهي؟ وهل يكفي أن نقرأ القرآن قراءة قانونية أو لغوية أو سياسية أو اجتماعية، دون أن ننتبه إلى أنه كتاب تزكية، وذكر، وخشية، وسكينة، وإنابة، ومحبة لله، وتحرير للنفس من الهوى والغفلة؟.../...

طاعة الرسول واتباعه في القرآن: ما المرجع وما حدود الإلزام؟

 

قراءة علائقية في النبوة والوحي والرسالة والبلاغ والتبيين


لماذا يرتبط الأمر بالطاعة في القرآن بوصف «الرسول»؟ وما العلاقة بين طاعته وطاعة الله؟ وهل يقتضي اتباعه تحويل كل ما نُسب إليه من قول أو فعل أو تقرير إلى تشريع ديني ملزم لجميع الناس في كل زمان ومكان؟


تنطلق هذه الأسئلة من ضرورة فهم الوصف الذي تعلق به الأمر، ثم تحديد مضمون العلاقة التي يقيمها النص. فمحمد عليه السلام هو الشخص الذي تلقى الوحي وحمل الرسالة، وهو النبي والرسول الذي عاش بين قومه، وواجه أسئلتهم، وحكم في منازعاتهم، ودبّر شؤونًا تتصل بتجربتهم. لكن اجتماع هذه الجهات في شخص واحد لا يعفينا من تمييز ما يضيفه كل وصف، وما يترتب على كل موقع من مسؤولية.../...