تحليل جيواستراتيجي: العالم في لحظة التحولات الكبرى
(حين يولد النظام الجديد من رحم الفوضى)
تمهيد
لم يعد السؤال المطروح اليوم هو: هل ما زال النظام العالمي القديم قائمًا أم لا؟ بل السؤال الأعمق هو: ما الذي بقي منه؟
فالنظام الذي وُلد بعد نهاية الحرب الباردة، وادّعى أنه يقوم على الليبرالية، واحترام سيادة الدول، وحقوق الإنسان، وحرية التجارة، والقانون الدولي، والمؤسسات الدولية، لم يكن في حقيقته منفصلًا عن بنية أحادية القطبية جعلت الولايات المتحدة مركز القرار الدولي، والحارس الأعلى لقواعد اللعبة، والمفسّر الأخير لمعنى الشرعية والقانون والتدخل والعقوبة.
غير أن هذا النظام، بشقّيه المتداخلين: الليبرالي من حيث الخطاب، والأحادي من حيث القيادة، دخل اليوم مرحلة تفكك بنيوي عميق. لم تسقط مؤسساته كلها بعد، ولم تختف أدوات قوته التقليدية؛ فلا يزال الدولار حاضرًا، ولا يزال الناتو قائمًا، ولا تزال القواعد العسكرية الأمريكية منتشرة، ولا تزال المؤسسات المالية الغربية تمارس نفوذًا واسعًا. لكن ما انهار أو كاد ينهار هو شيء أخطر من البنية الشكلية: انهارت القدرة الأخلاقية والسياسية للنظام القديم على إقناع العالم بأنه نظام عادل، أو قادر، أو صالح لإدارة التوازنات الجديدة.../...














