﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
(البقرة: 183)
1) من أين نعرف غاية العبادات؟
كلما تعلّق الأمر بفريضة من فرائض الله، كالصلاة والزكاة والحج والصيام، نجد في الثقافة الشائعة ميلًا إلى تحويل العبادة إلى “تفاصيل تقنية” لا تنتهي: ماذا يفطّر؟ ما الذي يبطل؟ ما الذي يُكره؟ وما الذي يوجب قضاءً أو كفارة… ثم يصبح الدين كأنه ملف إجراءات، لا مشروع هداية.
والإشكال ليس في وجود أحكامٍ تنظّم العبادة، بل في أن تتحول هذه الأحكام إلى مركز الدين، وأن يُقال للناس ضمناً: إن معرفة مقاصد التشريع لا تُدرك إلا عبر طبقات من المرويات، بينما القرآن نفسه هو كتاب التشريع والهداية والتعليل؛ يذكر الفرض ويذكر غايته، ويضع القاعدة ويكشف المقصد، لأن المشرّع هو الله وحده: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾.../...
إذا أردنا جوابًا مقنعًا ومختصرًا عن معنى العبادة ولماذا شُرعت، فالمنهج الأقوم هو أن نبدأ من القرآن: فهو الذي يضع “الغاية”، ثم تأتي التفاصيل خادمةً للغاية لا مبدِّلة لها.
2) سؤال الاختبار: هل تحققت غايات العبادات فينا؟
من يقرأ القرآن يكتشف مفاجأة: الله لا يشرع عبادة بلا مقصد، ولا يذكر فريضة إلا ويربطها بأثرٍ في النفس والمجتمع. ولأن الدين عند الله ليس طقوسًا، بل ميزانًا، يمكننا أن نسأل ـ بأمانة ـ: هل أثمرت عباداتنا ثمارها؟
لماذا نصلي؟
يقول تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (العنكبوت: 45)
إذن الصلاة ليست حركة جسد، بل قوة أخلاقية تمنع الفحشاء والمنكر. فإذا كثرت الصلاة وغابت هذه الثمرة، فالمشكلة ليست في النص، بل في طريقة فهم الصلاة ومقامها في الحياة: هل تحولت إلى “شكل” بلا أثر؟
لماذا نزكي؟
يقول تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: 103)
الزكاة ـ في منطق القرآن ـ ليست مجرّد إعانة مؤقتة، بل تطهير وتزكية وبناء تضامن. ولهذا قرن الله الصلاة بالزكاة في مواضع كثيرة: عبادة عمودية بين العبد وربه، وعبادة أفقية بين الإنسان والمجتمع. فإذا بقيت الزكاة طقسًا فرديًا مع استمرار الفقر والحرمان والظلم البنيوي، فهذا دليل أننا لم نبلغ روح التشريع.
لماذا نحج؟
يقول تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (الحج: 28)
الحج في القرآن ليس “رحلة روحية” فقط، بل لقاءٌ يذكر فيه الناس ربهم ويشهدون منافع لهم: منافع دينية وأخلاقية واجتماعية واقتصادية. ومع ذلك يبقى السؤال الحارق: لماذا لا تتحول أكبر شعيرة جامعة إلى قوة وحدةٍ وتكافلٍ وحضورٍ أخلاقي للأمة؟ هذا سؤال مشروع، لأن القرآن أراد للحج أثرًا يتجاوز الصورة إلى الواقع.
3) لماذا نصوم؟
نصل إلى فريضة الصيام، فيأتي القرآن بالجواب المباشر المختصر:
يقول تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ … لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183)
إذن غاية الصيام هي التقوى.
والتقوى ليست “حزنًا” ولا “شكليات”، بل هي بناء داخلي: ضبط النفس، ومقاومة الهوى، والقدرة على كبح الشهوة حين تُتاح، لأن الله يراك. الصيام تدريب عملي على الحرية: تحرير الإنسان من عبودية الرغبة والعادة.
ولماذا في رمضان تحديدًا؟
يجيب القرآن أيضًا بوضوح: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (البقرة: 185)
أي أن رمضان هو شهر الصوم لأنه شهر القرآن: شهر استعادة المرجعية.
فالصوم بلا قرآن قد يتحول إلى جوعٍ وعطش، بينما الصوم مع القرآن يتحول إلى تزكية وبصيرة. ولذلك يصبح السؤال العملي:
هل جعلنا رمضان شهر القرآن حقًا… أم شهر العادات؟
4) التقوى ليست شعارًا… بل نتيجة
إذا كانت غاية الصوم “التقوى”، فالسؤال الحاسم:
هل نخرج من رمضان أكثر عدلًا؟ أكثر رحمة؟ أكثر أمانة؟ أقل كذبًا؟ أقل غيبة؟ أقل شحًّا؟
لأن التقوى في القرآن ليست حالة وجدانية، بل ميزان يظهر في:
• الصدق بدل الزور
• العدل بدل البغي
• القسط بدل أكل المال بالباطل
• الستر بدل الفضيحة
• الإصلاح بدل الفساد
ومن هنا نفهم لماذا قال القرآن إن ذكر الله يطمئن القلوب، وإن القرآن شفاء: لأن القلب إذا صلح صلح السلوك.
5) أخطر انحراف: تحويل الدين إلى كهنوت تفاصيل
حين تُنتزع الغايات القرآنية المختصرة الواضحة، ويُستبدل بها سيلٌ من التفاصيل التي تُشغل الناس عن المقصد، يصبح الدين “ملف إجراءات” لا “مشروع تزكية”. ويصبح المسلم محتاجًا دائمًا إلى وسيط، بدل أن يعود إلى الكتاب الذي جعله الله هدى وبيانًا.
ورمضان مثال صارخ: يمكن للإنسان أن يقضي الشهر في سؤالٍ لا ينتهي عن المفطرات، ثم ينسى السؤال الأكبر: هل اتقينا؟ هل تغيرنا؟ هل اقتربنا من القرآن؟
6) الخلاصة: الصوم شكرٌ للقرآن وتدريبٌ على التقوى
الصيام في القرآن ليس عقوبة، ولا عادة اجتماعية، بل:
1. تدريبٌ على التقوى: ضبط النفس وبناء الحرية الداخلية.
2. شكرٌ لنعمة القرآن: لأن رمضان شهر نزوله، وشكر النعمة يكون بالرجوع إليها والعمل بها.
3. مراجعةٌ للميزان: حتى يعود المؤمن إنسانًا أخلاقيًا مصلحًا، لا مجرد صاحب طقوس.
يقول تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (الحديد: 20)
ورمضان فرصة لخلع الغرور، وتجديد العهد مع الله، وإعادة بناء القلب.
اللهم اجعلنا من المتقين… الذين يخرجون من رمضان بقلوبٍ أصلح، وعقولٍ أبصر، وأعمالٍ أنفع للناس.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق