هل يتحول الموقع المغربي إلى مركز ثقل استراتيجي بين أمريكا وإسرائيل وبريطانيا وفرنسا وكوريا الجنوبية؟
لم يعد تحديث الجيش المغربي مجرد مسألة تقنية تتعلق باقتناء أسلحة جديدة أو تحديث معدات قديمة، بل أصبح جزءًا من تحول أعمق في موقع المغرب داخل الخريطة العسكرية والاستراتيجية الغربية. فالمؤشرات المتراكمة خلال السنوات الأخيرة تكشف أن الرباط لم تعد تُعامل فقط بوصفها حليفًا مستقرًا في شمال إفريقيا، بل بوصفها منصة استراتيجية لإعادة توزيع الأدوار العسكرية واللوجستية والصناعية بين ضفتي المتوسط، والمحيط الأطلسي، والساحل الإفريقي.
هذا التحول لا يظهر في علاقة واحدة، ولا في صفقة واحدة، ولا في مناورة عسكرية واحدة، بل في تزامن عدة مسارات: خارطة طريق دفاعية مغربية أمريكية لعشر سنوات، تعاون تكنولوجي عسكري مع إسرائيل، شراكة استراتيجية متصاعدة مع بريطانيا، إعادة تأسيس للعلاقة مع فرنسا بعد أزمة طويلة، وانفتاح على كوريا الجنوبية في مجال الصناعات البحرية وبناء السفن. وإذا أضفنا إلى ذلك توتر العلاقة الأمريكية الإسبانية حول استعمال قواعد روتا ومورون، وبقاء مقر أفريكوم في ألمانيا بعيدًا عن القارة الإفريقية، فإن السؤال يصبح مشروعًا: هل يتحول المغرب إلى مركز ثقل عسكري غربي جديد جنوب المتوسط؟.../...
الجواب يحتاج إلى دقة. فليس هناك، إلى حد الآن، ما يثبت أن الولايات المتحدة قررت نقل أفريكوم من ألمانيا إلى المغرب، ولا أن الرباط ستعوض القواعد الأمريكية في إسبانيا تعويضًا مباشرًا. لكن ما يظهر بوضوح هو أن المغرب يتحول إلى منصة مرنة، متعددة الوظائف، تسمح للولايات المتحدة وحلفائها بتوسيع هامش الحركة في إفريقيا والساحل وغرب المتوسط، دون الحاجة بالضرورة إلى إعلان قواعد دائمة بالمعنى التقليدي. فمقر أفريكوم ما يزال رسميًا في شتوتغارت بألمانيا، بينما تؤكد القيادة الأمريكية أن مكوناتها تعمل على التخطيط، والقيادة والسيطرة، ودعم برامج التعاون الأمني في القارة الإفريقية(africom.mil).
في المقابل، تبقى إسبانيا مركزًا مهمًا للانتشار الأمريكي، خاصة عبر قاعدة روتا البحرية وقاعدة مورون الجوية. فالقيادة البحرية الأمريكية تصف روتا بأنها “بوابة المتوسط”، ومركز استراتيجي لعمليات الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط.(cnreurafcent.cnic.navy.mil) كما أن قاعدة مورون، الواقعة في الأندلس، ترتبط بالهيكل الأمريكي في أوروبا عبر مجموعة القواعد الجوية العاملة من رامشتاين (MilitaryINSTALLATIONS). غير أن التوتر الذي ظهر سنة 2026 حول رفض مدريد استعمال قواعد روتا ومورون في عمليات ضد إيران كشف أن واشنطن قد تحتاج إلى بدائل أو مكملات عملياتية جنوب المتوسط، خصوصًا عندما تصبح القرارات السياسية الأوروبية قيدًا على الحركة العسكرية الأمريكية. فقد ذكرت رويترز أن إسبانيا رفضت السماح باستعمال قواعدها المشتركة مع الولايات المتحدة في ضربات ضد إيران، وأن عددًا من الطائرات الأمريكية غادر روتا ومورون بعد هذا القرار (Reuters).
هنا تظهر أهمية المغرب. فالرباط لا تقدم فقط موقعًا جغرافيًا قريبًا من أوروبا، بل تقدم أيضًا استقرارًا سياسيًا، وتحالفا وثيقا، وانفتاحًا على إفريقيا، وواجهة أطلسية طويلة، وقربًا من مضيق جبل طارق، واتصالًا مباشرًا بمجال الساحل. لذلك فإن التفكير الأمريكي في المغرب لا ينبغي فهمه فقط بمنطق القاعدة العسكرية، بل بمنطق “الموقع الأمني التعاوني الموثوق”، أو المنصة المرنة، أو الشريك القادر على توفير التدريب، والتموضع اللوجستي، وتنسيق المناورات، وربما استقبال بعض القدرات التقنية في مجالات الطائرات المسيّرة، ومضادات المسيّرات، والحرب السيبرانية، والاستخبارات، وحماية البنى التحتية الحيوية.
وقد تعزز هذا الاتجاه مع مشروع قانون الدفاع الأمريكي لسنة 2027، الذي تضمن مادة خاصة بخطة لتعزيز التعاون الدفاعي مع المغرب. فوثائق لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي تشير إلى “خطة لتعزيز التعاون الدفاعي مع المغرب”، في سياق أوسع من تحديث العلاقات الدفاعية الأمريكية مع شركاء مختارين(armed-services.senate.gov). كما تحدثت تقارير مغربية متخصصة عن خارطة طريق عسكرية مغربية أمريكية جديدة تمتد من 2026 إلى 2036، هدفها تعميق الاندماج العملياتي بين القوات المسلحة المغربية والأمريكية (Médias24).
لكن البعد الأمريكي ليس سوى أحد أضلاع المعادلة. فالتحول الأعمق يظهر في دخول إسرائيل بقوة إلى مجال التكنولوجيا العسكرية المغربية. فمنذ توقيع مذكرة التفاهم الدفاعية بين المغرب وإسرائيل في نوفمبر 2021، انتقلت العلاقة بين البلدين من التطبيع السياسي إلى إطار دفاعي مؤسسي، قالت الحكومة الإسرائيلية إنه يمنح التعاون العسكري بين البلدين أساسًا رسميًا واضحًا. (Gouvernement Israël) ومنذ ذلك التاريخ، صار الحديث عن المسيّرات، والرادارات، والدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، ونقل التكنولوجيا، جزءًا من التحول العسكري المغربي.
وتأتي التقارير المتعلقة بنشر منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية “سبايدر” في قاعدة سيدي يحيى الغرب شمال شرق الرباط ضمن هذا السياق. فموقع Médias24 تحدث عن صور فضائية حديثة تؤكد نشر منظومة Spyder في قاعدة سيدي يحيى، باعتبارها جزءًا من تعزيز قدرات الدفاع الجوي المغربي. وبغض النظر عن غياب إعلان رسمي مغربي مفصل، فإن دلالة هذا النوع من المنظومات واضحة: المغرب لم يعد يكتفي بتحديث تقليدي، بل يتجه إلى بناء طبقات دفاعية قادرة على مواجهة تهديدات الحرب الحديثة، خصوصًا المسيّرات، والصواريخ الجوالة، والذخائر الدقيقة، والطائرات منخفضة التحليق. وتصف شركة Rafael منظومة Spyder بأنها عائلة دفاع جوي متنقلة قصيرة ومتوسطة وممتدة وبعيدة المدى، موجهة لحماية الأصول الحيوية والقوات المتحركة (rafael.co.il).
غير أن أهمية إسرائيل ليست في السلاح وحده، بل في التكنولوجيا. فإسرائيل تدخل من باب أنظمة الدفاع الجوي، والمسيّرات، والذكاء الاصطناعي العسكري، والحرب الإلكترونية، وحلول الرصد والاعتراض السريع. وهذه هي المجالات التي تصنع الفارق في الحروب الحديثة. فمن أوكرانيا إلى البحر الأحمر، ومن غزة إلى الخليج، لم تعد الحرب مجرد مواجهة بين دبابات وطائرات، بل أصبحت حرب شبكات: (من يرى أولًا، يقرر أولًا، ويضرب أولًا). لذلك فإن التعاون المغربي الإسرائيلي يضع المغرب داخل بيئة تكنولوجية عسكرية متقدمة، لكنه يضعه أيضًا أمام سؤال سيادي صعب: هل ستبقى التكنولوجيا مستوردة ومغلقة، أم تتحول تدريجيًا إلى معرفة قابلة للتوطين، والصيانة، والتطوير المحلي؟
أما بريطانيا فتدخل من زاوية مختلفة. فهي لا تتحرك في المغرب بالطريقة الأمريكية، ولا بالتكنولوجيا الإسرائيلية، بل بمنطق الشراكة الاستراتيجية الهادئة التي تجمع الأمن، والاقتصاد، والتدريب، وجبل طارق. فقد أعلن البلاغ المشترك للحوار الاستراتيجي المغربي البريطاني لسنة 2025 انتقال البلدين إلى شراكة استراتيجية معززة تشمل الأبعاد السياسية والدبلوماسية والأمنية والاقتصادية والثقافية (GOV.UK). هذه الشراكة تكتسب معناها الجيوسياسي من موقع المغرب قبالة جبل طارق، ومن رغبة لندن بعد بريكست في بناء علاقات ثنائية قوية خارج الإطار الأوروبي التقليدي.
عسكريًا، يظهر التعاون المغربي البريطاني في تمارين “جبل الصحراء”، التي تجمع القوات المغربية بعناصر من الجيش البريطاني، وخاصة الفوج الملكي لجبل طارق. وقد ذكرت وزارة الدفاع البريطانية سنة 2015 أن تمرين Jebel Sahara جمع حوالي 500 عنصر من الجانبين قرب مراكش، وأنه كان ينظم للسنة الخامسة عشرة على التوالي (GOV.UK). وهذا المعطى ليس تفصيلًا تدريبيًا فقط، لأن حضور الفوج الملكي لجبل طارق في تدريبات بالمغرب يربط بين الجغرافيا العسكرية لجبل طارق والضفة الجنوبية للمضيق. بمعنى آخر، تنظر بريطانيا إلى المغرب بوصفه شريكًا أمنيًا طبيعيًا في فضاء بحري شديد الحساسية، لا كسوق اقتصادي فقط.
وتكتمل الصورة بإضافة فرنسا. فباريس لا تدخل إلى المغرب كفاعل جديد، بل كقوة تقليدية تحاول إعادة بناء علاقتها مع الرباط بعد سنوات من الفتور، وبعد تراجع نفوذها في الساحل وغرب إفريقيا. وقد أكدت تقارير رويترز في مايو 2026 أن فرنسا والمغرب يحضّران لمعاهدة ثنائية جديدة لتعزيز العلاقات، ستوقّع خلال زيارة دولة مرتقبة للملك محمد السادس إلى فرنسا. (AW) كما ذكرت لوموند أن الزيارة المرتقبة للملك إلى فرنسا، والمتوقعة في خريف 2026، ستشكل محطة رمزية كبرى في المصالحة بين البلدين بعد تحسن العلاقات إثر اعتراف باريس بموقف المغرب من قضية الصحراء (Le Monde.fr).
وهنا يجب الانتباه إلى أن زيارة ماكرون إلى المغرب في أكتوبر 2024 كانت بداية إعادة إطلاق كبرى للعلاقات، وليست نهاية المسار. فقد رافقتها استثمارات وإعلانات ضخمة في النقل والطاقة والبنى التحتية، في سياق دعم فرنسي لمشاريع كبرى بالمغرب قبل كأس العالم 2030 (AP News). أما المرحلة المقبلة، فهي محاولة نقل العلاقة من المصالحة السياسية إلى معاهدة استراتيجية شاملة قد تشمل الاقتصاد، والأمن، والثقافة، والجيوسياسة، والتعاون الدفاعي والصناعي. وبذلك لا تعود فرنسا إلى المغرب بوصفه مجال نفوذ قديم، بل بوصفه شريكًا إفريقيًا نديّاً صاعدًا تحتاج إليه لإعادة تموضعها في القارة بعد صدمات الساحل.
وهذا ما يجعل موقع المغرب مختلفًا عن الماضي. فالرباط لا تفاوض فرنسا اليوم من موقع الدولة التابعة للمركز الفرنسي، بل من موقع دولة تراكم شراكات مع واشنطن، وتل أبيب، ولندن، ومدريد، وبكين، وأنقرة، وسيول. ولذلك فإن أي شراكة عسكرية استراتيجية مع فرنسا لن تكون ذات معنى إذا بقيت محصورة في بيع السلاح أو التدريب، بل قيمتها الحقيقية ستكون في التصنيع المشترك، ونقل الخبرة، وتطوير الصيانة، وبناء قدرات مغربية مستقلة في الصناعة الدفاعية.
وتدخل كوريا الجنوبية هنا كبعد جديد بالغ الأهمية. فالمغرب لا يحتاج فقط إلى منظومات دفاع جوي أو دبابات أو طائرات، بل يحتاج إلى قاعدة صناعية بحرية، لأن موقعه الأطلسي والمتوسطي يفرض عليه التفكير في القوة البحرية بوصفها جزءًا من الأمن القومي. وقد تحدثت تقارير عن اهتمام كوري جنوبي متزايد بمشاريع بناء السفن والصناعات الدفاعية في المغرب، وعن توجه نحو توسيع التعاون في الصناعات البحرية ونقل التكنولوجيا. (AW) كما تحدث موقع Hespress English عن ضغط كوري جنوبي للفوز بمشروع حوض بناء سفن في الدار البيضاء بقيمة تقارب 300 مليون دولار، وهو مشروع يرتبط رسميًا بالطموح المغربي لبناء أسطول تجاري وطني كبير في أفق 2040.
ينبغي هنا التمييز المنهجي بين المؤكد والمحتمل. فالمؤكد أن المغرب مهتم بتطوير صناعة بحرية وطنية، وأن كوريا الجنوبية تملك واحدة من أقوى صناعات بناء السفن في العالم، وأن هناك حديثًا عن انخراط كوري في مشاريع مغربية بحرية. أما القول إن كوريا ستبني “ميناء لصناعة البوارج العسكرية” في المغرب فيحتاج إلى صياغة حذرة ما لم يصدر إعلان رسمي واضح. الأدق أن نقول إن التعاون الكوري، إذا تطور من بناء السفن التجارية إلى الصناعة البحرية العسكرية، فقد يشكل نقلة نوعية في تحديث البحرية الملكية، لأنه سينقل المغرب من شراء القطع البحرية إلى بناء جزء من قدرته البحرية داخل البلاد.
وهذا الاحتمال ليس بعيدًا منطقياً. فالعالم يعيش أزمة كبرى في صناعة السفن، والولايات المتحدة نفسها تبحث عن دعم كوري جنوبي وياباني لتعزيز قدراتها البحرية والصناعية في مواجهة التفوق الصيني في بناء السفن. وقد تحدثت تقارير أمريكية عن الدور المتصاعد لأحواض كوريا الجنوبية في دعم الصيانة والتصنيع البحري المرتبط بالبحرية الأمريكية. (Business Insider). ما تشير تقارير أخرى إلى التزام كوري جنوبي واسع بدعم إحياء صناعة السفن الأمريكية في سياق التنافس مع الصين (politico.com). فإذا كانت واشنطن نفسها تحتاج إلى الخبرة الكورية في بناء السفن، فمن الطبيعي أن ينظر المغرب إلى كوريا بوصفها شريكًا مناسبًا لبناء قاعدة بحرية صناعية على ساحله الأطلسي.
ولا يمكن الحديث عن تحديث البحرية الملكية المغربية دون التوقف عند ملف الغواصات، باعتباره الحلقة الناقصة في بناء قوة بحرية مكتملة. فالمغرب، رغم تطويره لأسطول السطح عبر الفرقاطات وسفن الدورية والمراقبة، لا يتوفر إلى اليوم على سلاح غواصات بالرغم من أن طول شواطئه يمتد لأزيد من 1700 كلم بين الأطلسي والمتوسط، وهو ما يجعل قدرته على الردع البحري الصامت محدودة مقارنة ببعض جيرانه، وخاصة الجزائر التي راكمت خبرة طويلة في تشغيل الغواصات الروسية.
وتكتسب الغواصة أهميتها لأنها ليست مجرد قطعة بحرية إضافية، بل سلاح ردع غير مرئي. فهي تمنح الدولة قدرة على مراقبة الأعماق، وحماية الموانئ والممرات البحرية، وتعقيد حسابات الخصم، وتأمين الواجهة المتوسطية والأطلسية، خصوصًا في مجال شديد الحساسية يمتد من مضيق جبل طارق إلى الساحل الأطلسي. ولهذا فإن دخول المغرب نادي الدول المالكة للغواصات، إن تحقق، سيمثل نقلة نوعية في مفهوم الأمن البحري الوطني.
غير أن المعطيات المتاحة تفرض الحذر. فالمغرب لم يعلن رسميًا صفقة غواصات، لكن تقارير دفاعية متعددة تحدثت عن مفاوضات ودراسات لاقتناء غواصتين أو ثلاث غواصات تقليدية في أفق السنوات المقبلة، مع تداول أسماء فرنسية وألمانية وكورية جنوبية، وفي مقدمتها الغواصة الفرنسية “سكوربين”، وبعض النماذج الألمانية، واحتمال عرض كوري يرتبط بصعود سيول كقوة كبرى في بناء السفن والغواصات.
ومن هنا، يصبح ملف الغواصات جزءًا من المعادلة الأوسع للتحديث العسكري المغربي. فإذا اقتنى المغرب غواصات جاهزة فقط، فسيكون قد سدّ ثغرة ردعية مهمة، لكنه سيظل تابعًا للمورد في الصيانة والتحديث والتدريب. أما إذا ربط هذا الملف بمشروع صناعة بحرية وطنية، وبشراكات مع كوريا الجنوبية أو فرنسا أو ألمانيا، وبأحواض بناء وصيانة داخل المغرب، فإن الغواصات لن تكون مجرد صفقة، بل مدخلًا لبناء سيادة بحرية وصناعية طويلة المدى.
والخلاصة التقويمية تقول: إن الغواصات هي الخطوة البحرية المنطقية المقبلة للمغرب، لكنها لم تتحول بعد إلى صفقة مؤكدة. فإذا ارتبطت بالتعاون الكوري في بناء السفن، وبالشراكة الفرنسية المحتملة، فقد تصبح إحدى أهم علامات انتقال المغرب من بحرية مراقبة ودورية إلى بحرية ردع وحماية أعماق.
وهنا نصل إلى جوهر التحول: المغرب لا يتحول إلى قاعدة أجنبية واحدة، بل إلى منصة تقاطع. الولايات المتحدة تمنحه العمق الأطلسي والتخطيط العسكري المتقدم. إسرائيل تمنحه جزءًا من التكنولوجيا الدفاعية الحساسة. بريطانيا تمنحه بعدًا بحريًا وأمنيًا مرتبطًا بجبل طارق وما بعد بريكست. فرنسا تحاول العودة من باب الشراكة الاستراتيجية والصناعة والتأثير الإفريقي. وكوريا الجنوبية قد تمنحه بوابة الصناعة البحرية وبناء السفن. هذه العناصر، إذا اجتمعت، لا تصنع تحديثًا عسكريًا فقط، بل تصنع مشروعًا لإعادة تعريف موقع المغرب في منظومة الأمن الغربي.
غير أن هذا التحول يحمل فرصًا ومخاطر في الوقت نفسه. الفرصة الكبرى أن يحول المغرب موقعه الجغرافي إلى قوة تفاوضية، وأن يحول الشراكات العسكرية إلى نقل تكنولوجيا، وأن يربط الدفاع بالتصنيع، والتدريب بالمعرفة، والموانئ بالقوة البحرية، والمناورات بالاندماج العملياتي. أما الخطر فهو أن يتحول المغرب إلى مجرد مساحة لتموضع الآخرين: موقع أمريكي مرن، وسوق للتكنولوجيا الإسرائيلية، وممر بريطاني جنوب جبل طارق، وبوابة فرنسية نحو إفريقيا، وورشة كورية لبناء السفن دون تراكم وطني حقيقي للخبرة.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستقام قواعد أمريكية في المغرب؟ هذا سؤال مهم لكنه محدود. السؤال الأعمق هو: هل يستطيع المغرب أن يدير هذا التنافس الغربي والآسيوي على موقعه بما يخدم سيادته الاستراتيجية؟ وهل يستطيع أن يفرض في كل شراكة عسكرية شرطًا واضحًا: نقل التكنولوجيا، تكوين المهندسين، توطين الصيانة، بناء الصناعة، وتطوير المورد البشري المغربي؟
فالقوة العسكرية في القرن الحادي والعشرين لا تقاس بعدد الصفقات وحده، بل بمدى قدرة الدولة على التحكم في دورة السلاح: من الفهم، إلى التشغيل، إلى الصيانة، إلى التطوير، إلى التصنيع الجزئي أو الكامل. والدولة التي تشتري السلاح فقط تظل رهينة للمورد. أما الدولة التي تحول الشراكة إلى معرفة، فإنها تبني سيادة طويلة المدى.
من هنا، يمكن القول إن المغرب يقف أمام لحظة استراتيجية دقيقة. فهو ليس بصدد تعويض إسبانيا بشكل مباشر، ولا احتضان أفريكوم بدل ألمانيا بشكل كامل، ولا الدخول في محور عسكري واحد مغلق. لكنه يتحول تدريجيًا إلى منصة أطلسية ـ متوسطية ـ إفريقية متعددة الوظائف: منصة للتدريب، والتنسيق، والردع، والدفاع الجوي، والصناعة البحرية، والتموقع اللوجستي، وربما مستقبلًا للصناعة الدفاعية المتقدمة.
وإذا أحسن المغرب إدارة هذه اللحظة، فقد ينتقل من دولة تشتري الأمن إلى دولة تصنع جزءًا من أمنها. أما إذا اكتفى بالانبهار بتعدد الشركاء والصفقات، فقد يجد نفسه في موقع حساس: قوي في المظهر، لكنه تابع في العمق. وبين هذين الاحتمالين تتحدد قيمة المرحلة المقبلة من تحديث القوات المسلحة المغربية: هل تكون مجرد تراكم للسلاح، أم بداية لبناء سيادة عسكرية وصناعية حقيقية؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق