قراءة نقدية في خطاب الدكتور العوضي ونظام "الطيبات"
تمهيد: حين يتحول الطعام إلى قضية إيمانية وشعبية
لم يكن الجدل الواسع حول الدكتور العوضي مجرد جدل طبي عابر حول البيض، أو الألبان، أو الدجاج الأبيض، أو البقوليات. لقد تحوّل الرجل، في نظر قطاع واسع من الجمهور العربي، إلى رمز لخطاب أعمق: خطاب يقول إن أزمة الإنسان الصحية ليست منفصلة عن فساد السوق، وعن التصنيع الغذائي، وعن التلاعب بما يأكله الناس، وعن الابتعاد عما سماه «الطيبات».
من هنا جاءت قوة تأثيره. فهو لم يخاطب الناس بوصفه صاحب حمية غذائية فقط، بل قدّم نفسه — أو قُدِّم في المخيال العام — كمن يعيد وصل الغذاء بالقرآن، والجسد بالفطرة، والصحة بالعودة إلى ما خلقه الله، في مقابل سوق حديثة تبيع للناس المرض في صورة غذاء.../...
ولهذا ينبغي أن يُقرأ خطابه بإنصاف وصرامة في آن واحد. فالإنصاف يقتضي ألا نلغي ما في كلامه من تنبيه مشروع إلى مخاطر الإفراط، والتصنيع، والاحتكار، وتسليع الغذاء. والصرامة تقتضي ألا نسمح بتحويل بعض الآيات إلى أحكام غذائية عامة، ولا بتحويل التخوف من السوق إلى تحريم غير منصوص عليه، ولا بتحويل فرضيات طبية جزئية إلى يقين ديني أو علاجي.
هذه المقالة لا تحقق في ملابسات وفاته، ولا تتبنى اتهامًا جنائيًا غير مثبت، ولا تدافع عن لوبيات الغذاء والدواء. إنها تحاول الإجابة عن سؤال أعمق:
كيف أقنع خطاب «الطيبات» قطاعًا واسعًا من الرأي العام؟
وأين يلتقي هذا الخطاب مع القرآن؟
وأين يفارقه؟
وماذا يقول العلم في القضايا التي أثارها؟
أولًا: لماذا انتشر خطاب العوضي بهذه القوة؟
نجاح خطاب العوضي لا يُفهم من زاوية الطب وحده. فقد جمع خطابه بين أربعة عناصر مؤثرة جدًا:
1. الخوف من المرض، وخاصة السرطان والأمراض المزمنة.
2. فقدان الثقة في الصناعات الغذائية الحديثة.
3. الاستناد إلى القرآن ومصطلحات مثل «الطيبات» و«الخبائث».
4. تقديم وصفة خلاص بسيطة: اترك هذه الأطعمة، عُد إلى الغذاء النظيف، وصُم: تنجُ من المرض.
الجمهور العربي يعيش منذ سنوات تحت ضغط كبير: أمراض مزمنة، غلاء، تراجع الثقة في المؤسسات، كثرة الأدوية، تضارب النصائح الطبية، وانتشار مقاطع تتحدث عن الهرمونات والمبيدات والأغذية المعدلة. في هذا المناخ، يصبح الخطاب الذي يقول للناس: «مرضكم ليس قدرًا غامضًا، بل نتيجة لما تأكلون، وما تفرضه عليكم السوق» خطابًا شديد الجاذبية.
والأشد تأثيرًا أن هذا الخطاب لم يقدّم نفسه كخطاب صحي فقط، بل كخطاب قرآني. هنا تحوّل الطعام من مسألة تغذية إلى مسألة هداية دينية. لم يعد البيض أو الحليب أو الدجاج مجرد مواد غذائية، بل صارت رموزًا لمنظومة كاملة: سوق، تصنيع، تلاعب، مرض، وابتعاد عن الطيبات.
غير أن قوة التأثير لا تكفي لإثبات صحة الدعوى. فالخطاب قد يكون مؤثرًا، صادق النية، لامس وجعًا حقيقيًا، ومع ذلك يخلط بين الدليل والحدس، وبين القرآن والتأويل، وبين العلم والفرضية.
ثانيًا: آية بني إسرائيل والبقوليات: هل ذمّ القرآن العدس والبصل؟
من أشهر الآيات التي يُستند إليها في نقد بعض الأغذية النباتية، قوله تعالى في قصة بني إسرائيل:
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَنْ نَصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: 61]
القراءة التي انتشرت في خطاب «الطيبات» تميل إلى اعتبار هذه الآية دليلًا على أن البقوليات وما يشبهها أطعمة أدنى، وربما غير مناسبة للإنسان، لأن بني إسرائيل استبدلوها بالمنّ والسلوى، فقيل لهم:
﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾.
لكن هذه القراءة تحتاج إلى ضبط.
فالآية لا تحرّم العدس، ولا البصل، ولا الفول، ولا تجعلها خبيثة في ذاتها. السياق ليس سياق تشريع غذائي عام، بل سياق تذمر، وملل من نعمة مخصوصة، واستبدال رزق كريم في مقام ابتلاء بطلب أدنى. المشكلة ليست في العدس بوصفه نباتًا، بل في النفس التي لم تصبر، وفي موقف الاعتراض على النعمة، وفي الهبوط من مقام تربوي خاص إلى طلب مألوف أرضي.
ولو كان العدس أو البصل أو البقول خبيثًا في ذاته، لكان القرآن قد بيّن ذلك في سياق التحريم، لا في سياق قصة عن قوم يتذمرون من طعام مخصوص. ومن هنا يكون نقل الآية من مقام العبرة والتربية إلى مقام منع غذائي عام قفزة تأويلية غير لازمة.
القاعدة القرآنية هنا واضحة: لا يجوز تحويل سياق مخصوص إلى تحريم عام بلا دليل.
ثالثًا: «قل من حرّم الطيبات»: القاعدة القرآنية ضد اختراع المنع
في مواجهة أي خطاب يحوّل أطعمة لم يحرّمها الله إلى قائمة ممنوعة باسم الدين، تقف آية محكمة:
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32]
هذه الآية لا تدعو إلى الشره، ولا إلى الاستهلاك الأعمى، ولا إلى التسليم للسوق. لكنها تقرر مبدأ حاسمًا: التحريم ليس حقًا مفتوحًا للبشر. ليس للطبيب، ولا الواعظ، ولا صاحب النظرية الغذائية، أن ينقل نصيحة صحية أو تجربة شخصية أو فرضية علمية إلى مقام ديني يوحي للناس بأن هذا الطعام من الخبائث أو خارج عن الطيبات.
يمكن أن يقول الطبيب: هذا الطعام لا يناسب مريضًا معينًا.
يمكن أن يقول الباحث: هذا المنتج يحتاج إلى رقابة.
يمكن أن يقول الناصح: قلّلوا من الإفراط في كذا.
لكن لا يصح أن يقال باسم القرآن إن البيض، أو الألبان، أو الدجاج، أو البقوليات، أو الخضروات المعدلة، كلها خارج الطيبات، ما لم يثبت ضررها أو فسادها أو خبثها بدليل علمي معتبر.
القرآن يفتح باب الطيبات، ويغلق باب التحريم المتعسف. ولذلك فكل خطاب غذائي يريد أن يستند إلى القرآن يجب أن يلتزم بهذه القاعدة: النصيحة شيء، والتحريم أو المنع الديني العام شيء آخر.
رابعًا: الأنعام: أربعة أنواع أم ثمانية أزواج؟
من المواضع التي تُستدعى أحيانًا في هذا النقاش آيات الأنعام:
﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: 143]
ثم:
﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: 144]
المعنى واضح: أربعة أصناف كبرى من الأنعام، وثمانية أزواج باعتبار الذكر والأنثى: الضأن، المعز، الإبل، البقر. لكن تحويل هذه الآيات إلى حصر للمباح الحيواني في هذه الأصناف وحدها، ثم إخراج الدجاج مثلًا من دائرة الطيبات، لا يستقيم مع الاستعمال القرآني العام.
فالقرآن يتحدث عن الأنعام في سياقات الرزق، والتسخير، والذبائح، والنسك، لكنه لا يقول إن كل ما عداها خبيث أو ممنوع. بل يستعمل قاعدة أوسع:
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 4]
و:
﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157]
إذن معيار القرآن ليس أن كل طعام لم يرد ذكره في قائمة معينة صار ممنوعًا، بل أن الأصل في الرزق الطيب الإباحة، وأن الخبث يحتاج إلى دليل: ضرر، نجاسة، فساد، ظلم، اعتداء، أو نص صريح.
خامسًا: أين أصاب خطاب العوضي؟
حتى يكون النقد عادلًا، يجب الاعتراف بأن في خطاب العوضي نقاطًا أصابت وجعًا حقيقيًا.
لقد أصاب حين نبّه الناس إلى أن السوق لا تُؤتمن بلا رقابة. فالصناعة الغذائية الحديثة ليست بريئة دائمًا، وفيها مصالح ضخمة، وتسويق، وإضافات، ومعالجات، ومواد حافظة، واختيارات تُبنى أحيانًا على الربح قبل صحة الإنسان.
وأصاب حين حذّر من الإفراط. فالأمراض المزمنة مرتبطة في كثير من الحالات بنمط الحياة: الإفراط في السكر، الدهون، الأغذية فائقة التصنيع، قلة الحركة، السمنة، اضطراب النوم، والتوتر.
وأصاب حين أعاد طرح سؤال «الطيب» لا بوصفه سؤالًا فقهيًا فقط، بل سؤالًا أخلاقيًا وحضاريًا: ماذا نأكل؟ من ينتج غذاءنا؟ ما علاقة المال بالصحة؟ ما حدود تدخل الشركات في أجساد الناس؟
وأصاب أيضًا حين ذكّر الناس بقيمة الصوم والانضباط وتقليل الاستهلاك. فالصوم، في القرآن، ليس مجرد امتناع جسدي، بل طريق إلى التقوى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]
لكن الإصابة في بعض التشخيص لا تعني صحة كل النتائج. فالخطر يبدأ عندما تتحول هذه التنبيهات إلى منظومة منع عام، أو إلى يقين طبي غير مثبت، أو إلى قراءة دينية تُضيّق ما وسّعه القرآن.
سادسًا: أين أخطأ خطاب العوضي؟
أول خطأ هو الانتقال من التحذير الصحي إلى المنع شبه الديني. فقولنا إن طعامًا ما قد يكون ضارًا في حالات معينة شيء، وقولنا إنه خارج «الطيبات» شيء آخر.
ثاني خطأ هو قراءة الآيات خارج سياقها، كما في آية بني إسرائيل. فالقرآن لم ينزل ليقول إن العدس والبصل خبيثان، بل ليكشف انحرافًا في الموقف النفسي والروحي لقوم ملّوا نعمة مخصوصة.
ثالث خطأ هو التعميم الغذائي. لا يصح أن يُمنع الناس جميعًا من البيض أو الألبان أو البقوليات أو الدجاج بناءً على نظرية عامة. فالأجسام تختلف، والأمراض تختلف، والاحتياجات تختلف. الطفل، والحامل، والمسن، والمريض، والرياضي، والفقير، لا يمكن إخضاعهم لوصفة واحدة صارمة بلا إشراف.
رابع خطأ هو تحويل فرضيات طبية إلى يقين. العلم لا يعمل بهذه الطريقة. قد توجد دراسات حول الصوم، أو البروتين، أو القنب الهندي، أو الأغذية المعدلة، لكنها لا تتحول مباشرة إلى وصايا عامة للناس.
خامس خطأ هو إعطاء الجمهور عدوًا واحدًا بسيطًا: البيض، الألبان، الدجاج الأبيض، البقوليات. بينما المرض أعقد من ذلك بكثير: الوراثة، البيئة، الفقر، التوتر، النوم، الحركة، التلوث، التدخين، الإفراط الغذائي، ونمط الحياة كله.
سابعًا: الدجاج الأبيض والتعديل الجيني: بين الخوف الشعبي والحقيقة العلمية
من أقوى عناصر خطاب العوضي نقد الدجاج الأبيض والغذاء الحديث. وهذا النقد يجد قبولًا سريعًا لأن الناس يرون بأعينهم سرعة نمو الدجاج التجاري، وتغير طعم كثير من الأغذية، وكثرة الحديث عن الهرمونات والأعلاف المصنعة والتلاعب الجيني.
لكن لا بد من التفريق بين أمور مختلفة.
الدجاج التجاري الحديث تطور بدرجة كبيرة عبر الانتخاب الوراثي وبرامج التربية لتحسين سرعة النمو، وكفاءة تحويل العلف، وإنتاج اللحم والبيض. منظمة الأغذية والزراعة تشير إلى أن الارتفاع الكبير في إنتاج لحوم الدواجن والبيض في العقود الأخيرة يعود بدرجة كبيرة إلى الانتخاب الجيني في سلالات التربية التجارية.
لكن هذا لا يعني تلقائيًا أن كل دجاج أبيض «معدل جينيًا» بالمعنى الهندسي المباشر، ولا يعني أنه خبيث أو محرم. هناك فرق بين الانتخاب الوراثي، والتحسين السلالي، والتعديل الجيني المباشر، والغش الغذائي، وسوء التربية، والتلوث بالأدوية أو الأعلاف الفاسدة.
الخلط بين هذه المستويات هو الذي يصنع الذعر.
أما الأغذية المعدلة جينيًا، فالموقف العلمي المنضبط لا يقول إنها كلها آمنة بإطلاق، ولا إنها كلها خطرة بإطلاق. منظمة الصحة العالمية تذكر أن الأغذية المعدلة جينيًا الموجودة في الأسواق الدولية خضعت لتقييمات سلامة، وأنه لا يصح الحكم عليها كلها بحكم واحد، بل ينبغي تقييم كل منتج حالةً بحالة.
إذن الموقف العاقل هو:
لا رفض أعمى للعلم.
ولا تسليم أعمى للسوق.
ولا تحويل كل حديث إلى خبيث.
ولا اعتبار كل مرخّص آمنًا بلا رقابة مستقلة.
ثامنًا: الانفجار السكاني ومحدودية الموارد: هل التعديل الجيني ضرورة؟
لا يمكن تجاهل حقيقة أن العالم يواجه تحديات غذائية كبرى: ازدياد السكان، تغيّر المناخ، نقص المياه، تدهور التربة، الأمراض النباتية والحيوانية، وتفاوت توزيع الغذاء. ولذلك ظهرت محاولات علمية لزيادة الإنتاج وتحسين البذور والسلالات وتقليل الهدر.
من هذه الزاوية، لا يصح تصوير كل تدخل علمي في النبات والحيوان بوصفه خروجًا من الفطرة أو دخولًا في الخبائث. فالإنسان منذ القدم يزرع، وينتخب، ويطعّم، ويحسن السلالات، ويبحث عن مقاومة الجفاف والمرض.
لكن الضرورة الغذائية لا تمنح الشركات شيكًا على بياض. فالمطلوب هو:
الدراسة العلمية المستقلة.
الشفافية.
حق المستهلك في المعرفة.
وسم المنتجات.
منع الاحتكار.
مراقبة الأثر البيئي والصحي.
عدم جعل الفقراء حقول تجارب غذائية.
الميزان القرآني هنا لا يقول: كل جديد خبيث. ولا يقول: كل ما تنتجه السوق طيب. بل يقول: الطيب ما ثبت نفعه وسلم من الخبث والفساد والظلم والغش والضرر، والخبيث ما ثبت خبثه أو ضرره أو فساده.
وهنا يمكن تلخيص القاعدة:
ليس كل طبيعي آمنًا. وليس كل صناعي فاسدًا. وليس كل معدل جينيًا خبيثًا. وليس كل ما تبيعه السوق صالحًا لمجرد أنه مرخّص.
تاسعًا: الصوم والسرطان: بين المقصد القرآني والادعاء العلاجي
من أكثر أطروحات خطاب العوضي إثارة قوله أو إيحاؤه بأن الصوم، أو الامتناع عن البروتين، يمكن أن يحاصر السرطان لأن الخلايا السرطانية تتغذى على البروتين أو على مصادر معينة للطاقة.
هنا يجب أن نميز بين ثلاثة مستويات.
المستوى الأول: الصوم في القرآن عبادة ومقصدها التقوى:
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]
المستوى الثاني: الصوم قد يكون له آثار صحية نافعة في بعض الحالات إذا تم بضوابط، مثل تحسين حساسية الإنسولين، تقليل الإفراط، ضبط الشهية، وتنظيم نمط الحياة.
المستوى الثالث: تحويل الصوم إلى علاج للسرطان دعوى خطيرة لا تكفي فيها الخطابة.
هناك أبحاث تدرس الصوم أو تقييد السعرات وعلاقته بالعلاج السرطاني، وبعض المراجعات العلمية تتحدث عن أدلة ناشئة واحتمالات واعدة، لكنها تؤكد أن المجال لا يزال يحتاج إلى ضبط وتجارب أوسع، ولا تجعل الصوم علاجًا مستقلًا للسرطان.
أما منع البروتين عن مريض السرطان بلا إشراف، فقد يكون خطرًا. فكثير من مرضى السرطان يعانون الهزال، وفقدان العضلات، وضعف الشهية، ونقص المناعة. والبروتين ليس عدوًا مطلقًا؛ إنه ضروري لإصلاح الأنسجة ودعم المناعة والحفاظ على الكتلة العضلية. قد توجد أبحاث حول تقييد أنواع معينة من الأحماض الأمينية أو البروتين في نماذج محددة، لكن تحويل ذلك إلى وصفة عامة للناس خطأ طبي.
إذن: الصوم باب مهم للتقوى والانضباط، وقد يكون له مجال بحثي مساعد في الطب. لكنه ليس بديلًا عن التشخيص والعلاج، وليس تصريحًا بترك الطب أو حرمان المريض من الغذاء الذي يحتاجه.
عاشرًا: القنب والحشيش بين السمية والدواء والأسطورة
أثيرت، بحسب بعض المواقع والمنشورات، روايات عن وجود آثار مادة مخدرة في تقرير سموم منسوب إلى وفاة العوضي. وهذه المسألة، إن لم تصدر في تقرير رسمي منشور وواضح، لا يجوز بناء حكم عليها. وحتى لو وُجدت آثار لمادة ما، فهذا لا يثبت وحده القتل، ولا يثبت أنها سبب الوفاة، ولا يثبت أنها استُعملت بقصد التداوي أو التجريب.
لكن يمكن مناقشة القنب الهندي من زاوية علمية عامة، لأن الموضوع يرتبط أيضًا بالخطاب الشعبي حول السرطان والألم.
ينبغي أولًا التفريق بين:
القنب كنبات خام يُدخن.
ومركبات القنب المدروسة مثل THC وCBD.
والأدوية أو المستحضرات الطبية المضبوطة الجرعة.
المعهد القومي الأمريكي للسرطان يذكر أن القنب ومركباته دُرست أساسًا في سياق التعامل مع أعراض مرتبطة بالسرطان أو بعلاجه، مثل الألم، والغثيان، وفقدان الشهية، لا بوصفها علاجًا مثبتًا يقضي على السرطان. كما تذكر مراكز مكافحة الأمراض الأمريكية بوضوح أن الدراسات لم تُظهر أن القنب أو القنّبينات تشفي السرطان، وإن كانت بعض المركبات قد تساعد في تخفيف آثار جانبية لبعض العلاجات.
أما تدخين القنب فليس خاليًا من الخطر. فالاستنشاق العميق، وتكرار التدخين، والخلط بالتبغ، ونوعية المادة، والتلوث المحتمل، كلها عوامل تجعل الحديث عن «سيجارة حشيش أقل سمية من سيجارة تبغ» تبسيطًا غير كاف للحكم الصحي.
أما الروايات الدينية أو الشعبية المنسوبة إلى استعمال القنب في سياقات قديمة، أو إلى عيسى عليه السلام، فينبغي التعامل معها بحذر بالغ. ما لم يثبت النص في مصادر معتبرة، فلا يصح جعله دليلًا دينيًا أو طبيًا. تاريخ النباتات الطبية مليء بالروايات والأساطير، وليس كل ما تداوله الناس صار حجة.
الخلاصة هنا: القنب مجال بحث طبي محدود في بعض الأعراض، لا ذريعة للترويج للتدخين، ولا دليلًا على علاج السرطان.
حادي عشر: الطيبات والخبائث في القرآن ليست قائمة طعام خاصة
أخطر ما في بعض الخطابات الغذائية أنها تحوّل مفهوم «الطيبات» و«الخبائث» إلى قائمة شخصية. فيصبح ما استحسنه صاحب النظرية طيبًا، وما كرهه أو شكّ فيه خبيثًا.
لكن القرآن لا يترك هذا الباب للفوضى.
الطيب في القرآن ليس مجرد «الطبيعي القديم»، والخبيث ليس مجرد «الحديث الصناعي». الطيب ما كان نافعًا، طاهرًا، غير مفسد، غير قائم على الغش والظلم والضرر. والخبيث ما ثبت خبثه بنص أو ضرر أو فساد أو اعتداء على الفطرة والحق.
ولذلك لا يجوز أن نقول:
كل دجاج أبيض خبيث.
كل لبن خبيث.
كل بيض خبيث.
كل بقول خبيثة.
كل غذاء معدل خبيث.
كما لا يجوز في المقابل أن نقول:
كل ما رخّصت به السوق طيب.
كل ما تنتجه الشركات آمن.
كل ما وافقت عليه الجهات التجارية صالح.
كل جديد بريء.
القرآن يعطي ميزانًا لا ذعرًا. والعلم يعطي أدوات فحص لا قداسة للشركات. والصحة تحتاج إلى عقل، لا إلى تخويف جماعي.
ثاني عشر: بين القرآن والعلم والسوق: أين نقف؟
الموقف المتوازن من خطاب العوضي يمكن تلخيصه في ثلاث جمل:
لقد أصاب حين ذكّر الناس بأن الغذاء ليس بريئًا دائمًا، وأن السوق تحتاج إلى رقابة، وأن الإفراط مفسد، وأن الصوم والانضباط والطعام البسيط أقرب إلى الصحة.
وأخطأ حين جعل بعض التأويلات القرآنية أساسًا لمنع عام لأطعمة لم يحرمها القرآن، وحين حوّل فرضيات غذائية وطبية إلى خطاب يقيني واسع، وحين أوحى بأن قائمة معينة هي «الطيبات» وما عداها مظنون الخبث.
أما القرآن، فلا يقف مع السوق ضد الإنسان، ولا مع الخوف ضد العلم. إنه ينهى عن تحريم الطيبات، وينهى عن أكل الخبائث، ويدعو إلى الاعتدال، ويحمّل الإنسان مسؤولية ألا يفسد في الأرض، ولا يبيع للناس الضرر باسم المنفعة.
خاتمة: لا تقديس للطبيب، ولا تسليم للسوق
قضية العوضي ليست مجرد قضية شخص. إنها مرآة لأزمة أوسع في العالم العربي: أزمة ثقة في الطب، في السوق، في الدولة، في الغذاء، في الإعلام، وفي المؤسسات. لذلك يبحث الناس عن صوت يقول لهم إن الخلاص قريب، وإن المرض له سبب واضح، وإن القرآن يحتوي مفتاح الصحة كلها.
لكن القرآن لا يُقرأ بهذه السطحية. والعلم لا يُبنى بهذه الثقة السريعة. والناس لا يجوز أن يتحولوا إلى جمهور خائف يتنقل بين لوبيات السوق ولوبيات الخطاب المضاد للسوق.
الميزان الصحيح هو:
لا نحرم ما لم يحرمه الله.
لا نأكل ما ثبت ضرره وخبثه.
لا نثق في السوق بلا رقابة.
لا نرفض العلم بلا بينة.
لا نجعل المرضى حقول تجارب.
لا نحول النص القرآني إلى أداة لتسويق نظرية غذائية.
إن القرآن حين يقول:
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ… وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32]
فهو لا يدعو إلى الاستهلاك الأعمى، بل يمنع اختراع التحريم باسم الله.
وحين يقول:
﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157]
فهو لا يفتح الباب لكل أحد ليضع تعريفه الخاص للطيب والخبيث، بل يضع معيارًا يحتاج إلى نص، وعقل، وعلم، وأمانة.
لذلك، فالقضية ليست أن نختار بين العوضي والسوق. القضية أن نعود إلى الميزان:
قرآن لا يحرّم بلا سلطان،
وعلم لا يدّعي بلا دليل،
وسوق لا تُترك بلا رقابة،
وإنسان لا يُدفع إلى الخوف باسم الطيبات.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق