رهان المليارات يغيّر قواعد اللعبة في شمال أفريقيا
تمهيد:
بينما ينشغل جزء من الرأي العام المحلي بتفاصيل المعيش اليومي، تضع تقارير دولية متزايدة المغرب في قلب معادلة جديدة: الطاقة النظيفة لم تعد ملفًا بيئيًا فقط، بل صارت ورقة سيادة صناعية—ومنصة لتوطين سلاسل قيمة كاملة (كهرباء خضراء - هيدروجين - أمونيا/أسمدة/وقود اصطناعي - تصدير).
والسؤال الذي يطرحه أي قارئ خارجي اليوم هو: - لماذا المغرب تحديدًا؟
الجواب،كما تفهمه الصحافة الاقتصادية، يرتبط بتحوّل أوروبا نفسها: التصنيع بطاقة أحفورية صار مكلفًا (ضرائب/تسعير كربون، ومعايير بيئية أشد، وتنافسية أضعف أمام آسيا). ومع دخول CBAM (آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية) مرحلة “العبء المالي” ابتداءً من يناير 2026، تزداد حساسية الشركات الأوروبية لكلفة الكربون المضمَّنة في السلع المستوردة.../... 
في المقابل، يعرض المغرب ثلاثية جذّابة: طاقة نظيفة وفيرة + بنية تحتية لوجستية + حوافز/أراضٍ/تسهيلات إدارية/إعفاءات ضريبية… ثم موقع جيواستراتيجي قريب من أوروبا.
1) رقم “30 مليار يورو”: لماذا أصبح خبرًا مثيرا؟
من أكثر الأرقام التي انتشرت في الصحافة الأوروبية مؤخرًا حديث Cinco Días عن مشروع في العيون تقوده مجموعة شركاء (أمريكا، ألمانيا، إسبانيا)، بقيمة إجمالية قد تصل إلى 30 مليار يورو. 
هذا الرقم ليس مجرد “ضخامة استثمار”، بل رسالة سوق عالمية مفادها:
• أن الجنوب المغربي صار يُقدَّم دوليًا ك فضاء إنتاج صناعي للطاقة (وليس فقط طاقة كهربائية محلية).
• وأن “الأقاليم الجنوبية” انتقلت في التغطية الاقتصادية من هامش الجغرافيا إلى مركز قرار استثماري.
2) مشروع العيون: ماذا تقول المصادر التقنية المتخصصة عن التفاصيل؟
بعيدًا عن العناوين الصحفية، تقدّم منصات قطاعية أرقامًا تشغيلية أوضح. على سبيل المثال، أوردت Gasworld تفاصيل مرتبطة بالمشروع/الكونسورتيوم، منها:
• قدرات كهربائية متجددة كبيرة (رياح/شمس)
• محللات كهربائية (electrolysers) بقدرة تقارب 900 ميغاواط
• إنتاج سنوي متوقع في حدود 100 ألف طن من الهيدروجين الأخضر
• وتحويل جزء منه إلى أمونيا خضراء بكميات ضخمة. 
هذه المعطيات مهمة لأنها تنقل النقاش من “استثمار على الورق” إلى منطق صناعة قابلة للقياس: طاقة - ماء مُحلّى/مُدار - هيدروجين - أمونيا/أسمدة.
3) “عرض المغرب” في عيون المستثمر:
أوروبا تبحث عن تخفيض كلفة الصناعة… لا عن شعارات
الزاوية التي تفسّر “لماذا المغرب؟”.. ليست رومانسية ولا دعائية: إنها حساب كلفة إنتاج.
أوروبا تشدد تسعير الكربون داخليًا، ومع CBAM ستبدأ المدفوعات/الشهادات في 2026 للقطاعات المشمولة (ومنها الهيدروجين والكهرباء ومواد صناعية أخرى). هذا يضغط على الشركات لتقليل “الكربون المضمَّن” في المدخلات والسلع بسبب التلوث الذي يحدثه في البيئة. 
وهنا يظهر المغرب كحل عملي لثلاث مشاكل دفعة واحدة:
1. كهرباء نظيفة أرخص نسبيًا على المدى المتوسط في مواقع ممتازة (شمس/رياح).
2. قرب جغرافي من أوروبا يقلل كلفة اللوجستيك والوقت.
3. إمكانية بناء منظومات متكاملة بدل استيراد طاقة فقط: أمونيا، أسمدة خضراء، وقود اصطناعي… إلخ.
4) ليست العيون وحدها: صورة أوسع عن “سلة مشاريع” بمئات المليارات
على مستوى أكبر من مشروع واحد، نقلت Reuters أن المغرب انتقى شركات لتنفيذ مشاريع هيدروجين أخضر، بإجمالي قد يصل إلى 319 مليار درهم (حوالي 32.5 مليار دولار) كأفق استثماري مُعلن رسميا ومتداول في تغطية وكالات الأنباء الدولية. 
وهو ما يؤكد أن “عرض المغرب” ليس صفقة مفردة، بل محفظة وطنية تتدرج من تخصيصات وأراضٍ إلى شراكات صناعية مستقبلية كبرى.
5) لماذا تتابع الصحافة الإسبانية الملف بقلق؟
لأن إسبانيا ليست مراقبًا محايدًا:
• هي شريك عبر شركاتها (مثل Acciona)
• وفي الوقت نفسه منافس محتمل على نفس سوق الاستثمار والصناعة الخضراء جنوب أوروبا.
تغطيات إسبانية عن مشروع العيون وعن موقع المغرب التصنيعي تعكس هذا التداخل: شراكة تجارية… وتنافس استراتيجي على من يستقطب سلاسل القيمة (المصانع/الأسمدة/الموانئ/الكابلات/الهيدروجين). 
6) ماذا يعني هذا للمغرب؟ أربع دلالات استراتيجية
(أ) انتقال من “طاقات متجددة” إلى “صناعة طاقة”
الحديث لم يعد عن محطات شمس/رياح فقط، بل عن صناعة تحويلية (هيدروجين/أمونيا/مشتقات).
(ب) الأقاليم الجنوبية: اقتصاد يخلق وقائع
حين تتعامل الصحافة الاقتصادية مع العيون/الداخلة كعقدة إنتاج، فهذا يراكم وقائع اقتصادية تُصعّب فصل السياسة عن الاقتصاد لاحقًا.
(ج) إعادة تعريف “الميزة التنافسية”
الميزة لم تعد “أجور أقل” فقط، بل: كهرباء خضراء + أراضٍ + لوجستيك + تسهيلات + اتفاقيات طويلة الأجل.
(د) ضغط اجتماعي… وفرصة اجتماعية
إذا تحولت المشاريع إلى فرص شغل محلية ومقاولات وخدمات، فهي تخلق “نظامًا بيئيًا” اقتصاديًا يغيّر المعادلة الاجتماعية بالكامل في المغرب، لكن بشرط: مراعاة نسب إدماج محلية واضحة وتكوين مهني موجّه.
خاتمة توصيات عملية: كيف يتحول الزخم إلى مكسب وطني؟
1. قفل شرط “التوطين الصناعي”: لا يكفي تصدير الهيدروجين/الأمونيا خامًا؛ الأهم توطين حلقات: صيانة، تصنيع أجزاء، كيمياء تحويلية، خدمات بحرية…
2. حماية الماء والقبول المجتمعي: أي مشروع تحلية/استهلاك مائي يحتاج شفافية ومعايير بيئية صارمة.
3. تكوين مهني سريع في: الكهرباء الصناعية، الهيدروجين، السلامة (HSE)، الكهروكيمياء، التشغيل والصيانة، البيئة.
4. حوكمة عقود واضحة: نشر خلاصات العقود/المعايير... لتقليل الشائعات ورفع منسوب الثقة.
5. دبلوماسية صناعية: ربط “عرض المغرب” باتفاقيات سوق/معايير أوروبية (شهادات منشأ أخضر، LCA، تتبع الكربون).
استشراف 2030: أين تتجه “حرب الطاقة النظيفة”؟
الاتجاه العام عالميًا هو انتقال المنافسة من:
• “من يملك الطاقة المتجددة؟”
إلى
• “من يملك الصناعة الخضراء التي تُبنى فوقها؟”
ومع تشدد أدوات الاتحاد الأوروبي (ETS/CBAM)، ستنمو شهية أوروبا لمورّدين قريبين قادرين على تقديم منتجات منخفضة الكربون لا كهرباء فقط. 
مقارنة مختصرة: المغرب ودول إفريقية أخرى في سباق الصناعة الخضراء
• ناميبيا / موريتانيا: موارد رياح وشمس هائلة وخطط طموحة للهيدروجين، لكن تحديات البنية التحتية والتمويل والربط والأسواق تميل لصالح المغرب بشكل حاسم.
• مصر: تمتلك قناة السويس وموقعًا لوجستيًا استثنائيًا، وتنافس على جذب مشاريع وقود أخضر/أمونيا، لكن كلفة الطاقة/الإطار التنظيمي/توازنات السوق عوامل مفصلية.
• جنوب أفريقيا: قاعدة صناعية كبيرة ومعادن حاسمة (PGMs) لاقتصاد الهيدروجين، لكنها تواجه تحديات كهرباء داخلية (استقرار الشبكة) تؤثر على الوتيرة.
• الجزائر/تونس: قرب جغرافي من أوروبا وموارد، لكن المغرب يبرز (في تغطيات السوق) بكونه أسرع في بناء “عرض متكامل” يجمع الطاقة + اللوجستيك + التعاقدات + التوطين.
الخلاصة: ما يميز المغرب في السردية الدولية ليس المورد الطبيعي وحده، بل تركيبته كمنصة: موقع + بنية + شراكات + قابلية إنتاج متكاملة، بالإفضافة إلى المعادن النادرة التي يتوفر عليها بكميات وافرة ةالتي تحتاجها الصناعات الحديثة.
--------------------------
المصادر التي استند إليها المقال:
1. Cinco Días — تغطية مشروع العيون وقيمة الاستثمار (حتى 30 مليار يورو). 
2. Gasworld — تفاصيل تقنية/قدرات وإنتاج (ومنها 100 ألف طن هيدروجين سنويًا). 
3. Reuters — اختيار شركات/محفظة مشاريع بقيمة قد تصل 319 مليار درهم (~32.5 مليار دولار).
4. المفوضية الأوروبية (وثيقة Q&A) — CBAM: الدخول حيز التطبيق الانتقالي 2023 والمرحلة “النهائية/المالية” ابتداءً من يناير 2026. 

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق