(رؤية في إعادة بناء صورة المغرب بعد موجة الشماتة)
افتتاحية
قد يتساءل البعض: ما علاقة النقاش المتصاعد حول الهجرة غير النظامية، أو الغضب الذي تلا مباراة رياضية مثيرة للجدل، بمقالٍ عن سياسة المغرب الإفريقية؟ والجواب أن هذه الوقائع – مهما كانت عاطفية وعابرة – تكشف هشاشةً أعمق: هشاشة “الصورة” حين تُترك للتأويلات المتشنجة، وهشاشة “الرؤية الشعبية” حين لا تكون محصّنة بالمعرفة والإنصاف والتمييز بين الشعوب والأنظمة، وبين السلوك الفردي والسياسات العامة. لأنها بالنتيجة لا تخدم إلى أهداف من حشرنا الله معهم في الجوار.../...
هذا المقال لا يُكتب بمنطق ردّ الفعل ولا بمنطق الانتقام الرمزي، ولا ينطلق من ثنائية “معنا/ضدنا”، بل من سؤالٍ استراتيجيّ واحد يقول:
- كيف نحمي خيار المغرب الإفريقي – الذي بُني على مبدأ رابح–رابح وعلى شراكاتٍ تنموية طويلة النفس – من أن يُختطف بخطابات الطرد والتعميم والتشفّي، أو من أطروحات “الانسحاب إلى جزيرة” بمنطق القلعة، أو “الهروب إلى أوروبا” بحكم المشترك الثقافي والرياضي، بوصفها حلولًا سهلة لا تصب في مصلحة المغرب من قريب أو بعيد؟
العدل يقتضي هنا ثلاث قواعد:
1. التفريق بين الشعوب التي تجمعها مصالح وآلام وفرص تعاون، وبين أنظمة أو لوبيات قد توظّف الشحن والهويات المتصارعة لصرف الأنظار عن أزماتها الداخلية.
2. رفض التعميم: فلا تُدان قارةٌ بسلوك بعض الأفراد، ولا يُختزل بلدٌ في لحظة توتر رياضي أو حملة رقمية.
3. تحويل الانفعال إلى بناء: أي نقل الرؤية الرسمية إلى عقلٍ شعبيٍّ عمليّ يترجمها مشاريع مشتركة ودبلوماسية شعبية ناضجة.
وفي هذا المعنى يظل الميزان القرآني قاعدةً أخلاقية جامعة لإعادة ضبط البوصلة:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
الخطاب هنا موجه للناس كافة – بغض النظر عن معتقداتهم، وهوياتهم، انتماءاتهم القومية أو الإيديولوجية - وهو خطاب كوني عام يحث على التعارف باعتباره مشروع عمرانٍ وتعاونٍ وتبادل مصالح بكرامةٍ، لا ذريعة صدامٍ أو قطيعة.
نقول هذا لوعينا بأنه في لحظات الاحتقان - حين تختلط الكرة بالكرامة، وتتحول مباراةٌ إلى مرآةٍ لجرحٍ جماعي - تولد “صناعة الشائعة” كما يولد الدخان عند أول شرارة. تتكاثر رواياتٌ سريعة عن مؤامراتٍ كبرى وقراراتٍ فوقية وتصريحاتٍ منسوبة لهذا أو ذاك، ثم تنتشر كالنار في الهشيم لأنها تُشبِع الانفعال وتغدي الأحقاد، لا لأنها صحيحة. هنا يجب أن نضع حدًّا منهجيًا واضحًا: لا تُبنى رؤيةٌ استراتيجية ولا تُصاغ صورةُ وطنٍ على أخبارٍ غير موثّقة، ولا تُدار علاقاتُ المغرب بقارةٍ كاملة بمنطق “لقطة” أو “منشور” أو “تسريب" أو حتى شبهة مؤامرة.
التمييز هنا ليس ترفًا أكاديميًا، بل شرطُ عدلٍ ورشد: هناك وقائع تُوثَّق (قرارات تحكيم، أحداث شغب، تصريحات رسمية من جهات مسؤولة)، وهناك تأويلات قد تصيب وقد تخطئ، وهناك شائعات تُصنع لتغذية الكراهية وتوسيع الشرخ وتبرير قطيعةٍ سهلة. ومن أخطر ما تفعله الشائعة أنها تُحوِّل الغضب إلى سياسة، وتستبدل البناء الطويل بردِّ فعلٍ سريع، وتدفع الناس إلى تعميمٍ ظالمٍ على شعوبٍ بأكملها بسبب سلوك أفراد أو توظيف أنظمة وإعلام.
لهذا يصرّ هذا المقال على قاعدة واحدة: أن نقرأ ما حدث بعينٍ باردة وقلبٍ عادل؛ نرفض الظلم والعبث أينما كان، لكننا لا نُسلم وعينا لمن يقتات على الإثارة. فالخيار الإفريقي ليس ورقةً تُحرق عند أول صدمة، بل مشروعُ مستقبلٍ يحتاج عقلًا جماعيًا محصّنًا: يميّز بين الشعوب والأنظمة، وبين الحقائق والدعاية، وبين المنافسة الرياضية وبين مصير الشراكات والتنمية.
ولهذا بالذات لا ينبغي أن يبقى النقاش حبيسَ الانفعال اللحظي؛ لأن ما يبدو “حدثًا رياضيًا” في الظاهر قد يكشف في العمق عن ثغرةٍ في الوعي الشعبي بالصورة والمصلحة والتمييز بين الشعوب والأنظمة. ومن هنا ندخل إلى السؤال الأوسع:
- كيف تتحول السياسة الإفريقية من قرار دولة إلى ثقافة مجتمع، ومن خطاب رسمي إلى ممارسةٍ شعبيةٍ واعية؟
تمهيد: من السياسة إلى المجتمع
في لحظات الاحتقان الجماهيري، يسهل على الناس تفسير العالم بمنطق “نحن وهم”، والبحث عن كبش فداء يبرِّر الإحباط: مهاجرٌ فقير، جارٌ “ناكر للجميل”، أو قارةٌ “لا تستحق”. لكن الدول التي تُحسن إدارة صورتها لا تُدار بالانفعال؛ بل تحوِّل الصدمة إلى فرصة: فرصة لإعادة شرح مشروعها، وتصحيح سوء الفهم، وترميم الجسور التي تتصدّع سريعًا تحت ضغط مباراة كرة، أو إعلامٍ مسموم، أو منصاتٍ تكافئ المحتوى المتشنج لأنه أسرع انتشارًا.
وإذا كانت بعض الأصوات اليوم تُطالب بطرد الأفارقة المقيمين بطرق غير شرعية، أو تدعو إلى “الالتحاق بالجامعة الأوروبية” كحل رمزي لجرح الكرامة، فإن أخطر ما في هذه الدعوات ليس حدّتها، بل اختزالها لمعادلة المغرب في لحظة غضب، بدل فهمها بوصفها مسارًا تاريخيًا واستراتيجيًا طويلًا.
أولًا: إعادة تعريف الدور والموقع:
• بين المغرب كـ“جسر” والمغرب “في إفريقيا"
كان وصف المغرب بأنه “جسر” بين إفريقيا وأوروبا مفيدًا في مرحلةٍ ما لشرح الموقع والوظيفة الجيوسياسية. لكنه اليوم يحمل خطرًا ضمنيًا: أن يوحي بأن المغرب يقف “بين” القارتين لا “داخل” إحداهما، وأن إفريقيا مجرد معبرٍ إلى أوروبا.
الرؤية التي راكمتها الدولة المغربية في العقدين الأخيرين – كما يظهر من مسارات الاستثمار، والزيارات الملكية الخمسون، واتفاقيات التعاون الرسمي المتعددة المجالات، والحضور المصرفي واللوجستي والديني التاريخي والتعاون العسكري والأمني – أقرب إلى معادلة أدق مؤداها:
المغرب في إفريقيا… ومع أوروبا… وأمريكا… وآسيا… والمشرق العربي.
لا بمنطق الانحياز الأيديولوجي، بل بمنطق توازن المصالح وفق معادلة “رابح–رابح”، وتفادي الوقوع في فخّ: “من ليس معنا فهو ضدنا"، أو فخ "المقعد الفارغ" الذي لا يفيد إلا الجار الحقود.
هذه ليست “براعة مناورة” بالمعنى السلبي، بل براغماتية دولة تعرف أن إفريقيا ساحة تنافس دولي متعدد الأقطاب، وأن من ينسحب منها يسلّم أوراقه لمن يملأ الفراغ.
ثانيًا: “الجزيرة المعزولة” مقولة مضلِّلة
تُستعمل أحيانًا – تحت ضغط العاطفة أو الإحباط – مقولة: “المغرب يعيش في جزيرة منعزلة، وقدره أن يتأقلم مع هذا الوضع”. ولا أنكر أنني كنت من المدافعين عنها في وقت مضى، لكن الرجوع عن الخطأ فضيلة، خصوصا بعد أن اكتشفت أن العزلة في السياسة ليست جغرافيا، بل قرارٌ استراتيجي: أن تُغلق الاقتصاد، وأن تُحوِّل الحدود النفسية إلى حدود سياسية، وأن تتعامل بمنطق القلعة. وهذا عكس ما فعله المغرب: هو يشتغل على فكّ العزلة عبر تعدد الشراكات وتعدد الأبواب وتعدد دوائر الفعل.
الأخطر أن خطاب “الجزيرة” يغري بحلول سهلة:
• “لنذهب لأوروبا إذن.”
• “لنغلق الباب في وجه إفريقيا.”
• “لنقلّص العلاقات لأنهم يكرهوننا.”
لكن هذا يشبه علاج الحمى بكسر ميزان الحرارة.
ثالثًا: كرة القدم ليست هوية جغرافية بديلة
الدعوة إلى الانضمام للجامعة الأوروبية ليست قرارًا رياضيًا بريئًا؛ إنها رسالة رمزية تقول: “نحن لسنا من إفريقيا”. وهذه رسالة تُضر المغرب أكثر مما تنفعه لثلاثة أسباب:
1. تهدم رأس المال الرمزي الذي بناه المغرب في إفريقيا: الثقة، الوساطة، الشراكات، والاستثمارات.
2. تمنح خصومه هديةً مجانية: “المغرب متعالٍ/يهرب/يحتقر إفريقيا".
3. لا تحل أصل المشكلة: التحكيم، الشحن، العنف، أو الشماتة لا تُحل بتغيير القارة، بل بتحسين الحوكمة الرياضية، والضغط لإصلاح القواعد، وتخفيض منسوب التحريض الإعلامي، وتطوير الدبلوماسية الرياضية.
الرياضة ينبغي أن تُفهم كأداة دمجٍ إفريقي وتصحيح صورة، لا كوسيلة “انفصال".
رابعًا: الهجرة غير النظامية بين حق الدولة وكرامة الإنسان
نعم، للدولة حق سيادي في تنظيم الهجرة وفرض القانون وضبط الأمن ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر. لكن تحويل الملف إلى خطابٍ شعبوي يروّج لطردٍ جماعي أو كراهيةٍ عرقية يدمّر صورة المغرب ويهدم ما بناه من رصيد حضاري وحقوقي.
والتمييز الضروري الذي يجب ترسيخه شعبيًا وإعلاميًا:
• المشكلة ليست “إفريقية” بل غير نظامية/شبكات/هشاشة.
• الحل ليس في التعميم، بل في القانون + الإدماج المعقول + الصرامة ضد الشبكات.
• المغرب حين يضبط الهجرة يحمي مجتمعه، وحين يحترم الكرامة يحمي شرعيته الدولية وصورته الإفريقية.
أي خطاب يخلط تلقائيًا بين “المهاجر” و“الجريمة” يسقطنا في نفس المستنقع الذي ننتقده عند الآخرين.
خامسًا: لماذا تنفجر الشماتة إذن؟
• مقاربة بلا تبرير ولا شيطنة
الشماتة التي تظهر أحيانًا تجاه المغرب ليست حقيقة واحدة ولا سببًا واحدًا. غالبًا هي خليط من:
• تنافس سياسي وإقليمي، وخوف بعض الأنظمة من نموذج تنموي يُحرجها أمام شعوبها.
• استثمار إعلامي يبحث عن الإثارة والصدام لتعويض النقاش السياسي الجاد.
• حساسيات تاريخية تُستدعى عند كل أزمة (حدود/هويات/زعامات/أدوار).
• اقتصاد الانتباه على المنصات: المحتوى الحاقد ينتشر أسرع من المحتوى العاقل.
الخلاصة:
جزء معتبر من الشماتة ليس موقف “الشعوب” كلها، بل صناعة استخباراتية وتضخيم إعلامي، أو رد فعل نفسي، أو توظيف سياسي. وهنا بالضبط تتحول الأسئلة:
بدل الاكتفاء بـ“لماذا يكرهوننا؟” ينبغي أن نسأل:
- كيف نمنع تحويل الاحتقان إلى مسار دائم؟
سادسًا: من الرؤية الرسمية إلى الرؤية الشعبية:
• خارطة مبادرات عملية
الرؤية الرسمية وحدها لا تكفي إن لم تتحول إلى مشاركة مجتمعية: مقاولات، جامعات، جمعيات، إعلام، رياضة، بلديات.
وفيما يلي مقترحات قابلة للتنزيل:
1. اقتصاد “المقاولات الصغرى والمتوسطة” بدل اقتصاد الصفقات الكبرى فقط:
المشاريع العملاقة مهمة، لكنها بعيدة عن حسّ الناس في إفريقيا. المطلوب شبكة مشاريع سريعة الأثر في أولويات الأفارقة:
• الماء: حلول الري بالتنقيط، التحلية المصغرة، صيانة الشبكات.
• الصحة: عيادات متنقلة، تكوين شبه طبي، شراكات أدوية جنيسة.
• الفلاحة: الأسمدة، التربة، التخزين، سلاسل التبريد.
• الرقمنة: دفع إلكتروني، تعليم رقمي، منصات تجارة محلية.
الفكرة:
عشرات المشاريع الصغيرة في دول متعددة أقوى صورةً من مشروع واحد ضخم لا يلمس الناس أثره بسرعة.
2. "دبلوماسية الجامعة” لا دبلوماسية البروتوكول فقط:
• بالإضافة إلى التكوين العسكري والأمني القائم بين المغرب وعدد من الدول الإفريقية، توسيع المنح والتبادل الجامعي، خصوصًا في الطب والهندسة والطاقات المتجددة.
• توأمة مختبرات جامعية مع جامعات إفريقية وتشجيع البحث العلمي المشترك.
• برامج شبابية مشتركة: ريادة، إعلام، ثقافة، تكنولوجيا، ذكاء اصطناعي.
الطالب الذي عاش تجربة علمية/إنسانية في المغرب يصبح جسرًا دائمًا أقوى من ألف بيان رسمي.
3. دبلوماسية الرياضة: من مباراة متوترة إلى مشروع قاري
• دوريات مدرسية/شبابية إفريقية تستضيفها أكاديميات مغربية بالتناوب.
• برنامج تدريب للحكام والمدربين الأفارقة بشراكة تقنية بلا استعلاء.
• منتخب رمزي “نجوم إفريقيا للشباب” يلعب مباريات ودية سنوية ضد نجوم أوروبا/أمريكا/آسيا برسالة: “إفريقيا تتنافس بكرامة وتتوحد في الفرح".
• توظيف الرياضة في الإعلام كقصة تعليم وفرص، لا كحلبة احتقان.
4. دبلوماسية البلديات والمدن
• توأمة المدن في النقل الحضري، النظافة، الإنارة، الأسواق، المناطق الخضراء.
• مشاريع “مدينة–مدينة” أسرع أثرًا وأقرب للناس من “دولة–دولة".
5. خطاب ثقافي جديد: “المغرب شريك لا قاطرة ولا وصيّ".
لا بد من مراجعة طريقة عرض إنجازات المغرب:
• لا نقدّم أنفسنا كمن “ينقذ إفريقيا”، بل كشريك يتعاون معها.
• نبرز التعلم المتبادل، لا منطق “المعلم والتلميذ".
• نفرّق بين نقد السياسات الرسمية في بعض الدول وبين احترام الشعوب وتاريخها وكرامتها.
سابعًا: الخلاصة
• السياسة الإفريقية ليست خيارًا… بل شرط بقاء
المغرب لا يشتري احترام الآخرين بالصمت وحده، ولا يمنع الشماتة بمجرد النجاح الاقتصادي. المطلوب تحويل الرؤية الاستراتيجية إلى ثقافة شعبية: في الاقتصاد، الجامعة، الإعلام، الرياضة، والمجتمع المدني.
إدارة الظهر لإفريقيا ليست عقابًا للآخرين، بل عقابٌ للذات؛ لأننا حين ننسحب نخسر عمقنا، ونخسر أسواقنا، ونخسر موقع الوسيط المعتدل، ونخسر فرصة أن نكون نموذجًا هادئًا تُقلده الشعوب بدل أن تخشاه بعض الأنظمة.
أما الرد الأجدى على سؤال “لماذا يكرهوننا؟” فليس مزيدًا من الانفعال، بل أن نصنع واقعًا يجعل الكراهية عبئًا على أصحابها:
واقع شراكاتٍ ملموسة، وكرامة إنسانية في التعامل، ورياضةٍ تُوحِّد لا تُفرِّق، وتنميةٍ تُشرك الناس وتُصغي لأولوياتهم، بدل أن تكتفي بإلقاء الدروس عليهم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق