مالي على حافة الانفجار: الإرهاب الوظيفي وحرب النفوذ في الساحل

 


حين تتحول دولة في قلب الساحل

 إلى ساحة مفتوحة لحرب النفوذ والتمرد والإرهاب الوظيفي

لم تعد مالي اليوم مجرد اسم في نشرات الأخبار، ولا مجرد بقعة بعيدة في جغرافيا الساحل الإفريقي. لقد أصبحت مرآة مكسورة تعكس أزمات المنطقة كلها دفعة واحدة: هشاشة الدولة، وتوظيف الإرهاب، وصراع الممرات، وتنافس القوى الكبرى، وعودة الحروب بالوكالة بأقنعة جديدة. ما يجري هناك ليس حادثًا أمنيًا عابرًا، ولا مجرد تمرد محلي محدود، بل لحظة انفجار كاشفة، سقطت فيها الأقنعة، وظهرت تحت الغبار حقيقة أكثر قسوة: الساحل لم يعد هامشًا منسيًا، بل صار عقدة جيوسياسية تتقاطع فيها روسيا والغرب، الجزائر والمغرب، الجهاد والانفصال، الذهب والممرات، الدولة والفوضى. الهجمات الأخيرة في مالي، التي نُسبت إلى تنسيق بين جماعات مرتبطة بالقاعدة وفصائل طوارقية مسلحة، أعادت خلط الأوراق في البلد والمنطقة كلها، ووضعت باماكو وحلفاءها الروس أمام اختبار بالغ الخطورة.../...

بين حرية العبادة والمزايدة السياسوية بالدين

 

كيف نقرأ حادثة مراكش في ميزان الإسلام والمواطنة؟

تمهيد

أثارت واقعة صلاة زوار يهود عند سور باب دكالة بمراكش موجةً واسعة من الجدل، وتحوّل مشهد عابر في الفضاء العام إلى مادة خصبة للانفعال، وللشعارات، والتظاهرات، وللمزايدة السياسية المتدثرة بالدين. بعض الأصوات قرأته بوصفه “اختراقًا صهيونيًا”، وبعضها قدّمه كأنه إهانةٌ للإسلام أو اعتداء على هوية المغرب، مع أن أصل المسألة، في جوهرها، يتصل بسؤال أعمق بكثير: 

- كيف نفهم التعايش الديني في بلدٍ كالمغرب؟ وأين ينتهي الحق في العبادة، وأين تبدأ المزايدة الطائفية؟ 

الذي ثبت في التغطية الصحفية المتداولة أن الواقعة ارتبطت بصلاة ليهود قرب باب دكالة، ثم أعقبتها احتجاجات رفعت شعارات مناهضة للتطبيع وربطت الحدث بغزة وبالاختراق الصهيوني. لكن تحويل كل حضور يهودي في المغرب إلى “معركة هوية” ليس دليل غيرة على الدين، بقدر ما هو علامة على خلل أعمق في فهم الدين، وفي فهم الدولة، وفي فهم المواطنة نفسها.../...

من تأليه العقل إلى تأليه الدولة...

 


كيف ينتقل الإنسان من نقد الوحي إلى صناعة طاغوت جديد؟


تمهيد

ليست المشكلة الكبرى في تاريخ الفكر الحديث أنه أعاد للعقل مكانته، بل أنه – في بعض مساراته – لم يكتفِ بذلك، بل رفع العقل من مقام الأداة إلى مقام المرجع الأعلى، ثم من مقام المرجع الأعلى إلى مقام السيد الذي يحق له أن يعيد تعريف الله، والدين، والإنسان، والحرية، والخير، والشر، والغاية، والمعنى. وعند هذه النقطة لم يعد العقل نورًا يهدي إلى حسن الفهم، بل صار سلطة تؤسس العالم من جديد على صورتها، وتطلب من الوجود كله أن يخضع لمعيارها المحدود.

وهنا تبدأ المأساة الحقيقية. لأن العقل حين يتجاوز حدَّه لا يظل عقلًا بالمعنى النبيل للكلمة، بل يتحول إلى ما يشبه الدين البديل: له مقدماته المؤسسة، وله مسلّماته التي لا يُسمح بالاقتراب منها، وله منطقه الذي يحدد ما يجوز قبوله وما ينبغي رفضه، وله أخلاقه، وله تفسيره الخاص للإنسان والعالم والمصير. ثم لا يلبث هذا العقل المتأله أن يثمر سياسيًا، فتظهر الدولة الحديثة – في بعض صورها – بوصفها الوريث الأرضي لهذا المقام الذي كان للوحي: فهي التي تحدد الخير العام، وهي التي تعرّف المصلحة العليا، وهي التي تمنح الحقوق أو تقيّدها، وهي التي تفرض على الإنسان ما ينبغي أن يراه، وأن يقوله، بل أحيانًا ما ينبغي أن يخافه ويطمئن إليه.../...

دين العصر الجديد: أو سوقُ الروحانيات وسرابُ الخلاص

 


﴿هُوَ ٱلَّذِي أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ 

[الفتح: 4].

 

حين نتحدث عن دين العصر الجديد، فإننا لا نقصد دينًا مؤسسًا على كتاب واحد، ولا ملةً ذات عقيدة منضبطة وشعائر محددة، بل نقصد ذلك الخليط الواسع من المعتقدات والممارسات والتصورات التي تعد الإنسان بالخلاص عبر “الطاقة”، و“الوعي الكوني”، و“الاهتزازات”، و“الشفاء الروحي”، و“الاستنارة الداخلية”، و“الاتحاد بالكون من خلال الذبذبات”. إنه تدينٌ سائل، انتقائي، هجين، يلتقط عناصره من القبالة، التصوف الشرقي، والباطنية القديمة، والغنوصية، والعلاج بالطاقة، والتنمية الذاتية، ثم يعيد تقديمها في لغة حديثة ناعمة، فردانية، ومغرية.

وأما الصنم الكوني فليس حجرًا يُنصب في معبد، بل فكرةٌ كبرى تُرفع إلى مقام المطلق: كونٌ مؤلَّه، أو طاقةٌ غامضة تُنسب إليها القدرة على الهداية والشفاء والمنح والمنع، أو ذاتٌ بشرية تُدرَّب على أن ترى في نفسها مركز النور ومصدر الخلاص. 

وأما روحانيات السوق فهي تلك النسخة الاستهلاكية من التدين، حيث يتحول القلق إلى فرصة تجارية، والبحث عن المعنى إلى خدمة مدفوعة الأجر، والسلام الداخلي إلى منتج قابل للتسويق.../ ...

الحرب على إيران في ميزان القرآن

 



أخلاق الحرب في القرآن وحدود الشرعية القتالية

قراءة مقارنة بين الميزان القرآني والمعيار الإنساني والمصلحة السياسية


مقدمة

من أكثر ما يوقع النقاشات السياسية المعاصرة في الاضطراب أن الناس كثيرًا ما يدخلون إلى الحرب من باب الاصطفاف قبل باب الميزان. فيصبح السؤال: 

  • من نؤيد؟ 

قبل أن يصبح: 

  • بأي معيار نحكم؟ 

وهنا تضيع الفروق بين الحرب الدفاعية والحرب التوسعية، وبين رد العدوان والعقاب الجماعي، وبين الضرورة المنضبطة ومنطق الهيمنة.

وتزداد هذه الحاجة إلحاحًا حين يتعلق الأمر بالحرب الجارية على إيران، في ظل تصعيد أمريكي إسرائيلي واسع، وضربات متبادلة، واستهداف منشآت حساسة وبنى تحتية، مع حديث متواصل عن وقف إطلاق نار لم يستقر بعد، وتحذيرات من اتساع الخطر الإقليمي والاقتصادي. وتشير تقارير حديثة إلى أن القتال ما يزال مفتوحًا على احتمالات تصعيد إضافي، مع مبادرات لوقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز، من دون حسم نهائي حتى الآن.../...

من هرمز إلى سبتة ومليلية: كيف انقلبت خريطة القوة لصالح المغرب؟

 

لم تعد المسألة، في غرب المتوسط، مجرد خلافات حدودية قديمة بين المغرب وإسبانيا، ولا مجرد توتر عابر في البحر الأحمر أو الخليج. ما يجري اليوم أوسع من ذلك بكثير: تصدع في البنية الغربية نفسها، وانكشاف في موقع أوروبا داخل النظام الأطلسي، وارتقاء تدريجي للمغرب من موقع “الجار الجنوبي المزعج” إلى موقع الفاعل الجيوسياسي الذي بدأت الصحافة الإسبانية تتحدث عنه بقلق لا تخطئه العين. ويكفي أن نقرأ ما كتبته صحيفة "لا راسون" (La Razón) الإسبانية عن مزاج ترامب تجاه مدريد، وعن إمكان نقل الثقل العسكري الأمريكي من إسبانيا إلى المغرب، وعن الأصوات الأمريكية التي بدأت تتكلم علنًا عن سبتة ومليلية بوصفهما ملفًا غير مغلق، حتى ندرك أن إسبانيا لم تعد تخاف فقط من المغرب، بل من تبدل قواعد اللعبة التي كانت تحتمي بها .../...