(سبتة ومليلية جرحٌ جغرافي مفتوح في خاصرة السيادة المغربية، لا تلغيه خرائط القوة ولا يطويه صمت التاريخ.)
تمهيد: الثغرين المحتلين يمثلان اليوم ثمن الأمن الذي لا تريد إسبانيا دفعه.
ليست سبتة ومليلية مجرد مدينتين صغيرتين على الساحل الشمالي للمغرب. وليستا، في العمق، مجرد ملف حدودي قديم بين الرباط ومدريد. إنهما عقدة تاريخية وقانونية وسياسية وأمنية في قلب العلاقة بين المغرب وإسبانيا، بل في قلب العلاقة بين المغرب وأوروبا كلها.
تريد إسبانيا أن تتعامل معهما كأنهما ملف مغلق، خارج النقاش، وخارج التاريخ، وخارج منطق تصفية بقايا الحضور الأوروبي في إفريقيا. وتريد أوروبا، في الوقت نفسه، من المغرب أن يظل شريكًا أمنيًا موثوقًا، وحارسًا للبوابة الجنوبية للقارة، وسدًا أمام الهجرة غير النظامية، والجريمة المنظمة، والمخدرات، والتهديدات الجهادية القادمة من الساحل والصحراء.../...
وهنا يظهر السؤال المركزي:
إلى متى يمكن أن يُطلب من المغرب أن يحرس حدود أوروبا الجنوبية، بينما تواصل إسبانيا التعامل مع سبتة ومليلية كأنهما ملف مغلق غير قابل للنقاش؟
هذا السؤال لا يعني أن المغرب يهدد أوروبا، ولا يعني أنه يدعو إلى الفوضى، ولا يعني أنه يريد قطع التعاون الأمني مع جيرانه. لكنه يعني شيئًا أكثر بساطة وعمقًا: التعاون الأمني ليس عملًا خيريًا، ولا وظيفة مجانية، ولا دورًا أبديًا يؤديه المغرب لحساب أوروبا دون ثمن سياسي أو احترام سيادي.
فإذا كان أمن أوروبا يبدأ من الضفة الجنوبية للمتوسط، فإن مصالح المغرب السيادية لا يمكن أن تبقى خارج الحساب.
سبتة ومليلية: بين القانون الجامد والمشروعية التاريخية
تستند إسبانيا في دفاعها عن سبتة ومليلية إلى منطق السيادة الفعلية والتاريخ الإداري الطويل. تقول إن المدينتين إسبانيتان منذ قرون، وإنهما جزء من الدولة الإسبانية، لا مستعمرتان بالمعنى الكلاسيكي. هذا هو الخطاب اللاعقلاني الذي تبرر به إسبانيا سيادتها الوهمية على الثغرين المحتلين.
لكن المغرب ينظر إلى المسألة من زاوية أخرى. فالمدينتان تقعان جغرافيًا في شمال إفريقيا، داخل المحيط الترابي المغربي، وتمثلان بقايا تمدد أوروبي قديم في الضفة الجنوبية للمتوسط. ومن الصعب، في منطق الشرعية القانونية والمشروعية التاريخية والسيادية، أن تتحول مدة السيطرة إلى حق نهائي، أو أن يصبح الوجود الاستعماري القديم شرعية أبدية لمجرد أنه طال.
قانونيًا، لم يتحول ملف سبتة ومليلية إلى مسار أممي ثابت مثل قضايا استعمارية أخرى. لكن هذا لا يعني أن المغرب لم يطرحه. فقد أشار الباحث جيمي ترينيداد، في دراسة قانونية منشورة في International and Comparative Law Quarterly، إلى أن المغرب طلب في 27 يناير 1975 من لجنة تصفية الاستعمار بالأمم المتحدة إدراج “الجيوب الاستعمارية” سبتة ومليلية والجزر الجعفرية ضمن النقاش، غير أن الملف لم يتحول لاحقًا إلى مسار أممي رسمي.
وهنا تظهر المفارقة: غياب ملف أممي دائم لا يلغي السؤال السياسي والأخلاقي. فليست كل القضايا العالقة تفقد مشروعيتها لأنها لم تجد طريقها المؤسساتي الكامل. أحيانًا تتجمد الملفات لا لأنها حُسمت، بل لأن ميزان القوة أو الظرف الجيوسياسي الدولي لم يسمح بفتحها.
الحسن الثاني ومنطق الحوار المؤجل
المغرب، تاريخيًا، لم يبدأ هذا الملف بمنطق الحرب. الملك الراحل الحسن الثاني تعامل مع سبتة ومليلية بمنطق طويل النفس. لم يحوّل القضية إلى مواجهة عسكرية مباشرة، ولم يدفع نحو صدام مفتوح مع مدريد، بل أبقى الملف حيًا عبر منطق الحوار.
في يوليوز 1987، نقلت El País عن الحسن الثاني قوله إن إسبانيا والمغرب توصلا إلى اتفاق على مواصلة النقاش حول سبتة ومليلية، مضيفًا أن إسبانيا كانت تواجه حينها مشاكل زعزعة الاستقرار بسبب الإرهاب والانفصال (منظمة الباسك)، وأن أفضل خدمة يمكن تقديمها للبلد الجار هي عدم مضايقته في تلك المرحلة الصعبة من تاريخه.
هذه العبارة مهمة جدًا؛ لأنها تكشف أن الرباط لم تكن تتعامل مع الملف بعقلية الاندفاع، بل بعقلية الدولة التي تعرف أن قضايا السيادة تحتاج أحيانًا إلى تراكم سياسي ونفَس طويل. لكن إسبانيا، بدل أن تلتقط فرصة الحوار، اختارت سياسة التجاهل والتحصين القانوني والإعلامي، ووهم التفوق العسكري بالمنطق الإستعماري، وكأن الزمن وحده كافٍ لدفن السؤال.
غير أن الأسئلة السيادية لا تموت بالتقادم. قد تنام، وقد تؤجل، لكنها تعود حين يتغير ميزان القوة.
المدينتان في المخيال الأمني الإسباني
من الخطأ أن نصدق أن سبتة ومليلية عند إسبانيا مجرد مدينتين عاديتين. فهما أيضًا، في المخيال الأمني والعسكري الإسباني، نقطتا حماية متقدمتان في شمال إفريقيا. وقد عبّر أحد الجنرالات الإسبان سنة 2004 لدبلوماسي مغربي عن هذا المعنى بوضوح حين قال إن سبتة ومليلية تمثلان نقطتي حماية لإسبانيا وأوروبا ضد أي محاولة لعودة تاريخية من الضفة الجنوبية، كما حدث زمن الأندلس.
هذه شهادة سمعتها شخصيا من الديبلوماسي حينها، وهي كاشفة. لأنها تبيّن أن المسألة ليست قانونًا فقط، بل ذاكرة أمنية وحضارية أيضًا. إسبانيا لا تنظر إلى المدينتين بوصفهما مجرد فضاء إداري، بل بوصفهما حدًا أمام الجنوب، وخط تماس مع إفريقيا، وربما حزامًا رمزيًا ضد ذاكرة الأندلس.
وهنا تصبح المفارقة أكبر: إسبانيا تحتفظ بجيبين في شمال المغرب بوصفهما جزءًا من أمنها وأمن أوروبا المتقدم، ثم تطلب من المغرب نفسه أن يحرس لها العمق الجنوبي، وأن يمنع عنها الهجرة، ويضبط التهريب، ويتعاون ضد الإرهاب، ويؤمن المتوسط الغربي.
بأي منطق يمكن لدولة أن تحتفظ بموطئ قدم داخل جغرافيا جارتها، ثم تطلب من هذه الجارة أن تكون حارسًا دائمًا لأمنها؟
غموض الحماية الأطلسية
تروّج مدريد سياسيًا لفكرة أن سبتة ومليلية جزء لا يتجزأ من أمن إسبانيا، وأن أي تهديد لهما يدخل ضمن حماية الحلفاء. لكن النقاش القانوني داخل حلف الناتو ليس بهذه البساطة. فالمادة السادسة من معاهدة واشنطن تضع حدودًا جغرافية لتطبيق المادة الخامسة الخاصة بالدفاع الجماعي، وقد أشار حلف الناتو نفسه إلى أن المادة السادسة تفرض قيودًا جغرافية على نطاق الالتزام الدفاعي، مرتبطة أساسًا بمنطقة شمال الأطلسي شمال مدار السرطان، ما بعني أن سبتة ومليلية ليستا مشمولتين بمعادة الدفاع المشترك.
وبسبب الموقع الإفريقي لسبتة ومليلية، ناقشت تحليلات إسبانية وأوروبية كثيرة غموض وضعهما داخل الحماية الأطلسية. صحيفة The Diplomat in Spain كتبت صراحة سنة 2022 أن تطبيق المادة الخامسة على سبتة ومليلية ملتبس، لأنهما تقعان في التراب الإفريقي، بخلاف جزر الكناري التي يشملها المنطق الجغرافي للحماية الذي ينطبق على الجزر ما وراء البحار، ما دامت جزر الكناري تقع في منطقة شمال الأطلسي (شمال مدار السرطان).
هذا الغموض لا يعني أن إسبانيا ستكون وحدها سياسيًا إذا حدث تصعيد، لكنه يعني أن مدريد لا تملك ضمانة قانونية أطلسية مضمونة كما تحاول أحيانًا الإيحاء. وهذا ما يجعل ورقة القوة العسكرية أقل وضوحًا، ويجعل ورقة الشرعية السياسية والسلمية أكثر حساسية.
ويجدر التنبيه بالمناسبة إلى أن الناتو يترك في النهاية تفعيل المادة الخامسة لقرار سياسي جماعي، وقد صرّح أمينه العام سنة 2022 بأن الحلف موجود لحماية جميع الحلفاء، لكن ذلك لا يلغي أن نص المادة السادسة هو أصل الغموض القانوني في حالة سبتة ومليلية.
مسيرة خضراء ثانية: الفكرة التي تُربك مدريد
في مارس 2026، أثار مايكل روبين، وهو باحث أمريكي ومسؤول سابق في البنتاغون، جدلًا واسعًا حين دعا المغرب إلى تنظيم “مسيرة خضراء” جديدة نحو سبتة ومليلية بمدنيين عزل، مستحضرًا تجربة 1975 في الصحراء. وقد نشرت El País تقريرًا عن هذه الدعوة، معتبرة أنها أثارت قلقًا وجدلًا داخل الأوساط السياسية والعسكرية والأمنية الإسبانية.
ليست أهمية هذه الدعوة في أنها قرار أمريكي رسمي؛ فهي ليست كذلك. أهميتها في أنها كسرت طابوًا إسبانيًا: لأول مرة، يصبح الحديث عن مسيرة مدنية سلمية نحو سبتة ومليلية مطروحًا في خطاب أمريكي مؤثر، لا في الإعلام المغربي وحده.
إسبانيا تستطيع التعامل مع دبابة. تستطيع أن تستنفر الجيش أمام خطر عسكري. لكنها ستجد نفسها في ورطة سياسية وأخلاقية إذا واجهت عشرات الآلاف من المدنيين العزل. هل تستعمل القوة؟ هل تغلق الحدود؟ هل تطلب دعمًا أوروبيًا ضد مسيرة سلمية؟ هل تعرض نفسها أمام العالم كدولة أوروبية تدافع عن آخر جيوبها في إفريقيا ضد مواطنين يرفعون مطلبًا تاريخيًا مشروعا؟
هنا لا تكون المعركة عسكرية، بل معركة صورة أخلاقية وشرعية قانونية.
المغرب كحارس للبوابة الجنوبية لأوروبا
غير أن السؤال لا يقف عند سبتة ومليلية وحدهما. فالمدينتان تقعان داخل منظومة أمنية أوسع. أوروبا تعرف أن أمنها الجنوبي لا يبدأ من مدريد ولا من بروكسل، بل من الرباط وطنجة والداخلة والعيون والناظور ومن الحدود البرية والبحرية التي يراقبها المغرب.
في سنة 2024، أعلنت وزارة الداخلية المغربية أن السلطات أحبطت 78,685 محاولة هجرة غير نظامية نحو أوروبا، بزيادة قدرها 4.6% عن السنة السابقة، كما أنقذت 18,645 مهاجرًا في البحر. وفي سنة 2025، أحبط المغرب 73,640 محاولة هجرة غير نظامية، وفكك أكثر من 300 شبكة تهريب، وأنقذ 13,595 شخصًا من أن يبتلعهم الحوت في البحر.
هذه الأرقام ليست تفصيلًا إداريًا. إنها تكشف أن المغرب يؤدي وظيفة أمنية ضخمة لحساب نفسه، نعم، ولكن أيضًا لحساب إسبانيا والاتحاد الأوروبي. فكل محاولة عبور يتم إحباطها في الجنوب، وكل شبكة تهريب يتم تفكيكها، وكل قارب يتم اعتراضه أو إنقاذه، يعني ضغطًا أقل على سبتة ومليلية وجزر الكناري والأندلس وبقية أوروبا.
وإذا كان المغرب يمنع عشرات الآلاف من محاولات العبور سنويًا، فهل يمكن لإسبانيا أن تتعامل معه كجار عادي لا ثمن سياسيًا لشراكته؟
الهجرة ليست الورقة الوحيدة
الخطأ الشائع في أوروبا أن تختزل دور المغرب في ملف الهجرة. لكن أمن الضفة الجنوبية لأوروبا أعقد بكثير. هناك المخدرات، والجريمة المنظمة، والكوكايين العابر للأطلسي والذي اتخذ في البحر مسار القنب الهندي، ناهيك عن شبكات الساحل وما تمثله من إرهاب جهادي يقتات على الدم والخراب والدموع، ثم هناك غسل الأموال، والتحالفات الإجرامية العابرة للحدود.
تاريخيًا، كان المغرب حاضرًا بقوة في مسارات راتنج القنب نحو أوروبا الغربية. تقرير أممي حول سوق القنب ذكر أن أوروبا الغربية كانت أكبر سوق عالمي لراتنج القنب، وأن شبكات التهريب المغربية ظلت لعقود مصدرًا رئيسيًا في هذه المسارات، قبل أن تتغير بعض الأنماط بفعل سياسات الحراسة والتحولات في السوق.
لكن الخطر الجديد ليس فقط في الحشيش. الخطر أن تتحول المسارات القديمة بين المغرب وإسبانيا وغرب المتوسط إلى قنوات عبور للكوكايين القادم من أمريكا الجنوبية عبر غرب إفريقيا والساحل. تقرير UNODC العالمي حول الكوكايين أشار إلى طرق الكوكايين عبر غرب وشمال إفريقيا، وإلى أهمية المنطقة في المسارات العابرة نحو أوروبا. كما حذر تقرير أممي آخر سنة 2023 من أن الساحل أصبح ممرًا متزايد الأهمية للمخدرات، خاصة الكوكايين، مع ارتفاع كبير في المضبوطات في مالي وتشاد وبوركينا فاسو والنيجر.
وهنا يصبح المغرب ليس فقط حارس حدود، بل قفلًا أمنيًا ضد تحوّل غرب المتوسط إلى منصة عبور بين اقتصاد المخدرات في أمريكا الجنوبية وشبكات الجريمة في أوروبا.
سبتة ومليلية كنقطتي تماس للجريمة المنظمة
ليست هذه المخاطر نظرية. في مارس 2026، كشفت الشرطة الإسبانية نفقًا معقدًا في سبتة استُعمل لتهريب الحشيش من المغرب إلى إسبانيا، مزودًا بنظام سكك ورافعات تحت الأرض. وصادرت السلطات 17 طنًا من الحشيش و1.4 مليون يورو، واعتقلت 27 مشتبهًا. وأشار تقرير رويترز إلى أن سبتة ومليلية تمثلان نقطتي دخول مهمتين للمخدرات إلى أوروبا بحكم موقعهما الجغرافي.
هذا المثال وحده يكفي لتوضيح أن سبتة ومليلية ليستا فقط ملف سيادة، بل ملف أمن يومي. المدينتان تقفان على تماس مباشر بين إفريقيا وأوروبا، بين الاقتصاد القانوني والاقتصاد الإجرامي، بين الحدود السياسية والحدود الواقعية لشبكات التهريب.
والسؤال هنا ليس اتهام المغرب، بل العكس: إذا كان المغرب جزءًا أساسيًا من ضبط هذه الشبكات، فكيف يمكن لإسبانيا أن تستفيد من هذا الضبط ثم ترفض في الوقت نفسه أي حوار سياسي جاد حول أصل العقدة؟
الإرهاب والساحل: الخطر العابر للحدود
النقطة الأخطر هي الإرهاب. إسبانيا تحمل في ذاكرتها جرح 11 مارس 2004، حين ضربت تفجيرات قطارات مدريد عمقها المدني وغيرت بذلك وجه الخريطة الساسية حينها. كما أن الخطاب الجهادي استعمل تاريخيًا رمز “الأندلس” في تهديد إسبانيا، وهو رمز لا يزال قابلًا للاستدعاء داخل خطاب القاعدة وداعش وأخواتهما.
اليوم لم يعد هذا الخطر رمزيًا فقط. فالساحل والصحراء الكبرى يشهدان نشاطًا متصاعدًا لفروع القاعدة وداعش. وموقع المغرب الجغرافي والاستخباراتي يجعله سدًا مهمًا بين الفوضى الساحلية والضفة الشمالية للمتوسط. وقد نقلت رويترز في فبراير 2025 أن المغرب أحبط هجمات خططت لها خلية موالية لتنظيم الدولة الإسلامية، مرتبطة بقيادات في الساحل/ليبيا، ما يوضح أن الخطر الجهادي في المنطقة ليس افتراضًا نظريًا.
في هذه الملفات، لا يكفي الجدار. لا تكفي الأسلاك. لا يكفي الحرس المدني. الأمن الحقيقي يحتاج إلى استخبارات، وتنسيق، وثقة، ومراقبة عابرة للحدود. وإذا تدهورت الثقة بين الرباط ومدريد، فإن الخطر لن يكون في “قرار مغربي بصناعة الفوضى”، بل في تراجع فعالية شبكة التعاون التي تمنع الفوضى أصلًا.
الجالية المغربية: العمق المدني الصامت
هناك أيضًا عامل الجالية. ملايين المغاربة وذوي الأصل المغربي يعيشون في أوروبا. هذه الجالية ليست تهديدًا، ولا ينبغي أن تُقدم كأداة فوضى. لكنها عمق مدني ورمزي وثقافي وسياسي لا يمكن تجاهله نظرا لارتباط المغاربة العضوي بوطنهم الأم.
إذا طُرح ملف سبتة ومليلية دوليًا بصيغة سلمية وحقوقية وتاريخية، فإن الجالية المغربية يمكن أن تتحول إلى قوة رأي عام: في الإعلام، والجامعات، والجمعيات، والانتخابات المحلية، والمنظمات الحقوقية. وهذا نوع من الضغط المشروع داخل الديمقراطيات الأوروبية.
القوة هنا ليست في الفوضى، بل في تحويل الملف من قضية ثنائية مغلقة بين الرباط ومدريد إلى سؤال أوروبي عام: لماذا تحتفظ دولة أوروبية بجيبين في إفريقيا، بينما تطالب الدولة الإفريقية المحيطة بهما بأن تكون حارسًا لحدود أوروبا؟
الأمن شراكة لا تبعية
الخلاصة الاستراتيجية واضحة: المغرب لا يحتاج إلى تهديد أوروبا بالفوضى. يكفي أن يذكّرها بأن جزءًا كبيرًا من النظام القائم في غرب المتوسط يقوم على تعاونه الطوعي.
الهجرة لا تضبط نفسها وحدها.
شبكات المخدرات لا تتراجع وحدها.
الكوكايين لا يغير مساراته وحده.
الإرهاب لا يتوقف عند الحدود لأن إسبانيا ترغب في ذلك.
وسبتة ومليلية لا تصبحان خارج التاريخ لأن مدريد قررت ذلك.
إذا كانت أوروبا تريد من المغرب أن يكون شريكًا في أمنها الجنوبي، وبوابة لاستثماراتها في إفريقيا، فعليها أن تعامله كشريك لا كحارس. والشريك لا يُطلب منه أن يحمي مصالح غيره بينما تُهمّش مصالحه العليا. والشراكة لا تقوم على أن تتحول الدولة الجنوبية إلى دركي للحدود، بينما يُطلب منها الصمت عن ملفاتها السيادية.
ليس المطلوب أن تدخل الرباط ومدريد في مواجهة. بل المطلوب أن تدرك إسبانيا أن الزمن تغير. المغرب لم يعد دولة هامشية في جنوب المتوسط. إنه قوة إقليمية صاعدة، ودولة ذات عمق إفريقي مهم، وشراكات أمريكية وإسرائيلية وخليجية وصينية وروسية وآسيوية هامة، ودور أمني كبير لا تستطيع أوروبا تجاهله، وموقع جغرافي جيوسياسي وجيواستراتيجي يجعل منه مفتاحًا لا يمكن تجاوزه في غرب المتوسط.
الخاتمة: ثمن الأمن هو الحوار
إذا كانت إسبانيا تريد أمنًا مستقرًا في سبتة ومليلية، وإذا كانت أوروبا تريد جنوبًا متوسطيًا مضبوطًا، فإن المدخل ليس تجاهل المغرب، ولا تحصين المدينتين بخطاب قانوني جامد، ولا التعامل مع الرباط كحارس حدود لا أكثر.
المدخل هو الاعتراف بأن هناك ملفًا تاريخيًا وسياديًا لم يُغلق: سبتة ومليلية.
قد لا يُحل الملف غدًا. وقد لا تكون الظروف مهيأة لتسوية قريبة. لكن الإصرار الإسباني على اعتباره ملفًا ميتًا هو في ذاته خطأ استراتيجي. فالملفات التي تجمع بين الجغرافيا والتاريخ والسيادة والذاكرة لا تموت. وإذا لم تُفتح بالحوار، فإنها تعود بأشكال أخرى: في الإعلام، في الدبلوماسية، في الشارع، في الأزمات الحدودية، في تقلبات الأمن، وفي تغير موازين القوة.
لذلك، فالسؤال الذي ينبغي أن تسمعه مدريد وبروكسل ليس تهديدًا، بل تنبيهًا:
إلى متى سيظل المغرب يلعب دور دركي الحدود الجنوبية لأوروبا، بينما ترفض إسبانيا أن تدفع الثمن السياسي الأدنى لهذا الأمن: فتح حوار جاد حول سبتة ومليلية؟
الأمن لا يكون مجانيًا إلى الأبد.
والشراكة لا تكون من طرف واحد.
ومن يريد من المغرب أن يحرس بوابة أوروبا، عليه أن يعترف بأن للمغرب بابًا تاريخيًا وسياديًا لم يُفتح بعد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق