في رمضان من هذه السنة، لم يعد الجدل حول الصيام جدلَ تزكيةٍ وتقوى، بل صار سوقًا صاخبًا لثلاث فوضى متداخلة: فوضى تأويلٍ يقتطع الآيات ليهدم الفريضة، وفوضى فقهٍ يضيف “عقوبات” لم يذكرها القرآن، وفوضى سلطةٍ تُحوّل العبادة إلى ملف جنائي. والنتيجة عبثية: فريقٌ يريد صيامًا بلا تكليف بحجة “كتب عليكم”، وفريقٌ يريد تكليفًا بلا ميزان فيصنع كفارات وسجونًا، بينما القرآن يتحدث عن شيء آخر تمامًا: صيامٍ يحرّر الإنسان من وهم العجز ووهم الاستقلال، ويعيد الدين من الشعار إلى المعيار.../...
سؤال حارق
كيف تحوّل الصيام، الذي قال الله فيه {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} (البقرة: 183)، إلى صراع على “هل كتب عليكم تعني فرض عليكم أن لا؟”، ثم إلى قانونٍ يعاقب الناس بالسجن لأنهم لم يصوموا؟
أيُّ دينٍ هذا الذي يحتاج شرطيًّا ليُقيمه؟ وأيُّ فقهٍ هذا الذي يصنع من العبادة ملفًا جنائيًا؟
1) "أيام معدودات"… أم “شهر كامل”؟
لا تخترعوا تناقضًا
القرآن قال: {أَيَّامًا مَعْدُودَات} (البقرة: 184)، ثم قال بعدها بلا لفّ ولا دوران: {شَهْرُ رَمَضَان… فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه} (البقرة: 185).
المشكلة ليست في القرآن، المشكلة في من يريد أن يصنع “ألغازًا” حيث لا وجود لها في نص جاء تبيانا لكل شيء.
• "أيام" لأن العبادة تُؤدّى يومًا بيوم،
• و“شهر” لأن هذه الأيام تقع داخل إطار الشهر.
يعني باختصار: “أيام معدودات” = أيام رمضان. انتهى الأمر الذي فيه تستفيان.
2) هل الصيام فرض أم “اقتراح تربوي”؟
أطرف ما قيل هذا العام: "كتب عليكم لا تعني الفريضة"!
جميل… لكن لنتحمل تبعات هذه النكتة حتى النهاية.
القرآن استعمل نفس الصيغة في:
• }كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَام} (البقرة: 183)
• {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاص} (البقرة: 178)
• {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَال} (البقرة: 216)
فإذا صارت "كتب عليكم" ليست إلزامًا… فهل القصاص “اختياري”؟ وهل القتال “اقتراح”؟
من يقول بهذا لا يقدم قراءة دينية “تنويرية”.. بل يُسقط لغة القرآن من أساسها.
نعم: الصيام فرض تكليف. ثم يأتي القرآن مباشرة بالرخص، لا بنفي التكليف.
3) عقدة {وعلى الذين يطيقونه فدية}: آية تُستعمل كـ “كسر قفل”
هنا حدثت الحرب العالمية بسلاح اللغة العربية:
{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين} (البقرة: 184)
فقال فريق: “ها هو القرآن يخيّر الأصحاء: صم أو اطعم!
لكن الفريق نفسه ينسى أن الآية التالية جاءت كالقفل الحديدي الذي يغلق باب النقاش بأمر واضح لا يحتمل التأويل:
{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه} (البقرة: 185)
الميزان بسيط جدًا:
• الأصل: فليصمه
• والرخص: مرض/سفر (عدة من أيام أخر)
• والفدية في موضعها: لمن دخل في باب “الطاقة مع المشقة” لا “الراحة مع التلاعب".
يعني بالمختصر المفيد: لا يحق لك أيها المراوغ أن تأخذ آية (184) وتدفن آية (185).
ومن يفعل ذلك لا يقرأ قرآنًا… بل ينتقي “مخارج” للهروب من التكليف وتضليل الناس نيابة عن إبليس.
4) لا تلبّسوا على الناس: “من يشاء” ليست بطاقة جبر
سيأتي من يقول: “الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء” إذن الإنسان مسلوب!
لكن القرآن نفسه يكسر هذه الحيلة داخل نفس الآية:
{... وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُون} (النحل: 93)
يعني بالعربي الفصيح: نعم، سلطان الله قائم… لكن السؤال عن العمل قائم كذلك.
من يقتطع شطرًا ليصنع جبرًا، ثم يتظاهر أنه "يستدل بالقرآن"، هو في الحقيقة يهرب من ميزان القرآن من حيث يدري أو لا يدري.
5) الحيض: هل هو “نجاسة”؟ القرآن لا يقول ذلك
القرآن قال عن الحيض: {قُلْ هُوَ أَذًى} (البقرة: 222) وحدّد الاعتزال في سياق المعاشرة.
لم يقل: “نجس” ولم يقل: “تسقط الفرائض” بنص صريح. وطبيا تبث أنه أدى في المعاشرة بالنسبة للمرأة لا الرجل.
المنهج القرآني هنا واضح:
• ما كان أذى/مرضًا ومشقة يدخل في باب اليسر والرخص بقدر الحال.
• وما لم يأت به نص فلا نُنشئه كتشريع قطعي ثم نُسميه "شرع الله" فيما هو شريعة بشر.
6) لماذا لا توجد “عقوبة” للمفطر في القرآن؟
فتّش في آيات الصيام كلها: ستجد الفريضة، والرخص، والعدة، والفدية… ولن تجد “سجنًا” ولا “جلدًا” ولا “ستين يومًا".
لأن القرآن يريد عبادة تصنع تقوى، لا عبادة تصنع نفاقًا.
من يفطر بلا عذر يتحمل مسؤوليته أمام الله، لكن تحويل ذلك إلى “حد جنائي” شيء آخر: هذا نقل العبادة من ميزان الضمير إلى ميزان القمع. على سنة الكنيسة في عصر الظلمات.
7) قانون المغرب: حين يدخل الاستعمار من باب “الشرعنة”
في المغرب يوجد الفصل 222 الذي يعاقب "المجاهر بالإفطار" بالحبس والغرامة.
وهنا يجب أن تُقال الحقيقة بلا تزيين:
• القرآن يقول: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّين} (البقرة: 256)
• والقرآن لم يجعل الصيام ملفًا جنائيًا
• والعقيدة والشعيرة علاقة بين العبد وربه
قد تناقش الدولة “النظام العام” أو “الاستفزاز” أو غيره، لكن لا يجب أن تبيع هذا للناس على أنه حكم قرآني.
هذا خلطٌ بين الدين والسلطة، وهو بالضبط ما يفتح باب النفاق الاجتماعي: يصوم الناس خوفًا من الناس، لا خشيةً من الله.
خلاصة الميزان
الصيام ليس حربًا بين “الأصولي” و“التنويري”. الصيام حرب بين ميزانين:
• ميزان القرآن: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون}
• وميزان السوق والسلطة: “إما أن تصوم… وإما أن تسجن”
فإذا أردت أن تفهم الصيام قرآنيًا، اسأل سؤالًا واحدًا:
هل زادني صيامي صدقًا وقسطًا ورحمةً وضبطًا للهوى فأصبحت من المتقين؟
أم زادني فقط خوفًا من السلطة، واحتقارًا للمتدينين، وابتعادا عن الدين بسبب ما ارتكبه الكهنوت من جرائم في حق الشريعة والناس؟
خاتمة
الذي لا يصوم لا يحتاج شرطةً ولا وصايةً ليؤمن؛ يحتاج صدقًا مع الله، وشجاعةً مع نفسه.
والذي يصوم خوفًا من الناس لا يصوم لله—بل يصوم للعار، ويعبد صورةً اجتماعية لا ربًّا.
الصيام في القرآن ليس “طقسًا موسميًا” ولا عرضَ طاعةٍ على الأرصفة، بل امتحانُ تقوى في السر: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} (البقرة: 183). التقوى هنا ليست كلمة تُقال، بل ميزانٌ يُقاس: هل كفّ الصيامُ الهوى؟ هل ضبط اللسان؟ هل أقام العدل؟ هل منع الظلم حين تُتاح الفرصة؟
وحين يتحول الصيام إلى سجنٍ في القانون، وإلى سوطٍ في الوعظ، وإلى حربٍ على الضمائر، نكون قد بدّلنا مقصده: بدل أن يحرّر الإنسان من الخوف… نصنع به خوفًا جديدًا؛ وبدل أن يبني الصدق… نصنع نفاقًا جماعيًا محترمًا.
رمضان يُريد إنسانًا يتغير ميزانه لا جدولَه. فإذا بقيت التقوى خارج السلوك، صار رمضان “موسمًا” لا “ميزانًا”، وصارت الأمة تصوم بالجسد… وتفطر بالعدل.
الصيام في القرآن ميزان، لا استعراض.
فلا تُحوّلوه إلى كوميديا اجتماعية: شعبٌ يصوم بالجسد ويفطر بالميزان.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق