هل يتحول المغرب إلى “تايوان إفريقيا”؟

 


كيف تُعاد هندسة موقع المغرب داخل سلسلة توريد الرقائق عالمياً (2024–2029)


تمهيد

لم يعد الحديث عن “الرقائق” الإلكترونية مجرد سباق تكنولوجي فائق الدقة؛ لقد صار لغة جيوسياسية جديدة: من يملك مفاتيح سلسلة التوريد يملك جزءاً من قرار الصناعة والطاقة، بل والقرار السيادي نفسه. وفي قلب هذا التحول، حيث تسعى واشنطن وأوروبا إلى تقليص الاعتماد على الصين في المدخلات الحساسة، يبرز المغرب كحالة صاعدة تراهن على الجغرافيا، اتفاقيات التجارة، الطاقة المتجددة، وبنية صناعية تتشكل تدريجياً وبقوة.


- لكن هل يصبح المغرب “تايوان إفريقيا” فعلاً؟.../...


الإجابة الدقيقة: المغرب لا ينسخ نموذج تايوان (التصنيع فائق الدقة للنودز المتقدمة)، بل يبني نموذجاً مختلفاً أقرب إلى:


منصة قريبة ومرنة لأوروبا وأمريكا داخل أجزاء محددة من السلسلة: مواد أولية/مكوّنات/تجميع- اختبار، مع قابلية ترقية تدريجية.


ولفهم الصورة كما ينبغي، لا بد من قراءة الخريطة الصناعية كثلاثة أقطاب متكاملة:


الجنوب: تأمين مادة استراتيجية (ما قبل الشريحة).


الشمال: توطين مواد/مكوّنات تدخل في سلاسل إلكترونيات دقيقة.


الوسط: منظومة التجميع والاختبار والخدمات الهندسية (حيث يتراكم الـ know-how).



1) القطب الجنوبي: طانطان و”معركة المواد” قبل معركة الشرائح

مشروع البوليسيليكون: التموضع داخل نقطة حساسة من السلسلة:

اللافت هنا هو مسار مشروع إنتاج البوليسيليكون، أحد المدخلات الأساسية للصناعات المرتبطة بالإلكترونيات والطاقة الشمسية. تغطيات صحفية نقلت عن وكالة بلومبرغ ومصادر مرتبطة بالتمويل أن المشروع تقوده شركة Sondiale SA، مع دعم من مؤسسة التمويل الأمريكية للتنمية DFC ضمن مسار تمويلي تدريجي، يبدأ بتمويل تحضيري ويُفتح على تمويل أكبر لاحقاً.  


الأرقام المتداولة في تلك التغطيات تشير إلى:

تمويل/دعم تحضيري أولي (حوالي 4.75 مليون دولار) ضمن مرحلة الإعداد.  

تمويل لاحق قد يصل إلى 550 مليون دولار.  

كلفة إجمالية متداولة للمصنع تقارب 800–870 مليون دولار (بحسب ما نُقل في الصحافة).  

هدف إنتاجي مُعلن/متداول: 30 ألف طن سنوياً ضمن أفق تشغيلي يُشار إليه حتى 2029.  


الدلالة الأهم: نحن أمام منطق جديد:

“قبل أن تدخل سباق تصنيع الشرائح… ثبّت موقعك في مدخلاتها الاستراتيجية”.

بمعنى آخر: المغرب يحاول وضع قدمه داخل جزء حساس من سلاسل توريد التكنولوجيا الخضراء والرقمية، في لحظة عالمية تُعاد فيها كتابة خرائط “الأمن الصناعي”.



2) القطب الشمالي: الناظور غرب المتوسط… بوابة “المكوّنات” نحو أوروبا

- لماذا الشمال مهم حتى لو لم نصنع الشرائح المتقدمة؟

في الشمال، تظهر مؤشرات على توجه لاستقطاب صناعة مكوّنات/مواد وسيطة تخدم سلاسل أوروبية وأمريكية. هذا المستوى ليس “القمة” في قيمة الرقائق، لكنه طبقة حاسمة: من يملك طبقة المواد والمكوّنات يملك جزءاً من القدرة التفاوضية داخل السلسلة.


ملاحظة مهمة: بعض التفاصيل المتداولة إعلامياً حول مشاريع بعينها (الاسم التجاري الدقيق، طبيعة المنتج النهائي، العملاء) تختلف من مصدر لآخر؛ لذلك نفضل أن نثبت فقط ما لدينا له إسناد واضح، وأن نترك التفاصيل الدقيقة كـ “مؤشرات واتجاهات” إلى أن تتوفر وثائق رسمية (بلاغ شركة/بيان منطقة صناعية/عقد منشور).



3) القطب المركزي: الدار البيضاء/النواصر/بوسكورة… تراكم “التجميع والاختبار”

هنا تُصنع القيمة التي لا تُرى: الخبرة، الجودة، وزمن التسليم

إذا كان الجنوب يمثل “تأمين مادة”، والشمال يمثل “جذب مكوّنات”، فإن الوسط يمثل الجزء الذي يعطي الصناعة معناها الحقيقي:


التجميع (Assembly) والاختبار (Testing) والتشطيب (Finishing): أي الحلقات التي تُحوّل المكوّن إلى منتج مطابق لمواصفات السوق.


في هذا السياق، وجود STMicroelectronics في بوسكورة مؤكد في وثائق الشركة/الاعتماد، حيث يرد نطاق الموقع بشكل صريح:


Assembly, Testing and Finishing of semiconductor 

"electronic devices” 


هذه النقطة بالذات تُترجم إلى:


تراكم مهارات هندسية وإجرائية (process discipline).


ثقافة جودة ومعايير (quality culture).


منظومة موردين وخدمات مساندة.


ميزة زمن التسليم (time-to-market) بحكم القرب الجغرافي من أوروبا.


ملاحظة  ضرورية:

كل ما يُتداول شعبياً عن “خطوط مخصصة لتسيلا” أو تواريخ دخول شركات بعينها… لا بمكن اعتباره حقيقة نهائية في غياب مصدر مباشر يؤكد ذلك.


4) لماذا الآن؟ المنطق الجيوسياسي وراء “قفزة المغرب”

المغرب كـ “منطقة وسط” بين واشنطن وبكين وبروكسيل

بعد أزمات سلاسل التوريد، صارت الشركات تبحث عن تقليل المخاطر لا فقط تقليل التكاليف. ومعايير الاختيار أصبحت أوضح:


1. استقرار سياسي نسبي


2. قرب من الأسواق


3. اتفاقيات تجارية


4. طاقة تنافسية (والأهم: قابلة لأن تكون خضراء)


5. قابلية توسّع صناعي تدريجي


هنا يظهر المغرب كمرشح منطقي، لأنهعلى الأقل حتى الآن، يمتلك قدرة على لعب دور “منصة تصنيع قريبة” للأسواق الغربية، مع هامش جذب استثمارات متعددة المصدر.



5) نقاط القوة التنافسية: - لماذا قد ينجح هذا النموذج؟

ثلاث أوراق رابحة… إذا أُحسن استخدامها


أ) القرب اللوجستي = ميزة زمنية قاتلة

القرب من أوروبا يعني زمن تسليم أقصر ومخزون أقل ومخاطر شحن أقل.


ب) الطاقة المتجددة = ورقة التفاوض القادمة

سلاسل التوريد أصبحت تُسعّر الكربون بشكل مباشر أو غير مباشر. وكلما زادت متطلبات أوروبا الخضراء، ارتفعت قيمة من يستطيع أن يقول: "نُنتج بطاقة نظيفة”.


ج) هندسة بتكلفة تنافسية + قابلية تدريب

الرافعة ليست “يد عاملة رخيصة”، بل هندسة بجودة عالمية بتكلفة أقل، وهذا يخلق عنقوداً صناعياً: صيانة، معايرة، لوجستيك صناعي، مختبرات جودة… إلخ.



6) القيد الحاسم: الماء فائق النقاء

من يحل معادلة الماء يربح التوسع

صناعة الإلكترونيات الدقيقة، خصوصاً في حلقاتها الحساسة، تستهلك كميات كبيرة من المياه فائقة النقاء. والمغرب يواجه ندرة مائية هي القيد الأكبر على أي توسّع صناعي كثيف الاستهلاك للماء.


لذلك، أي انتقال إلى مستوى أعلى في هذه الصناعة سيظل مشروطاً بـ:

تحلية مياه البحر

إعادة تدوير المياه الصناعية

بنية تحتية تضمن “استمرارية الماء” كما تضمن استمرارية الكهرباء


هذه ليست ملاحظة هامشية: إنها شرط توسّع.


7) المغرب vs تايوان: التشابه والاختلاف بلا تهويل

تايوان تتفوق عالمياً في:


التصنيع المتقدم جداً (nodes فائقة الدقة)


ملكية المعرفة وعمق المنظومة التقنية


المغرب يتحرك نحو:


المدخلات والمواد والمكوّنات


التجميع/الاختبار/الخدمات الصناعية


التصنيع القريب للأسواق في قطاعات معينة


إذن المغرب ليس “تايوان نسخة طبق الأصل”، بل يبني نسخة وظيفية مختلفة:


“مزود قريب + أخضر + مرن” لجزء متنامٍ من سلسلة القيمة.



8) جدول زمني مبسط (وفق ما هو متداول في المصادر)

حتى عام 2029: يُشار إلى هذا الأفق بوصفه نطاق اكتمال/تشغيل مستهدف لمشروع البوليسيليكون (بحسب التغطيات الصحفية المتداولة).  



9) الخلاصة: ماذا يعني هذا للمغرب؟

إذا نجحت الأقطاب الثلاثة في التكامل (أمريكا، أوروبا، الصين)، فالمغرب لا يربح “مصانع” فقط، بل يربح:


1. نقطة نفوذ داخل سلاسل توريد حساسة


2. وظائف هندسية وتقنية أعلى قيمة


3. ترقية تدريجية للمنظومة الصناعية الوطنية


4. موقع تفاوضي أفضل مع أوروبا وأمريكا والصين


وبعبارة واحدة:

المغرب لا يبني “تايوان إفريقيا” حرفياً… بل يبني حصانة اقتصادية في زمن صار فيه الاقتصاد امتداداً مباشراً للأمن القومي.

--------------------

مراجع المقال:

1. Sondiale / DFC / Bloomberg عبر Ecofin + Yabiladi
2. STMicroelectronics Morocco (Assembly/Testing/Finishing + SiC line)  eeNews Europe
3. OEC — Morocco / Semiconductor devices
4. Reuters (التحول الرقمي/2030) — كمؤشر سياق لا كأرقام حاسمة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق