هل خلق العلماء الحياة من لا شيء؟

 

خلية SpudCell بين الإنجاز العلمي، والمبالغة الإعلامية، والميزان القرآني


تمهيد

أثارت تجربة علمية أعلن عنها باحثون من جامعة مينيسوتا الأميركية موجة واسعة من الاهتمام، بعدما تناولتها وسائل إعلام دولية وعربية بعناوين توحي بأن العلماء نجحوا، للمرة الأولى، في «بناء خلية من الصفر»، تستطيع أن تتغذى وتنمو وتنسخ مادتها الوراثية وتنقسم كما تفعل الخلايا الحية.

وقدمت بعض التغطيات الإنجاز باعتباره خطوة كبرى نحو «صناعة الحياة»، وربطته بإمكان ظهور كائنات حية مصممة حسب الطلب، يمكن برمجتها مستقبلًا لإنتاج الأدوية والوقود والمواد الكيميائية، أو لاستخدامها في علاج السكري والسرطان ومعالجة التلوث وفهم نشأة الحياة الأولى.../...


ونقلت صحيفة «الشرق الأوسط» أن فريقًا تقوده عالمة الأحياء التركيبية كيت أدامالا بنى خلية قطعة قطعة من «مكونات كيميائية غير حية»، وأن النموذج استطاع أن يتغذى وينمو ويتكاثر لنحو خمسة أجيال، رغم بقائه نموذجًا أوليًا هشًا ومحدودًا. وقدمت بعض الصحافة العلمية الأجنبية النتيجة بطريقة مشابهة، فتحدثت عن اقتراب العلماء من إنشاء الحياة من الصفر، وعن عبور محتمل للحد الفاصل بين المادة غير الحية والحياة. (وفق صحيفة أخبار اليوم⁠)


لكن السؤال العلمي والفلسفي الذي ينبغي طرحه بالمناسبة ليس: هل حقق الباحثون إنجازًا مهمًا؟ فالإنجاز العلمي قد يكون مهمًا، وإنما السؤال هو:


ما الذي صنعه العلماء فعلًا؟ وهل تمثل التجربة خلقًا للحياة من العدم، أم أنها إعادة تجميع شديدة التعقيد لأجزاء مستمدة أصلًا من أنظمة الحياة الموجودة؟


ما هي SpudCell؟

أطلق الباحثون على النظام الخلوي الجديد اسم SpudCell وهو يتكون، في صورته الأساسية، من حويصلة مجهرية محاطة بغشاء دهني، وداخلها مادة وراثية مصنّعة وأدوات جزيئية تساعد على قراءة الحمض النووي ونسخه وإنتاج بعض البروتينات.


ويعتمد المشروع على منهج يعرف في البيولوجيا التركيبية باسم البناء من الأسفل إلى الأعلى. فبدل البدء بخلية حية طبيعية ثم حذف جيناتها أو تبسيطها، كما فعلت مشاريع سابقة، حاول الباحثون تجميع المكونات المعروفة واحدًا بعد آخر داخل حويصلة دهنية، للحصول على منظومة تحاكي بعض الوظائف الأساسية للخلية.


وتشير التقارير المتاحة إلى أن الجينوم المستخدم يبلغ نحو تسعين ألف وحدة كيميائية من الحمض النووي، وأن النظام يعتمد على عشرات الإنزيمات، إضافة إلى الريبوسومات والجزيئات المسؤولة عن إنتاج البروتين والطاقة والنسخ الجيني. وقد تمكن من امتصاص مواد من البيئة المحيطة، وزيادة حجمه، ونسخ جزء من مادته الوراثية، ثم الانقسام إلى وحدات أصغر. (وفق ما أوردته صحيفة البلد الإسبانية)


وهذا التكامل بين الغشاء والمادة الوراثية وبعض عمليات النمو والنسخ والانقسام هو الجانب الجديد في التجربة. فقد سبق للباحثين أن صنعوا أغشية صناعية، أو شغّلوا أنظمة نسخ جيني خارج الخلايا، أو أنتجوا حويصلات تنمو، لكن جمع هذه الوظائف في منظومة واحدة تمثل دورة شبه خلوية يعد تقدمًا تقنيًا لافتًا. (وفق الصحيفة الإسبانية)


لماذا وصفها الباحثون بأنها خلية من مكونات غير حية؟

عندما يقال إن النظام بُني من «مكونات غير حية»، فالمقصود بذلك، وفق البروتوكولات العلمية، أن المواد التي وضعت على طاولة المختبر لا تعد، كل واحدة منها منفردة، كائنًا حيًا. فالغشاء الدهني ليس حيًا، والحمض النووي المعزول ليس كائنًا حيًا، والإنزيم المنقى ليس حيًا، والريبوسوم وحده ليس خلية حية.


لكن هذه العبارة لا تعني أن الباحثين بدأوا من ذرات أولية مبعثرة أو من ماء وتراب وعناصر بسيطة، ثم أنتجوا منها تلقائيًا جميع الآلات الجزيئية للحياة.


فالمكونات المستخدمة شديدة التعقيد، وكثير منها مشتق من نظم حيوية قائمة أو مصنعة اعتمادًا على معرفة وآلات مأخوذة من الحياة نفسها. وتشمل هذه المكونات إنزيمات بروتينية مطوية بدقة، وريبوسومات معقدة، وأحماضًا نووية تحمل تعليمات محددة، وجزيئات للطاقة، ودهونًا وأدوات نسخ وترجمة لا تتكون تلقائيًا بمجرد خلط عناصر المادة.


ولهذا أكد خبراء مستقلون (وفق ما أوردته SMC España)، أن وصف العمل بأنه خلق للحياة في المختبر مبالغة واضحة. فما تحقق، بحسب تقييمهم، هو تجميع يدوي لنظام شبيه بالخلية باستخدام أجزاء كيميائية وبيولوجية موجودة سابقًا، بحيث استطاع تقليد بعض الوظائف الخلوية. كما أشاروا إلى أن الفريق لم يصمم الخلية من مواد لا وجود لها في الطبيعة، بل استخدم مكونات طبيعية، من بينها عشرات الإنزيمات والريبوسومات والمواد الغذائية الجزيئية . 


كيف تتغذى الخلية الاصطناعية؟

قد توحي عبارة «تتغذى» بأن الخلية تمارس عملية أيض مستقلة كما تفعل البكتيريا، فتحصل على مادة أولية من الوسط، ثم تحولها بنفسها إلى طاقة وبروتينات وأغشية ومكونات جديدة.


لكن ما يحدث في التجربة أكثر اعتمادًا على التدخل الخارجي.


توضع الخلايا الاصطناعية داخل سائل غني مسبقًا بالجزيئات الحيوية الضرورية، بما فيها جزيئات الطاقة المعروفة باسم ATP كما تضاف إليها حويصلات غذائية صغيرة تحتوي على إنزيمات وريبوسومات ومكونات تحتاج إليها الخلية الصناعية. ثم تندمج هذه الحويصلات مع غشائها وتنقل إليها محتوياتها.


وبذلك لا تصنع SpudCell بنفسها معظم الآلات اللازمة لاستمرارها، بل تستقبلها جاهزة من الخارج. فهي لا تنتج الريبوسومات التي تصنع البروتين، ولا تنشئ بصورة مستقلة كامل منظومة الطاقة، ولا تتحكم في عملية الأيض كما تفعل الخلية الحية، ولا تتخلص ذاتيًا من الفضلات المتراكمة. (وفق ما أذكره خبراء لصحيفة The Guardian البريطانة في تعليقهم على نتائج هذه التجربة العلمية⁠)


وعليه، فإن تغذيتها تشبه تزويد جهاز معقد بوحدات تشغيل جاهزة أكثر مما تشبه تغذية كائن حي مستقل قادر على هضم المادة الأولية وبناء مكوناته من داخل نظامه باستقلالية.


هل تنقسم الخلية من تلقاء نفسها؟

أبرز ما أثار الاهتمام هو قدرة النظام على النمو والانقسام. لكن حتى هذه العملية لم تكن مستقلة استقلالًا كاملًا.


فبحسب التفاصيل المنشورة في صحيفة البلد الإسبانية وصحيفة الغارديان البريطانية، احتاج الباحثون في بعض مراحل التجربة إلى تمرير الحويصلات تحت الضغط عبر أغشية ذات فتحات مجهرية، حتى تنقسم إلى حويصلات أصغر. أي إن الانقسام لم يكن دائمًا ناتجًا عن آلية داخلية مكتملة تنظم تضاعف الجينوم، وتوزيع المادة الوراثية، وبناء الغشاء، ثم فصل الخليتين بصورة تلقائية ومنضبطة.


كما أن توزيع الحمض النووي أثناء الانقسام كان غير دقيق. وبعد خمس دورات من الانقسام احتفظت نسبة محدودة فقط من الخلايا الناتجة بنسخة كاملة من الجينوم. ومع تكرار العملية بدأت الإنزيمات والآلات الجزيئية تتعطل، وفقد النظام قدرته على الاستمرار . 


وهذه المحدودية بالغة الأهمية؛ لأن الخلية الطبيعية لا تكتفي بأن تنقسم شكليًا، بل تنسق بدقة بين نسخ مادتها الوراثية، وتوزيعها، وإنتاج الأغشية والبروتينات، وتصحيح الأخطاء، وإدارة الطاقة، والتخلص من الفضلات، والمحافظة على استقرارها الداخلي.


أما SpudCell فتنجح في محاكاة جزء من هذه السلسلة، لكنها لا تمتلك النظام المتكامل الذي يجعل التكاثر مستمرًا ومستقلًا.


هل تطورت الخلية فعلًا؟

تحدثت بعض التغطيات الإعلامية العربية بسطحية عن قدرة الخلية الاصطناعية على التطور والانتخاب الطبيعي. زاعمة أن الباحثين أدخلوا تعديلًا جينيًا منح بعض الحويصلات قدرة أكبر على امتصاص المواد والنمو، ثم لاحظوا أن هذه النسخة أصبحت أكثر انتشارًا بعد عدة دورات.


هذه النتيجة تحاكي مبدأ الانتقاء، لأن الوحدات الأسرع نموًا تصبح أكثر عددًا. لكنها لا تعني بالضرورة ظهور نظام تطوري مستقل مماثل لما يحدث في الكائنات الطبيعية.


فالطفرة، وفق تقارير علمية غربية، لم تنشأ عشوائيًا داخل منظومة تتكاثر ذاتيًا، بل أدخلها الباحثون عمدًا. والانقسام نفسه كان مدعومًا بالتدخل المختبري. كما أن النظام لم يستمر أجيالًا طويلة تسمح بتراكم طفرات جديدة وانتقاء خصائص أكثر تعقيدًا.


لذلك فالتجربة تثبت إمكان إخضاع منظومة اصطناعية محدودة لآلية فرز وانتخاب، لكنها لا تثبت أن حياة جديدة نشأت ثم دخلت من تلقاء نفسها في مسار تطوري مفتوح.


هل SpudCell كائن حي؟

لا يوجد في العلم تعريف واحد نهائي للحياة يحسم جميع الحالات الحدية، لكن الكائنات الحية عادة ما تتميز بمجموعة مترابطة من الخصائص، منها:


وجود غشاء يحفظ وحدة الكائن، وامتلاك معلومات وراثية، وإدارة الطاقة، والحفاظ على توازن داخلي، والاستجابة للبيئة، وبناء المكونات، وإصلاح الأعطال، والتكاثر المستقل، وإمكان التطور عبر أجيال متعاقبة.


و SpudCell تملك بعض هذه الخصائص بصورة أولية، لكنها تفتقد كثيرًا منها أو تعتمد فيها اعتمادًا مباشرًا على الوسط المصمم والتدخل البشري.


ولهذا صرحت الباحثة كيت أدامالا نفسها، وفق بعض التغطيات الصحفية البريطانية، بأن هذه الخلايا ليست حية بعد، وإنما يمكن أن تصبح منصة أو هيكلًا يساعد مستقبلًا على بناء حياة اصطناعية أكثر اكتمالًا. كما وصفتها بأنها أضعف وأبطأ وأقل كفاءة بكثير من الخلايا الطبيعية. 


إذن نحن أمام نظام شبيه بالحياة أو نموذج أولي لخلية تركيبية، لا أمام كائن حي مستقل مكتمل الشروط.


«من الصفر» لا تعني «من العدم»

يقع الالتباس الأكبر في عبارة «بناء خلية من الصفر» التي استعملها بعض الإعلام. ففي لغة الهندسة، قد تعني العبارة أن الباحثين لم يبدأوا بخلية حية كاملة، بل جمعوا المكونات المنفصلة لبناء النظام من الأسفل إلى الأعلى.


لكن كلمة «الصفر» في الاستعمال الصحفي قد تتحول بسهولة إلى معنى آخر: أن الحياة أُنشئت من لا شيء، أو أن الإنسان أصبح قادرًا على خلق كائن حي دون الاعتماد على حياة سابقة.


وهذا غير صحيح علميًا.


فالتجربة لم تبدأ من العدم، ولم تبدأ حتى من مادة أولية بسيطة. لقد بدأت من مكتبة هائلة من المعرفة البيولوجية، ومن حمض نووي مصمم، وإنزيمات جاهزة، وريبوسومات، ودهون، وجزيئات طاقة، ومغذيات، ووسط مختبري مضبوط، وأجهزة قياس متقدمة، وتدخل بشري دقيق.


إن الفرق هنا يشبه الفرق بين من يجمع حاسوبًا من معالج وذاكرة ونظام تشغيل ومكونات جاهزة، وبين من يخلق من العدم المادة والقوانين والمعلومات التي تجعل الحوسبة ممكنة.


تجميع الأجزاء إنجاز هندسي، لكنه ليس خلقًا للمكونات ولا خلقًا للقوانين التي تعمل بموجبها.


بل إن SpudCell تعتمد على أكثر الآلات الجزيئية تعقيدًا في الحياة، أي الريبوسوم. والريبوسوم ليس مجرد مادة كيميائية بسيطة، بل منظومة جزيئية بالغة الدقة تقرأ المعلومات الوراثية وتحولها إلى بروتينات. وحين يستخدمه الباحث داخل خلية صناعية، فهو لا يخلق وظيفة الترجمة من العدم، وإنما ينقل آلة موجودة أصلًا في عالم الحياة إلى نظام جديد.


هل تم تحويل المادة الميتة إلى حياة؟

قد يقال إن جميع مكونات الخلية كانت غير حية قبل جمعها، ثم ظهرت منها خصائص تشبه الحياة. وهذا صحيح في حدود معينة، لكنه لا يساوي القول إن الحياة خُلقت من مادة أولية ميتة.


فالخصائص المركبة قد تظهر عند تنظيم عناصر معروفة في نظام واحد. عندما تجمع أجزاء الساعة تعمل الساعة، وعندما تجمع مكونات الدارة يمر التيار وفق تصميمها، وعندما توضع الإنزيمات والريبوسومات والحمض النووي داخل وسط مناسب تبدأ تفاعلات سبق أن كانت كل آلة من هذه الآلات قادرة عليها.


الجديد هنا هو نجاح التنسيق بين هذه المكونات، وليس ظهور القوانين والوظائف من لا شيء.


كما أن وصف الجزيئات بأنها «غير حية» لا يلغي أنها نتاج مباشر أو غير مباشر للحياة. فالإنزيم المنقى من خلية ليس كائنًا حيًا، لكنه جزيء بنته خلية حية. والريبوسوم المعزول ليس حيًا، لكنه آلة صنعتها الحياة. والحمض النووي المصنع كيميائيًا يحمل ترتيبًا معلوماتيًا صممه الباحثون استنادًا إلى جينات حية معروفة.


وعليه، فإن التجربة لا تجيب عن السؤال الأصلي لنشأة الحياة: كيف ظهرت أول منظومة قادرة على إنتاج إنزيماتها وريبوسوماتها ومعلوماتها الوراثية وأغشيتها من بيئة خالية تمامًا من الحياة؟


إنها تبدأ من مرحلة متقدمة جدًا، بعدما تكون معظم هذه الأدوات موجودة أصلًا.


الإنجاز الحقيقي للتجربة

وفق خبراء الجينوم، لا ينبغي أن يقود نقد المبالغة الصحفية إلى التقليل من القيمة العلمية للعمل. فالتجربة مهمة لعدة أسباب لا محالة.


أولًا، أظهرت إمكان دمج وظائف كانت تدرس سابقًا بصورة منفصلة داخل منظومة خلوية واحدة.


ثانيًا، قدمت منصة معروفة للمكونات نسبيًا، بحيث يستطيع الباحثون تعديل كل جزء منها ودراسة تأثيره.


ثالثًا، قد تساعد على فهم الحد الأدنى من الآليات المطلوبة لكي تنمو منظومة خلوية وتنسخ مادتها الوراثية وتنقسم.


رابعًا، يمكن أن تمهد مستقبلًا لتطوير حويصلات مصممة لإنتاج أدوية أو جزيئات معينة، أو للعمل بوصفها مصانع حيوية صغيرة داخل بيئات محكومة.


خامسًا، تكشف التجربة الفارق الهائل بين تجميع بعض وظائف الحياة وبين إنتاج خلية حية مستقلة. فكلما اقترب العلماء من إعادة بناء الخلية، ظهر لهم مقدار الترابط والتعقيد الذي يتطلبه أبسط نظام حي.


وتجذر الإشارة إلى أن الخلايا هي اللبنات الأساسية للحياة، لكنها أبعد ما تكون عن البساطة. فعلى سبيل المثال يحتوي جسم الإنسان على 37 تريليون خلية، أي أكثر من عدد النجوم في درب التبانة (من 100 إلى 400 مليار نجم)، ولا يزال العلماء لا يعرفون كيف تعمل كل أنواع الخلايا المختلفة أو ما تحتويه بالضبط.


وبالتالي، فهذه الوعود التي يتحدث عنها العلم اليوم ما تزال احتمالات مستقبلية بعيدة، وليست تطبيقات جاهزة. والنظام الحالي هش، يعتمد على مواد جاهزة، ويحتاج إلى تدخل بشري، ولا يستمر إلا أجيالًا قليلة، ولا يعتبر خلقا للحياة من عدم.


البحث لم يخضع بعد للتحكيم العلمي

هناك قيد منهجي آخر لا يجوز تجاهله. فالنتائج أعلنت في وثيقة أولية لم تكن، وقت انتشار الخبر، قد خضعت للتحكيم العلمي المستقل في مجلة علمية متخصصة.


فقد ذكرت مصادر في مركز الوسائط العلمية الإسباني SMC España، أن الدراسة كانت منشورة بوصفها مسودة أولية، وأن مجلة Cell العلمية رفضتها قبل أن يعلن الفريق نتائجها عبر وسائل الإعلام، على أن يحاول الباحثون لاحقًا إرسالها إلى مجلة أخرى. 


ولا يعني عدم التحكيم أن النتائج خاطئة، لكنه يعني أنها ما تزال بحاجة إلى مراجعة المنهج والبيانات، وإعادة التجربة في مختبرات مستقلة، والتأكد من أن التفسيرات المقدمة متناسبة مع النتائج.


وكان ينبغي لذلك أن تُصاغ العناوين الصحفية بصيغة أكثر تحفظًا، مثل:


باحثون يجمعون نظامًا خلويًا اصطناعيًا يحاكي النمو ونسخ الحمض النووي والانقسام المحدود.


فهذه العبارة تعبر عن الإنجاز دون تحويله إلى إعلان عن خلق الحياة من لا شيئ.


الخلق والتصنيع وإعادة التركيب

هناك ثلاثة مستويات ينبغي عدم الخلط بينها:


المستوى الأول هو الخلق من العدم، أي إيجاد المادة والقوانين والقدرات من غير مادة سابقة ولا نموذج سابق.


والمستوى الثاني هو الصناعة من مواد موجودة، أي إعادة تشكيل المادة وفق قوانين معروفة لإنتاج بناء جديد.


والمستوى الثالث هو إعادة تركيب أجزاء الحياة، أي عزل مكونات أنتجتها الخلايا أو تصميم نسخ منها، ثم جمعها داخل نظام جديد لتؤدي بعض وظائفها.


وتنتمي تجربة SpudCell بوضوح إلى المستوى الثالث، مع جانب هندسي من المستوى الثاني. فهي لا تمثل خلقًا بالمعنى الوجودي، ولا تثبت أن العلماء استطاعوا إنشاء الحياة من لا شيء كما تزعم بعض العناوين الصحفية التي تبحث عن الإثارة.


لقد أخذوا المادة من الطبيعة، والقوانين من الطبيعة، والمكونات الحيوية من الحياة، والمعلومات من الجينومات، ثم أعادوا ترتيبها داخل بيئة مختبرية شديدة الضبط.


وهذا عمل علمي رفيع، لكنه يظل إعادة بناء داخل النظام القائم، لا إنشاءً لأصل النظام.


لماذا تميل الصحافة إلى المبالغة؟

تعتمد الصحافة العلمية أحيانًا عناوين حادة لجذب القارئ، خصوصًا في موضوعات مثل الحياة الاصطناعية والذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية وإطالة العمر.


وعبارة «خلق الحياة» أكثر إثارة من عبارة «دمج نظام خالٍ من الخلايا داخل حويصلة دهنية». لكنها تنقل القارئ من الوصف العلمي إلى استنتاج فلسفي لا تسمح به البيانات.


بل إن تفاصيل المقالات نفسها غالبًا ما تتراجع عن العنوان. فبعد الإعلان عن «خلية من الصفر»، يذكر النص أنها تعتمد على ريبوسومات وإنزيمات جاهزة، وأنها لا تدير أيضها، ولا تتخلص من فضلاتها، ولا تنقسم بدقة، وتتوقف بعد أجيال قليلة، ولا تزال غير مصنفة باعتبارها كائنًا حيًا.


وهكذا يؤدي العنوان وظيفة الإثارة، بينما تعيد التفاصيل بناء الحقيقة بصورة أكثر تحفظًا.


الخلاصة الواقعية

حققت تجربة SpudCell تقدمًا مهمًا في علم الأحياء التركيبي. فقد استطاع الباحثون تجميع حويصلات اصطناعية تحتوي على غشاء ومادة وراثية وإنزيمات وآلات جزيئية، وإظهار بعض خصائص الخلايا، مثل النمو ونسخ الحمض النووي والانقسام عبر دورات محدودة.


لكن المحصلة العلمية الحقيقية تقول أن النظام:


لا ينتج بنفسه معظم مكوناته الأساسية؛

ولا يصنع ريبوسوماته؛

ولا يدير أيضه بصورة مستقلة؛

ولا يحصل على الطاقة من مادة أولية كما تفعل الخلايا الطبيعية؛

ولا ينقسم دائمًا دون تدخل خارجي؛

ولا يوزع جينومه بدقة؛


ولا يستمر إلا أجيالًا قليلة؛

ولم تثبت نتائجه بعد عبر التحكيم العلمي وإعادة التجربة المستقلة.


لذلك لا يصح وصف ما حدث بأنه خلق للحياة من العدم.


إنه تجميع هندسي بارع لأجزاء بيولوجية وكيميائية معروفة داخل نظام يحاكي بعض مظاهر الحياة.


والتجربة، بدل أن تثبت بساطة خلق الحياة، تكشف مقدار التعقيد اللازم لإنتاج أضعف نموذج شبيه بالخلية. فقد احتاج العلماء إلى معرفة متراكمة، ومختبرات متقدمة، وتصميم جيني، وعشرات الإنزيمات، وريبوسومات جاهزة، ومواد للطاقة، وحويصلات غذائية، وتدخل مستمر؛ ومع ذلك لم يحصلوا إلا على منظومة هشة ومحدودة. 


أما الخلية الطبيعية، حتى في أبسط صورها، فتنتج مكوناتها، وتدير طاقتها، وتصون مادتها الوراثية، وتصحح أخطاءها، وتتخلص من فضلاتها، وتتكيف مع بيئتها، وتنقسم باستقلال وانتظام عبر أجيال غير محدودة.


وهنا يظهر الفارق الجوهري بين أن يقلد الإنسان بعض وظائف الحياة، وأن يخلق الحياة نفسها.


لقد نجح العلماء في الاقتراب خطوة إضافية من هندسة نموذج خلوي، لكن المسافة ما تزال بعيدة بين هذا النموذج وبين نشأة الحياة من مادة أولية غير حية، وأبعد منها بكثير المسافة بين إعادة تركيب الموجود وبين الخلق من العدم.


الخلاصة في الميزان القرآني

تكشف هذه التجربة، على أهميتها العلمية، أن الإنسان لا يخلق الحياة، وإنما يدرس ما خلقه الله، ويفكك بعض مكوناته، ثم يعيد تركيبها داخل الشروط والقوانين التي أودعها الخالق في المادة والحياة. فالإنسان لم يوجد الحمض النووي، ولا الريبوسوم، ولا الإنزيم، ولا الغشاء، ولا قوانين التفاعل والطاقة، وإنما أخذ هذه العناصر من العالم الحي، أو صنع نظائرها اعتمادًا على معرفته ببنيتها، ثم جمعها في وسط مختبري شديد الضبط.


وهنا يضع القرآن حدًا فاصلًا بين الصناعة البشرية والخلق الإلهي. فالصناعة تحويل للموجود، وترتيب للمادة، واستعمال للقوانين؛ أما الخلق فهو إيجاد الأصل من عدم، وإيداع القدرة، ووضع السنن التي تجعل الحياة ممكنة. ولذلك تحدى القرآن كل ما يُعبد أو يُعظَّم من دون الله بأضعف مثال ظاهر في عالم الأحياء:


﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (الحج: 73).


ولا يتحدث التحدي هنا عن صناعة شكل يشبه الذبابة، ولا عن جمع خلاياها، ولا عن تعديل جيناتها، بل عن خلق ذبابة حية خلقًا مستقلًا، بما تملكه من نظام وراثي، وأعضاء، وإدراك، وحركة، وتغذية، وتكاثر، وتوازن داخلي. وهذا ما لم يحققه الإنسان، ولا تدعيه التجربة نفسها عند قراءتها علميًا بعيدًا عن العناوين الصحفية المثيرة.


فالخلية الاصطناعية لم تبدأ من مادة بلا حياة، وإنما من مكونات بالغة التعقيد أنتجتها الحياة أو صُممت بمحاكاتها. ولم تصنع أدواتها الحيوية بنفسها، بل زُودت بإنزيمات وريبوسومات وطاقة ومواد جاهزة. ولم تستقل عن المختبر، بل ظلت معلقة بتدخل الباحث وشروطه. ومن ثم فإنها لا تمثل خلقًا للحياة، وإنما محاكاة محدودة لبعض وظائفها.


والقرآن لا ينفي قدرة الإنسان على التعلم والتسخير والصناعة؛ بل يدعوه إلى النظر في الخلق واكتشاف سننه. لكنه يمنع الخلط بين معرفة القانون وإنشاء القانون، وبين استعمال الحياة وخلقها، وبين تركيب الموجود وإيجاده من العدم. فمهما بلغت التقنية، يظل الإنسان يعمل داخل المادة، وداخل الطاقة، وداخل الشفرة، وداخل السنن التي لم يضعها هو.


ويكتسب هذا المعنى أهمية أعمق حين نتذكر أن الكائنات المجهرية التي لا تكاد تُرى قد تكون من جنود الله التي لا يحيط الإنسان بعددها ولا بوظائفها ولا بمدى تأثيرها. قال تعالى:


﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (المدثر: 31).


وقال:


﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (الفتح: 4).


فالجند الإلهي لا يقتصر على الجيوش المرئية أو الظواهر الكونية الكبرى؛ بل قد يكون ريحًا، أو ماءً، أو حشرة، أو جرثومة، أو فيروسًا، أو تغيرًا دقيقًا في نظام لا يملك الإنسان السيطرة الكاملة عليه. وما يبدو في نظر البشر ضعيفًا أو ضئيلًا قد يتحول، بإذن الله وسننه، إلى قوة تعجز أمامها الدول والمختبرات والمنظومات الطبية والاقتصادية.


ومن هنا، لا تقودنا تجربة SpudCell إلى القول إن الإنسان أصبح خالقًا للحياة، بل إلى نتيجة معاكسة تقول: كلما حاول الإنسان إعادة بناء أبسط خلية، اكتشف مقدار التعقيد والترابط والدقة التي تقوم عليها الحياة. وبعد سنوات من البحث، وتسخير المختبرات والأجهزة والعقول، لم ينتج إلا نظامًا هشًا، محدود الوظائف، قصير الاستمرار، يعتمد على مكونات جاهزة وتدخل خارجي دائم.


أما الخلية الطبيعية فتدير طاقتها، وتقرأ شفرتها، وتصنع بروتيناتها، وتحافظ على توازنها، وتصحح بعض أخطائها، وتتفاعل مع بيئتها، وتنمو وتنقسم دون أن يقف خلفها باحث يمدها في كل دورة بآلاتها الأساسية.


وهكذا تبقى المحصلة واضحة: لقد تقدم الإنسان في هندسة الحياة، لكنه لم يخلق الحياة. واقترب من محاكاة بعض وظائف الخلية، لكنه لم ينشئ سرها من العدم. وما زال التحدي القرآني قائمًا:


﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾.


فالعلم يكشف سنن الخلق، والتقنية تعيد توظيفها، أما الخلق نفسه، بمعنى إيجاد الحياة وأصولها وقوانينها، فيبقى لله وحده.


ويضيف القرآن إلى قانون الخلق أصلين مترابطين: وحدة المنطلق، وارتباط الحياة بالماء. قال تعالى:


﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (النساء: 1).


وقال:


﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء: 30).


فالآية الأولى تقرر أن التنوع البشري كله يرجع إلى أصل واحد، والآية الثانية تقرر القانون العام الذي تقوم عليه الحياة، وهو ارتباطها بالماء. ويكشف العلم أن الكائن الحي، مهما بلغ تعقيده، يبدأ من وحدة حية أولى، وأن الخلية نفسها لا تعمل ولا تنمو ولا تنقسم إلا في وسط مائي تقوم فيه تفاعلاتها الكيميائية والحيوية.


غير أن هذا التوافق لا يبيح تحويل عبارة ﴿نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ مباشرة إلى مصطلح «الخلية الأولى»، لأن النفس في القرآن تمثل الوعي غير المادي والذي هو أوسع دلالة من البنية الخلوية المادية. والأدق أن يقال إن القرآن قرر وحدة الأصل الحي والإنساني، بينما كشف العلم الصورة المادية التي يجري بها التكاثر والنمو، من خلية واحدة تنقسم وتتخصص حتى ينشأ منها الكائن المركب.


ومن هنا تتضح محدودية الادعاء بأن المختبر خلق الحياة من الصفر. فالماء الذي تقوم فيه الحياة، والمادة التي تتشكل منها الخلية، والقوانين التي تضبط التفاعل، والقدرة على النسخ والانقسام، كلها سابقة على تدخل الباحث. وما فعله الإنسان هو جمع بعض هذه المكونات داخل منظومة مصممة، لا إيجاد أصل الحياة ولا إبداع قوانينها.


فالإنسان يستطيع أن ينقل خلية، أو يعدّل جينًا، أو يجمع غشاءً وإنزيمات وريبوسومات، لكنه لا يستطيع أن يمنح المادة من ذاته خاصية الحياة. ولذلك يظل قوله تعالى بشأن خلق الذبابة حاكمًا على الفرق بين استخدام عناصر الخلق وبين إنشاء الحياة، وبين إعادة تركيب الموجود وبين إيجاده ابتداءً.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق