رمضان ليس “شتنبر”… والأمة لا تصوم وتفطر خارج التوقيت

 


(تفكيك موجةٍ مغالطات رائجة حول رمضان والحج)


مدخل: حين يتحول الدين إلى “ترند”

في كل رمضان يظهر نوعٌ جديد من “الفتاوى الفيروسية”: شخص يلتقط كلمة، يبني عليها قصة لغوية مثيرة، ثم يقفز منها إلى حكمٍ تشريعي واتهامٍ للأمة كلها. والنتيجة ليست تصحيحًا، بل فوضى تخلط بين اللغة والفلك والتاريخ والعبادة… ثم يُقدَّم الخلط على أنه “عودة إلى القرآن". هذه المقالة لا تدافع عن عادةٍ لمجرد أنها عادة، ولا تهاجم الناس لمجرد أنهم تساءلوا؛ بل تضع كل دعوى في ميزانها: القرآن ماذا يقول؟ اللغة كيف تعمل؟ الفلك ماذا يثبت؟ التاريخ ماذا يشهد؟ ... ثم أين يتسلل “الاقتطاع” ليصنع فتنة؟ .../...



1) هل رمضان الحقيقي هو "شتنبر” لأن “الرمضاء” أول أمطار الخريف؟


الدعوى المتداولة التي تزعم أن “رمضان من الرمضاء، والرمضاء أول مطر الخريف، إذن رمضان الحقيقي آخر الصيف وبداية الخريف الذي يوافق شهر "شتنبر" الشمسي، تسقط من ثلاث زوايا:


أ‌. لغويًا: الاسم لا يُلزم موسمًا ثابتًا

حتى لو افترضنا جدلًا أن أصل التسمية له علاقة بحرِّ صيف أو رمضاء (مطر خريف) أو غير ذلك، فلا يلزم من الاسم ثبات موسمٍ أبدي. أسماء الشهور العربية القديمة في الغالب ذاكرة تسمية لا “قانون فلكي”: سُمّيت في لحظة تاريخية ثم استمر الاسم بينما تتغير المواقيت.


ب. فلكيًا: الشهر القمري يدور على الفصول بالضرورة

القرآن ربط الصيام بـ الشهر:


{شَهْرُ رَمَضَانَ… فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه} (البقرة: 185).


والشهر القمري أقصر من الشمسي بنحو 10–11 يومًا كل سنة تقريبًا، لذلك يتحرك رمضان عبر السنة الشمسية كلها (يتقدم كل عام). 


هذا ليس خلافًا فقهيًا بل حقيقة تقويمية أشار لها حتى الشرح التاريخي لغزوات وأحدث حصلت زمن الرسول عليه السلام في شهر رمضان ووافقت اشهر شمسية مختلفة وليس شهر شتنبر بالضرورة.


ج. تاريخيًا: وقائع رمضان جاءت في شهور شمسية مختلفة

تكفي ثلاث أمثلة موثّقة:

غزوة بدر: 17 رمضان 2 هـ = 13 مارس 624 م.

فتح مكة: وقع في رمضان 8 هـ (تُذكر عادةً أيام 10- 20 رمضان) ويوافق ديسمبر 629 – يناير 630 م.

الحديبية (ليست في رمضان، لكنها تُظهر حركة الشهور): ذي القعدة 6 هـ ≈ مارس 628 م.  


تاريخيا إذن: رمضان لم يكن “ثابتًا في الخريف” (شتنبر) حتى في زمن الرسول عليه السلام، ويستحيل فلكيًا أن يكون ثابتًا.


تنبيه منهجي: التحويل بين الهجري والميلادي في القرن السابع الميلادي يظل تقريبيًا ويتأثر بنمط الحساب/الرؤية، لكن الفكرة الكبرى ثابتة: رمضان ليس موسمًا شمسيًا واحدًا.


خلاصة هذا المحور: “رمضان = شتنبر” ليست كشفًا، بل اشتقاقٌ متعسّف + تجاهل لكون التقويم القرآني لا يكون إلا قمريًّا لا هجريًّا.



2) القول بأن "المسلمين لا يبدؤون الصوم من الفجر الحقيقي”


القرآن وضع علامة حسية/كونية، لا رقمًا إداريًا:


{...وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ…} (البقرة: 187).


أين يتولد النزاع؟


حين تُحوَّل “علامة التبيّن” إلى “زاوية فلكية” ثابتة أو إلى توقيت تطبيق، ثم يُحاكم الناس على دقائق.


الآية تتكلم عن تبيّن: ظهورُ الضوء على الأفق بما يميّز الأبيض من الأسود في زمن لم تكن فيه الساعة. والواقع أن الرؤية تتأثر بعوامل كثيرة: صفاء الأفق، الارتفاع، التلوث الضوئي، خط العرض، الغيوم… لذلك تتفاوت التقاويم.


ميزان عملي بلا تشنج

في زمن الدقة في التوقيت لا يلزم التعنت، لكن:

من أراد الاحتياط يبدأ قبل التبيّن بقليل.

ومن أراد الالتزام الحرفي يراقب العلامة حيثما أمكن (في أماكن رؤية مناسبة).

والأهم: لا تجعل “فروق الدقائق” حربًا على الناس، لأن النص لم يصغها كرقم مقدس.



3) القول بأن "المسلمين يفطرون قبل الوقت الشرعي" لأن الآية تقول "إلى الليل" لا "إلى المغرب”


الآية: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} (البقرة: 187)


الخلط هنا ناتج عن فهم “الليل” كأنه لا يبدأ إلا بعد ظلامٍ كامل. لكن الاستعمال العربي العام يجعل الليل يبدأ بدخول الغروب (انتهاء النهار وبداية الليل)، ثم تتدرج الظلمة. فالمعيار هو دخول الليل لا "اكتمال الظلمة"، وإلا لأصبح الصيام يشمل النهار وجزء من الليل.


ميزان عملي: الإفطار يكون بعد تحقق الغروب (اختفاء قرص الشمس). ومن أراد احتياطًا ينتظر دقائق بحسب المكان (جبال/بنايات/أفق).



4) " الحج أشهر معلومات”… فلماذا حوّلناه إلى موسم اختناق؟


الآية صريحة: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} (البقرة: 197)


“أشهر” لا “شهر واحد”. نعم، ذروة الشعائر تركزت تاريخيًا في ذي الحجة، والنبي عليه السلام أدى حجته في ذي الحجة، لكن القرآن يفتح أفقًا: الحج مرتبط بزمن موسّع معلوم، وليس بالضرورة “عنق زجاجة” يُختنق فيه البشر.


أ‌.    مشكلة الواقع: الدماء ثمن الزحام

حين يتحول الموسم إلى ازدحام خانق، وتُصبح الأرواح ضريبة سنوية، فهذا يتعارض مع مقاصد العبادة نفسها: الأمن، السكينة، ذكر الله، تعظيم الشعائر بلا أذى ولا فوضى.


ب‌.  لماذا يهم هذا النقاش الآن؟

لأن “أشهر معلومات” يمكن أن تُقرأ (ضمن تصور إصلاحي) كإذنٍ بتوسيع إدارة الموسم زمنيا لتخفيف المخاطر. ليس هذا “فتوى إلزام”، لكنه سؤال قرآني مشروع: هل نجعل النص خادمًا للسلامة والعدل؟ أم نترك الناس لسنن التدافع والزحام والامتياز؟


ج.     مقترح إصلاحي واقعي (تصور لا “فرض”)

توزيع الأفواج زمنيا داخل الأشهر المعلومات بدل حشر الجميع في ذروة ضيقة.

قرعة عالمية شفافة تقلّل الامتيازات والوساطات والسوق السوداء.

معايير أمان صارمة تسبق أي توسع عددي.


الفكرة الأساسية: إن كانت العبادة “ميزانًا”، فلا يصح أن تدار بمنطق “السوق والامتياز” بينما النص يعلن أنها “أشهر معلومات” لا “عنق زجاجة".



5) ميزان واحد يجمع المحاور كلها: الاقتطاع يصنع الفتنة


ما يجمع “رمضان شتنبر”، و“الفجر دقائق”، و“الليل ظلمة”، و“الحج شهر واحد مهما مات الناس” هو شيء واحد: اقتطاع النص من وظيفته.


القرآن لا يضع الآيات لتتحول إلى:

“ألعاب اشتقاق”،

أو “حرب دقائق”،

أو “مواسم دماء”،

بل يضعها لتقود إلى: تقوى، وحق، وقسط، وأمان.



خلاصة:


1. “اسم الشهر لا يصنع فصلًا ثابتًا… والتقويم القمري يدور على الفصول بالضرورة.”


2. “الخيط الأبيض من الخيط الأسود علامة تبيُّن… لا رقمًا مقدسًا يحاكم الناس على ثوانيه.”


3. “الليل يبدأ بدخول الغروب… والآية حدٌّ شرعي لا ذريعة لاتهام الأمة." 


4. "رمضان ليس شتنبر: بدر في مارس، وفتح مكة بين ديسمبر ويناير… والدوران قاعدة وحركة كونية".


5. “الحج أشهر معلومات: العبادة لا تبرر عنق الزجاجة ولا امتيازات السوق.”


6. “القرآن ميزان: كل قراءة تُنتج فتنة أو قسوة أو موتًا… ليست عودة إلى القرآن.”



خاتمة

الدين ليس لعبة اشتقاق، ولا حرب دقائق، ولا موسمًا تُدار فيه الشعائر بمنطق الامتياز.

القرآن يريد عبادة تُقيم الميزان: تقوى في السر، وأمان للناس، وعدل في الإدارة.

فكل قراءة تُحوّل النص إلى ترند بلا علم… تُشغل السوشيال ميديا يومًا، وتُتعب الأمة سنوات.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق