إسبانيا والمغرب عند المضيق: حسابات الردع وموانع الجغرافيا والاقتصاد

 


(ما قالته وما لم تقله La Razón حول توازن الردع في مضيق جبل طارق)

تمهيد

 نشرت صحيفة La Razón الإسبانية صباح اليوم 23 فبراير 2026 تقريرًا بعنوان: “España y Marruecos: radiografía de dos ejércitos que se miran de frente en el Estrecho” قدّمت فيه “صورة إشعاعية” بالأرقام لميزان القدرات العسكرية بين البلدين في فضاء المضيق وبحر البوران.


وتأتي أهمية هذا التقرير من كونه يرصد - من زاوية إسبانية - التحول المتدرّج في بنية التسلح المغربي، ويقارنه بالقدرات الإسبانية التقليدية، خصوصًا في المجال البحري والجوي، داخل منطقة تُعدّ من أكثر الممرات المائية حساسية في العالم.../...


ولهذا ينقسم هذا المقال إلى جزأين واضحين التمييز:


(1) الخبر: تلخيص أمين لما ورد في تقرير La Razón دون إضافة أو تعليق.


(2) التحليل: قراءة موسَّعة لما وراء الأرقام، بالاستئناس بمراجع دولية حول منطق الردع وتكلفة أي توتر في المضيق على الاقتصاد الإقليمي والعالمي.



أولًا: الخبر (تلخيص أمين لتقرير La Razón)


1) الميزانية والجهد النسبي

بحسب التقرير، بلغت ميزانية الدفاع المغربية في 2025 نحو 13 مليار دولار.  

أما إسبانيا فقد بلغت في 2025 2% من الناتج وفق منهجية الناتو، بإجمالي 33.123 مليار يورو، مع الإشارة إلى خطة صناعية/تكنولوجية بقيمة 10.471 مليار يورو ضمن هذا الإطار.  

ويضيف التقرير أن المغرب يخصص ما بين 3.6% و4.2% من الناتج للإنفاق العسكري (بحسب SIPRI وIISS كما أوردت الصحيفة)، أي جهدًا نسبيًا أعلى من إسبانيا.  


ملحوظة خبرية: التقرير نفسه يذكر Global Firepower كتصنيف، لكنه يُحذّر من قراءة الترتيب كحكم على العقيدة والتدريب والاندماج في التحالفات.  



2) البر: تفوق مغربي في الدبابات… وتفوق إسباني في المدرعات إجمالًا

يسجل التقرير أن “المعطى الأبرز” هو تفوق المغرب في الدبابات الرئيسية:


إسبانيا: 219 Leopard 2E + Leopard 2A4 بإجمالي تقديري 317 بعد التبرع لأوكرانيا.  


المغرب: 903 دبابة (ضمنها M1A1 وM1A2 SEP v3 وM60A3 وVT-1A وT-72B).  


لكن التقرير يُوازن ذلك بأن جزءًا مهمًا من المخزون المغربي (خصوصًا M60) أقدم تصميمًا، فيما Leopard 2E مدمج ضمن العقيدة المعيارية للناتو.  

وعند احتساب المركبات المدرعة إجمالًا، تتقدم إسبانيا: 17,626 مقابل 7,877 للمغرب، مع ذكر برنامج VCR 8x8 Dragón.  



3) الجو: أفضلية نوعية لإسبانيا مع مسار تحديث مغربي

يقرر التقرير أن إسبانيا تحتفظ بأفضلية نوعية واضحة في الجو (Eurofighter + F/A-18 + Harrier)، بينما يمتلك المغرب (F-16 Block 52+ وF-5E وMirage F1 وAlpha Jet) مع فارق أن جزءًا من المنصات المغربية أقدم.  

ويضيف التقرير أن المغرب دخل مسار تجديد مهم عبر (25 F-16 Block 70/72" وذكر “تفاوضًا” حول 30 "Mirage 2000-9).  


4) المسيّرات والدفاع الجوي

بحسب La Razón: لدى المغرب 230 نظامًا غير مأهول (معظمها تكتيكي). وإسبانيا تشغل (4 MQ-9A Reaper) وتعاقدت على (182 Vector وبرنامج SIRTAP).  


وفي الدفاع الجوي: إسبانيا تمتلك (Patriot PAC-2 وPAC-3+) و (NASAMS) ضمن تكامل الناتو، بينما لدى المغرب (FD-2000 وSky Dragon 50)، مع الإشارة إلى أن (Patriot PAC-3) “موافَق عليه”.  



5) البحر: تفوق إسباني “حاسم”

التقرير حاسم هنا: تفوق إسبانيا البحري “غير قابل للجدل”:

11 فرقاطة مقابل 7 فرقاطات/كورفيت مغربية، وإجمالي إزاحة يقارب 250 ألف طن مقابل 25–35 ألف طن، إضافة إلى غواصات S-80 ووجود (Juan Carlos I) وقدرات إنزال (Galicia/Castilla).  



خلاصة الخبر كما ختمتها الصحيفة

في الخلاصة نموذجان مختلفان: إسبانيا مُحسّنة للدفاع الجماعي والعمليات متعددة الجنسيات، والمغرب يراكم “الكتلة” والدفاع الترابي مع تحديث متسارع ضمن حدوده الاقتصادية.  



ثانيًا: التعليق والتحليل (قراءة خارج التقرير)


1) لماذا المواجهة المفتوحة في المضيق “شديدة الاستبعاد”؟

لأن مضيق جبل طارق ليس مسرحًا ثنائيًا فقط، بل عنق زجاجة لوجستية دولية بين الأطلسي والمتوسط. تقديرات هيئة ميناء جبل طارق تتحدث عن نحو 60 ألف سفينة تعبر المضيق سنويًا.  


أي اضطراب كبير سيترجم فورًا إلى:


ارتفاع كلفة التأمين والشحن،


تأخير أو تحويل مسارات،


وزيادة حساسية سلاسل الإمداد الأوروبية والمتوسطية.


ودراسات حديثة حول “اختناقات الملاحة” تُظهر أن اضطرابات الممرات البحرية تخلق خسائر اقتصادية معتبرة عبر التأخير وإعادة التوجيه وارتفاع أقساط التأمين.  


المعنى السياسي العملي: 

أوروبا لا ترغب في اضطراب بابها البحري الجنوبي، والولايات المتحدة لا ترغب في اهتزاز فضاء أطلسي–متوسطي حساس لحلفائها، كما أن الصين وروسيا، بحكم مصالح التجارة والطاقة، لا تربح من “تعطيل الممرات” بل من استقرارها. (المنطق هنا اقتصادي/لوجستي قبل أن يكون اصطفافًا سياسيًا).


2) عنصر إضافي يضيق هامش المفاجأة: كثافة التنظيم والمراقبة البحرية

المضيق ليس “فضاءً سائِبًا”: 

توجد فيه ترتيبات دولية لتنظيم المرور (Traffic Separation Scheme / Ship Reporting) ضمن منظومة المنظمة البحرية الدولية (IMO).  


وهناك أيضًا اهتمام أمني أطلسي بالمراقبة البحرية غرب المتوسط وبالقرب من المضيق ضمن عمليات مثل (Operation Sea Guardian) : (بصيغة دوريات/مهام مراقبة)، ما يعني أن أي حادث كبير سيتحول بسرعة إلى ملف دولي لا مجرد “تبادل رسائل” بين عاصمتين.  


الخلاصة: 

في بيئة مضيق “مكشوفة ومنظمة”، الحرب الشاملة ليست فقط مكلفة، بل يصعب هندستها من دون أن تتحول إلى أزمة دولية مفتوحة على ضغط ووساطات فورية (كما حدث أثناء أزمة جزيرة ليلى حين تدخلت أمريكا لتجنب اندلاع مواجهة عسكرية بين البلدين الجارين قد تؤثر على السلم والإقتصاد في المنطقة والعالم).



3) ماذا يعني هذا في ملفات سبتة/مليلية والجزر الجعفرية؟

هنا لا نتحدث عن “حسم عسكري”، بل عن دينامية ضغط ديبلوماسي في حال توتر سيادي.


من ناحية قانونية/أكاديمية، الملف مركّب، وهناك دراسات تفصل في قوة وضعف الحجج، وبعضها يرى أن مطالب المغرب تختلف قوتها بين سبتة/مليلية وبين بعض الجيوب والجزر الصغيرة.  

ومن ناحية إدارة الأزمات، تجربة “جزيرة ليلى/بيريخيل” عام 2002 تبقى مثالًا على أن التصعيد، إن وقع، يميل إلى الاحتواء السريع بدل الانزلاق إلى صراع واسع.  


- أين يمكن أن تظهر “أوراق” لصالح المغرب ديبلوماسيًا؟


ليس لأن العالم “ينحاز” تلقائيًا، بل لأن الاستقرار البحري مصلحة دولية عليا:


كل طرف يُظهر قابلية للتهدئة ويمنع تعطيل الملاحة يكتسب هامشًا في صورة “الفاعل المسؤول”،


وكل تصعيد يهدد الممرات سيُقابل عادةً بضغوط واسعة نحو التهدئة (خصوصًا من أوروبا باعتبارها المتضرر الأقرب).  


4) استنتاج تحليلي متوازن

تفوق إسبانيا البحري،كما عرضته La Razón،حقيقي ومهم في معادلة الردع، لكنه لا يمثل ورقة رابحة في ميزان الصراع الجيوسياسي لصالح إسبانيا أماو المغرب الذي له حلفاء أقوياء وأكثر ميلا لدعمه حفاظا على مصالحهم التي لا تملك إسبانيا تعويضا لها.  

التحديث المغربي المتدرج (جو/مسيرات/دفاع جوي وفق ما ذكرته الصحيفة) بالإضافة لما لم تذكره بسبب ميولها اليمينية، يرفع كلفة أي سوء تقدير ويجعل “إدارة الأزمة” أكثر تعقيدًا من 2002.  


لكن العامل الحاكم فوق الجميع هو: أن المضيق ليس مساحة انتصار حاسم؛ بل مساحة كلفة مرتفعة وضغط دولي سريع لأن أي اضطراب سيؤثر في التجارة والشحن وسلاسل الإمداد.  



خاتمة 

في النهاية، القيمة الكبرى لتقرير La Razón ليست أنه يعلن “فائزًا” في ميزان القوة، بل أنه يذكّر بحقيقة أبسط: في مضيق جبل طارق، الجغرافيا والإقتصاد يفرضان السياسة.


قد تتبدل الأرقام، وتتغير المنصات، وتتسارع التحديثات… لكن المضيق يبقى “عنق زجاجة” لا يسمح بحروب مفتوحة دون أن يدفع العالم فاتورتها. ولهذا السبب، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس تفوق طرف على طرف، بل حادث صغير يخرج عن السيطرة.


الردع الحقيقي هنا ليس في عدد الدبابات والطائرات والبوارج الحربية فقط، بل في القدرة على إبقاء التوتر داخل حدود الديبلوماسية، لأن أي خطوة تتجاوزها ستستدعي فورًا “ثقلاً دوليًا” هدفه الأول: حماية الممر قبل حماية كبرياء القادة في الجارة الشمالية.


----------------------


مراجع استند إليها المقال:

 

La Razón (23 فبراير 2026) — التقرير محل التلخيص.  

Gibraltar Port Authority — تقدير عبور ~60,000 سفينة/سنة.  

NATO SHAPE — دوريات Operation Sea Guardian قرب غرب المتوسط والمضيق.  


IMO — نظام فصل المسارات/الإبلاغ في المضيق.  

UNCTAD Review of Maritime Transport 2024 + Nature Communications 2025 — أثر اختناقات الملاحة على التجارة والكلفة الاقتصادية.  


ICLQ (Cambridge) — خلفية قانونية حول المطالب السيادية.  


Global Strategy (Perejil 2002) — قراءة لأزمة سابقة كنمط احتواء.  


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق