(قراءة في الشماتة بعد مباراة المغرب والسنغال)
لماذا يكرهوننا؟...
سؤالٌ يعود كلّما ظننا أن الرياضة ستبقى رياضة، وأن المنافسة ستبقى في حدود المستطيل الأخضر. لكن ما تلا مباراة المغرب والسنغال من شماتةٍ مُفرطة، وتشفٍّ عابرٍ للحدود، وضجيجٍ رقميّ يُضخّ كأنه “معركة هوية”، كشف أن القضية ليست هدفًا ولا ركلة جزاء، بل صورةٌ أعمق: نجاحٌ يُستفزّ، ونموذجٌ يُربك، ودولةٌ تُحاسَب لا على أخطائها بل على نموذجها التنموي والحضاري الناجح في محيط عربي وإفريقي يرفض المنافسة على التقدم.
هذه قراءةٌ في “الشماتة” لا لتأجيجها، بل لفهمها: كيف تُصنع؟ من يغذّيها؟ ولماذا تتحوّل إنجازات بلدٍ رائد في مختلف مجالات التنمية إلى مادة حقدٍ عند آخرين بدل أن تكون بابًا للتعلّم والتنافس.../...
تمهيد
ليست كرة القدم مجرّد لعبة. هي مرآة سريعة الانفعال، تُظهر ما يخفيه الخطاب الرسمي، وتفضح ما يختبئ خلف المجاملات. لذلك لم يكن سؤال “لماذا يكرهوننا؟” وليد نتيجةٍ رياضية فحسب، بل وليد ما صاحبها من موجات شماتة وتحريض وتشفٍّ، ومن مشاهدٍ ومقاطعَ متداولةٍ زادت النار اشتعالًا، حتى بدا لكثير من المغاربة أن الأمر يتجاوز الملعب إلى ما هو أعمق: صورة بلدٍ، ومعنى نجاح نموذجه، وموقعه في محيطه العربي والإفريقي.
ومع ذلك، فإن أول ما يحتاجه هذا السؤال هو أن يُنقَّى من التعميم: ليس “هم” كتلة واحدة. هناك شعوبٌ واسعة تستدرجها لحظة الانفعال وخوارزميات الاستفزاز، وهناك منصّاتٌ وذبابٌ إلكترونيّ وحساباتٌ موجَّهة من قبل مخابرات تُتقن صناعة الضغينة، وهناك أنظمةٌ ديكتاتورية فاسدة تملك مصالحَ في توتير المزاج العام وصرف الانتباه. فإذا لم نفرّق بين هذه المستويات، تحوّل السؤال إلى اتهامٍ جماعيّ ظالم، وخسرنا أهم ما نحتاجه الآن: العقل والاتزان.
أولا: صدمة المغاربة ليست في الهزيمة… بل في المعنى
المغاربة لا يتألمون لأن فريقهم خسر بطريقة ظالمة. الخسارة جزء من الرياضة. لكن الألم الحقيقي كان في “صدمة أخلاقية”: كيف يُقابَل الكرم بالجحود؟ كيف تُستقبل بطولةٌ بتنظيمٍ رائع وضيافةٍ كريمة وحسن نية، ثم تُواجَه في المقابل بموجة تشفٍّ جارحة، وكأن المطلوب ليس الفوز فقط، بل كسر المعنى وإهانة الصورة؟
في الوعي المغربي، الاستضافة ليست تفصيلًا بروتوكوليًا؛ إنها جزء من هويةٍ اجتماعية عميقة ضاربة في جذور التاريخ: “الضيف أمانة”، والجار لا يُكسر، والجارحة تُداوى قبل أن تُستثمر. لذلك جاءت الصدمة حين شعر كثيرون أن بعض الخطابات حول المباراة لم تكن فرحة بفوز فريق، بل فرحًا بهزيمة المغرب تحديدًا، وكأن العنوان الحقيقي هو: “ليس المهم أن ننتصر، المهم أن يسقط المغرب”. وقد رأينا كيف صنعوا له في السينغال تابوتا غطوه بالعلم المغربي وجابوا به الشوارع في اتجاه المقبرة، وكأن الميت وطن.
ثانيا: حين يتحوّل نجاح بلدٍ إلى “إدانة” للآخرين
من أكثر الأسباب التي تولّد الكراهية في السياسة والاجتماع ليس الفشل… بل نجاح الجار. لأن نجاح الجار يفضح أعذارك ويري عورتك ويكشف فسادك وعجزك أمام شعبك. حين تُظهر دولةٌ ما قدرةً على التخطيط والتنظيم وتطوير البنى والخدمات وتوفير كل ما يحتاجه شعبها من مستلزمات العيش الكريم، يصبح هذا النجاح مرآة محرجة لبيئاتٍ سياسية تُدير شعوبها بمنطق الإلهاء والتأجيل والوعود الفارغة. وهنا تظهر آلية قديمة: بدل أن تسأل تلك البيئات “لماذا لم ننجح كما نجح المغرب؟” تُحوّل السؤال إلى: “كيف نُسقط صورة المغرب الناجح؟".
في هذا السياق، تتحوّل الرياضية إلى ساحةً لتصفية رمزية: تُشحن الجماهير ضد “النموذج” كي لا تُطالب أنظمتها بالتغيير؛ ويُضَخُّ الغضب في اتجاهٍ خارجي بدل أن يعود إلى الداخل حيث أصل الأزمة.
ثالثا: الإعلام وخوارزميات الغضب: مصنع الكراهية اليومي
لم يعد التحريض يحتاج إلى وزارة كما كان الحال زمن الطاغية هيتلر، حيث استخدم النظام النازي الدعاية للترويج لأفكاره ومعتقداته. وبدءًا من مارس 1933، حاول هذا النظام الدموي البغيض تركيز جهوده الدعائية في وزارة جديدة بقيادة "جوزيف جوبلز" الشهير صاحب مقولة "اكذب واكذب حتى يصدقوك". وقد سمّيت هذه الوزارة بوزارة الرايخ للتنوير العام والدعاية.
اليوم تغيّر المشهد، إذ يكفي “ترند” لتشتغل الخوارزميات فتُكافئ المحتوى الأكثر استفزازًا لا الأكثر عدلًا. والفضاء الرقمي يُنتج شعورًا كاذبًا بأن “الجميع يكرهنا”، لأنك لا ترى إلا الأكثر صراخًا. وبين المشجع الغاضب والحساب الموجَّه مساحة واسعة لا ننتبه لها.
ولهذا انتشرت بعد المباراة مقاطع كثيرة: بعضها يوثّق فوضى وشغبًا هنا أو هناك (وهي للأسف ظاهرة ترافق مباريات عديدة عالميًا)، وبعضها كان مبالغًا فيه أو مقطوع السياق أو غير موثّق بما يكفي. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح “التحقق” واجبًا أخلاقيًا قبل أن يكون شرطًا صحفيًا؛ لأن إشاعة واحدة قد تشعل فتنةً لا تُطفأ بسهولة.
رابعا: "الكرة” تُخرج ما في السياسة من عقدٍ قديمة
في بعض البيئات العربية والإفريقية، تتداخل كرة القدم مع حساسيات سياسية وهوياتية: صراع حدود، ملفات دبلوماسية عالقة، نزاعات سرديات، صراع نفوذ، وحتى عقد تاريخية متراكمة. وفي لحظة المباراة، يخرج كل ذلك دفعة واحدة على هيئة هتاف أو تعليق أو سخرية.
المشكل هنا ليس وجود الاختلاف؛ الاختلاف طبيعي. المشكل أن بعض الأطراف لا تتعامل مع الاختلاف كسياسةٍ تُدار بعقل، بل كعداءٍ يُدار بغريزة همجية؛ فتتحول الرياضة إلى منصة لإعادة إنتاج كراهيةٍ جاهزة، بدل أن تكون مساحة تنافس نبيل بين الإخوة في الإنسانية.
خامسا: لماذا تسقط “العروبة والإسلام” عند الامتحان؟
كثير من المغاربة تربّوا على أن الفضاء العربي والإسلامي فضاء سندٍ وتضامن مشترك. لذلك كان مؤلمًا أن يرى بعضهم فرحًا في عواصم عربية بهزيمة المغرب، لا باعتبارها نتيجة مباراة، بل باعتبارها “تشفيًا” و ”فرصة للنيل” من بلد أصيل وشعب محب. هنا يشعر المغربي أن الشعارات الكبيرة - عند الرعاع - لا تصمد أمام العصبية الضيقة.
ومع ذلك، الإنصاف يفرض أن نقول: ليست الشعوب كلها هكذا. هناك أصوات عربية وإفريقية محترمة رفضت التشفّي، وانتقدت التحريض، ودافعت عن الروح الرياضية. لكن الصوت العاقل غالبًا لا يُصنع منه “ترند”، بينما يصنع من الكراهية مهرجان.
سادسا: المغرب ليس مطالبًا بأن يعتذر عن نجاحه… ولا أن يتنازل عن أخلاقه
السؤال الحقيقي ليس: “هل يكرهوننا؟” بل: “كيف نتصرف حين نُستهدف؟”.
هنا يملك المغرب خيارين:
• الخيار الأول: الانحدار إلى منطق الرد بالمثل، وتعميم الإدانة، وجرّ الخطاب إلى الشتيمة والتخوين. هذا يريح الغضب لحظيًا، لكنه يقتل صورتنا ويُدخلنا في مستنقعٍ لا نهاية له.
• الخيار الثاني: تحويل الجرح إلى وعي سياسي وأخلاقي: نرفض الظلم ونطالب بالعدالة القارية والإنصاف الدولي، ونفضح التآمر والتحريض، ونحمي مواطنينا في الخارج بالوسائل القانونية والدبلوماسية، لكن دون أن ننزلق إلى إدانة جماعية أو خطاب انتقامي. هذا أصعب، لكنه أنضج، وهو وحده الذي يليق بدولة تريد أن تبقى “جسرًا للعبور" لا “قنبلة انتحارية".
سابعا: ما الذي ينبغي أن نتعلمه الآن؟
1. التحقق قبل الانفعال: لا تُبنى المواقف على مقاطع مجهولة المصدر أو روايات غير موثقة.
2. التفريق بين الشعوب والمنصات: ليس كل تعليق يمثل شعبًا، وليس كل “احتفال” يمثل أمة.
3. فهم دوافع التحريض: كثير من الكراهية تُصنع لتخدم أجندات خاصة (خارجية وداخلية أيضا): صرف الانتباه عن الفشل، وخلق عدو خارجي، وتخدير الشعوب وإشعال الفتن لتصفية حسابات سياسية.
4. حماية صورة المغرب: الردّ لا يكون بالصراخ، بل بالثقة، وبالعمل، وبالخطاب الذي يفضح الكراهية دون أن يصبح نسخة منها، وباعتزاز المغربي بوطنه ودولته ونظامه مهما اختلف معه في بعض التفاصيل.
5. تثبيت معيار الأخلاق: لأن أجمل ما يملكه المغرب قبل المشاريع وقبل النتائج هو “المعنى”: أن تكون مواطنا مغربيا قويًا دون تجبّر، وناجحًا دون استعلاء، ومختلفًا دون قطيعة.. وأن تشعر بالفخر لأنك مغربي لا يشبه مواطنا آخر.
خاتمة: لا نحتاج أن يحبّنا الجميع… بل أن نفهم لماذا يُستفَزّ البعض
ليس المطلوب أن نحصل على تصفيق دائم. الدول التي تتحرك وتنجح تُثير حساسية من يعيشون في ركود. لكن المطلوب أن لا نسمح للكراهية أن تُعيد تشكيلنا، ولا للشماتة أن تُعرّفنا. نحن نُعرَّف بما نفعل، لا بما يقولون.
وإذا كان هناك من يكره “النموذج”، فأفضل جواب هو أن نُحسّن النموذج أكثر: عدلًا، وشفافية، وكرامةً للمواطن، وحمايةً لطلبتنا ومهاجرينا، وخطابًا يُدير التوتر بعقل الدولة لا بعصبية المدرجات.
حينها، سيظل السؤال موجودًا: “لماذا يكرهوننا؟”
لكن الجواب سيكون أعمق:
“لأن النجاح يحرج، ولأن التحريض يربح، ولأن الكراهية أسهل من الاعتراف بالحقيقة".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق