مستجدات الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران

 

هذه ليست حرب صواريخ فقط…

 بل حرب على من يملك كسر التوازن بين الردع والطاقة والمضائق.


تمهيد: لم تعد المنطقة تعيش أزمة عابرة… بل إعادة تشكيل بالقوة

هذه الحرب لا تسأل: من يملك القوة؟ بل تسال: من يملك خنق العالم من بوابة المضائق؟

لأن ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لم يعد مجرد جولة توتر جديدة بين تحالف أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة ثانية، ولا استمرارًا تقليديًا لـ ”حرب الظل” التي حكمت المنطقة لسنوات. منذ الضربات الواسعة التي بدأت في 28 فبراير، دخلت المواجهة طورًا مختلفًا: الحرب لم تعد تدور فقط في الأطراف، بل صارت تضرب العمق، وتعيد وصل الملف النووي بأمن الخليج، وبالممرات البحرية، وبأسعار الطاقة، وبالأسواق العالمية في الوقت نفسه. ولهذا لم يعد السؤال هو: من يملك التفوق العسكري النظري؟ بل: من يستطيع أن يفرض على الآخر كلفة لا تُحتمل قبل أن يُجبر هو نفسه على التراجع؟  .../...


التحول الأهم هنا أن المنطقة لم تعد أمام صدام ثنائي خالص بين إيران من جهة وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى، بل أمام اختبار شامل لنظام الشرق الأوسط نفسه: أمن الخليج، استقرار الطاقة، سلامة الملاحة، قدرة الردع، وحدود القوة الأميركية في فرض إيقاع الحرب ثم إنهائها. وهذه هي النقطة التي تجعل هذه الجولة أخطر من سابقاتها: لأن النار فيها لا تشتعل فقط في البر والبحر والسماء، بل تمتد مباشرة إلى الاقتصاد العالمي.



أولًا: من “احتواء الوكلاء” إلى ضرب المركز


التحول العملياتي الأوضح هو أن إسرائيل، بدعم أميركي مباشر أو متداخل، لم تعد تكتفي باستنزاف الوكلاء أو مسارح الاشتباك غير المباشر، بل انتقلت إلى استهداف العمق الإيراني نفسه: مواقع عسكرية، بنى قيادية، نقاط تفتيش مرتبطة بالحرس الثوري، ومنشآت تدخل ضمن البنية التي تحمي النظام أو تضمن تماسكه الأمني. كما نقلت رويترز، فإن إسرائيل صعّدت هجماتها اعتمادًا على معلومات من داخل إيران، بما يكشف مستوى متقدمًا من الاختراق الاستخباراتي.


هذا يعني أن المعركة لم تعد فقط معركة ردع نووي أو رسائل سياسية، بل صارت تقترب من إضعاف قدرة الدولة الإيرانية على القيادة والسيطرة والصمود الداخلي. وفي المقابل، لم تعد طهران ترد عبر الأطراف وحدها، بل وسعت دائرة الضغط لتشمل إسرائيل والقواعد الأميركية والممرات البحرية والمصالح الخليجية، في محاولة لفرض معادلة تقول إن ضرب العمق الإيراني لن يبقى بلا ثمن إقليمي وعالمي.



ثانيًا: العتبة النووية… لماذا تبدو الحرب الآن أكثر خطورة؟


أحد أخطر عناصر هذه الجولة أن الملف النووي لم يعد ورقة ضغط مؤجلة، بل صار في قلب الحسابات المباشرة. فالوكالة الدولية للطاقة الذرية ترى أن جزءًا مهمًا من مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% لا يزال على الأرجح موجودًا قرب أصفهان، رغم الأضرار التي لحقت بمنشآت أخرى مثل "نطنز"  و "فوردو". وفي الوقت نفسه، تؤكد الوكالة أنها لا تملك دليلًا موثوقًا على برنامج أسلحة نووية منسق، وهو ما يجعل المشهد شديد الحساسية: خوف إسرائيلي–أميركي من اقتراب إيران من “دولة عتبة نووية”، من دون وجود برهان كامل على الانتقال الفعلي إلى صنع هذا السلاح الفتاك.


ومن هنا تبدو الحرب كأنها سباق على نقطة اللاعودة. إسرائيل ترى أن أي تأخير يمنح إيران فرصة للاحتفاظ بقدرة نووية كامنة يصعب شلها لاحقًا، بينما ترى إيران أن ما يجري لا يستهدف فقط برنامجها النووي، بل حقها في الاحتفاظ بهامش ردع وسيادة في وجه نظام إقليمي يريد تجريدها من القوة بالقوة. وهكذا تتحول المسألة من ملف تخصيب إلى صراع على من يفرض تعريف “التهديد غير المقبول” أولًا.



ثالثًا: حرب المضائق… حين يصبح البحر أخطر من البر


العنصر الأخطر عالميًا ليس فقط حجم الضربات داخل إيران، بل تعطيل مضيق هرمز وما ترتب عليه من اختناق في تدفقات النفط والغاز. رويترز وثّقت أن حركة الناقلات في هرمز قاربت التوقف، وأن مئات السفن بقيت خارج المضيق، بينما تأثرت إمدادات الطاقة الخليجية، بما في ذلك النفط والغاز الطبيعي المسال. كما أعلنت شركات كبرى مثل "شل" حالات "قوة قاهرة" على بعض شحنات الغاز القطرية بعد تعطل الإنتاج والصادرات.


وهنا تَتبدَّى طبيعة الحرب الحقيقية: لسنا أمام صراع على الأرض والأجواء الإيرانية فقط، بل أمام معركة على شرايين الاقتصاد العالمي. فالمضيق ليس مجرد ممر مائي، بل أداة ضغط جيوسياسي يمكنها أن ترفع الأسعار، وتربك سلاسل التوريد، وتدفع الدول الصناعية إلى مراجعة حساباتها بسرعة أكبر من تأثير كثير من الضربات الجوية. وهذا ما يفسر طلب واشنطن من حلفائها المساعدة في تأمين المضيق ومحاولة إعادة فتحه، وما يفسر أيضًا تردد كثير من الدول بين الاصطفاف العسكري والخوف من كلفة الانخراط.



رابعًا: الخليج لم يعد هامشًا… بل صار ساحة اختبار


التطور الأخطر إقليميًا أن الحرب لم تبقَ محصورة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. فقد أصابت تداعياتها منشآت وبنى تحتية خليجية، وتحدثت التقارير عن توقف أو اضطراب في أجزاء من إنتاج النفط والغاز في أكثر من دولة، ما يعني أن الخليج دخل عمليًا قلب المواجهة، حتى لو ظلت بعض العواصم تحاول سياسيًا الظهور كمساند دفاعي لا كطرف حربي مباشر.


هذا التحول يفسر أيضًا لماذا تبدو الوساطات الإقليمية حتى الآن ضعيفة الأثر. فبينما حاولت عُمان ومصر ودول أخرى الدفع نحو وقف إطلاق نار أو مسار تفاوضي أولي، نقلت رويترز أن إدارة ترامب رفضت إطلاق هذا المسار في الوقت الراهن. وهذا يعني أن قرار الحرب لا يزال خاضعًا لمنطق: أولًا توسيع الضغط، ثم التفكير في الدبلوماسية، لا العكس.



خامسًا: الحرب الاستخباراتية والسيبرانية… الحاضر غير المرئي


في هذا النوع من الحروب، لا تكون أكثر الأسلحة فتكًا هي تلك التي تُرى دائمًا. التقارير المتاحة تشير إلى مستوى عالٍ من الاختراق الاستخباراتي داخل إيران، وإلى دور واضح للمخبرين والمصادر الميدانية في تحديد أهداف حساسة مرتبطة بالحرس الثوري. وهذا يؤكد أن ساحة المعركة الحقيقية لا تقتصر على الطيران والقصف، بل تشمل تآكل الثقة الداخلية، واختراق البنى الأمنية، وتحويل الجغرافيا الداخلية نفسها إلى حقل هش قابل للاختراق.


أما البعد السيبراني، فوجوده شبه مؤكد في مثل هذا الصراع، لكن التفاصيل الدقيقة المتداولة حول أنظمة ذكاء اصطناعي بعينها أو شراكات تقنية نوعية تظل، في كثير من الأحيان، أبعد من أن تُحسم علنًا. لذلك، من الأدق القول إننا أمام حرب هجينة يتداخل فيها القصف، والتشويش، والاستخبارات، والضغط الاقتصادي، وتضليل الرأي العام، من دون الادعاء بأن كل تفصيل تقني متداول قد ثبت فعليًا.



سادسًا: هل قُتل نتنياهو؟


الجواب حتى الآن: لا.

انتشرت على المنصات شائعات واسعة عن اغتيال نتنياهو أو موته، لكن ما أمكن التحقق منه علنًا لا يؤيد ذلك. وتبقى هذه الموجات من التضليل جزءًا من الحرب النفسية والإعلامية، أكثر مما هي معلومة صلبة. وهنا يظهر بوضوح أن الحرب لم تعد فقط معركة على الأرض، بل أيضًا معركة على الإدراك والرواية والذعر من خلال الإشاعة.



سابعًا: ماذا تريد واشنطن وتل أبيب؟ وماذا تريد طهران؟


يبدو أن الهدف الأميركي–الإسرائيلي الحالي مزدوج: إضعاف القدرة العسكرية والنووية الإيرانية إلى أقصى حد، ورفع كلفة استمرار النظام سياسيًا وأمنيًا. استهداف مراكز مرتبطة بالسيطرة الداخلية، لا فقط المواقع النووية والعسكرية، يوحي بأن المعركة لا تقتصر على “منع التخصيب”، بل تتعداها إلى إضعاف البنية التي تحمي تماسك الدولة الإيرانية.


أما إيران، فلا يبدو أنها تراهن على نصر عسكري تقليدي بقدر ما تراهن على إطالة أمد الألم العالمي: تعطيل المضائق، رفع أسعار النفط والغاز، ضرب المصالح والبنى التحتية، وتحويل استمرار الحرب إلى عبء على خصومها أنفسهم. بكلمات أخرى: إذا كانت واشنطن وتل أبيب تريدان حربًا قصيرة تُنتج تجريدًا استراتيجيًا، فإن طهران تريد حربًا تجعل العالم كله يضغط لوقفها قبل أن تحقق تلك الأهداف كاملة.



ثامنًا: السيناريوهات المحتملة


السيناريو الأول: الاحتواء القاسي 

استمرار الضربات لفترة محدودة نسبيًا، ثم فتح باب تفاوض بعد إنهاك متبادل، من دون سقوط شامل للنظام الإيراني ولا توسع إقليمي غير قابل للضبط. هذا السيناريو يقوى كلما ارتفعت كلفة الطاقة على الاقتصادات الكبرى، وكلما زاد الضغط على واشنطن لإظهار طريق نحو التهدئة.


السيناريو الثاني: الاستنزاف الطويل

إيران تبقى قادرة على التعطيل من دون الحسم، والولايات المتحدة وإسرائيل تبقيان قادرتين على الضرب من دون إنهاء المعركة سياسيًا. وهذا سيناريو سيء جدًا لأسواق الطاقة والنقل البحري والاستقرار العالمي، وقد يدفع إلى إعادة رسم طويلة الأمد لسلاسل التوريد والتأمين والشحن الأمر الذي سيغير خريطة الجغرافيا الاقتصادية العالمية.


السيناريو الثالث: الانفجار الأوسع: 

وهو الأخطر، ويتمثل في انزلاق الحرب إلى مواجهة إقليمية كاملة تشمل مزيدًا من الدول والمرافق الحيوية، مع قفزات أشد في الأسعار وتراجع أكبر في الأمن البحري. وحتى الآن، يبدو أن كل الأطراف تريد الاقتراب من حافة الهاوية من دون السقوط الكامل فيها، لكن هذا النوع من الحروب لا يبقى دائمًا تحت السيطرة الدقيقة، وقد يفجر مفاجآت غير متوقعة.



خلاصة موسعة: 

الواقع أننا لسنا أمام معركة عسكرية فقط… بل أمام اختبار لمن يحدد شكل الشرق الأوسط القادم:


الخلاصة الأولى:

 أن هذه الحرب لم تعد مجرد فصل جديد في الخصومة الإيرانية–الإسرائيلية، بل صارت اختبارًا لمن يملك تعريف قواعد الردع المقبلة في الشرق الأوسط. فإذا نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل في فرض معادلة “التجريد بالقوة”، فإن المنطقة ستدخل طورًا جديدًا يصبح فيه ضرب العمق السيادي للدول أداة عادية من أدوات الردع. أما إذا نجحت إيران في الصمود وتعطيل المضائق ورفع الكلفة العالمية من دون انهيار، فإنها ستكون قد أثبتت أن القدرة على خنق الممرات قد تعادل، وربما تفوق، قيمة التفوق الجوي وحده.


الخلاصة الثانية:

 أن الحرب كشفت هشاشة الوهم الذي ساد لسنوات: وهم أن التنمية والازدهار يمكن أن ينفصلا تمامًا عن الجغرافيا السياسية. لقد بدا أن الخليج والشرق الأوسط قادران على ترويض الصراع عبر الاستثمار والمشاريع الكبرى، لكن هذه الجولة أظهرت أن مضيقًا واحدًا قادر على هز العالم كله، وأن مشروع التنمية نفسه يمكن أن يصبح رهينة قرار عسكري في لحظة تصعيد قصوى. 


الخلاصة الثالثة: 

فهي أن هذه الحرب تُعلن نهاية مريحة لفكرة “الحرب المحدودة”. فكل ضربة على منشأة طاقة، وكل تعطيل للشحن، وكل استهداف للبنية الاقتصادية، يدفع العالم خطوة إضافية نحو إدراك جديد: أن الصراع على الشرق الأوسط لم يعد فقط صراع نفوذ أو حدود أو ملفات نووية، بل صار أيضًا صراعًا على من يتحكم بإيقاع الاقتصاد العالمي نفسه. ولهذا، حتى إذا توقفت النار قريبًا، فإن المنطقة لن تعود إلى ما كانت عليه قبل 28 فبراير؛ لأن ما انكسر ليس فقط الهدوء النسبي، بل قواعد الاشتباك القديمة كلها.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق