خاسران في كأس إفريقيا: الجمهور والحقيقة..

 

من “تسريبات” وهمية إلى وثيقة رسمية: 

(كيف صَنَعتْ الإشاعات صدمة المغاربة… وكيف نُعيد الرياضة إلى ميدان الحقيقة)


لم تكن صدمةُ كثيرٍ من المغاربة هذا الصباح مرتبطةً فقط بنتيجة نهائي “الكاف” وما رافقها من جدل، بل بشيءٍ أخطر: انهيارُ “سرديةٍ” كاملة بُنيت على منصّات التواصل واليوتيوب خلال الأيام الماضية، قُدِّمت للجمهور على أنها “حقائق مُسرَّبة من جهات مسؤولة”، ثم تبيّن  عند أول وثيقة رسمية صدرت عن الكاف، أنها مجرد بناءٍ انفعالي لخدمة النقرات: (سحب الكأس، حكم المحكمة الرياضية، إعادة المباراة في ملعب محايد، حرمان المنتخب السنيغالي من المشاركة في كأس العالم القادم…) إلى آخر قائمة الوعود التي غذّت الغضب، ثم تركته يتيمًا عاريا أمام الواقع.../...


الآن، أمامنا مهمّتان:

1. تثبيت الوقائع كما وردت في بيان/قرار الجهات الرسمية (الكاف).

2. تحليل لماذا تتحوّل الرياضة إلى سوقٍ للنخاسة السياسة والمصالح الاقتصادية والإشاعة المستفزة؟ ولماذا يدفع الجمهور وحده الثمن: حقيقةً وسمعةً وهدوءًا اجتماعيًا؟



أولاً: ما الذي نعرفه رسميًا حتى الآن؟

المتاح في المصادر المنشورة صباح الخميس 29 يناير 2026 هو قرار/إجراءات لجنة الانضباط التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف)، لا “حكم محكمة رياضية”  يسحب الكأس أو يفرض إعادة اللقاء. القرار  التأديبي كما تداولته مواقع إخبارية نقلاً عن بيان الكاف  يتضمن:

رفض الاحتجاج الذي تقدمت به الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم (وفق ما ورد في المادة الخبرية).  

عقوبات على السنغال: إيقاف مدرب السنغال باب تياو خمس مباريات (كاف) وغرامة 100 ألف دولار، وإيقاف لاعبين مباراتين، وغرامات على الاتحاد السنغالي بسبب سلوك الجماهير والسلوك غير الرياضي للاعبين/الجهاز.  

عقوبات على المغرب: إيقاف أشرف حكيمي مباراتين مع تعليق تنفيذ واحدة لمدة عام، وإيقاف إسماعيل صيباري ثلاث مباريات وغرامة 100 ألف دولار، وغرامات على الجامعة بسبب سلوك جامعي الكرات وبسبب اقتحام منطقة مراجعة الـVAR وعرقلة عمل الحكم.  


هذه عمليًا، هي “الوثيقة الرسمية المتداولة” التي يمكن البناء عليها إعلاميًا وتحليليًا الآن.



ثانيًا: وماذا عن رواية “المحكمة الرياضية” وسحب الكأس وإعادة المباراة؟

هنا بالتحديد وقع “الفخ النفسي” الذي صنع غضبًا أعنف من الغضب الطبيعي بعد خسارة نهائي.


لأن الجمهور لم يُبنِ رد فعله على “القرار الرسمي”، بل على قصة ثانية موازية: قيل إن المحكمة الرياضية استمعت للأطراف وقررت كذا وكذا… ثم عندما ظهر قرار لجنة الانضباط، بدا الأمر كأنه “انقلاب”، بينما هو في الغالب اختلاط بين مسارين مختلفين:


مسار تأديبي داخل الكاف (عقوبات سلوك، غرامات، إيقافات، قبول/رفض احتجاجات وفق لوائح المنافسة).

ومسار طعن/تحكيم رياضي خارجي (إن وُجد) يحتاج إلى وثيقة منشورة/قرار معلَّل/بيان رسمي من الجهة القضائية الرياضية ذاتها.


الخلاصة المهنية هنا: 

الناس صدّقت القصة التي تُشبع العاطفة (سنسحب الكأس/سنُعيد المباراة)، لا القصة التي تُشبه الواقع الإداري البارد (لجنة انضباط، لوائح، إيقافات، غرامات). وحين جاء الواقع، تحوّلت الصدمة إلى “إحساس بالظلم” مضاعف.



ثالثًا: لماذا تميل المنظومات الكروية إلى إدارة الأزمات بدل تفجيرها؟

لأن كرة القدم اليوم ليست مجرد تسعين دقيقة؛ إنها صناعة سمعة وصناعة مال. البطولة الإفريقية منتج، وصورتها العامة رأس مال، وأي قرار يقلب النتيجة أو يسحب لقبًا يفتح الباب على سلسلة انهيارات: تشكيك، دعاوى، رعاة، حقوق بث، وشرخ دائم في الثقة.

لهذا يصبح “الإغلاق المؤسسي للأزمة” خيارًا شبه طبيعي: عقوبات، غرامات، إيقافات، لغة “اللعب النظيف”، مع محاولة حماية سمعة النظام من الانفجار.  



رابعًا: لماذا تُدار مثل هذه الملفات بعقل “السمعة والمال” قبل عقل “الإنصاف”؟

هنا نصل إلى لبّ السؤال: 

- كيف صارت الرياضة سوقًا للنخاسة السياسية؟

- وما الذي يمكن قوله دون الوقوع في التهويل

  • الأدق: 
صارت كرة القدم اليوم اقتصاد سمعة قبل أن تكون منافسة مهارية. عندما تقع فضيحة تحكيمية أو شغب أو فوضى تنظيمية في نهائي قاري، لا يتهدد فريقًا واحدًا، بل يتهدد:


كل اتحاد قاري يحسب تأثير قراراته على شرعية منظومته.

وكل دولة تستضيف بطولة تحسب أثر الفوضى أو الاتهامات على صورتها.

وكل جامعة وطنية تحسب أثر الأزمة على علاقاتها القارية.


  • إذن نعم: 

إدارة الأزمات قد تراعي “المصلحة العامة للنظام” أكثر مما تراعي “الإنصاف المثالي” في نظر الجمهور. لكن تحويل هذا الاستنتاج إلى اتهام جازم بلا وثائق يُعيدنا إلى دائرة الإشاعة التي نريد كسرها.


السياسة لا تغيب عن الرياضة؛ لكنها لا تظهر في البلاغات الرسمية. ما يمكن قوله بعقلٍ بارد هو التالي:

كل اتحاد قاري يحسب تأثير قراراته على شرعية منظومته.

وكل دولة تستضيف بطولة تحسب أثر الفوضى أو الاتهامات على صورتها.

وكل جامعة وطنية تحسب أثر الأزمة على علاقاتها القارية.


  • إذن نعم: 

إدارة الأزمات قد تراعي “المصلحة العامة للنظام” أكثر مما تراعي “الإنصاف المثالي” في نظر الجمهور. لكن تحويل هذا الاستنتاج إلى اتهام جازم بلا وثائق يُعيدنا إلى دائرة الإشاعة التي نريد كسرها.


بل إن تقارير إعلامية تحدثت عن أرقام مشاهدة رقمية ضخمة للبطولة(6 مليار مشاهد)، ما يجعل السمعة أصلًا اقتصاديًا حساسًا.


في هذا السياق، تُفهم لماذا تأتي قرارات المؤسسات غالبًا بصيغة: “امتصاص الصدمة بأقل خسائر للعلامة التجارية”:

معاقبة سلوكيات من الطرفين،

تثبيت النتيجة مبدئيًا،

وإغلاق الباب سريعًا أمام سرديات “المؤامرة الكاملة” التي تهدم الثقة في المنتج كله.


هذا لا يعني أن السياسة “تتلاعب” دائمًا بالقرار القضائي، لكن يعني أن المنظومة الرياضية الحديثة لا تتحرك خارج منطق المصالح. والضحية الأولى حين يغيب التواصل الشفاف هي: الجمهور: لأنه استُخدم وقودًا في سباق المشاهدات. والخاسر الثاني هو الحقيقة: لأنها تحولت إلى تابع للانفعال. أما الخاسر الثالث الذي لم يعد يهمنا هنا بسبب نزوله أسفل سافلين: هو كرة القدم الإفريقية التي تلعب بمنطق العنصرية والغريزة لا العقل والأخلاق. 



خامسًا: كيف نخاطب جمهور “مفاهيم قرآنية” دون شحنٍ أو شماتة؟

يجب أن يفضح “اقتصاد الإشاعة” قبل أن يناقش “قرار الكاف”. وهنا يُناسب جدًا إطار قرآني واضح: سنّة التثبّت من النبأ:


﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا…﴾ [الحجرات: 6]


هذه ليست وعظًا عامًا؛ إنها قاعدة إدارة وعي في زمن الخوارزميات:

“التسريب” الذي لا يحمل وثيقة = مادة قابلة للتوظيف.

“قيل لي من جهة مسؤولة” بلا اسم ولا قرار = طُعم تفاعل.

“فيديوهات تحليل” بلا مصدر = مصنع يقين زائف.



خاتمــــــة 

توصيات عملية حتى لا تتكرر الصدمة:

1. قاعدة ذهبية للجمهور: لا تصدّق “قرارًا مصيريًا” دون نص رسمي أو مصدر مؤسسي قابل للتتبع. ومقاطعة كل من ثبت ترويجه لإشاعة كاذبة على اليوتيوب ومواقع التواصل الإجتماعي.

2. واجب الجامعة: إنشاء خلية تواصل يومي وقت الأزمات: توضيح المسارات  (CAF/ CAS) وتحديد ما هو قائم وما هو إشاعة، حتى لا يُترك الجمهور فريسة للأكاذيب المغرضة.

3. واجب الإعلام: التمييز الصارم بين “خبر” و ”تحليل” و ”تسريب غير موثق".

4. واجب الكاف: نشر القرارات بلغة واضحة وبأسانيد تنظيمية مُفصلة لتقليل مساحة التأويل والاحتقان.

5. واجب المنصات وصناع المحتوى: إما الالتزام بأخلاقيات الخبر أو الاعتراف النزيه والصريح: “هذا رأي/توقع/تحليل” لا “معلومة مؤكدة”.

6. بيان مغربي رسمي وتفصيلي: يشرح للجمهور الفرق بين المسارات (تأديبي/تحكيمي)، وتضع ما هو مؤكد وما هو محلّ متابعة.

7. ملاحقة قانونية لمروّجي “التضليل المتعمّد” إن ثبت الضرر (خصوصًا من يختلق وثائق أو ينسب قرارات لجهات قضائية دون سند موثوق).

8. بروتوكول تواصل سريع وقت الأزمات: الجمهور حين يُترك في الفراغ تأكله الإشاعة فتؤثر على سلوكه العام.

9. ضغط مؤسسي لتطوير آليات الانضباط والتحكيم داخل الكاف (شفافية التقارير، نشر حيثيات أكبر، وضمانات ضد تضارب المصالح).

10. تربية رقمية للجمهور: ليس لتجريمه، بل لحمايته من الاستغلال؛ لأن الجمهور هو من يُستثمر غضبه لتحقيق أرباح اليوتيوبر والناشر على مواقع التواصل الاجتماعي.


لأنه حين تتقدّم الإشاعة خطوةً على الحقيقة، لا تُخسر مباراةً فقط… بل يُخسر “عقل الجمهور” نفسه، وهنا تكمن الخطورة.


إن أكبر درس يستفاد  من هذه الواقعة ليس من فاز ومن خسر، بل كيف يمكن لخبر غير دقيق أن يصنع “حقيقة نفسية” تسبق الوثائق، ثم تُسقط الجمهور في إحساس جارح بالظلم والنكسة عند أول اصطدام بالواقع. 


من هنا يبدأ الإصلاح: استرداد الحقيقة من اقتصاد الإشاعة… قبل أن نسترد أي لقب.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق