مأزق العقيدة الجزائرية في مواجهة الصعود الأطلسي القوي والسريع للمغرب

 

(حين تتحول ورقة الانفصال إلى تهديد أمني، يصبح الردع جزءًا من حماية السيادة.)


افتتاحية 

لم يعد ملف البوليساريو ورقة ضغط جزائرية منخفضة الكلفة؛ فقد بدأ يتحول، في القراءة الأمريكية والساحلية والمغربية، إلى عبء أمني يرتبط بإيران، وتندوف، والجماعات المسلحة، وممرات الساحل، ومشاريع الطاقة، ومشروع الأطلسي. فما كان يُقدَّم لعقود بوصفه “قضية تقرير مصير”، صار يُقرأ اليوم في دوائر متزايدة بوصفه سؤالًا أمنيًا مفتوحًا: من يراقب السلاح؟ من يتحمل مسؤولية المخيمات؟ وما حدود مسؤولية الجزائر عن تنظيم مسلح يتحرك من أرضها ضد وحدة دولة جارة بدعم من إيران؟


فالمشكل في الأصل ليس البوليساريو التي هي مجرد أداة وظيفية تستغل كواجهة سياسية وديبلوماسية، بل عقدة الريادة بين دولة مغربية أصيلة، تمتلك ذاكرة تاريخية، وحضارة عريقة، ومؤسسات ممتدة، وموقعًا أطلسيًا ـ إفريقيًا صاعدًا من جهة، ودولة جزائرية حديثة النشأة، خرجت من رحم الاستعمار الفرنسي مطلع ستينيات القرن الماضي وهي تبحث عن سردية إقليمية كبرى تمنحها ثقلًا يتجاوز حدودها من جهة أخرى. لذلك وجد عسكر الجزائر في نزاع الصحراء أداة لتعطيل صعود المغرب، وفي تندوف مجالًا لإنتاج ضغط دائم على خاصرته الجنوبية والشرقية معا.../...


ولا يمكن فهم هذا التوتر المزمن دون استحضار الأثر العميق للترسيم الاستعماري الفرنسي للحدود. فقد أعادت فرنسا تشكيل المجال المغاربي بمنطق إداري يخدم مشروعها الاستعماري، فاقتطعت مناطق من الامتداد المغربي الشرقي وألحقتها بالمجال الجزائري الخاضع لها، وهي تتصرف كما لو أن الجزائر ستظل جزءًا دائمًا من منظومتها الإمبراطورية. وهكذا ورث النظام العسكري الجزائري حديث النشأة، حدودًا صاغتها فرنسا، لا وفق حقائق التاريخ والجغرافيا والروابط الشعبية، بل وفق حاجات السيطرة الاستعمارية وإدارة المستعمرات.


بهذا المعنى، لم يولد الخلاف المغربي الجزائري من ملف الصحراء وحده، بل من خريطة استعمارية ملغومة، ومن عقيدة سياسية جزائرية جعلت من مزاحمة المغرب جزءًا من تصورها لدورها الإقليمي المتوهّم. غير أن هذه العقيدة، التي ظلت لعقود تستعمل البوليساريو باعتبارها ورقة استنزاف سياسي ودبلوماسي واقتصادي وأمني وعسكري، تواجه اليوم تحولًا خطيرًا: الورقة التي كان يُراد بها محاصرة المغرب بدأت تتحول إلى عبء أمني على الجزائر نفسها، وإلى مصدر قلق متزايد في واشنطن وباماكو وعواصم الساحل الإفريقي.



أولًا: من ورقة الانفصال إلى شبهة الإرهاب الإقليمي

ظلّت الجزائر لعقود تتعامل مع البوليساريو باعتبارها ورقة ضغط منخفضة الكلفة: جبهة انفصالية تُستعمل لاستنزاف المغرب دبلوماسيًا وأمنيا واقتصاديا، وتعطيل اندماجه المغاربي، وإبقاء ملف الصحراء مفتوحًا في المحافل الدولية. غير أن هذا الرهان بدأ يفقد طبيعته القديمة. فالورقة التي كانت تُقدَّم في خطاب الجزائر بوصفها “قضية تصفية استعمار”، صارت تُقرأ اليوم في دوائر أمريكية وساحلية ومغربية من زاوية أخرى: زاوية الأمن، والارتباطات العابرة للحدود، ومخاطر تحوّل المخيمات والتنظيمات المسلحة إلى بيئة رخوة قابلة للاختراق.


ولعلّ أهم مؤشر على هذا التحول هو انتقال النقاش داخل الولايات المتحدة من دعم المسار الأممي العام إلى طرح سؤال أكثر حدّة: هل ينبغي تصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية؟ فقد أعلن عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي في مارس 2026 عن مبادرة تشريعية تستهدف ما وصفوه بارتباط البوليساريو بالنظام الإيراني وحزب الله اللبناني، وذهب السيناتور توم كوتون إلى وصف الجبهة صراحة بأنها “منظمة إرهابية” تدعم إيران وحزب الله.  


هذا التطور لا يعني أن التصنيف أصبح قرارًا أمريكيًا نافذًا، ولا أن مجلس الأمن تبنّى هذا التوصيف، لكنه يكشف أن صورة البوليساريو لم تعد محصورة في إطار “حركة انفصالية” كما كان يُسوَّق لها في أدبيات الحرب الباردة. لقد بدأ يُعاد إدراجها ضمن خرائط أوسع: إيران، الطائرات المسيّرة، الساحل، شبكات السلاح، والجماعات الإرهابية المسلحة التي تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة. وهنا تكمن خطورة التحول؛ لأن الجزائر، التي استعملت البوليساريو لعقود كأداة ضغط ضد المغرب، قد تجد نفسها أمام سؤال دولي جديد: ما حدود مسؤولية الدولة المضيفة والداعمة عندما تتحول الأداة إلى مصدر تهديد عابر للحدود؟


وتزداد هذه القراءة حساسية حين تُستحضر الهجمات التي استهدفت مدينة السمارة ومناطق مدنية داخل الصحراء المغربية. فمهما حاول خطاب الانفصال أن يقدّم نفسه في صورة “حركة تحرر”، فإن استهداف المدنيين الآمنين يضعه أمام اختبار أخلاقي وقانوني لا يمكن تجاوزه بالبيانات السياسية. وحين تنتقل الصواريخ أو المقذوفات من لغة الجبهة إلى فضاء المدن، يصبح السؤال مشروعًا: هل ما زلنا أمام نزاع سياسي قابل للتسوية، أم أمام فاعل مسلح يستعمل المدنيين كورقة ضغط؟


صحيح أن مجلس الأمن لم يصنّف البوليساريو منظمة إرهابية إلى الآن على الأقل، وما زال يتعامل مع الملف ضمن إطار النزاع الإقليمي ومسار التسوية السياسية. لكن غياب التصنيف لا يلغي خطورة السلوك المسلح، كما أن بطء المؤسسات الدولية لا يعني أن الواقع الأمني لم يتغير. فكثير من التحولات تبدأ في مراكز البحث، والكونغرس، والتقارير الأمنية، قبل أن تتحول لاحقًا إلى مواقف رسمية أو عقوبات أو سياسات احتواء.


ومن هنا، لم يعد السؤال المطروح على الجزائر بسيطًا: هل تدعم حق “تقرير المصير” كما تدّعي؟ بل أصبح أعمق: هل تدرك أن استمرار رعاية كيان مسلح فوق أراضيها، خارج الرقابة السيادية الطبيعية، وفي بيئة إقليمية مفتوحة على الساحل وإيران والجماعات المسلحة، قد يحولها من دولة تستعمل ورقة ضغط إلى دولة تتحمل تبعات عبء أمني متفجر يهدد الجنوب والشمال ايضا؟


إن البوليساريو، في هذه اللحظة، لم تعد مجرد أداة في يد الجزائر ضد المغرب. لقد بدأت تتحول إلى مرآة تكشف مأزق العقيدة الإقليمية الجزائرية نفسها: عقيدة ظنت أن استنزاف المغرب يمكن أن يبقى بلا ثمن، فإذا بها تجد نفسها أمام كلفة جديدة عنوانها الأمن، والإرهاب، وتندوف، والساحل، وأوروبا، ومساءلة المجتمع الدولي.



ثانيًا: تندوف… من “مخيمات لاجئين” إلى منطقة رمادية

إذا كان مشروع التصنيف الأمريكي المحتمل قد نقل البوليساريو من خانة “الفاعل السياسي” إلى خانة “الفاعل الأمني المقلق”، فإن تندوف هي المساحة التي يتجسد فيها هذا التحول ميدانيًا. فالمشكلة لم تعد فقط في وجود تنظيم انفصالي مسلح، بل في وجوده داخل مجال مغلق، فوق التراب الجزائري، خارج الرقابة الطبيعية للدولة المغربية، وخارج الشفافية الكاملة التي يفترض أن تحكم أوضاع اللاجئين والمخيمات والسلاح والتمويل والحركة.


لقد ظلت الجزائر تقدّم مخيمات تندوف بوصفها فضاءً إنسانيًا، لكنها في الواقع تحولت، مع مرور الوقت، إلى بنية سياسية وأمنية مركبة: قيادة انفصالية، جهاز تعبئة أيديولوجية، شبكات ولاء، شباب يولدون في المخيمات ويكبرون داخل خطاب القطيعة مع المغرب، وسلاح يُقدَّم باسم “التحرر” لكنه يتحرك في منطقة متاخمة لواحد من أخطر أحزمة الإرهاب في العالم. هنا لا تعود تندوف مجرد عنوان إنساني، بل تتحول إلى منطقة رمادية بين اللجوء والسياسة والسلاح.


ولهذا لم يكن غريبًا أن تتحدث تقارير إعلامية عن ضغط أمريكي على الجزائر لتفكيك مخيمات تندوف في سياق تصور أوسع لإنهاء النزاع عبر مقترح الحكم الذاتي. وحتى إذا بقيت هذه المعطيات في مستوى التقارير الصحافية، فإن مجرد تداولها يكشف أن السؤال الدولي حول تندوف بدأ يتغير: لم يعد السؤال فقط عن المساعدات الإنسانية، بل عن طبيعة السلطة داخل المخيمات، وعن مسؤولية الدولة المضيفة، وعن احتمال تحول فضاء مغلق طويل الأمد إلى خزان للتوتر والتجنيد والاختراق.


والأخطر من ذلك أن تندوف تقع في بيئة إقليمية تتغير بسرعة. فالساحل لم يعد هامشًا بعيدًا، بل صار مركزًا لانفجارات أمنية متداخلة: جماعات جهادية، نشاط تهريب متصاعد، حدود رخوة، تحالفات متغيرة، تنافس دولي، وحركات طوارقية انفصالية. وفي مثل هذه البيئة، تصبح كل منطقة مغلقة، مسلحة، ومشحونة أيديولوجيًا قابلة لأن تتحول إلى عقدة ضمن شبكة أوسع من الفوضى. لا يلزم أن تكون كل الوقائع معلنة حتى يصبح الخطر مفهومًا؛ يكفي أن تجتمع الجغرافيا، والسلاح، والانسداد السياسي، والتوتر الإقليمي، حتى يصبح الاحتمال الأمني حاضرًا.


ومن هنا تأتي مسؤولية الجزائر. فهي لا تستطيع أن تستفيد سياسيًا من وجود البوليساريو فوق أراضيها، ثم تتنصل من التبعات الأمنية والقانونية لهذا الوجود. فإذا كانت تندوف تحت سيادتها الترابية، فهي مسؤولة عما يجري فوقها. وإذا كانت لا تمارس عليها سيادة فعلية كاملة، فتلك مشكلة أخطر؛ لأنها تعني وجود مجال مسلح فوق التراب الجزائري يتحرك بمنطق مستقل أو شبه مستقل، في منطقة قريبة من الساحل ومن الحدود المغربية ومن مسارات التهريب والهجرة والجماعات المسلحة.


وفي الحالتين، تصبح تندوف عبئًا على الجزائر قبل أن تكون ورقة ضد المغرب. فقد كان الرهان القديم يقوم على إطالة النزاع واستنزاف الرباط. أما اليوم، فإن استمرار المخيمات بالشكل نفسه قد يفتح على الجزائر أسئلة دولية لا ترغب في سماعها: من يراقب السلاح؟ من يضبط التمويل؟ من يقرر داخل المخيمات؟ من يمنع الاختراق الخارجي؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا انتقلت العلاقة بين البوليساريو وشبكات إقليمية أو دولية من مستوى الاتهام السياسي إلى مستوى الإثبات الأمني؟


بهذا المعنى، لم تعد تندوف مجرد ورقة في يد الجزائر، بل أصبحت اختبارًا لصدق خطابها حول السيادة والاستقرار. فالدولة التي تتحدث عن احترام الحدود وعدم التدخل لا يمكنها أن تحتضن تنظيمًا مسلحًا يستهدف وحدة دولة جارة. والدولة التي تقدم نفسها كفاعل في مكافحة الإرهاب لا يمكنها أن تتجاهل هشاشة مجال مغلق فوق أرضها، متصل جغرافيًا ونفسيًا وسياسيًا بأحزمة الانفصال والعنف في الساحل.



ثالثًا: الساحل ومالي… حين تفقد الجزائر صفة الوسيط

كان من أخطر التحولات الأخيرة أن الجزائر بدأت تفقد صورتها القديمة كوسيط في الساحل، خصوصًا في الملف المالي. فقد شكّل اتفاق الجزائر لسنة 2015، لسنوات طويلة، عنوانًا لدور جزائري في إدارة النزاع بين باماكو وبعض حركات الشمال. لكن انهيار الثقة بين مالي والجزائر، وخروج باماكو من الاتفاق، ثم تصاعد الاتهامات المتبادلة، كشف أن مرحلة الوساطة الجزائرية لم تعد كما كانت.


لقد انتقلت مالي من النظر إلى الجزائر كقناة وساطة إلى التعامل معها كجزء من المشكلة، أو على الأقل كطرف يحتفظ بعلاقات ملتبسة مع فاعلين تعتبرهم باماكو تهديدًا لوحدتها واستقرارها. وقد ذهبت السلطات المالية، في أواخر 2024 وبداية 2025، إلى اتهام الجزائر برعاية الإرهاب في الساحل، بينما رفضت الجزائر هذه الاتهامات وشددت على احترامها لوحدة مالي وسيادتها. المهم هنا ليس أن نعامل الاتهام المالي كحقيقة قضائية نهائية، بل أن نقرأ دلالته السياسية: عندما تصل دولة مجاورة إلى اتهام الجزائر بهذا المستوى، فهذا يعني أن صورة الجزائر كوسيط محايد قد تضررت بعمق.  


وهذا التحول لا ينفصل عن طبيعة الأزمة في الساحل. فالجماعات الجهادية لم تعد مجرد خلايا معزولة، بل صارت تتحرك في بيئة تتداخل فيها الانتماءات القبلية، ومطالب الانفصال، والجريمة المنظمة، وتهريب السلاح، والفراغات الحدودية. وتشير قراءات أمنية حديثة إلى أن الخطر في الساحل يتفاقم بسبب احتمال تقارب شبكات الإرهاب والجريمة المنظمة، وما ينتج عن ذلك من تهديد يتجاوز حدود دول المنطقة نفسها.


في هذا السياق، يكتسب تقارب مالي مع المغرب معنى يتجاوز المجاملة الدبلوماسية. فقد أعلنت مالي في أبريل 2026 سحب اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” ودعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، في تحول يضرب أحد أعمدة السردية الجزائرية في إفريقيا. فهذا القرار لا يعني فقط انتقال دولة إفريقية من ضفة دبلوماسية إلى أخرى، بل يعكس قراءة أمنية جديدة: الدول التي تواجه الانفصال المسلح والجماعات الجهادية لم تعد ترى في البوليساريو نموذجًا مشروعًا، بل ترى في منطق الانفصال نفسه خطرًا على وحدة الدول واستقرارها.


وهنا يصبح التقاطع بين الرباط وباماكو مفهومًا. فالمغرب لا يقدم نفسه في الساحل كقوة عسكرية صدامية، بل كفاعل يربط الأمن بالتنمية، والدين بالاعتدال، والتعاون الإفريقي بمشاريع عملية. أما مالي، التي تواجه تحديات وجودية في الشمال والوسط، فقد وجدت في الموقف المغربي من الحكم الذاتي نموذجًا سياسيًا يوازن بين الاعتراف بالخصوصيات المحلية والحفاظ على سيادة الدولة ووحدتها.


ومن هذه الزاوية، فإن أي تعاون مغربي مع مالي في مكافحة الإرهاب لا ينبغي قراءته كتحالف ظرفي ضد الجزائر فقط، بل كجزء من هندسة أمنية جديدة في غرب إفريقيا والساحل: هندسة تقوم على رفض الانفصال المسلح، ومحاصرة الجماعات الجهادية، وربط الأمن بفتح ممرات اقتصادية نحو الأطلسي. وهذا بالضبط ما يفسر حساسية الجزائر من التحولات الجارية؛ لأن تراجع نفوذها في مالي لا يعني خسارة وسيط سياسي فحسب، بل خسارة موقع استراتيجي في منطقة ظلت تعتبرها امتدادًا طبيعيًا لنفوذها جنوبًا.


بهذا المعنى، فإن ما يحدث في مالي ليس ملفًا بعيدًا عن الصحراء المغربية. إنه جزء من اللوحة نفسها: البوليساريو في تندوف، حركات انفصالية في الساحل، جماعات جهادية عابرة للحدود، ومشاريع أطلسية جديدة تسعى إلى إخراج دول الساحل من العزلة الجغرافية. ومن يفهم هذا الترابط يدرك أن الصراع لم يعد حول شريط رملي في الصحراء، بل حول مستقبل غرب إفريقيا كله: هل سيُبنى على وحدة الدول والتنمية والربط الأطلسي، أم على الانفصال والسلاح والممرات الرمادية؟



رابعًا: المشروع الأطلسي وأنبوب الغاز… لماذا تخشى الجزائر التحول الجيوسياسي؟

لا يمكن فهم حساسية الجزائر من التقارب المغربي مع دول الساحل دون وضعه داخل الصورة الكبرى: المغرب لم يعد يتحرك فقط بمنطق الدفاع عن صحرائه، بل بمنطق بناء هندسة إقليمية جديدة تربط الساحل بالأطلسي، وتحوّل الجغرافيا من عبء إلى فرصة. وهذا هو جوهر المبادرة الأطلسية التي طرحها المغرب لفائدة الدول الإفريقية الحبيسة، وعلى رأسها مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد: فتح منفذ استراتيجي نحو المحيط، وربط الأمن بالتجارة والطاقة والبنية التحتية.


لقد أبدت مالي وبوركينا فاسو والنيجر دعمها للمبادرة المغربية للوصول إلى الأطلسي عبر الموانئ المغربية، في سياق إقليمي شديد التعقيد، حيث تبحث هذه الدول الحبيسة عن بدائل تجارية وأمنية بعد اهتزاز علاقاتها مع تكتلات وشركاء تقليديين. وهذا التحول، وإن قُدّم في لغة الاقتصاد واللوجستيك، يحمل في عمقه معنى جيوسياسيًا واضحًا: الساحل لم يعد مضطرًا للبقاء رهينة ممرات محدودة أو وساطات قديمة، بل صار يبحث عن بوابة أطلسية جديدة.  


هنا بالضبط تتضرر العقيدة الجزائرية القديمة. فالجزائر بنت جزءًا من نفوذها جنوبًا على فكرة العمق الصحراوي والوساطة الأمنية والاتصال الطبيعي بالساحل. لكنها تجد نفسها اليوم أمام مغرب يقدّم بديلًا مختلفًا: لا يكتفي بالخطاب الأمني، بل يربط دول الساحل بسلاسل تجارة وموانئ وطرق ومشاريع طاقة واستثمارات ضخمة. وفي عالم لا تحكمه الشعارات بل الاستثمارات والتجارة والممرات، تصبح الموانئ والأنابيب والطرق أدوات نفوذ أقوى من البيانات الدبلوماسية.


ويزداد الأمر حساسية مع مشروع أنبوب الغاز نيجيريا ـ المغرب ـ أوروبا. فهذا المشروع لا يعني فقط نقل الغاز من غرب إفريقيا إلى أوروبا، بل يعني إعادة رسم خريطة الطاقة في غرب القارة، عبر مسار أطلسي يمر بعدد كبير من الدول الإفريقية ويمنحها إمكانات تنموية وربطًا طويل المدى. وقد أشارت تقارير اقتصادية إلى أن المشروع، المدعوم من “إيكواس”، أكمل مراحل الجدوى والهندسة، وأنه يُتصور على مراحل لربط حقول الغاز الإفريقية بالمغرب ثم أوروبا.  


من هذه الزاوية، يمكن فهم خوف الجزائر من المشروع الأطلسي المغربي. فالأمر لا يتعلق بمنافسة اقتصادية عادية، بل بإعادة توزيع الوظائف الإقليمية: من يربط الساحل بالبحر؟ من يؤمن ممرات الطاقة؟ من يتحول إلى بوابة إفريقيا نحو أوروبا؟ ومن يملك القدرة على تقديم الاستقرار بوصفه خدمة استراتيجية، لا مجرد شعار سياسي؟


ولذلك، فإن زعزعة موريتانيا أو إرباك مالي أو إبقاء الساحل في منطقة رمادية لا يمكن عزله عن هذا الصراع على الممرات. فكلما تقدمت هندسة الربط الأطلسي، تراجعت قيمة أوراق التعطيل القديمة. وكلما صار الساحل يبحث عن منفذ اقتصادي وممر طاقي، صار الانفصال المسلح عبئًا على أصحابه. فالمشروع الأطلسي لا يواجه الجزائر عسكريًا، لكنه يسحب من تحت قدميها سردية النفوذ: منطق “البلد الثوري الوسيط” أمام منطق “الدولة الممرّ، الشريك، والبوابة”.


وهنا يظهر الفرق بين رؤيتين: رؤية تستثمر في المخيمات، والحدود المغلقة، والكيانات الوظيفية، وحروب بالوكالة، ورؤية تستثمر في الموانئ، والربط الطاقي، والتعاون الأمني، وفتح الأفق أمام دول الساحل. الأولى تعيش على استمرار الأزمة، والثانية تربح من حلّها. لذلك يبدو المشروع الأطلسي، في عمقه، نقيضًا مباشرًا لفلسفة تندوف: حيث تريد الجزائر إبقاء المنطقة معلّقة في نزاع، يحاول المغرب نقلها إلى منطق الربط والتنمية والسيادة المشتركة على الأمن.



خامسًا: موريتانيا بين الحياد القديم وضغط الجغرافيا الجديدة

تحتل موريتانيا موقعًا بالغ الحساسية في هذه المعادلة. فهي ليست مجرد جار جنوبي للمغرب، ولا مجرد دولة عازلة بين المغرب والساحل، بل عقدة جغرافية بين الأطلسي، والصحراء، ومالي، والجزائر، والعمق الإفريقي. لذلك فإن استقرار موريتانيا ليس مسألة داخلية تخص نواكشوط وحدها، بل عنصر أساسي في أمن غرب إفريقيا وفي نجاح أي مشروع أطلسي يربط الساحل بالمحيط. وهذا هو سبب التنسيق الأمني الذي تعزّز مؤخرا بين الرباط ونواكشوط على الحدود المشتركة بين البلدين.


من هنا يمكن فهم لماذا تنظر الرباط إلى موريتانيا باعتبارها شريكًا استراتيجيًا لا ينبغي تركه تحت ضغط الاستقطاب أو التهديد الجزائري، أو اختراقات البوليساريو، أو هشاشة الساحل. فالمغرب لا يستطيع أن يبني مشروعًا أطلسيًا واسعًا بينما خاصرته الجنوبية رخوة، ولا يمكن لأنبوب الغاز أو ممرات التجارة أن تصبح واقعًا مستقرًا إذا بقيت المنطقة بين الكركرات ونواذيبو والساحل مفتوحة على احتمالات التوتر.


لقد اختارت موريتانيا لسنوات طويلة سياسة التوازن الحذر بين المغرب والجزائر والبوليساريو. وهذا مفهوم بحكم موقعها الجغرافي وتركيبتها السياسية وحاجتها إلى تجنب الاصطفافات الحادة. غير أن التحولات الأخيرة تجعل هذا الحياد القديم أكثر صعوبة. فحين تنتقل مالي نحو دعم مبادرة الحكم الذاتي، وحين تدعم دول الساحل المبادرة الأطلسية المغربية، وحين يتحول ملف البوليساريو إلى سؤال أمني، تصبح المسافة بين الحياد والحسم أضيق مما كانت عليه.


وهنا لا يحتاج المغرب إلى دفع موريتانيا نحو مواجهة مع الجزائر، بل إلى تثبيت منطق المصالح المشتركة: أمن الحدود، استقرار الساحل، حماية الممرات التجارية، ربط الموانئ، ومواجهة الجماعات المسلحة. هذه المصالح، في واقع الأمر، أقوى من أي خطاب أيديولوجي. فموريتانيا الرابحة من الاستقرار والربط الأطلسي لن تكون هي نفسها موريتانيا المحاصرة بين تندوف والساحل وتهديدات الانفصال.


أما الجزائر، فإنها تدرك أن خروج موريتانيا من المنطقة الرمادية سيقلص هامش المناورة أمام البوليساريو. فإذا تحولت نواكشوط إلى شريك كامل في هندسة أطلسية مغربية ـ ساحلية، فإن المجال الذي كانت تتحرك فيه الجبهة الانفصالية سيضيق أكثر. لذلك يصبح الضغط على موريتانيا، أو محاولة إرباك محيطها، جزءًا من معركة أوسع: معركة منع المغرب من تحويل الأطلسي إلى منصة نفوذ إفريقي.


ومع ذلك، فإن مصلحة موريتانيا الواضحة ليست في الانخراط في حرب محاور، بل في الارتباط بمسار استقرار طويل الأمد. فالجزائر قد تقدّم لها خطاب التوازن، والبوليساريو قد تحاول استعمال قربها الجغرافي، لكن المغرب يملك ما هو أعمق: منفذًا أطلسيًا مشتركًا، اقتصادًا أكثر ارتباطًا بالأسواق العالمية، ومشروعًا إقليميًا يجعل من موريتانيا جسرًا لا ساحة ضغط.


بهذا المعنى، فإن موريتانيا ليست تفصيلًا في الصراع، بل مرآة لمستقبله. فإذا نجحت في ترسيخ موقعها ضمن معادلة الأمن والربط الأطلسي، فإن البوليساريو ستفقد جزءًا كبيرًا من فضائها الجغرافي والسياسي. وإذا بقيت تحت ضغط الحياد السلبي، فستظل عرضة لمحاولات التوظيف من كل الأطراف التي تعيش على استمرار النزاع.



سادسًا: الحدود الشرقية… من الجغرافيا الملغومة إلى سياسة التحرش

لا يكتمل فهم التحول في سلوك الجزائر دون العودة إلى الحدود الشرقية، حيث تظهر آثار الخريطة الاستعمارية الملغومة في أوضح صورها. فهذه الحدود لم تولد من توافق تاريخي طبيعي بين مجالين سياسيين مستقرين، بل صيغت في جزء كبير منها داخل المختبر الاستعماري الفرنسي، حين كانت باريس تتعامل مع الجزائر بوصفها امتدادًا ترابيًا فرنسيًا، ومع المجال المغربي الشرقي بوصفه هامشًا قابلًا للاقتطاع والإلحاق.


لهذا لم تكن حرب الرمال سنة 1963 مجرد حادث عابر بين دولتين حديثتي العهد بالاستقلال، بل كانت أول انفجار كبير لسؤال الحدود الموروثة عن الاستعمار. ومنذ ذلك الوقت، ظلّ الشرق المغربي حاضرًا في الذاكرة السياسية والشعبية المغربية بوصفه مجالًا تكثّفت فيه نتائج الترسيم الفرنسي، وورثت فيه الجزائر حدودًا لم تصنعها بنفسها، لكنها حولتها لاحقًا إلى جزء من عقيدتها العسكرية المغلقة.


في السنوات الأخيرة، عادت هذه الحدود إلى الواجهة عبر حوادث متفرقة ومتوترة: حديث عن تحركات عسكرية قرب فكيك وقصر إيش، وروايات متضاربة حول اختراقات أو اقتراب من الخط الحدودي، وتقارير عن إطلاق نار أو توترات أثارت قلق السكان المحليين. وقد نقلت وكالة Agenzia Nova في فبراير 2026 وجود توتر مرتفع على حدود فكيك، مع روايات متعارضة حول حادثة عبور مفترضة، في سياق أوسع من القطيعة الدبلوماسية وإغلاق الحدود بين البلدين.  


المهم هنا ليس تحويل كل حادثة حدودية إلى إعلان حرب، بل قراءة النمط. فالجزائر التي تغلق الحدود منذ عقود، وتستضيف البوليساريو في تندوف، وتدير خطابًا عدائيًا ضد المغرب، وتتحرك أحيانًا قرب نقاط حساسة، لا تنتج فقط توترًا عسكريًا، بل تصنع مناخًا نفسيًا دائمًا عنوانه: إبقاء المغرب منشغلًا بشرقه كما هو منشغل بجنوبه.


وهذه السياسة تحمل مفارقة عميقة. فالجزائر تتحدث كثيرًا عن احترام الحدود، لكنها بنت جزءًا مهمًا من سياستها تجاه المغرب على احتضان تنظيم مسلح ينازع وحدته الترابية. وتتحدث عن السيادة، لكنها جعلت من تندوف فضاءً سياسيًا وعسكريًا موجّهًا ضد دولة جارة. وتتحدث عن الاستقرار، لكنها تدخل في توترات متتالية مع المغرب ومالي، وتراقب بقلق أي تقارب بين الرباط ودول الساحل وموريتانيا.


من هنا يمكن القول إن الحدود الشرقية ليست مجرد خط على الخريطة، بل مسرح رمزي لعقيدة كاملة: عقيدة الضغط المستمر، والتحرش المحسوب، وفتح جبهات منخفضة الحدة تمنع المغرب من تحويل كامل طاقته نحو مشروعه الأطلسي والإفريقي. غير أن هذه العقيدة، كما في ملف البوليساريو، بدأت تفقد فعاليتها القديمة. فالمغرب لم يعد يتصرف بمنطق الانفعال، بل بمنطق الصبر الاستراتيجي: لا يمنح خصمه الحرب التي يبحث عنها، ولا يتنازل عن حقه في بناء الردع الذي يحفظ أمنه.



سابعًا: تحديث الدفاع المغربي… الردع لا المغامرة

في مقابل هذا المناخ المتوتر، يمكن فهم تحديث المغرب لقدراته الدفاعية بوصفه انتقالًا من منطق الحماية التقليدية إلى منطق الردع متعدد الطبقات. فالمغرب لا يتحرك في فراغ، بل في بيئة إقليمية مفتوحة على المسيّرات، والصواريخ، والوكلاء المسلحين، والجماعات العابرة للحدود. ومن لا يبني اليوم دفاعًا جويًا وسيبرانيًا واستخباراتيًا متقدمًا، يترك مدنه ومراكزه الحيوية مكشوفة أمام جيل جديد من التهديدات.


ضمن هذا السياق جاءت التقارير التي تحدثت عن نشر منظومات دفاع جوي إسرائيلية في المغرب، ومنها منظومة Spyder قرب الرباط، بما أثار اهتمام الصحافة الإسبانية التي قرأت الخطوة باعتبارها تطورًا في قدرة المغرب على اعتراض الطائرات والمسيّرات والصواريخ.   كما تحدثت تقارير أخرى عن دخول منظومات Barak MX الخدمة، في إطار بناء شبكة دفاعية أكثر تعقيدًا.


هذه المعطيات لا ينبغي قراءتها بوصفها إعلانًا عن نية هجومية، بل بوصفها رسالة دفاعية واضحة: المغرب لا يريد الحرب، لكنه لا يقبل أن يكون مجالُه الجوي وأمنُه الداخلي ومدنُه الحدودية رهائن للاحتمالات. فحين تُستهدف السمارة بمقذوفات، وحين تتحرك البوليساريو بين خطاب سياسي وسلوك مسلح، وحين تتوسع تكنولوجيا المسيّرات في المنطقة، يصبح الردع ضرورة سيادية لا ترفًا عسكريًا.


لقد شكّلت هجمات السمارة نقطة مفصلية في هذا الوعي. ففي أكتوبر 2023 تسببت انفجارات في المدينة في مقتل شخص وإصابة آخرين، واعتبر معهد واشنطن ذلك تصعيدًا مقلقًا بالنسبة للمغرب. ثم عاد الملف إلى الواجهة سنة 2026 بعد هجوم آخر قرب السمارة، إذ تحدثت تقارير عن إدانة أمريكية وفرنسية وأوروبية أوضح من السابق، مع إشارة إلى أن البوليساريو أعلنت مسؤوليتها عن إطلاق النار.  


وهنا يتضح الفرق بين الدولة والوكيل المسلح. فالدولة تتحمل مسؤولية حماية المدنيين وضبط حدودها واحترام التزاماتها الدولية. أما الوكيل المسلح فيستطيع أن يطلق مقذوفًا ثم يختبئ خلف خطاب “التحرر” أو خلف ضباب المسؤولية. لذلك يصبح السؤال الحقيقي موجهًا إلى الجزائر: إذا كانت البوليساريو تتحرك من أرض تحت سيادتكم، فمن يتحمل الكلفة السياسية والأمنية حين تستهدف مدنيين أو تهدد وقف إطلاق النار؟


إن الردع المغربي، في هذا المعنى، ليس نزوعًا إلى التصعيد، بل محاولة لمنع الآخرين من سوء الحساب. فحين يعلم الخصم أن كلفة المغامرة مرتفعة، تقل احتمالات الانزلاق. وحين يعرف الوكيل المسلح أن الدولة المستهدفة تملك قدرة رصد واعتراض ورد، يصبح استعماله كورقة ضغط أقل جاذبية. لذلك يمكن القول إن تحديث الدفاع المغربي جزء من معادلة أوسع: تحويل الاستقرار إلى قوة، لا تركه رهينة لنية الخصم.



ثامنًا: مجلس الأمن والحكم الذاتي… حين تضيق مساحة المناورة

في المستوى الدبلوماسي، يواجه المشروع الجزائري مأزقًا لا يقل خطورة عن المأزق الأمني. فالمسار الأممي لم يعد كما كان في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين كان خطاب “تقرير المصير” يُقرأ بمعزل عن واقعية الدولة، ومخاطر الانفصال، وتحولات الساحل. اليوم تتقدم مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الإطار الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق، لا لأنها تلغي الحاجة إلى تسوية سياسية، بل لأنها تقدم تسوية داخل السيادة المغربية تحفظ الاستقرار وتمنع إنتاج كيان هش في منطقة مشتعلة.


لقد شهد سنة 2025 تحولًا مهمًا في مجلس الأمن، إذ تبنى قرارًا وصف الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بأنه أساس قابل للحياة أو من أكثر الحلول قابلية للتطبيق، مع استمرار لغة التسوية السياسية وحق تقرير المصير في إطار أممي. وقد اعتبرت Le Monde القرار انتصارًا دبلوماسيًا للمغرب، مع التنبيه إلى أن النص النهائي جاء أكثر توازنًا لتفادي اعتراضات داخل المجلس. كما نقلت رويترز أن المغرب أعلن يوم 31 أكتوبر عيدًا وطنيًا ابتداءً من السنة التالية، احتفاءً بالقرار الأممي الذي دعم خطة الحكم الذاتي المغربية.  


هذا التحول يفسر جزءًا من توتر الجزائر. فكلما اتسعت دائرة الاعتراف الدولي بواقعية الحكم الذاتي، تراجعت قدرة البوليساريو على تسويق مشروع الانفصال. وكلما اقترب الحل من إطار السيادة المغربية، فقدت الجزائر الورقة التي استثمرت فيها لعقود. لذلك يصبح مفهومًا أن تحاول الجزائر، وفق ما تتداوله بعض المواقع الدولية المتخصصة، البحث عن طرق لاختراق مسار الحكم الذاتي أو التأثير فيه عبر البوليساريو أو عبر هندسة تمثيلية تضمن لها موطئ قدم داخل أي تسوية مستقبلية. لكن هذه النقطة بالذات يجب أن تقرأ بحذر، لأنها تقوم في جزء كبير منها على تقارير إعلامية واستخباراتية غير رسمية، لا على وثائق أممية رسمية معلنة.


ومع ذلك، فإن المنطق السياسي واضح: الجزائر لا تخشى فقط فشل البوليساريو عسكريًا أو دبلوماسيًا، بل تخشى نجاح الحكم الذاتي نفسه. لأن نجاحه يعني نهاية وظيفة تندوف القديمة، وانهيار سردية “الدولة الصحراوية” كأداة ضغط، وظهور نموذج جديد في المنطقة: نموذج يمنح السكان تدبيرًا موسعًا لشؤونهم داخل سيادة دولة مستقرة، بدل إنشاء كيان وظيفي هش مفتوح على الاختراقات الخارجية، كما تحاول الجزائر التخطيط لذلك في المرحلة المقبلة (اختراق الحكم الذاتي عن طريق عملاء لها في الداخل يمثلون الطابور السادس).


هنا يصبح رفض مجلس الأمن تصنيف البوليساريو منظمة إرهابية، رغم استهداف المدنيين في السمارة، جزءًا من تناقض السياسة الدولية. فالمجلس ما زال يتعامل مع النزاع ضمن إطار التسوية السياسية، ويتجنب دفع الأطراف إلى زوايا حادة قد تنسف المسار التفاوضي. غير أن هذا الحذر لا يعني أن سلوك البوليساريو بلا أثر. فكل مقذوف يسقط قرب المدنيين يضعف صورتها السياسية، وكل ارتباط محتمل بإيران أو بجماعات الساحل يزيد من كلفة الدفاع عنها، وكل تقدم للحكم الذاتي يجعل خطاب الانفصال أقل قابلية للتسويق.


لذلك فإن المعركة المقبلة لن تكون فقط حول نصوص القرارات، بل حول معنى الواقعية السياسية. هل الواقعية أن يبقى نزاع عمره نصف قرن مفتوحًا إلى ما لا نهاية؟ أم أن الواقعية أن تُبنى تسوية تحفظ السيادة، وتمنح تدبيرًا ذاتيًا واسعًا، وتغلق الباب أمام الانفصال المسلح في منطقة متاخمة للساحل؟ وتتيح الفرصة لشعوب المنطقة للعيش الكريم بأمن وسلام وازدهار؟ هذا هو السؤال الذي يضيق الخناق على الجزائر أكثر من أي خطاب مغربي مباشر.



تاسعًا: من ورقة الضغط إلى العبء على الجزائر

كانت الجزائر تراهن، طوال عقود، على أن البوليساريو تمنحها ورقة ضغط دائمة ضد المغرب: نزاع مفتوح في الجنوب، استنزاف دبلوماسي في الأمم المتحدة، تعطيل للاندماج المغاربي، وتشويش على أي صعود مغربي في إفريقيا. غير أن التحولات الأخيرة تكشف أن هذه الورقة لم تعد رخيصة كما كانت. لقد تحولت من أداة ضغط إلى عبء مركب: عبء أمني، وعبء دبلوماسي، وعبء أخلاقي، وعب اقتصادي، وعبء استراتيجي.


فالعبء الأمني يتجلى في أن البوليساريو لم تعد تُقرأ فقط كحركة انفصالية، بل كفاعل مسلح يتحرك في بيئة ملتبسة بين تندوف والساحل، ومعرّض للاختراق من شبكات السلاح والجماعات المتطرفة وممرات التهريب. وكلما ظهرت تقارير عن صلات محتملة بإيران أو حزب الله، أو عن استعمال مسيّرات وتقنيات عسكرية جديدة، ازدادت صعوبة الدفاع عن الجبهة باعتبارها مجرد “حركة تحرير”.


أما العبء الدبلوماسي، فيظهر في تراجع السردية الجزائرية داخل إفريقيا وخارجها. فقد باتت دول إفريقية عديدة تنظر إلى الانفصال المسلح باعتباره خطرًا على وحدة الدول، لا وصفة للتحرر. وحين تسحب دولة مثل مالي اعترافها بالكيان الانفصالي وتدعم الحكم الذاتي المغربي، فإن ذلك لا يضرب البوليساريو وحدها، بل يضرب إحدى ركائز السياسة الخارجية الجزائرية في القارة. فالدول التي تواجه تهديدات انفصالية وجهادية لا تستطيع أن تطمئن إلى مشروع يقوم على إنشاء كيان هش في منطقة مفتوحة على الساحل.


أما العبء الأخلاقي، فيتمثل في وضعية المخيمات نفسها. فبعد نصف قرن تقريبًا من الإقامة في تندوف، لم يعد من الممكن تقديم المخيمات كحالة مؤقتة بريئة. أجيال وُلدت هناك وعاشت داخل خطاب واحد، وتحت سلطة تنظيم واحد، وفي فضاء مغلق لا يعرف الشفافية الكاملة. هنا يصبح السؤال الإنساني حرجًا: هل تُستعمل معاناة السكان لحلّ النزاع أم لإطالته؟ وهل تريد الجزائر فعلًا تحرير هؤلاء من المخيمات، أم تريد استمرارهم كوقود رمزي لقضية فقدت جزءًا كبيرًا من زخمها؟


أما العبء الآقتصادي والاستراتيجي، فهو الأعمق. فقد دخل المغرب مرحلة جديدة: دفاع جوي متطور، حضور إفريقي متزايد، مشروع أطلسي، دعم متنامٍ للحكم الذاتي، وشراكات أمنية واقتصادية مع قوى متعددة. في المقابل، تجد الجزائر نفسها أسيرة ورقة قديمة، كلما تمسكت بها أكثر ازدادت كلفتها. فالزمن لم يعد في صالح مشروع الانفصال؛ لأن المنطقة لم تعد تتحمل كيانًا جديدًا هشًا بين الساحل والمغرب والجزائر وموريتانيا.


ولهذا تبدو الجزائر اليوم أمام مفارقة قاسية: الورقة التي أرادت بها إضعاف المغرب قد تتحول إلى سبب في تعرية سياستها الإقليمية. فبدل أن يظهر المغرب محاصرًا، صار يظهر كدولة تبني مشروعًا وتراكم الاعترافات وتحدّث دفاعاتها وتعرض تسوية سياسية. وبدل أن تظهر الجزائر كقوة استقرار، صارت تُسائل حول تندوف، والساحل، ومالي، والبوليساريو، والحدود الشرقية، ومآلات التصعيد، ناهيك عن ارتباطها بإيران.



عاشرًا: الجزائر أمام خيارين

في نهاية المطاف، لا تستطيع الجزائر أن تواصل إلى الأبد سياسة تقوم على إنكار التحولات. فالعالم الذي وُلدت فيه البوليساريو لم يعد موجودًا: الحرب الباردة انتهت، منطق “حركات التحرر” فقد كثيرًا من بريقه، الساحل أصبح مسرحًا للجهادية العابرة للحدود، إفريقيا تبحث عن التنمية والربط لا عن كيانات انفصالية جديدة، والغرب لم يعد ينظر إلى الصحراء فقط كملف قانوني، بل كجزء من أمن الطاقة والهجرة ومكافحة الإرهاب.


وعلى هذا الأساس، أمام الجزائر خياران واضحان:


الخيار الأول هو الاستمرار في العقيدة القديمة: تندوف، البوليساريو، إغلاق الحدود، مزاحمة المغرب، محاولة اختراق الحكم الذاتي، وإبقاء المنطقة معلقة في نزاع لا نهاية له. وهذا الخيار قد يمنح النظام الجزائري وهم الصمود، لكنه في الواقع يزيد عزلته ويحوّل البوليساريو إلى عبء متفاقم. فكلما طالت الأزمة، ازدادت الأسئلة حول المخيمات، والسلاح، والتمويل، والعلاقة بالساحل، ومسؤولية الدولة المضيفة.


الخيار الثاني هو الاعتراف بأن أمن المنطقة لا يُبنى ضد المغرب، بل معه. وهذا لا يعني أن تتخلى الجزائر عن مصالحها، بل أن تعيد تعريفها بطريقة عقلانية: فتح الحدود، إنهاء توظيف الانفصال، دعم تسوية واقعية تحفظ الاستقرار، والانخراط في هندسة مغاربية ـ ساحلية جديدة تجعل من المنطقة فضاء تعاون بدل أن تبقى رهينة ذاكرة الحرب الباردة والخصومة على الريادة الإقليمية.


غير أن هذا الخيار الثاني يحتاج إلى شجاعة سياسية لا يبدو النظام الجزائري مستعدًا لها حتى الآن؛ لأنه بنى جزءًا كبيرًا من شرعيته الداخلية على صورة “العدو المغربي”، وعلى سردية أن كل صعود للمغرب هو تهديد للجزائر. لذلك فإن المشكل ليس فقط في البوليساريو، بل في البنية الذهنية العسكرية التي جعلت البوليساريو ممكنة ومستمرة ومفيدة لنظام ديكتاتوري ينتمي للعهد القديم.


ومع ذلك، فإن الزمن الاستراتيجي لا ينتظر. فالمغرب يمضي في مشروعه الأطلسي، ودول الساحل تبحث عن منافذ جديدة، ومجلس الأمن يقترب أكثر من منطق الحكم الذاتي، والولايات المتحدة تطرح أسئلة قاسية حول البوليساريو وإيران، ومالي تعيد ترتيب علاقتها بالجزائر وروسيا والمغرب، وموريتانيا تراقب ميزان المصالح وتنحاز للمغرب، وأوروبا تحتاج إلى شريك مستقر في الهجرة والطاقة والأمن قلا تجد في المنطقة خيارا غير المغرب.


في هذا السياق، لم تعد البوليساريو ورقة جزائرية ضد المغرب، بل اختبارًا للجزائر نفسها: هل تستطيع الخروج من أسر ورقة صنعتها ظروف قديمة؟ أم ستواصل الدفاع عن مشروع يتآكل سياسيًا ويتحول أمنيًا إلى عبء لا تعرف كيف تتخلص منه؟



خاتمة: حين ينقلب السلاح الرمزي على صاحبه

لقد أرادت الجزائر من البوليساريو أن تكون شوكة في خاصرة المغرب، أو حصاة في حذاء المغرب بتعبير الراحل الهواري بومدين، فإذا بها تتحول تدريجيًا إلى مرآة تكشف هشاشة العقيدة الجزائرية نفسها. أرادت أن تجعل من تندوف منصة ضغط، فإذا بتندوف تتحول إلى سؤال دولي حول المخيمات والسلاح والمسؤولية. أرادت أن تستعمل الساحل عمقًا للمناورة، فإذا بمالي تتجه نحو الرباط وتتهم الجزائر بالتدخل أو التواطؤ. أرادت أن تعزل المغرب في صحرائه، فإذا بالمغرب يخرج نحو الأطلسي وإفريقيا والطاقة والردع الدفاعي فيعزل الجزائر عن محيطها الجغرافي.


لم يعد السؤال إذن: هل يستطيع المغرب إسقاط ورقة البوليساريو؟ بل: هل تستطيع الجزائر تحمل كلفة استمرارها؟


فالورقة التي كانت تبدو منخفضة الكلفة أصبحت محاطة بالاتهامات: إيران، حزب الله، الساحل، تندوف، السمارة، المخيمات، اختراق الحكم الذاتي، وعرقلة المشاريع الأطلسية. ومع كل تحول جديد، يتضح أن الصراع لم يعد فقط حول الصحراء المغربية، بل حول مستقبل الإقليم كله: هل يبقى رهينة الانفصال، ومخيمات العار، والإرهاب،  والحدود المغلقة، أم ينتقل إلى منطق الدولة، والممرات، والطاقة، والأمن المشترك؟


والجواب، في النهاية، لا تصنعه البيانات وحدها، بل تصنعه موازين القوة والواقعية. والمغرب، في هذه المرحلة، لا يبدو منشغلًا بالرد على كل استفزاز بقدر ما يبني بصبر معادلة جديدة: حكم ذاتي تحت السيادة، دفاع متطور، حضور إفريقي، منفذ أطلسي للساحل، وشراكات دولية تجعل من الاستقرار قيمة استراتيجية.


أما الجزائر، فإنها تقف أمام سؤالها الأصعب: هل تبقى أسيرة ورقة انفصالية تتآكل، أم تملك شجاعة الخروج من هندسة العداء التي ورثتها من خرائط الاستعمار ومن أوهام الريادة؟

في الحالتين، لم تعد البوليساريو ورقة مجانية. لقد صارت فاتورة مفتوحة عالية التكلفة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق