يتامى الإمام.. كيف يتم الاصطفاف السياسي باسم التعاطف الديني؟

 

«حين تُستعمل فلسطين قناعًا… لتمرير ولاءٍ عابرٍ لمرجعية معادية للوطن»

مدخل: بين ميزان القرآن وفتنة الولاءات العابرة: حين يتحول التعاطف إلى تجنيدٍ رمزيّ ضد الوطن. وحين يستغل الدين للدفاع عن نظام ولاية كهنوتية، تصبح طنجة عنوانا ومسرحا لتبديل الولاء.


تمهيد: حين يتحوّل “الدين” إلى بوابة اختراق سياسي

منذ الضربة التي أودت بحياة القيادة الإيرانية السبت الماضي، بدأت في طنجة مجموعات من الشباب تخرج في تظاهرات داعمة لإيران، رافعةً (في بعض اللقطات) أعلام إيران وفلسطين معًا، مع كرّ وفرّ في الشوارع والأزقة التفافًا على تدخلات الشرطة. المشهد لا يمكن اختزاله في “تفاعل عاطفي” مع حدث خارجي؛ لأن التعاطف مع المظلومين من فطرة الرحمة. لكن حين تتحول العاطفة إلى ولاء سياسي، ومذهبي لدولةٍ خارجية تكن العداء للمغرب، وتُلبَّس بلباس فلسطين، فنحن أمام شيء أخطر: هندسة تأثير تحاول إعادة تشكيل الوعي داخل المغرب تحت عنوان “الدين" و"مظلومية الشعوب".../...


اللافت أيضًا أن هذه التحركات جاءت في مناخٍ مُقيّد لشعاراتٍ واسعة الانتشار مثل التضامن مع فلسطين وإسقاط التطبيع، ثم فجأة يظهر حماسٌ ميداني لرمزيةٍ أخرى. التباين وحده يفرض السؤال: هل نحن أمام “تعاطف” بريء… أم أمام توجيه انتقائي للاحتجاج نحو غاية مختلفة: صناعة ولاءٍ عابر للوطن وإعادة ترتيب الاصطفاف داخل المجتمع؟


طنجة هنا ليست تفصيلًا؛ إنها مؤشر على انتقال المعركة من الجبهة العسكرية إلى الجبهة الرمزية: الهوية، المرجعية، الولاء، واستغلال الدين في السياسة.



1) تمييزٌ لا بد منه: تعاطف إنساني أم ولاء سياسي؟


قد تتعاطف مع شعبٍ تحت القصف دون أن تمنح “شيكًا سياسيًا” لنظامٍ بعينه. وقد تُدين عدوانًا دون أن تتحول إلى منصة لصراع نفوذ. هذا هو الفرق الذي تُربكنا الدعاية كي لا نراه:


التعاطف الإنساني: رحمةٌ لا تشتري منك طاعةً ولا ولاءً ولا مبايعة.


الولاء السياسي–الديني: تحويل الرحمة إلى اصطفاف، وتحويل الغضب إلى طاعة، وتحويل فلسطين إلى “بوابة” لتمرير مشروع آخر.


المشكلة ليست في أن يهتف الناس للحق؛ المشكلة حين يصبح الحق واجهةً لتجنيدٍ رمزي: شابٌ في طنجة يظن أنه “ينتصر لفلسطين”، بينما يُدفع (من حيث لا يشعر) إلى الانحياز لمشروعٍ خارجيّ يتغذى من الكراهية والانقسام، ويستثمر في الفوضى، ويبحث عن موطئ قدم داخل البلد. من خلال وكلاء الفتنة والخراب.



2) العامل الذي يغفله كثيرون: الإسلام السياسي مشروع سلطة قبل أن يكون دينًا


هنا بيت القصيد، وهنا مكمن الخطر: الإسلام السياسي — سنيًا كان أو شيعيًا — يتحرك بمنطق السلطة. الدين عنده ليس “ميزان تقوى” بل “وقود تعبئة”. لا يهمه أن يستقيم الإنسان على الحق والعدل، بقدر ما يهمه أن يستقيم الناس كالقطيع على الطاعة.


لذلك ترى الشكلين يتناوبان حسب المرحلة:


منطق الانقلاب: إسقاط الأنظمة بالقوة بزعم “إقامة الدين".


منطق التمدد: كسب مواقع داخل المجتمع والدولة حتى لحظة التمكين ثم الانقلاب على السلطة القائمة.


والأدهى: حين تتشابك المصالح، قد ترى حركات سنية تصطف لإيران الشيعية، لا حبًا في التوحيد أو من أجل الأخوة الإسلامية، بل لأن السياسة تجمعها: عدو مشترك، أو استثمار في الغضب، أو مزايدة على السلطة. في هذه اللحظة يصبح الدين مجرد لافتة. وحين يتحول الدين إلى لافتة، يصبح الشباب “وقودًا” لنار الفتنة لا “أصحاب قضية" عادلة.


إن أخطر ما تفعله هذه الحركات أنها تعلّم الناس، بالتراكم، معادلةً مدمرة: 


"الدين = الاصطفاف، لا الدين = ميزان".



3) ميزان القرآن: ليس “دولة كهنوت” بل قسط وأمانة ومسؤولية


لكي لا نغرق القارئ في جدل مذهبي لا طائل منه، نعود إلى عمودٍ فقريٍ قرآني يحسم المعنى بلا ضجيج:


مقصد الرسالة: ليس صناعة جماعةٍ حاكمة، بل إقامة العدل في الناس:


{لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (الحديد: 25).


معيار الشرعية: ليس بالشعار ولا بالراية، بل بالأمانة والعدل:


{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ… وَإِذَا حَكَمْتُمْ… بِالْعَدْلِ} (النساء: 58).


حدود الطاعة: ليست تفويضًا مطلقًا، بل طاعة مشروطة وردٌّ للمرجعية عند النزاع:


{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ… فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} (النساء: 59).


فضح الادعاء السياسي باسم الإصلاح:


{أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} (البقرة: 11–12).


هذه الآيات الأربع وحدها كافية لتصفية الضباب: أي نموذجٍ يحوّل الدين إلى جهاز طاعة عمياء، أو يرفع مؤسسةً بشرية فوق المحاسبة، أو يمنح “طبقة” حق التحليل والتحريم خارج النص… يقترب وظيفيًا من “الطاغوت” مهما تلحّف بالمقدّس.



4) طنجة: لماذا تتحول المدينة إلى “نقطة تماس”؟


ذكر طنجة بالاسم ليس اتهامًا لطنجة، بل إنصاف لها بوصفها مدينة تماسّ: حيث تلتقي الجغرافيا بالشتات، والهوية بالدعاية، والرحمة بالتجنيد.


طنجة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات تصنع القابلية للاختراق الرمزي:


1. مسار الجالية والعودة الدورية

جزء من شبكات التأثير تُصاغ في فضاءات الهجرة (مثل بلجيكا وغيرها) حيث تنمو الهويات السياسية/المذهبية خارج سياق الوطن، ثم تعود محمولةً عبر الزيارات والروابط العائلية والتجمعات الاجتماعية.


2. مسار الشبكات الرقمية العابرة للحدود

اليوم لا تحتاج إلى منبر. الهاتف يكفي: مقاطع قصيرة، خطاب مظلومية، صور صادمة، سرديات بطولة. تُرسل الرسالة للشاب في طنجة كما تُرسل للشاب في بروكسل في اللحظة نفسها، دون أن تمرّ على “ميزان".


3. مسار الفراغ المعرفي بين الإسلام كميزان والطائفية كمشروع ولاء

حين يغيب التفريق بين الدين بوصفه “قسطًا” وبين المذهب بوصفه “اصطفافًا”، تصبح الدعاية قادرة على تبديل البوصلة: تُستبدل الأمانة الوطنية بعاطفة مذهبية، ويُقدَّم الولاء لرمز خارجي بوصفه دينًا، بينما القرآن يجعل معيار الدين: القسط والعدل ومنع الفتنة والولاء للشرعية الوطنية.



5) الإسلام لا يُلغي الأوطان… بل يُلزم بالأمانة ويمنع الفتنة


بعض الإسلاميين يربّون أتباعهم على أن “الوطن صنم”، وأن الحدود “خدعة”، وأن الولاء الحقيقي يكون للتنظيم أو “الخلافة” المتوهمة. والنتيجة: مواطن بلا وطن، يقال له: "وطنك في قلبك، ويشمل كل الأرض التي جعلك الله فيها مستخلفا".. هذا المواطن يسهل تشغيله ضد بلده بهذا النوع من الخطاب.


قرآنيًا، هذا الانزلاق ليس توحيدًا بل فوضى. لماذا؟ لأن القرآن يجعل الاجتماع الإنساني قائمًا على أمانة وعهد ومسؤولية، ويجعل الإفساد والفتنة جريمة. الوطن ليس “إلهًا” يُعبد، لكنه مجال أمانة تُحفظ فيه الحقوق وتُصان فيه الدماء وتُمنع فيه الفتنة. ومن يعبث بأمان بلدِه باسم “حلم عابر للحدود” فهو يفتح أبواب فسادٍ لا تنتهي.


والأخطر أن فكرة “الخلافة” حين تتحول إلى أداة تعبئة سياسية بلا ميزان عدل، تصبح مجرد سُلّمٍ للسلطة: تُلغى بها الدول، وتُكسر بها المجتمعات، وتُستباح بها الأوطان، ثم يُقال للناس: هذا هو الدين! بينما ميزان القرآن لا يسأل: “ما اسم النظام؟” بل يسأل: أين الأمانة؟ أين العدل؟ أين الشورى؟ أين ردّ النزاع للمرجعية؟ (النساء: 58–59).


الولاء للوطن هنا ليس قومية عمياء؛ هو وفاء بالأمانة: أن لا تتحول إلى أداة اختراق ضد مجتمعك وأهلك ووطنك، وأن لا تُشعل فتنة داخل بلدك تحت راية خارجية.



6) إيران نموذجًا: لا نحاكم شعبًا… بل نحاكم مشروع نفوذ بميزانٍ واحد


هذا المقال لا يشيطن شعوبًا، ولا يحوّل السياسة إلى “لعنة طائفية”. نحن نحاكم “المشاريع” بميزانٍ أخلاقي.


والسؤال المركزي: هل يكفي أن يرفع مشروعٌ شعار “الإسلام” ليصبح فعله إسلاميًا؟

الجواب القرآني: لا. القرآن يفضح ادعاء الإصلاح حين تكون الثمرة فسادًا (البقرة: 11–12)، ويجعل معيار الدين هو القسط (الحديد: 25)، ويأمر بالعدل والإحسان (النحل: 90).


وفي مجال الصراع والحرب، لا يعطي القرآن شيكًا للعدوان:


{وَلَا تَعْتَدُوا} (البقرة: 190).


ويحاكم السياسات بثمارها: هل تحفظ العمران أم تهلك الحرث والنسل (البقرة: 205)؟


أي مشروع يجعل الإقليم “ساحة اشتعال دائم” باسم المقدس، ثم يطالب الناس بتقديسه، هو مشروعٌ يحتاج أن يُحاكم لا أن يُبجّل.



7) الطاغوت هنا ليس شتيمة… بل وظيفة


حين يقول القرآن: 


{اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (النحل: 36) 


فهو يصف خطرًا وظيفيًا:

مرجعية تتجاوز حدها فتطلب طاعة مطلقة، وتعرّف الحق والباطل خارج ميزان الله، وتستعمل الدين لتسكين الناس أو لتجييشهم.


والآية الكاشفة في "الكهنوت" و “الطاغوت" الديني واضحة:


{اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} (الأعراف: 3).


أي لا تمنحوا للبشر  الولاء ومعيار سلطة التشريع مع الله بما يتعارض مع النص.


هذا يحدث حين يصبح الولاء لشيخٍ أو مؤسسةٍ أو “وليّ فقيه” أو “مرشد” أو “تنظيم” هو معيار الحق والباطل، وتُكسر الأمانة الوطنية باسم “الولاء الديني”، ويُلغى القسط باسم “المصلحة العليا".



8) الموقف الذي لا يظلم أحدًا: ميزانٌ لا هستيريا


حتى لا ننقلب إلى نقيض التطرف، هذا هو الموقف العملي المتوازن:


1. لا شيطنة للشعوب: صراع المشاريع لا يعني كراهية الناس.


2. لا تقديس للكهنوت: لا ولاية دينية على وعي المغاربة خارج ميزان القرآن والقسط، ولا ولاية سياسية خارج الشرعية القائمة.


3. لا تحويل لفلسطين إلى سلعة: فلسطين حق، لا ورقة تبييض لمشاريع نفوذ.


4. لا خيانة للوطن: الاحتجاج حق، لكن تحويل الشارع إلى منصة لرايةٍ خارجية ضد مصالح بلدك فتنة. ترقى لمستوى الخيانة.


5. قاعدة الميزان: برهان/قسط/أثر إصلاح… لا ضجيج.



خاتمة: الدين لا يحمي الوطن إذا صار بوابة لاختراقه


الخطر الحقيقي ليس “مظاهرة” في ذاتها، بل التعليم البطيء الذي يجري في العقول:


"أن الدين = الولاء لسلطة دينية".


هذا انقلاب على القرآن؛ لأن القرآن يجعل الولاء للحق والقسط، لا للرايات.


في زمن الحروب الهجينة لا تحتاج الدول إلى دبابات لتخترق مجتمعاتٍ أخرى؛ يكفي:


سردية مظلومية تُقصي العقل،

مؤثرون يبيعون المقدس،

شبكات تمويل وتأثير،

وشعار نبيل يُستعمل لغاية غير نبيلة.


السؤال الذي يجب أن يبقى حيًا في طنجة وفي المغرب كله:


هل نريد دينًا يفضح الطغيان… أم دينًا يصنع طاغوتًا جديدًا؟


القرآن لا يقيس الناس بالانتساب، بل بالميزان: عدلٌ، أمانةٌ، قسطٌ، ومنع فتنة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق