من الاعتماد المتبادل إلى بناء البدائل وحدود الإكراه الاقتصادي
تمهيد: من أزمة سبتة إلى سؤال الإكراه الاقتصادي
أعادت أزمة سبتة الأخيرة العلاقات المغربية–الإسبانية إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي، لكنها فعلت ذلك هذه المرة في سياق مختلف عن الأزمات السابقة. فإلى جانب الأسئلة المرتبطة بالهجرة والحدود والسيادة، ظهر في الخطاب الإسباني احتمال اللجوء إلى أدوات اقتصادية للضغط على المغرب إذا تكررت محاولات العبور الجماعي نحو المدينة. وتداولت وسائل إعلام إسبانية، في هذا السياق، معلومات عن إعداد الحكومة سرًّا خططًا للتعامل مع سيناريو من هذا النوع، شملت إمكان استخدام بعض مجالات التعاون الاقتصادي والطاقي في إدارة الأزمة.
ولا تكمن أهمية هذا الاحتمال في معرفة ما إذا كانت مدريد ستنفذ مثل هذه الإجراءات فعلًا، بقدر ما تكمن في السؤال الذي يطرحه حول طبيعة العلاقة بين البلدين. فالحديث عن استخدام الطاقة أو الكهرباء أو التجارة أو غيرها من أدوات الضغط يفترض وجود درجة من الاعتماد المغربي على وظائف تؤديها إسبانيا، كما يفترض أن تعطيل هذه الوظائف يمكن أن يولد كلفة تدفع الرباط إلى تعديل سلوكها. ومن ثم، فإن التهديد الاقتصادي، حتى قبل تنفيذه، يكشف تصورًا معينًا لتوزيع القوة داخل العلاقة المغربية–الإسبانية.../...
ويبدو هذا التصور للوهلة الأولى معقولًا. فإسبانيا هي الشريك التجاري الأول للمغرب، وتمثل معبرًا رئيسيًا لصادراته نحو أوروبا، وترتبط به عبر شبكات للطاقة والنقل والاستثمار وحركة الأشخاص، فضلًا عن موقعها داخل الاتحاد الأوروبي. ويبدو من الطبيعي، انطلاقًا من هذه المعطيات، افتراض أن اضطراب العلاقة معها يمكن أن يلحق بالاقتصاد المغربي أضرارًا مهمة.
غير أن الصورة تتغير عندما ننظر إلى العلاقة من الاتجاه الآخر. فإسبانيا نفسها ترتبط بالسوق المغربية بمصالح تجارية واستثمارية واسعة، وتعمل شركاتها داخل قطاعات مختلفة من الاقتصاد المغربي، كما تعتمد بعض أقاليمها وقطاعاتها بدرجات متفاوتة على التدفقات التجارية والبشرية والبحرية القادمة من المغرب أو المرتبطة به. وإلى جانب ذلك توجد ملفات لا يمكن قياس قيمتها بالميزان التجاري وحده، مثل الهجرة ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتعاون الأمني، حيث يؤدي الموقع المغربي ووظائف الدولة المغربية دورًا مباشرًا في المصالح الأمنية الإسبانية والأوروبية.
وهكذا لا نكون أمام علاقة بين طرف يملك أدوات الضغط وطرف يتلقى آثارها فحسب، وإنما أمام شبكة من المصالح والوظائف المتبادلة، تختلف فيها الحاجة من مجال إلى آخر، كما تختلف قدرة كل طرف على الاستغناء عن الوظيفة التي يقدمها الآخر.
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية في تفسير القوة داخل هذه العلاقة. فحجم الاقتصاد لا يكشف وحده مقدار القدرة على الإكراه، كما أن ارتفاع حجم المبادلات لا يثبت وحده مقدار التبعية. فقد تكون وظيفة محدودة من حيث قيمتها المالية شديدة الأهمية إذا تعذر استبدالها في الوقت المناسب، بينما يمكن أن تكون علاقة تجارية ضخمة أقل قدرة على إنتاج الضغط إذا توافرت لها أسواق أو موردون أو مسارات بديلة. كما أن الضرر الذي يستطيع أحد الطرفين إحداثه لا يكشف وحده مقدار قوته، لأن استخدام الأداة قد يرتب عليه هو نفسه كلفة اقتصادية وسياسية، وقد يدفع الطرف المستهدف إلى البحث عن بدائل تقلل قيمة الأداة المستخدمة ضده.
وتزداد المسألة تعقيدًا لأن العلاقة المغربية–الإسبانية لا تعمل في فراغ. فالمغرب يرتبط في الوقت نفسه بفرنسا والولايات المتحدة ودول الخليج وإفريقيا وشركاء دوليين آخرين، بينما تعمل إسبانيا داخل الاتحاد الأوروبي وشبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والأمنية الدولية. ولذلك فإن قيمة أي وظيفة داخل العلاقة الثنائية يمكن أن تتغير بفعل علاقة تقع خارجها. فالسوق البديلة، أو مصدر الطاقة الجديد، أو طريق النقل المختلف، أو المستثمر المنافس، قد يعيد توزيع الحاجة والتبعية من دون أن تنتهي العلاقة الأصلية بين البلدين.
وتوفر العلاقات بين المغرب وإسبانيا نفسها خبرة تاريخية قريبة تكشف أهمية هذه المسألة. فعندما أوقف المغرب التجارة غير النظامية المرتبطة بسبتة ومليلية، لم تختف حاجات الأسواق المغربية التي كانت تلبيها تلك التجارة، وإنما أعيد توجيهها عبر مسارات أخرى، في الوقت الذي اضطرت فيه المدينتان إلى التكيف مع فقدان جزء من الوظيفة الاقتصادية التي كانتا تؤديانها لمحيطهما المغربي. ولا تعني هذه السابقة أن جميع أشكال الاعتماد الحالية يمكن استبدالها بالطريقة نفسها، لكنها تكشف أن العلاقة الاقتصادية لا تحتفظ بقيمتها لمجرد أنها استمرت زمنًا طويلًا؛ فقيمتها تتغير عندما تتغير الوظائف والبدائل والمسارات التي تلبي الحاجة نفسها.
ومن هنا لا تنطلق هذه الدراسة من محاولة إثبات أن المغرب يستطيع الاستغناء عن إسبانيا، ولا من الفرضية المقابلة التي ترى أن إسبانيا تستطيع خنق الاقتصاد المغربي. فكلا السؤالين يفترض مسبقًا نتيجة لا يمكن معرفتها قبل تحليل بنية العلاقة. كما أن الاستغناء الكامل ليس معيارًا واقعيًا في اقتصاد دولي يقوم أصلًا على الاعتماد المتبادل.
السؤال الذي تنطلق منه الدراسة أكثر تحديدًا:
كيف تتوزع الوظائف والحاجات والتبعيات داخل شبكة المصالح المغربية–الإسبانية، وأين توجد نقاط الاختناق التي يمكن تحويلها إلى أدوات للضغط، وإلى أي حد تستطيع شبكة البدائل والعلاقات المحيطة أن تغير قيمة هذه الأدوات وقدرتها على إنتاج الإكراه؟
وللإجابة عن هذا السؤال، لا يكفي جمع أرقام التجارة والاستثمار والطاقة، ولا مقارنة حجم الاقتصادين أو قدراتهما منفردة. المطلوب هو معرفة ما الذي يؤدي وظيفة لمن، ولماذا يحتاج إليها، وما مقدار التبعية التي تنتجها هذه الحاجة، ثم ما الذي يحدث لهذه التبعية عندما يظهر البديل أو تتغير الشبكة التي تعمل داخلها.
وهنا تحديدًا تصبح الأزمة الإسبانية–المغربية حالة مناسبة لاختبار القراءة العلائقية للقوة الاقتصادية: ليس بالسؤال عما يمتلكه كل طرف منفردًا، وإنما بالبحث في العلاقات التي تحول ما يمتلكه إلى وظيفة، والوظائف إلى حاجات، والحاجات إلى تبعيات، والتبعيات ـ في ظروف معينة ـ إلى أدوات محتملة للإكراه.
ومن هذه النقطة يبدأ التحليل.
أولًا: كيف تقرأ النظرية العلائقية المشكلة؟
لا تنطلق النظرية العلائقية من إنكار العناصر التي تقوم عليها القوة الاقتصادية أو الاستراتيجية للدول. فحجم الاقتصاد، والموارد الطبيعية، والموقع الجغرافي، والبنية التحتية، والأسواق، والقدرات المالية والتكنولوجية، جميعها عناصر حقيقية تحدد ما يستطيع الفاعل أن يفعله وما يمكن أن يقدمه لغيره. لكنها لا تكشف، منفردة، القيمة التي يكتسبها هذا العنصر داخل علاقة محددة. فالمورد لا يصبح أداة للقوة لمجرد امتلاكه، والموقع لا ينتج النفوذ بذاته، والسوق الكبيرة لا تمنح صاحبها قدرة مطلقة على فرض إرادته. إنما تتحدد قيمة هذه العناصر عندما تؤدي وظيفة يحتاج إليها طرف آخر داخل علاقة معينة.
ولهذا لا يبدأ التحليل العلائقي في الحالة المغربية–الإسبانية بالسؤال عن أي البلدين أكبر اقتصادًا أو أكثر موارد أو أقوى مؤسسات، وإنما بالسؤال عن الوظائف التي يؤديها كل منهما للآخر. فإسبانيا لا تكتسب قيمة بالنسبة إلى المغرب لأنها إسبانيا، وإنما لأن بعض ما تمتلكه من بنية طاقية وموانئ وطرق وأسواق وشبكات أوروبية يؤدي وظائف يحتاج إليها الاقتصاد المغربي. وبالمثل، لا تنبع قيمة المغرب بالنسبة إلى إسبانيا من موقعه أو سوقه أو موارده منفردة، وإنما من الوظائف التي تنتجها هذه العناصر بالنسبة إلى الشركات والموانئ والقطاعات الاقتصادية والأجهزة الأمنية والمصالح الإسبانية والأوروبية.
لكن الحاجة إلى الوظيفة لا تكفي بدورها لإثبات وجود قوة إكراهية. فقد يحتاج طرف إلى وظيفة يؤديها الآخر، بينما يستطيع الحصول عليها بسهولة من طرف ثالث أو إنتاجها داخليًا. وفي هذه الحالة تبقى الحاجة قائمة، لكن قدرتها على إنتاج التبعية محدودة. أما إذا كانت الوظيفة حيوية، وكان استبدالها صعبًا أو مكلفًا أو يحتاج إلى وقت طويل، فإن الحاجة تتحول إلى تبعية أكبر، ويصبح الطرف الذي يؤدي الوظيفة في موقع يسمح له، من حيث المبدأ، باستخدامها للضغط.
ومن هنا يصبح مقدار التبعية أهم من مجرد وجودها. فهذا المقدار لا يتحدد بحجم المبادلات وحده، وإنما بطبيعة الوظيفة وأهمية الحاجة إليها وإمكان استبدالها. وقد تكون تجارة بمليارات اليوروهات أقل قدرة على إنتاج التبعية من خدمة محدودة القيمة المالية إذا كانت الأولى قابلة لإعادة التوجيه بينما يصعب استبدال الثانية. ولذلك فإن الأرقام الاقتصادية لا تفقد أهميتها في التحليل العلائقي، لكنها تنتقل من كونها دليلًا قائمًا بذاته على القوة إلى كونها عنصرًا ينبغي تفسير وظيفته داخل العلاقة.
ويضيف الزمن بعدًا حاسمًا إلى هذا القياس. فالبديل الذي يمكن تشغيله خلال أيام يختلف عن بديل يحتاج إلى أشهر، وهذا يختلف بدوره عن مشروع يتطلب سنوات من الاستثمار. ومن ثم، قد تكون الدولة شديدة التعرض للضغط في اللحظة الأولى، ثم تنخفض تبعيتها كلما استطاعت تشغيل البدائل. كما قد تمتلك بديلًا تقنيًا ممكنًا، لكنه لا يؤدي وظيفة فعلية أثناء الأزمة لأن البنية اللازمة لتشغيله لم تكتمل بعد. ولهذا لا يكفي السؤال عما إذا كان البديل موجودًا، بل ينبغي السؤال عن كلفته وزمن تفعيله وقدرته على أداء الوظيفة نفسها.
وتقود هذه العلاقة بين الحاجة والبديل والزمن إلى التمييز بين الاعتماد المتبادل وبين التبعية القابلة للإكراه. فوجود مصالح متبادلة بين المغرب وإسبانيا لا يعني أن العلاقة متوازنة في جميع المجالات، مثلما لا يعني تفوق أحد الطرفين في مجال معين أنه يمتلك التفوق نفسه في بقية الشبكة. قد يحتاج المغرب إلى إسبانيا في وظيفة طاقية محددة أكثر مما تحتاج إليه إسبانيا فيها، بينما تنعكس النسبة في الهجرة أو الأمن أو بعض المصالح الاستثمارية. ولذلك لا يوجد «ميزان تبعية» واحد يحكم العلاقة بكاملها، وإنما تتوزع درجات متفاوتة من التبعية عبر وظائف مختلفة.
وهنا يظهر السبب الذي يجعل تحليل عنصر واحد بمعزل عن بقية العناصر مضللًا. فإذا درست الكهرباء وحدها، مثلًا، أمكن الوصول إلى نتيجة مختلفة عن تلك التي تظهر عندما توضع الكهرباء داخل منظومة تشمل الغاز والإنتاج المحلي والطاقات المتجددة والربط الخارجي والاستثمار والبنية المستقبلية. والأمر نفسه ينطبق على النقل؛ فقيمة الطريق الإسباني لا تتحدد بالجغرافيا وحدها، وإنما تتأثر بالموانئ والخطوط البحرية والأسواق البديلة وكلفة الشحن والزمن. وهكذا لا تتحدد قيمة العنصر بذاته، وإنما بموقعه داخل شبكة من الوظائف والعلاقات المتداخلة.
ولا تتوقف الشبكة عند حدود البلدين. فالعلاقة المغربية–الإسبانية جزء من شبكة أكبر يدخل فيها الاتحاد الأوروبي وفرنسا والولايات المتحدة ودول الخليج وإفريقيا وغيرها من الفاعلين. وقد تغير علاقة خارجية قيمة علاقة ثنائية من دون أن تكون موجهة ضدها. فإذا أنتج شريك ثالث وظيفة كانت إسبانيا تؤديها للمغرب، انخفض مقدار التبعية المغربية للوظيفة الإسبانية حتى لو بقيت العلاقات السياسية بين الدول الثلاث مستقرة. وينطبق الأمر نفسه على إسبانيا عندما توفر لها شبكاتها الأوروبية والدولية بدائل لبعض الوظائف المغربية.
وبذلك لا يصبح البديل مجرد عنصر إضافي داخل التحليل، وإنما آلية تعيد توزيع القوة داخل الشبكة. وكلما تعددت العلاقات القادرة على أداء الوظيفة نفسها، انخفضت قدرة علاقة واحدة على احتكارها. وفي المقابل، ترتفع قيمة الوظيفة عندما يصعب الحصول عليها خارج العلاقة القائمة أو عندما تكون كلفة الانتقال إلى البديل مرتفعة.
ومن هذه المبادئ يمكن تحديد المسار الذي ستتبعه الدراسة من دون الحاجة إلى العودة إلى شرح النظرية في كل مرحلة. فكل علاقة ستخضع للأسئلة نفسها: ما الوظيفة التي ينتجها كل طرف؟ ما الحاجة التي تلبيها؟ ما مقدار التبعية الناتجة عنها؟ وما البديل المتاح وكلفته وزمن تشغيله؟ ثم يوضع مجموع هذه العلاقات داخل الشبكة الأوسع لمعرفة ما إذا كانت التبعيات المتفرقة تستطيع أن تتحول إلى نقاط اختناق قابلة للاستخدام في الإكراه الاقتصادي.
وبهذا يصبح اختبار التهديد الإسباني أكثر دقة. فالمسألة ليست إثبات أن إسبانيا تستطيع إلحاق الضرر بالمغرب؛ فهذا ممكن من حيث المبدأ في علاقة اقتصادية بهذا الحجم والتشابك. كما أن إثبات قدرة المغرب على إلحاق الضرر بمصالح إسبانية لا يحسم المسألة في الاتجاه المقابل. السؤال هو ما إذا كانت توجد داخل الشبكة وظائف لا يستطيع الطرف المستهدف الاستغناء عنها أو استبدالها في الزمن الذي يسمح للضغط بإنتاج أثر سياسي.
وهذا هو المعيار الذي سننتقل به الآن من النظرية إلى الوقائع. فبدل عرض التجارة والطاقة والاستثمار والنقل والهجرة باعتبارها ملفات منفصلة، سنبحث في الكيفية التي تنتج بها مجتمعة شبكة المصالح المغربية–الإسبانية، وما تكشفه هذه الشبكة عن مقدار التبعية في الاتجاهين.
ثانيًا: شبكة المصالح ومقدار التبعية المتبادلة
من حجم المبادلات إلى الوظائف التي ينتجها كل طرف للآخر
تكشف الأرقام الاقتصادية وحدها عن درجة مرتفعة من التشابك بين المغرب وإسبانيا. فقد ظلت إسبانيا الشريك التجاري الأول للمغرب منذ 2012، وبلغ حجم المبادلات الثنائية في 2024 نحو 22.7 مليار يورو، مع فائض تجاري إسباني تجاوز ثلاثة مليارات يورو، كما تصدر أكثر من ستة آلاف شركة إسبانية بانتظام إلى المغرب، وتملك أكثر من تسعمائة شركة فروعًا أو مساهمات مهمة فيه. لكن هذه الأرقام، على أهميتها، لا تخبرنا بعد أين توجد التبعية، لأنها تجمع داخل رقم واحد علاقات تختلف جذريًا في وظائفها وقابليتها للاستبدال.
فالتجارة بين البلدين لم تعد تقوم أساسًا على تبادل منتجات نهائية يستطيع كل طرف، عند الضرورة، البحث لها عن مورد أو مشترٍ آخر، وإنما أصبحت أجزاء منها تدخل في سلاسل إنتاج مترابطة. وتظهر بيانات 2025 أن الآلات ومعدات النقل والمكونات الكهربائية تحتل موقعًا مهمًا في المبادلات، وأن الصادرات المغربية إلى إسبانيا تشمل بدورها المعدات الكهربائية والسيارات والمنسوجات والمنتجات البحرية والزراعية. ولذلك فإن اضطراب التجارة لا يصيب «المصدر» و«المستورد» فقط، بل يمكن أن يمتد إلى عمليات إنتاج تعتمد على تدفق المكونات والمواد والسلع بين الضفتين.
ومن هنا تظهر الوظيفة المزدوجة للسوقين. فالسوق الإسبانية تمنح المنتجات المغربية منفذًا قريبًا إلى أكبر مجال اقتصادي يرتبط به المغرب، لكنها ليست السوق الأوروبية كلها؛ فقد بلغ إجمالي تجارة المغرب في السلع مع الاتحاد الأوروبي 62.2 مليار يورو في 2025، وهو ما يجعل إسبانيا عقدة شديدة الأهمية داخل شبكة أوروبية أوسع، لا المنفذ الوحيد إليها. وفي الاتجاه المقابل، لا تمثل السوق المغربية بالنسبة إلى إسبانيا مجرد وجهة للصادرات، وإنما سوقًا قريبة حققت فيها الشركات الإسبانية حضورًا مستقرًا، وتعمل الحكومة الإسبانية نفسها على توسيع هذا الحضور في مشاريع البنية التحتية والنقل والرقمنة والطاقة المرتبطة بالدورة الاستثمارية المغربية والاستعداد لكأس العالم 2030.
وهذا يجعل الضغط التجاري أكثر تعقيدًا مما يوحي به الفارق في حجم الاقتصادين. فالمغرب أكثر تعرضًا من حيث الوزن النسبي للعلاقة الإسبانية داخل تجارته الخارجية، بينما تستطيع إسبانيا، بحكم حجم اقتصادها واندماجها في السوق الأوروبية، امتصاص خسارة جزء من المبادلات بدرجة أكبر على المستوى الكلي. لكن هذا التفوق يتراجع عندما ننتقل من الاقتصاد الإسباني في مجموعه إلى الشركات والقطاعات والأقاليم التي ترتبط مباشرة بالسوق المغربية. فالخسارة التي تبدو محدودة كنسبة من الناتج الإسباني قد تكون كبيرة بالنسبة إلى شركة بنت جزءًا من نشاطها في المغرب، أو ميناء يعتمد على التدفقات المغربية، أو قطاع يرتبط بسلسلة توريد تمتد إلى الضفة الجنوبية. ولهذا لا يوجد مقدار واحد للتبعية يمكن استخراجه من الميزان التجاري؛ فمستواه يتغير بتغير الفاعل والقطاع والوظيفة التي ننظر إليها.
وتتضح هذه الطبيعة أكثر في الاستثمار. فوجود مئات الشركات الإسبانية داخل المغرب يعني أن جزءًا من المصلحة الإسبانية لم يعد موجودًا في إسبانيا ثم ينتقل إلى المغرب في صورة صادرات، وإنما أصبح ينتج داخل الاقتصاد المغربي نفسه. وتستخدم هذه الشركات السوق والعمالة والبنية التحتية والموردين والعقود المحلية في إنتاج قيمتها. ولذلك فإن أي سياسة تستهدف العلاقة الاقتصادية بصورة واسعة لا تفصل بسهولة بين «الاقتصاد المغربي» و«المصلحة الإسبانية»، لأن جزءًا من هذه المصلحة أصبح جزءًا من الشبكة الإنتاجية الموجودة داخل المغرب. وفي المقابل يستفيد الاقتصاد المغربي من رأس المال والخبرة والتشغيل والتكنولوجيا التي توفرها هذه الاستثمارات. وهكذا يصبح تعطيل العلاقة قادرًا على إحداث الضرر في الاتجاهين في اللحظة نفسها.
لكن الطاقة تكشف درجة مختلفة من التبعية، لأنها تضعنا أمام وظائف يصعب التعامل معها بمنطق السوق وحده. فالمغرب وإسبانيا مرتبطان كهربائيًا، وتظهر بيانات مشغل الشبكة الإسبانية لشهر أغسطس 2026 قدرة تجارية متاحة تبلغ نحو 900 ميغاواط في اتجاه إسبانيا–المغرب و600 ميغاواط في الاتجاه المعاكس. وهذه الأرقام مهمة لأنها تكشف أن العلاقة الكهربائية ليست مجرد شراء مغربي أحادي للكهرباء الإسبانية؛ فالتبادل يمكن أن يعمل في الاتجاهين، وإن بدرجات مختلفة، كما أن الربط نفسه يؤدي وظيفة تتجاوز كمية الكهرباء المتبادلة إلى دعم مرونة الشبكتين وأمن الإمداد. وكانت الحكومتان قد ربطتا منذ اتفاقهما على تطوير خط كهربائي ثالث بين البلدين توسيع الربط بتحسين أمن الإمدادات وإدماج الطاقات المتجددة.
ومن ثم فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: هل يستطيع المغرب إنتاج كهربائه بنفسه؟ فالإنتاج المحلي لا يلغي بالضرورة قيمة الربط الخارجي. الأدق هو معرفة مقدار الوظيفة التي لا يستطيع النظام الكهربائي المغربي تعويضها في لحظة اضطراب، والمدة اللازمة لتعويضها، والكلفة الناتجة عن ذلك. وفي الاتجاه المقابل، كلما ازدادت القدرة المغربية على إنتاج الكهرباء المتجددة وتصدير الفائض أو موازنة الشبكة عبر الربط، أصبحت العلاقة نفسها أكثر ثنائية. وقد وصفت وزيرة الانتقال الطاقي المغربية العلاقة في نهاية 2025 بأنها دخلت للمرة الأولى مرحلة تجارة ثنائية الاتجاه في الكهرباء والغاز، وهو ما يعكس التحول من تصور المورد والمتلقي إلى منظومة طاقية أكثر تشابكًا.
ويكشف الغاز بصورة أوضح ضرورة التمييز بين المورد والوظيفة. فالمغرب يستطيع شراء الغاز الطبيعي المسال من السوق الدولية، ولذلك لا تكمن نقطة الحاجة الأساسية في امتلاك إسبانيا للغاز نفسه، وإنما في البنية الإسبانية التي تسمح بإعادة تغويزه ثم نقله إلى المغرب. وهكذا تصبح الوظيفة الوسيطة أكثر أهمية من مصدر السلعة: قد يتغير المورد بينما تستمر الحاجة إلى البنية التي تجعل المورد قابلًا للاستخدام. وهذه إحدى الحالات التي يمكن فيها لعلاقة ذات وزن محدود نسبيًا في إجمالي التجارة أن تنتج درجة أعلى من التعرض في الأجل القصير، لأن استبدال البنية أصعب من استبدال البائع.
أما النقل، فيجمع بين ميزة جغرافية ووظيفة لوجستية. فالقرب من مضيق جبل طارق وشبكة الطرق الإسبانية يجعلان إسبانيا المسار الطبيعي لجزء كبير من التدفقات المغربية نحو أوروبا. وقد تجاوز عدد الشاحنات المنقولة بين الجزيرة الخضراء وطنجة المتوسط خمسين ألف شاحنة في مارس 2025 وحده، وفق بيانات عرضتها هيئة التجارة الإسبانية، بزيادة سنوية بلغت 8%. وهذا يمنح الممر الإسباني قيمة واضحة بالنسبة إلى الصادرات المغربية، لكنه يمنح التدفق المغربي في الوقت نفسه قيمة للموانئ وشركات النقل والخدمات والطرق الإسبانية التي تستفيد من مروره.
ولذلك فإن الجغرافيا هنا لا تنتج تبعية أحادية. فإسبانيا تقدم الممر، لكن المغرب ينتج جزءًا مهمًا من التدفق الذي يمنح الممر وظيفته الاقتصادية. وإذا تعطل الطريق، يتحمل المصدر المغربي كلفة البحث عن مسار آخر، بينما يفقد الفاعل الإسباني الإيراد والنشاط المرتبطين بالتدفق. وتختلف قدرة الطرفين على تحمل الانقطاع بحسب مدة الأزمة وتوافر الخطوط البحرية البديلة والطاقة الاستيعابية للموانئ وكلفة إعادة توجيه التجارة. وهكذا تظهر مرة أخرى ضرورة الفصل بين إمكانية إحداث الضرر ومقدار القوة التي ينتجها ذلك الضرر.
وتتكرر البنية نفسها في حركة الأشخاص، وإن بصورة مختلفة. فإسبانيا تؤدي وظيفة عبور مركزية لملايين المغاربة المقيمين في أوروبا خلال الموسم الصيفي، مستفيدة من موقعها وبنيتها البرية والبحرية. وتكشف أرقام عملية عبور المضيق حجم هذه الوظيفة؛ ففي موسم 2025 عبر نحو 3.49 ملايين مسافر و858 ألف مركبة ضمن العملية التي تديرها السلطات الإسبانية، وهو أعلى مستوى مسجل منذ انطلاقها. وتظهر البيانات التفصيلية لمرحلة الذهاب أن 71 في المائة من المسافرين المتجهين من الموانئ الإسبانية نحو جنوب المتوسط كانوا يقصدون الموانئ المغربية، بما مجموعه نحو 1.28 مليون مسافر وأكثر من 324 ألف مركبة. وكان خط الجزيرة الخضراء–طنجة المتوسط وحده قد نقل في اتجاه المغرب أكثر من 704 آلاف مسافر و203 آلاف مركبة. وهذه الكثافة البشرية لا تجعل إسبانيا مجرد مساحة جغرافية يعبرها المسافرون، بل تحول الطرق والموانئ ومحطات الوقود والمطاعم والفنادق ومختلف الخدمات المرتبطة بالرحلة إلى جزء من اقتصاد العبور نفسه. ومن ثم فإن قيمة الممر لا توجد في الطريق وحده، وإنما في العلاقة بين الطريق والتدفق الذي يستخدمه. وإذا أمكن تحويل جزء من هذا التدفق مستقبلًا إلى خطوط بحرية مباشرة مع فرنسا أو غيرها، فلن تختفي حاجة المغاربة إلى السفر، وإنما ستنتقل بعض القيمة الاقتصادية التي يولدها هذا التدفق من علاقة إلى علاقة أخرى.
وفي الصيد البحري ظهرت نتيجة مشابهة بصورة عملية عندما توقف البروتوكول الذي كان يسمح للسفن الأوروبية بالوصول إلى المياه المغربية. فقد أظهر توقف النشاط أن قيمة المورد البحري المغربي لا تظهر فقط في وجود الأسماك، وإنما في العلاقة القانونية والسياسية التي تسمح للأسطول الإسباني باستغلالها. وفي المقابل، كان المغرب يحصل من الاتفاق على مقابل مالي وتعاون قطاعي. ولذلك أدى توقف العلاقة إلى فقدان وظائف في الاتجاهين بدل انتقال المنفعة كاملة إلى طرف واحد. وهذه الخبرة مهمة لأنها تكشف أن انقطاع العلاقة لا يجيب وحده عن سؤال «من خسر؟»، بل يستدعي مقارنة الكلفة التي تحملها كل جهة وقدرتها على إيجاد البديل.
لكن أكثر العلاقات حساسية لا تظهر أصلًا في الميزان التجاري. فالتعاون في الهجرة ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتبادل المعلومات يؤدي وظائف أمنية يصعب تسعيرها ماليًا. الموقع المغربي يجعل التعاون مع الرباط ذا قيمة مباشرة بالنسبة إلى إسبانيا، كما أن المغرب نفسه يحتاج إلى التعاون الإسباني والأوروبي لمواجهة شبكات عابرة للحدود. وقد ربطت الحكومة الإسبانية علنًا انخفاض بعض تدفقات الهجرة غير النظامية بالتعاون مع المغرب، وهو ما يكشف أن الوظيفة المغربية في هذا المجال تدخل في حسابات الأمن الإسباني لا في الحسابات التجارية فقط.
وهنا تصبح قابلية الاستبدال أقل مما هي عليه في تجارة السلع. فإسبانيا تستطيع شراء منتج من دولة أخرى، لكنها لا تستطيع نقل الجغرافيا المغربية إلى دولة أخرى، كما لا يمكن استبدال المعرفة الميدانية وشبكات التعاون الأمني بمجرد عقد تجاري جديد. وفي المقابل، لا يعني ذلك أن المغرب يستطيع استخدام الهجرة أو الأمن بلا كلفة، لأن انهيار التعاون سيولد ضغوطًا داخل أراضيه وعلى حدوده ومصالحه الأوروبية أيضًا. ولذلك ترتفع قيمة الوظيفة في الاتجاهين في الوقت نفسه.
وتكشف هذه المجالات مجتمعة لماذا سيكون من الخطأ إصدار حكم واحد من قبيل أن «المغرب تابع لإسبانيا» أو أن «إسبانيا أصبحت تابعة للمغرب». فالعلاقة ليست وحدة متجانسة. المغرب أكثر تعرضًا في بعض الوظائف، وإسبانيا أكثر حاجة في أخرى، بينما توجد مجالات ينتج فيها الطرفان القيمة بصورة يصعب فصلها. كما تختلف التبعية داخل المجال الواحد بحسب الزمن: وظيفة يمكن استبدالها في عام قد تكون غير قابلة للاستبدال خلال أسبوع، وما يمثل نقطة ضعف اليوم قد يفقد أهميته بعد إنجاز بنية بديلة.
ومن ثم فإن الحصيلة الأولى لا تتعلق بمن يربح العلاقة أكثر، وإنما بطبيعتها: المصالح المغربية–الإسبانية تنتج شبكة من التبعيات المتبادلة غير المتماثلة، تتوزع بصورة مختلفة بين التجارة والاستثمار والطاقة والنقل وحركة الأشخاص والأمن. ولا يكفي أي عنصر منها منفردًا للحكم على ميزان القوة الكلي.
لكن هذا يقود إلى سؤال أكثر تحديدًا. فإذا كانت التبعية موزعة بهذه الصورة، فأين توجد داخل الشبكة تلك الوظائف القليلة التي يؤدي تعطيلها إلى كلفة مرتفعة قبل أن يتمكن الطرف المتضرر من استبدالها؟
هنا نغادر خريطة المصالح الواسعة ونبحث عن المواقع التي يمكن أن تتحول فيها الحاجة إلى قدرة فعلية على الضغط.
ثالثًا: أين توجد نقاط الاختناق؟
من التبعية المنتشرة إلى الوظائف التي يصعب استبدالها
تكشف شبكة المصالح السابقة أن كثافة العلاقة المغربية–الإسبانية لا تعني أن جميع مكوناتها قابلة بالدرجة نفسها للتحول إلى أدوات ضغط. فالتجارة والاستثمار والطاقة والنقل والهجرة والأمن تنتج أشكالًا مختلفة من الحاجة، لكن وجود الحاجة لا يكفي لتكوين نقطة اختناق. ولكي تتحول وظيفة ما إلى أداة محتملة للإكراه، ينبغي أن يكون تعطيلها قادرًا على إحداث أثر معتبر، وأن يصعب على الطرف المستهدف استبدالها بالكفاءة نفسها خلال الزمن الذي يستغرقه الضغط.
ومن هذه الزاوية، تبدو التجارة أقل قابلية مما يوحي به حجمها للتحول إلى نقطة اختناق شاملة. فإسبانيا هي الشريك التجاري الأول للمغرب، وهو ما يجعل أي اضطراب واسع في المبادلات مكلفًا، خصوصًا للشركات المغربية المرتبطة مباشرة بالسوق الإسبانية أو بسلاسل إنتاج تمر عبرها. لكن التجارة تتكون من آلاف السلع والعقود والعلاقات المختلفة، ولا تتمتع جميعها بالدرجة نفسها من صعوبة الاستبدال. كما أن ارتباط المغرب بالسوق الأوروبية الأوسع، وتعدد الموردين والأسواق خارج إسبانيا، يمنع تحويل الحجم الإجمالي للمبادلات بصورة آلية إلى مقدار مماثل من التبعية.
وتزداد هذه المحدودية بسبب الطبيعة المؤسسية للسوق التي تعمل داخلها إسبانيا. فجزء مهم من الأدوات التجارية التي يمكن أن تمس وصول المنتجات المغربية إلى السوق الأوروبية لا يخضع لقرار إسباني منفرد، وإنما تحكمه قواعد واختصاصات الاتحاد الأوروبي. ولا يعني ذلك أن مدريد عاجزة عن التأثير في القرارات الأوروبية أو عن اتخاذ إجراءات تقع ضمن صلاحياتها الوطنية، لكنه يعني أن الانتقال من خلاف ثنائي إلى «إغلاق السوق الأوروبية» يفترض انتقال القرار من مستوى العلاقة المغربية–الإسبانية إلى شبكة مؤسسية أوسع تضم فاعلين ومصالح وقواعد لا تتحكم فيها إسبانيا وحدها.
أما الاستثمار فينتج تعرضًا من نوع مختلف. فالمغرب يحتاج إلى رأس المال والخبرة والتكنولوجيا وفرص العمل التي توفرها الشركات الإسبانية، لكن الشركات نفسها تصبح، بمجرد استقرار استثماراتها داخل المغرب، معرضة لما يحدث في العلاقة السياسية بين البلدين. ولذلك يصعب تحويل الاستثمار القائم إلى أداة ضغط أحادية الاتجاه. فانسحاب شركة أو تجميد مشروع قد يضر بالمغرب، لكنه قد يعني كذلك خسارة أصول أو سوق أو فرص مستقبلية بالنسبة إلى المستثمر. وكلما كان الاستثمار أكثر رسوخًا وارتباطًا بالبنية المحلية، ازدادت كلفة فك العلاقة على الطرفين.
وتظهر نقطة اختناق أكثر وضوحًا في الممر اللوجستي الإسباني. فجزء مهم من تجارة المغرب مع أوروبا يمر عبر مضيق جبل طارق ثم شبكة الطرق والموانئ الإسبانية، وهو ما يمنح إسبانيا وظيفة يصعب استبدالها فورًا بالحجم والكفاءة نفسيهما. فالبديل البحري المباشر إلى فرنسا أو موانئ أوروبية أخرى موجود من حيث المبدأ، لكنه يحتاج إلى سفن وطاقة استيعابية وانتظام في الرحلات وشبكات توزيع قادرة على استيعاب التدفقات المحولة. ولذلك يمكن لاضطراب الممر الإسباني أن ينتج كلفة مغربية مباشرة في الأجل القصير.
لكن قوة هذه النقطة ليست مطلقة. فإسبانيا لا تنتج البضائع التي تمر عبر الممر، وإنما تقدم الطريق والخدمات التي تسمح بمرورها. وهذا يعني أن تعطيل التدفق يحرم المصدر المغربي من المسار الأكثر كفاءة، لكنه يحرم أيضًا الموانئ وشركات النقل والخدمات الإسبانية من النشاط الذي ينتجه ذلك التدفق. كما أن استمرار الضغط مدة طويلة يزيد الحافز الاقتصادي للاستثمار في المسارات البحرية البديلة. ومن ثم، فإن الممر يمثل نقطة تعرض حقيقية، لكنه ليس احتكارًا غير قابل للكسر.
وتبدو الكهرباء أكثر حساسية لأنها ترتبط باستمرارية منظومة لا تحتمل الانقطاع بالطريقة نفسها التي تحتمل بها التجارة تأخر شحنة أو تغيير سوق. غير أن الأرقام تضع حجم الاعتماد المغربي على إسبانيا في إطاره الفعلي. فقد بلغ الطلب الكهربائي المغربي نحو 49 تيراواط/ساعة سنة 2025، في حين صدرت إسبانيا إلى المغرب نحو 3.88 تيراواط/ساعة واستوردت منه نحو 0.13 تيراواط/ساعة، أي بصافي تدفق إسباني نحو المغرب يقارب 3.75 تيراواط/ساعة، بما يعادل نحو 7.6 في المائة من الطلب الكهربائي المغربي. وبذلك لا يمثل الربط الإسباني المصدر الأساسي للكهرباء المغربية، إذ يؤمّن المغرب محليًا الجزء الأكبر من حاجته، لكنه يؤدي وظيفة معتبرة في استكمال التوازن بين الإنتاج والطلب وتعزيز مرونة الشبكة وأمن الإمداد. كما أن الربط يعمل في الاتجاهين، وإن كان ميزانه الحالي يميل بوضوح لمصلحة التدفقات من إسبانيا إلى المغرب. ولذلك ينبغي التمييز بين الأثر الحقيقي الذي يمكن أن يحدثه تعطيل الربط وبين تصور أن إسبانيا تستطيع ببساطة «إطفاء الكهرباء» في المغرب. فالأول قد يفرض على النظام المغربي تعويض عدة تيراواط/ساعة من مصادر أخرى، ويصبح أثره الفوري مرتبطًا بوضع الإنتاج والطلب والاحتياطي في لحظة الأزمة؛ أما الثاني فيحول اعتمادًا جزئيًا وغير متماثل إلى تبعية كلية لا تؤيدها الأرقام.
ويختلف وضع الغاز لأن نقطة التعرض فيه أكثر تحديدًا. فالمغرب يستطيع شراء الغاز الطبيعي المسال من موردين دوليين مختلفين، ولذلك لا تحتكر إسبانيا المورد نفسه. لكن جزءًا مهمًا من الغاز المستورد يعتمد حاليًا على البنية الإسبانية لإعادة التغويز قبل نقله إلى المغرب عبر أنبوب المغرب–أوروبا في اتجاه معاكس لمساره التاريخي. وتكشف الأرقام حجم هذه الوظيفة؛ فقد استورد المغرب عبر إسبانيا نحو 10.4 تيراواط/ساعة من الغاز خلال 2025، أي ما يعادل تقريبًا مليار متر مكعب سنويًا، مقابل نحو 9.7 تيراواط/ساعة في 2024. ومثلت التدفقات المتجهة إلى المغرب نحو ربع صادرات الغاز الإسبانية خلال 2025. ولا يعني ذلك أن إسبانيا تزود المغرب بالغاز من إنتاجها، إذ إن المغرب يستطيع شراء الغاز الطبيعي المسال من السوق الدولية، وقد أبرم بالفعل عقدًا لمدة اثني عشر عامًا مع Shell لتوريد نحو 500 مليون متر مكعب سنويًا. وإنما تكمن الوظيفة الإسبانية في توفير البنية الصناعية التي تستقبل الغاز المسال وتعيده إلى حالته الغازية قبل نقله عبر الأنبوب إلى المغرب. ومن ثم فإن نقطة الاختناق لا توجد أساسًا في ملكية الغاز أو مصدره، وإنما في إعادة التغويز والعبور؛ أي في الوظيفة الصناعية واللوجستية التي تجعل المورد المشترى من السوق العالمية قابلًا للدخول إلى الشبكة المغربية.
وهذه الأرقام تخدم النظرية بصورة ممتازة، لأنها تعطينا حالة شبه نموذجية:
• المورد: دولي ومتعدد المصادر.
• المشتري: المغرب.
• البنية الوسيطة: إسبانية.
• التدفق الحالي: نحو مليار م³ سنويًا.
• الوظيفة التي تنتج التبعية: إعادة التغويز + العبور.
• موضع تقليص التبعية: إنشاء محطة استقبال وإعادة تغويز وربطها بالشبكة المغربية.
بل إن الوثائق الرسمية المغربية تجعل المسألة أكثر أهمية؛ إذ تندرج تنمية الإنتاج المحلي من الغاز ضمن خريطة أوسع لبناء منظومة غازية وطنية متكاملة. غير أن امتلاك المورد أو استيراده لا يحل وحده مشكلة التبعية القائمة، لأن الحلقة الحاسمة تظل البنية الصناعية القادرة على استقبال الغاز الطبيعي المسال وتخزينه وإعادة تغويزه. ولهذا اعتمد المغرب مشروع إنشاء أول محطة وطنية للغاز الطبيعي المسال في ميناء الناظور غرب المتوسط، بطاقة معلنة تصل إلى خمسة مليارات متر مكعب سنويًا، على أن ترتبط بأنبوب المغرب–أوروبا وبشبكة تمتد نحو محطات الكهرباء والمراكز الصناعية. وبمجرد دخول بنية من هذا النوع الخدمة، لن تنتهي حاجة المغرب إلى استيراد الغاز من الخارج، لكنها ستغير طبيعة الاعتماد: إذ يستطيع شراء المورد من السوق الدولية (أمريكا والخليج) وإعادة تغويزه داخل أراضيه، بدل استمرار الحاجة إلى البنية الإسبانية لأداء هذه الوظيفة الوسيطة.
ويكشف ذلك أن المشكلة لا تتعلق ببساطة بما إذا كان المغرب يملك الغاز، بل بمدى اكتمال منظومته الغازية إنتاجًا واستيرادًا واستقبالًا وإعادة تغويز ونقلًا وتخزينًا. ومن ثم، فإن امتلاك المورد أو القدرة على شرائه لا يلغي التبعية ما دامت إحدى الوظائف الضرورية لإيصاله إلى الشبكة الوطنية تؤدى خارجها.
وهذا التمييز بالغ الأهمية؛ لأنه يغير طبيعة المشكلة. فإذا كان الاحتكار متعلقًا بالمورد نفسه، احتاج المغرب إلى البحث عن مورد آخر. أما إذا كانت نقطة التعرض في البنية الوسيطة، فإن تغيير المورد لا يحل المشكلة؛ فقد يكون الغاز أمريكيًا أو خليجيا أو من أي مصدر آخر، بينما تظل الحاجة إلى إعادة التغويز قائمة. ومن هنا تبدو هذه الوظيفة من أكثر نقاط التعرض وضوحًا في الأجل القصير، إلى أن تصبح البنية المغربية القادرة على استقبال الغاز الطبيعي المسال وإعادة تغويزه محليا بديلًا فعليًا.
لكن هذه الحالة تكشف في الوقت نفسه خاصية مهمة لنقاط الاختناق: ليست كل نقطة اختناق دائمة. فقيمتها ترتفع ما دام البديل غير موجود أو غير جاهز، ثم تنخفض عندما يدخل البديل الخدمة. ولذلك لا تكشف البنية الحالية وحدها مقدار القوة المستقبلية. فما تستطيع إسبانيا استخدامه اليوم قد يفقد جزءًا من قيمته عندما يكتمل مشروع مغربي يعيد إنتاج الوظيفة نفسها.
وفي الاتجاه المقابل، تكشف الشبكة عن نقاط تعرض إسبانية تختلف في طبيعتها عن نقاط التعرض المغربية. فالسوق المغربية والاستثمارات القائمة مهمة، لكن حجم الاقتصاد الإسباني يجعل من الصعب اعتبارهما، في مجموعهـما، نقطة اختناق قادرة على إحداث أزمة اقتصادية وطنية مماثلة لما يمكن أن يحدثه انقطاع وظيفة حيوية صغيرة عن اقتصاد أكثر اعتمادًا عليها. غير أن الصورة تختلف على مستوى القطاعات والشركات والأقاليم، حيث يمكن لخسارة السوق أو العقود أو التدفقات المغربية أن تكون أشد أثرًا بكثير مما تظهره المؤشرات الاقتصادية الكلية.
ويقدم الصيد البحري مثالًا على هذا التركز القطاعي. فتوقف الوصول إلى المياه المغربية لا يشل الاقتصاد الإسباني، لكنه يترك أثرًا مباشرًا على أجزاء من الأسطول والمناطق الساحلية التي كانت تستفيد منه. وهنا تكون التبعية مرتفعة على مستوى فاعل محدد، بينما تظل محدودة على مستوى الدولة. وهذا يبين مرة أخرى أن نقطة الاختناق لا يمكن تحديدها قبل تحديد مستوى التحليل: فما لا يمثل نقطة ضعف للاقتصاد الوطني قد يمثلها لقطاع أو إقليم أو مجموعة مصالح قادرة بدورها على ممارسة ضغط سياسي داخلي.
وتظهر حالة سبتة ومليلية بصورة أكثر وضوحًا أثر هذا الاختلاف بين المستوى الوطني والمحلي. فعندما أنهى المغرب نمط التجارة غير النظامية الذي كان قائمًا عبر الحدود، لم يكن الأثر قادرًا على إرباك الاقتصاد الإسباني، لكنه مس مباشرة نموذجًا اقتصاديًا محليًا كان يعتمد بدرجة مهمة على العلاقة مع المحيط المغربي. وقد تحمل الجانب المغربي بدوره تكاليف اجتماعية واقتصادية في المناطق الحدودية، لكن استمرار القرار أدى تدريجيًا إلى إعادة توجيه التدفقات. وتكمن أهمية هذه السابقة هنا في أنها تكشف أن التبعية المحلية قد تكون مرتفعة حتى عندما تكون التبعية الوطنية منخفضة، وأن تغيير مسار التدفق يمكن أن يعيد توزيع القيمة بين مناطق وعلاقات مختلفة.
أما في الهجرة والتعاون الأمني فتنعكس طبيعة نقطة الاختناق. فالمغرب لا يحتكر الأمن الإسباني، وإسبانيا تمتلك حدودًا وأجهزة وقدرات أوروبية واسعة، لكن الوظيفة المغربية يصعب استبدالها بالكامل لأن جزءًا منها ناتج عن الموقع الجغرافي والمعرفة الميدانية والقدرة على العمل داخل المجال المغربي نفسه. ويمكن لإسبانيا تعزيز حدودها أو طلب دعم أوروبي إضافي، لكنها بذلك تتعامل مع التدفق في نقطة مختلفة من مساره وبكلفة مختلفة. ومن ثم فإن البديل موجود، لكنه لا يعيد إنتاج الوظيفة المغربية بصورة مطابقة.
وهذه الحالة مهمة لأنها تكشف أن بعض نقاط الاختناق لا تنتج عن امتلاك مورد نادر أو بنية تحتية، وإنما عن موقع داخل شبكة لا يمكن نقله إلى فاعل آخر. فالجغرافيا المغربية لا تمنح المغرب قيمة أمنية في ذاتها؛ إنما تكتسب هذه القيمة عندما تقترن بمؤسسات وقدرات وتعاون يسمح بتحويل الموقع إلى وظيفة. وإذا تعطلت هذه الوظيفة، لا تختفي قدرة إسبانيا على حماية حدودها، لكن كلفة إنتاج النتيجة نفسها قد ترتفع.
وبذلك تكشف المقارنة عن بنية غير متناظرة. فبعض نقاط التعرض المغربية أكثر تركيزًا في البنية المادية، ولا سيما حيث تعتمد وظيفة قائمة على منشأة أو ممر لم يكتمل بديله بعد. أما بعض نقاط التعرض الإسبانية فتظهر بدرجة أكبر في الوظائف الأمنية والقطاعية والمحلية وفي التدفقات التي تستفيد منها مصالح محددة. وهذا الاختلاف يمنع اختزال ميزان القوة في سؤال: من يستطيع إلحاق خسارة مالية أكبر بالآخر؟
فالقدرة على الإكراه لا تتحدد بحجم الضرر الممكن وحده، وإنما بقدرة الضرر على إصابة وظيفة يصعب استبدالها في الزمن السياسي للأزمة. وقد تكون خسارة مالية كبيرة قابلة للتوزيع والامتصاص، بينما يؤدي تعطيل وظيفة أصغر إلى ضغط أشد إذا كان أثرها فوريًا ولا يوجد لها بديل جاهز.
ومن هنا يمكن ترتيب ما كشفه التحليل في ثلاث درجات. هناك وظائف يمكن استبدالها نسبيًا عبر السوق أو تغيير المورد أو الوجهة، فتكون قدرتها على إنتاج الإكراه محدودة رغم كلفتها. وهناك وظائف يمكن استبدالها، لكن ذلك يحتاج إلى استثمار أو كلفة أو زمن، فتشكل نقاط تعرض انتقالية. ثم توجد وظائف ترتبط بالجغرافيا أو البنية أو المعرفة الميدانية بدرجة تجعل استبدالها الكامل أصعب، فتكتسب قيمة استراتيجية أعلى داخل العلاقة.
لكن حتى هذا التصنيف لا يكفي للحكم على قوة أي نقطة اختناق، لأن البدائل نفسها لا تتولد داخل العلاقة الثنائية وحدها. فقد تأتي القدرة على تجاوز الاختناق من علاقة مع دولة ثالثة، أو من سوق أخرى، أو من استثمار داخلي، أو من تغير في التكنولوجيا أو مسار النقل. وبالمثل، قد يستطيع الطرف الذي يفقد وظيفة معينة تعويضها من خلال شبكة علاقاته الخارجية.
وهنا نصل إلى الحلقة التي تحدد ما إذا كانت نقاط الاختناق التي كشفناها مصادر قوة مستقرة أم مجرد مزايا مؤقتة.
رابعًا: شبكة البدائل وإعادة توزيع التبعية
حين تُغير العلاقات الخارجية قيمة العلاقة المغربية–الإسبانية
إذا كانت نقاط الاختناق تكشف المواضع التي يمكن أن تتحول فيها الحاجة إلى مصدر للضغط، فإن قيمتها لا تظل ثابتة. فهي ترتفع عندما يصعب على الطرف المحتاج الوصول إلى الوظيفة من طريق آخر، وتنخفض عندما تتوسع أمامه إمكانات الاستبدال. ولذلك فإن معرفة نقاط التعرض الحالية لا تكفي للحكم على ميزان القوة بين المغرب وإسبانيا؛ إذ ينبغي النظر أيضًا إلى الشبكات الأخرى التي يتحرك داخلها الطرفان، وإلى قدرتها على إعادة إنتاج الوظائف التي يمكن أن تتعرض للتعطيل.
وتظهر أهمية هذا المستوى من التحليل في أن البديل لا يشترط أن يكون مطابقًا للوظيفة الأصلية، ولا أن يأتي من فاعل واحد. فقد يتكون من مورد جديد، وبنية تحتية مختلفة، ومسار نقل آخر، وعلاقة تجارية أو استثمارية موازية، بحيث تؤدي هذه العناصر مجتمعة الوظيفة التي كانت علاقة واحدة تؤديها من قبل. ومن هنا لا تقاس قدرة الدولة على تقليل تبعيتها بعدد البدائل التي تعلن عنها، وإنما بقدرة شبكتها مجتمعة على المحافظة على الوظائف الحيوية عند اضطراب إحدى العلاقات.
وهذا ما يمنح سياسة التنويع المغربية (تنويع الشركاء) دلالتها في موضوع الدراسة. فالمشروعات المتعلقة بالبنية الغازية، وزيادة إنتاج الكهرباء، والتوسع في الطاقات المتجددة، وتطوير الموانئ والنقل البحري، لا ينبغي النظر إليها باعتبارها ردودًا منفصلة على إسبانيا، ولا توجد ضرورة أصلًا لافتراض أنها صممت لهذا الغرض. أهميتها بالنسبة إلى العلاقة المغربية–الإسبانية تنشأ من أثرها الموضوعي في توزيع الحاجة. فكل وظيفة يستطيع المغرب إنتاجها داخليًا، أو الحصول عليها عبر علاقة أخرى، تقلل مقدار تعرضه لضغط الطرف الذي كان يؤديها، حتى لو ظلت العلاقة معه وثيقة ومفيدة.
ويظهر ذلك بوضوح في نقطة التعرض الغازية التي حددناها سابقًا. فالقيمة التي تكتسبها البنية الإسبانية حاليًا لا تعود إلى احتكار المورد، وإنما إلى أداء وظيفة إعادة التغويز والعبور. ولذلك فإن إنشاء بنية مغربية قادرة على استقبال الغاز الطبيعي المسال وإعادة تغويزه لا يعني الاستغناء عن السوق الدولية، وإنما ينقل موضع الاعتماد من علاقة ثنائية محددة إلى شبكة أوسع من الموردين. وما يتغير هنا ليس الحاجة إلى الغاز، بل عدد العلاقات القادرة على تلبيتها، ومن ثم مقدار التبعية لأي علاقة منفردة.
ويكشف هذا المثال عن فرق جوهري بين تنويع الموردين وتنويع الوظائف. فقد تشتري الدولة المورد نفسه من خمسة شركاء، لكنها تظل معرضة لنقطة اختناق واحدة إذا كان جميع الموردين يحتاجون إلى البنية نفسها للوصول إليها. وعلى العكس، قد تظل معتمدة على الخارج في الحصول على المورد، لكنها تخفض تبعيتها الاستراتيجية إذا امتلكت عدة مسارات وبنى تسمح بوصوله. ولذلك فإن قوة شبكة البدائل لا تتحدد بكثرة الشركاء في ذاتها، وإنما بتوزيع الوظائف بينهم ومنع تمركز الوظائف الحيوية في علاقة واحدة.
والأمر نفسه ينطبق على النقل. فالموقع الإسباني لن يتغير، وسيظل أقرب الممرات البرية التي تربط المغرب بجزء كبير من أوروبا. لكن القيمة الاستراتيجية لهذا الممر تتغير كلما ازدادت قدرة الموانئ المغربية والخطوط البحرية المباشرة على الوصول إلى موانئ أوروبية أخرى. ولا يشترط أن يحل المسار البحري محل الممر الإسباني بالكامل لكي يؤثر في قيمته؛ إذ يكفي أن يصبح قادرًا على استيعاب نسبة معتبرة من التدفقات في حالة الاضطراب حتى تنخفض قدرة الممر الإسباني على التحول إلى نقطة اختناق.
ومن هذه الزاوية، تكتسب العلاقات المغربية مع فرنسا أهمية تتجاوز حجم التجارة والاستثمار الثنائيين. ففرنسا ليست «بديلًا عن إسبانيا» بالمعنى الشامل، ولا يحتاج التحليل إلى افتراض تنافس سياسي بين البلدين على المغرب. لكن اتساع العلاقات المغربية–الفرنسية في النقل والطاقة والصناعة والتمويل والبنية التحتية يمكن أن ينتج وظائف تجعل بعض العلاقات المغربية أقل تمركزًا في المسار الإسباني. وبذلك تستطيع العلاقة مع فرنسا أن تغير قيمة العلاقة مع إسبانيا من دون أن تكون موجهة ضدها.
وينطبق المنطق نفسه على الولايات المتحدة ودول الخليج والشركاء الأفارقة وغيرهم. فالولايات المتحدة يمكن أن توسع مجال الاختيار في الطاقة والاستثمار والتكنولوجيا، وتضيف العلاقات الخليجية مصادر للتمويل والاستثمار والطاقة، بينما تمنح العلاقات الإفريقية للمغرب أسواقًا ووظائف ومواقع داخل شبكات اقتصادية جنوبية لا تمر جميعها عبر أوروبا. ولا تكمن أهمية هذه العلاقات في جمع عدد أكبر من «الحلفاء»، وإنما في قدرتها على إنتاج وظائف تقلل تمركز الحاجة في اتجاه واحد.
وهنا نصل إلى أحد أهم جوانب التحليل العلائقي: العلاقة لا تتغير فقط عندما يتغير أحد طرفيها، بل يمكن أن تتغير عندما تتغير علاقة أخرى مرتبطة بأحدهما. فإذا ازدادت قدرة المغرب على الحصول على وظيفة من فرنسا أو الولايات المتحدة أو من إنتاجه الداخلي، انخفضت قيمة احتكار إسبانيا لتلك الوظيفة حتى لو لم يحدث أي تغيير داخل العلاقة المغربية–الإسبانية نفسها. وبالمثل، إذا استطاعت إسبانيا الحصول على وظيفة كانت تستمدها من المغرب عبر شريك آخر أو من خلال أدوات الاتحاد الأوروبي، انخفض مقدار تبعيتها للمغرب.
ولهذا لا ينبغي التعامل مع شبكة البدائل المغربية وكأنها تعمل في مواجهة طرف إسباني ثابت. فإسبانيا نفسها تتحرك داخل شبكة أوسع بكثير، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي. وهذه الشبكة تمنحها سوقًا ضخمة، ومصادر متعددة للطاقة والسلع ورأس المال، وأدوات مالية ومؤسسية وسياسية تساعدها على امتصاص خسائر قد تكون أشد وطأة لو كانت تعمل منفردة. كما تمنح الشركات الإسبانية إمكان إعادة توجيه جانب من نشاطها نحو أسواق أخرى، وإن كان ذلك لا يتم بالكلفة والسرعة نفسيهما في جميع القطاعات.
غير أن الانتماء إلى شبكة قوية لا يعني امتلاك جميع وظائفها بصورة منفردة. فالعضوية في الاتحاد الأوروبي توسع الموارد المتاحة لإسبانيا، لكنها تقيد في الوقت نفسه قدرتها على استخدام بعض الأدوات الأوروبية باعتبارها أدوات وطنية خالصة. فالسياسة التجارية الخارجية، مثلًا، تدخل بدرجة كبيرة في الاختصاص الأوروبي المشترك، ومن ثم فإن تحويل خلاف ثنائي مع المغرب إلى عقوبات تشمل السوق الأوروبية يتطلب الانتقال من قرار إسباني إلى عملية سياسية وقانونية داخل الاتحاد، تدخل فيها مصالح دول ومؤسسات أخرى.
وهذه نقطة ذات أهمية خاصة في تقييم التهديدات التي تتحدث عن «خنق الاقتصاد المغربي» عبر أوروبا. فإسبانيا تستطيع التأثير داخل الاتحاد، وقد تستطيع الدفع في اتجاه مواقف أكثر تشددًا، لكنها لا تستطيع التعامل مع السوق الأوروبية بكاملها كما لو كانت امتدادًا لسوقها الوطنية. وتتحول هنا الشبكة الأوروبية من مصدر للقوة إلى قيد على الاستخدام المنفرد للقوة في الوقت نفسه. وهذه إحدى الخصائص التي يصعب رؤيتها إذا حللنا إسبانيا بوصفها فاعلًا مستقلًا عن العلاقات التي تمنحها قدراتها.
وفي المقابل، لا ينبغي المبالغة في أثر شبكة البدائل المغربية لمجرد اتساع العلاقات الدبلوماسية. فالعلاقة السياسية لا تصبح بديلًا اقتصاديًا إلا عندما تستطيع إنتاج الوظيفة المطلوبة. كما أن المشروع المستقبلي لا يزيل تبعية قائمة قبل دخوله الخدمة، والاحتياطي المكتشف لا يؤدي وظيفة الإنتاج قبل استخراجه، والخط البحري الممكن لا يعوض الممر القائم قبل امتلاك القدرة الاستيعابية اللازمة. ولذلك ينبغي التمييز بين شبكة العلاقات الممكنة وشبكة البدائل الفعلية.
ويكتسب الزمن هنا مرة أخرى أهمية حاسمة. فقد تكون لإسبانيا أفضلية واضحة في لحظة معينة لأن البنية البديلة المغربية لم تكتمل، بينما تنخفض هذه الأفضلية بعد سنوات عندما تدخل منشآت أو مسارات جديدة الخدمة. وبالعكس، قد تستطيع إسبانيا تعويض خسارة سوق أو مورد بسرعة في مجال معين، بينما تحتاج في مجال آخر إلى فترة أطول. وهكذا فإن ميزان التبعية ليس متغيرًا فقط بين القطاعات، وإنما يتحرك داخل القطاع نفسه بمرور الزمن.
ومن ثم، فإن ما يبدو اعتمادًا ثابتًا عند التقاط صورة للعلاقة في لحظة معينة قد يكون في الحقيقة مرحلة انتقالية داخل عملية أوسع لإعادة توزيع الوظائف. وهذا ما يجعل تقييم الاستراتيجيات متوسطة وبعيدة المدى أكثر أهمية من الاكتفاء بحساب الوضع القائم. فبناء البنية التحتية أو فتح طريق بحري أو تطوير إنتاج محلي قد لا يغير ميزان العلاقة فورًا، لكنه يستطيع تغيير الشروط التي سيعمل فيها الضغط مستقبلًا.
وتكشف تجربة سبتة ومليلية، في هذا السياق، دلالة أوسع من أثرها المحلي الذي سبقت الإشارة إليه. فقد أظهر إيقاف التجارة غير النظامية مع المدينتين من قبل المغرب، أن البديل لا يحتاج دائمًا إلى أن يكون أرخص منذ اللحظة الأولى حتى يقع الانتقال إليه. فعندما تعتبر الدولة أن استمرار علاقة معينة ينتج كلفة استراتيجية أو سياسية لا تقبلها، قد تصبح مستعدة لتحمل كلفة انتقالية من أجل إعادة توجيه التدفق. وهذا يعني أن حساب البدائل لا يقوم على المقارنة المالية المباشرة وحدها؛ إذ تدخل فيه أيضًا كلفة استمرار التبعية نفسها.
وهذه النقطة ستكون حاسمة عند الانتقال إلى الإكراه. فما دام الاعتماد الاقتصادي يعمل داخل علاقة مستقرة، يقارن الفاعل عادة بين كلفة العلاقة القائمة وكلفة البديل. لكن إذا تحولت العلاقة القائمة إلى أداة ضغط سياسي، يتغير الحساب: تضاف إلى كلفتها الاقتصادية كلفة التعرض المتكرر للإكراه. وعندئذ قد يصبح بديل كان يبدو سابقًا أعلى كلفة خيارًا عقلانيًا لأنه يخفض المخاطر الاستراتيجية المستقبلية.
وبهذا المعنى، لا تؤدي شبكة البدائل وظيفة دفاعية بعد وقوع الأزمة فقط، وإنما تغير مسبقًا مقدار القوة التي يمكن استخراجها من التبعية. فالطرف الذي يعلم أن الآخر يستطيع الانتقال بسرعة إلى علاقات بديلة يدرك أن نافذة الضغط المتاحة أمامه محدودة، بينما ترتفع جاذبية الإكراه عندما تكون الوظيفة مركزة والبدائل بعيدة أو مكلفة.
ومن مجموع ذلك يمكن استخلاص النتيجة التالية: لا ينتج الاستقلال الاستراتيجي النسبي من إنهاء الاعتماد المتبادل، وإنما من توزيع الوظائف الحيوية على شبكة من العلاقات والقدرات بحيث لا تستطيع علاقة واحدة احتكار الحاجة وتحويلها بسهولة إلى تبعية قابلة للإكراه.
ولا يعني هذا أن المغرب أصبح بمنأى عن الضغط الإسباني، مثلما لا يعني أن إسبانيا تستطيع بسهولة استبدال جميع الوظائف المغربية. لقد كشف التحليل فقط أن نقاط الاختناق التي حددناها ليست ثابتة، وأن قيمتها تتغير تبعًا لتطور شبكة البدائل لدى الطرفين.
ويبقى الآن السؤال الذي ولدت منه الدراسة، والذي لم تعد الإجابة عنه تحتاج إلى إعادة عرض التجارة أو الغاز أو الكهرباء أو النقل أو الهجرة. فقد أصبحت لدينا خريطة الوظائف، وحددنا نقاط الاختناق، ورأينا كيف تستطيع البدائل تغيير قيمتها. ويمكن لذلك الانتقال مباشرة إلى الاختبار الحاسم:
ماذا يحدث إذا حاول أحد الطرفين بالفعل تحويل إحدى نقاط التبعية هذه إلى أداة للإكراه؟
خامسًا: عندما يتحول الاعتماد إلى أداة للإكراه
من القدرة على إحداث الضرر إلى القدرة على إنتاج تغيير سياسي
بعد تحديد شبكة المصالح ونقاط الاختناق والبدائل المتاحة للطرفين، يمكن العودة إلى السؤال الذي انطلقت منه الدراسة: ماذا يمكن أن يحدث إذا قررت إسبانيا استخدام بعض الوظائف التي تؤديها للمغرب أداة للضغط السياسي؟ هنا ينبغي التمييز بين أمرين كثيرًا ما يختلطان في خطاب التهديد الاقتصادي: القدرة على إحداث الضرر، والقدرة على تحويل ذلك الضرر إلى تغيير في سلوك الطرف المستهدف. فالأولى قد تكون متاحة بدرجات مختلفة، بينما الثانية أكثر تعقيدًا، لأنها تتوقف على بنية العلاقة وعلى استجابة الطرف الذي يتعرض للضغط.
لا توجد أسباب تدعو إلى إنكار أن إسبانيا تستطيع إحداث كلفة اقتصادية للمغرب. فحجم المبادلات، وموقعها في طرق العبور نحو أوروبا، وبعض الوظائف الطاقية التي سبق تحديدها، تجعل الاضطراب الحاد في العلاقة قادرًا على إحداث آثار فعلية، ولا سيما في الأجل القصير. وسيكون مناقضًا لمنطق الدراسة افتراض أن وجود البدائل المستقبلية يلغي هذه الحقيقة؛ فالبديل الذي لم يدخل الخدمة بعد لا يحمي من ضغط يقع اليوم، والمسار الذي يستطيع استيعاب جزء من التدفقات لا يعوض بالضرورة المسار القائم كاملًا منذ اللحظة الأولى.
غير أن إثبات هذه القدرة لا يحسم مسألة الإكراه. فالضرر يصبح أداة إكراه ناجحة عندما تكون كلفته بالنسبة إلى الطرف المستهدف أعلى من كلفة التنازل المطلوب منه، وعندما يعتقد هذا الطرف أن استمرار المقاومة سيؤدي إلى خسائر لا يستطيع تحملها. أما إذا استطاع امتصاص الضرر أو توزيعه أو تشغيل البدائل قبل أن ينتج الضغط أثره السياسي، فقد تتحقق الخسارة الاقتصادية من دون أن يتحقق الهدف الذي استخدمت من أجله.
وهنا يدخل الزمن في صميم العلاقة بين الاقتصاد والسياسة. ففي اللحظة الأولى من الأزمة تعمل الشبكة القائمة كما هي، ولذلك يتمتع الطرف الذي يسيطر على وظيفة يصعب استبدالها بأكبر قدر من النفوذ. لكن الطرف المستهدف لا يبقى ساكنًا؛ إذ يبدأ بمجرد تعرضه للضغط في إعادة تقييم حاجاته ومساراته ومورديه واستثماراته. ومن ثم، فإن القوة الإكراهية لنقطة الاختناق تكون مرتبطة بـنافذة زمنية تفصل بين بدء الضغط وقدرة الطرف الآخر على التكيف معه.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الحالة المغربية–الإسبانية لأن نقاط التعرض التي كشفها التحليل لا تتمتع جميعها بالزمن نفسه. فبعض التدفقات التجارية يمكن إعادة توجيهها بصورة أسرع، بينما يحتاج تعديل بعض البنى اللوجستية أو الطاقية إلى استثمارات ومدة أطول. وهذا يعني أن الضغط، إذا وقع، لن ينتج أثرًا واحدًا متجانسًا على الاقتصاد المغربي، وإنما آثارًا متفاوتة بحسب سرعة تشغيل البديل في كل وظيفة.
لكن فعل الإكراه نفسه يغير حساب البدائل. ففي الظروف العادية تقارن الدولة بين كلفة الوظيفة التي تحصل عليها عبر العلاقة القائمة وكلفة إنتاجها داخليًا أو الحصول عليها من شريك آخر. وقد يكون استمرار الاعتماد هو الخيار الاقتصادي الأكثر كفاءة. أما عندما تثبت العلاقة أنها قابلة للاستخدام أداة للضغط السياسي، فإن الحساب يتغير، لأن كلفة الاعتماد لم تعد تقتصر على الثمن المالي للوظيفة، بل أصبحت تشمل أيضًا مخاطر انقطاعها وإمكان استخدامها مستقبلًا للإكراه.
وهنا يمكن أن يحدث تحول مهم في السلوك الاستراتيجي. فقد يصبح الاستثمار في منشأة وطنية أعلى كلفة من استمرار استخدام المنشأة الخارجية، لكن الفارق المالي لم يعد المعيار الوحيد؛ وقد يكون طريق النقل البديل أقل كفاءة في الظروف العادية، لكنه يكتسب قيمة جديدة عندما يصبح المسار الأكثر كفاءة عرضة للتعطيل السياسي. وبذلك لا يغير الضغط سلوك الطرف المستهدف أثناء الأزمة فحسب، وإنما يستطيع أن يغير الطريقة التي يقيم بها علاقاته بعد انتهائها.
وهذه نتيجة مهمة بالنسبة إلى التهديد باستخدام الطاقة أو الكهرباء تحديدًا. فإذا ظلت البنية الإسبانية تؤدي وظيفة اقتصادية مستقرة ومضمونة، فإن استمرار استخدامها قد يكون أكثر عقلانية من بناء قدرة بديلة مكلفة أو غير مستغلة بالكامل. أما إذا تحولت هذه البنية إلى أداة ضغط، فإنها تقدم للمغرب سببًا إضافيًا لتسريع بناء البديل حتى لو كانت كلفته المالية المباشرة أعلى. وهكذا يمكن للأداة التي تمنح الطرف المالك لها قدرة على الإكراه في الأجل القصير أن تولد، باستخدامها، الحافز الذي يقلل تلك القدرة في الأجل المتوسط.
ومن هنا تظهر مفارقة أساسية: قد تبلغ نقطة الاختناق أعلى قيمة سياسية لها عند استخدامها للمرة الأولى، بينما يؤدي استخدامها نفسه إلى إطلاق العملية التي تخفض قيمتها المستقبلية.
ولا يعني ذلك أن كل ضغط يفشل بالضرورة. فإذا كانت كلفة بناء البديل مرتفعة جدًا، أو كان الزمن اللازم له أطول من قدرة الطرف المستهدف على تحمل الضرر، أو كانت الوظيفة غير قابلة للاستبدال أصلًا، يستطيع الإكراه أن ينجح قبل أن تتغير الشبكة. ولهذا لا تكمن المسألة في وجود البديل فقط، وإنما في السباق بين زمن الضغط وزمن التكيف. كلما طال الزمن اللازم لتشغيل البديل اتسعت نافذة الإكراه، وكلما استطاع الطرف المستهدف اختصار هذا الزمن ضاقت تلك النافذة.
ويكشف هذا أيضًا أن كلفة الضغط لا ينبغي حسابها عند الطرف المستهدف وحده. فتعطيل علاقة مترابطة يعني أن الطرف المستخدم للأداة قد يخسر جزءًا من الوظائف التي كان يحصل عليها في المقابل. وقد تكون هذه الخسارة موزعة على شركات أو قطاعات أو مناطق بدل ظهورها مباشرة في المؤشرات الاقتصادية الوطنية، لكنها تظل جزءًا من الحساب السياسي، خصوصًا إذا تحولت المصالح المتضررة إلى جماعات ضغط داخلية تطالب باستعادة العلاقة.
وفي الحالة الإسبانية، يزداد هذا القيد لأن بعض أشد أدوات الضغط التي يمكن تصورها لا توجد بكاملها تحت السيطرة الوطنية المنفردة. فكلما انتقل الضغط من إجراء ثنائي محدود إلى محاولة تقييد وصول المغرب إلى السوق الأوروبية أو استخدام أدوات تجارية أوسع، دخلت مؤسسات الاتحاد الأوروبي ودوله ومصالحه المختلفة في عملية القرار. وعندئذ لا يعود السؤال ما إذا كانت إسبانيا تريد ممارسة الضغط، بل ما إذا كانت تستطيع تحويل تفضيلها الوطني إلى موقف أوروبي.
وفي المقابل، لا يستطيع المغرب افتراض أن علاقاته مع فرنسا أو الولايات المتحدة أو الخليج ستتحول تلقائيًا إلى دعم سياسي له في مواجهة إسبانيا. فهذا ليس ضروريًا أصلًا لكي تؤثر الشبكة في نتيجة الإكراه. فالوظيفة الحاسمة للعلاقات الأخرى هي أن توسع مجال الحركة أمام الطرف المستهدف، لا أن تدخل الصراع إلى جانبه. فإذا استطاع المغرب الحصول على تمويل أو طاقة أو سوق أو مسار نقل من علاقة أخرى، تكون تلك العلاقة قد خفضت فعالية الضغط الإسباني حتى لو حافظ الطرف الثالث على علاقات طبيعية مع مدريد.
وهنا تتضح أهمية التمييز بين التحالف والبديل. فالتحالف يفترض موقفًا سياسيًا، أما البديل فيحتاج فقط إلى القدرة على أداء وظيفة. وقد تكون دولة محايدة تمامًا في النزاع هي التي تقوض أداة الإكراه إذا وفرت للطرف المستهدف ما كان الطرف الضاغط يحتكره. ومن ثم فإن شبكة العلاقات المغربية لا تحتاج إلى أن تتحول إلى جبهة سياسية مناهضة لإسبانيا لكي تحد من قدرتها على الضغط.
لكن الأثر الأكثر عمقًا لا يتعلق بالبدائل المادية وحدها، وإنما بالثقة التي تقوم عليها العلاقات الاقتصادية. فالتكامل يزداد عندما تتوقع الأطراف استمرار الوظائف التي تعتمد عليها، وتستثمر على أساس هذا التوقع. وإذا استخدم أحد الأطراف اعتماد الآخر عليه أداة للإكراه، فإنه يغير طبيعة العلاقة في حسابات الطرف المستهدف: ما كان مصدرًا للكفاءة يصبح في الوقت نفسه مصدرًا للمخاطر.
وهذا التحول يمكن أن تكون آثاره أطول من الأزمة نفسها. فقد ينتهي الخلاف السياسي وتعود المبادلات، لكن الدولة والشركات تكون قد تعلمت أن تمركز وظيفة معينة في علاقة واحدة يحمل مخاطرة لم تكن تدخل سابقًا في الحساب. ومن ثم، قد تستمر عملية التنويع بعد انتهاء سبب الضغط، لأن الغاية لم تعد استبدال العلاقة القائمة، وإنما منعها من استعادة القدرة السابقة على إنتاج التبعية.
وبذلك يستطيع الاستخدام المتكرر للإكراه أن يؤدي إلى نتيجة معاكسة للهدف الذي يسعى إليه. فبدل تثبيت التبعية، يدفع الطرف الآخر إلى تفكيكها؛ وبدل الحفاظ على قيمة الوظيفة التي يمتلكها الطرف الضاغط، يشجع على الاستثمار في منافسين لها؛ وبدل زيادة القدرة على التأثير مستقبلًا، قد يقلل عدد المجالات التي يستطيع الضغط من خلالها.
وتقدم الخبرة المغربية في إدارة بعض العلاقات الاقتصادية السابقة مؤشرًا مهمًا على هذا السلوك، دون أن تسمح بالقول إن النتيجة ستتكرر آليًا في كل قطاع. فقد أظهر إنهاء نمط التجارة الحدودية مع سبتة ومليلية استعدادًا لتحمل كلفة انتقالية عندما اعتبرت الدولة أن إعادة تنظيم العلاقة تخدم غاية أوسع. وما يهم في هذه السابقة ليس مقارنة التجارة الحدودية بالطاقة أو بالممرات اللوجستية، فالفروق بينها كبيرة، وإنما إثبات أن الكلفة الاقتصادية القصيرة لا تكفي وحدها للتنبؤ بالسلوك عندما تدخل اعتبارات استراتيجية في حساب القرار.
ومن هنا يصبح السؤال المتعلق بقدرة إسبانيا على «خنق» الاقتصاد المغربي أقل بساطة مما يوحي به التعبير. فإسبانيا تستطيع، في سيناريو مواجهة حادة، إحداث اضطراب معتبر في بعض الوظائف، وقد يكون أثره أشد في المجالات التي لم تكتمل فيها البدائل المغربية. لكن الانتقال من هذا الضرر إلى إخضاع سياسي مستدام يفترض ثلاثة شروط مجتمعة: أن تكون الوظيفة المستهدفة حيوية، وأن تكون البدائل أبطأ من قدرة المغرب على تحمل الضغط، وأن تظل الكلفة المرتدة على إسبانيا وشبكتها السياسية والاقتصادية مقبولة طوال مدة الإكراه.
ولا يكشف التحليل السابق وجود هذه الشروط مجتمعة في العلاقة بكاملها. بل يكشف شبكة أكثر تعقيدًا: نقاط تعرض مغربية حقيقية، يقابلها تفاوت في سرعة البدائل؛ ومصالح إسبانية معرضة للاضطراب؛ وأدوات أوروبية لا تسيطر عليها مدريد منفردة؛ وعلاقات خارجية للطرفين تستطيع إعادة توزيع الوظائف كلما طال أمد الأزمة.
ومن ثم، فإن أفضلية إسبانيا الناتجة عن حجم اقتصادها وموقعها الأوروبي لا تتحول تلقائيًا إلى قدرة مساوية على الإكراه، مثلما لا يعني اتساع شبكة البدائل المغربية أن الرباط أصبحت قادرة على تحمل أي انقطاع بلا كلفة. ما تحدده النتيجة ليس امتلاك القوة في ذاتها، وإنما العلاقة بين شدة الضرر، وزمن تحمله، وزمن تشغيل البديل، والكلفة المرتدة على الطرف الذي يستخدم الأداة.
وتقودنا هذه النتيجة إلى قانون أوسع من الحالة المغربية–الإسبانية:
الإكراه الاقتصادي لا يعمل على شبكة ساكنة؛ فهو يتدخل في العلاقات التي تمنحه قوته، ويغير حوافز الفاعلين داخلها. ولذلك تتحدد فعاليته ليس فقط بمقدار التبعية القائمة عند بدء الضغط، وإنما أيضًا بسرعة إعادة تشكيل هذه التبعية بعد استخدامه.
وعند هذه النقطة يمكن العودة إلى السؤال الذي افتتح الدراسة. فالتهديد الاقتصادي الإسباني، إذا نُظر إليه من خلال حجم الاقتصاد أو الموقع الجغرافي أو السيطرة على بعض البنى وحدها، قد يبدو دليلًا على تفوق يسمح بفرض كلفة كبيرة على المغرب. أما عندما يوضع داخل شبكة الوظائف والتبعيات والبدائل، فإن الصورة تصبح أكثر تركيبًا: توجد قدرة على الإضرار، لكن القدرة على تحويل الضرر إلى إخضاع ليست نتيجة تلقائية.
وهذا هو الفارق بين امتلاك أداة الضغط وامتلاك قوة الإكراه.
وبذلك نكون قد وصلنا إلى نهاية الاختبار. فلم يعد السؤال ما الذي يملكه المغرب أو إسبانيا، ولا حتى ما الذي يستطيع كل منهما تعطيله، وإنما ما الذي تكشفه شبكة المصالح في مجموعها عن حدود القوة التي يستطيع كل طرف استخراجها من حاجات الآخر.
خاتمة: المصالح المغربية–الإسبانية في ميزان النظرية العلائقية
انطلقت هذه الدراسة من فرضية تبدو بسيطة في ظاهرها: إسبانيا أكبر اقتصاديًا، وتنتمي إلى الاتحاد الأوروبي، وتشكل الممر البري الرئيس للمغرب نحو أسواقه الأوروبية، وتؤدي بعض بنيتها التحتية وظائف يحتاج إليها الاقتصاد المغربي؛ ومن ثم يمكنها تحويل هذه العناصر، عند الضرورة، إلى أدوات للضغط عليه. غير أن تحليل العلاقة من منظور علائقي كشف أن الانتقال من امتلاك العنصر إلى امتلاك القدرة على الإكراه ليس مباشرًا، لأن قيمة العنصر لا تتحدد في ذاته، وإنما بالوظيفة التي يؤديها داخل شبكة العلاقات.
وأظهرت الدراسة، أولًا، أن العلاقة المغربية–الإسبانية لا تقوم على تبعية أحادية، ولا على اعتماد متبادل متماثل، وإنما على تبعيات متبادلة غير متساوية تختلف باختلاف الوظائف. فهناك مجالات يتمتع فيها الجانب الإسباني بأفضلية واضحة، وأخرى يؤدي فيها المغرب وظائف مهمة للمصالح الإسبانية، بينما تنتج بعض العلاقات كلفة متبادلة تجعل تعطيلها ضارًا بالطرفين. ولذلك لا يمكن استنتاج ميزان القوة من حجم الاقتصاد أو المبادلات التجارية وحدهما.
وأظهرت، ثانيًا، أن القوة الإكراهية تتركز في نقاط الاختناق، أي في الوظائف الحيوية التي يصعب استبدالها خلال الزمن الذي يستغرقه الضغط. ومن هنا لا تكمن أهمية الغاز، مثلًا، في مصدره بقدر ما تكمن حاليًا في البنية الوسيطة اللازمة لإعادة تغويزه وإيصاله إلى المغرب، مثلما تتحدد قيمة الممر الإسباني بقدرته على أداء وظيفة لوجستية يصعب تعويضها فورًا. وبذلك لا تكون نقطة الاختناق خاصية ثابتة للعنصر، وإنما حالة علائقية ترتفع قيمتها أو تنخفض بحسب البدائل وكلفتها وزمن تشغيلها.
وأظهرت، ثالثًا، أن العلاقة الثنائية لا يمكن فهمها بمعزل عن شبكة العلاقات الأوسع. فعلاقات المغرب بفرنسا والولايات المتحدة ودول الخليج وإفريقيا، كما هو حال عضوية إسبانيا في الاتحاد الأوروبي وشبكاتها الدولية، تستطيع إعادة توزيع الوظائف والتبعيات بين الطرفين. ولا يحتاج الشريك الثالث إلى الاصطفاف سياسيًا مع أحدهما؛ يكفي أن يستطيع توفير وظيفة بديلة حتى تتغير قيمة العلاقة الأصلية. ومن هنا يصبح تنويع العلاقات والقدرات وسيلة لتقليص تمركز الوظائف الحيوية في علاقة واحدة، لا وسيلة للاستغناء عن التعاون الدولي.
لكن ذلك لا يعني أن المغرب تجاوز نقاط تعرضه الحالية. فالمشروع المعلن لا يصبح بديلًا قبل دخوله الخدمة، والعلاقة السياسية لا تصبح بديلًا إلا عندما تنتج الوظيفة المطلوبة. ولذلك تستطيع إسبانيا، في حالة مواجهة حادة، إحداث كلفة حقيقية للمغرب في بعض المجالات. غير أن القدرة على إحداث الضرر ليست هي القدرة على الإكراه؛ فنجاح الضغط يتوقف على ما إذا كان الطرف المستهدف يستطيع تحمل الكلفة وتشغيل البدائل قبل أن يضطر إلى تقديم التنازل المطلوب.
وهنا برزت النتيجة الأهم في الاختبار: الزمن جزء من بنية القوة نفسها. فالقوة الإكراهية لنقطة الاختناق تتحدد بالعلاقة بين زمن الضرر وزمن التكيف. وكلما استطاع الطرف المستهدف اختصار زمن تشغيل البديل، تقلصت نافذة الإكراه، بينما تتسع عندما تكون الوظيفة حيوية والبدائل بعيدة أو مرتفعة الكلفة.
ويكشف ذلك مفارقة أخرى: قد تحقق نقطة الاختناق أعلى قيمة سياسية لها عند استخدامها، لكن استخدامها نفسه قد يطلق العملية التي تقلل قيمتها مستقبلًا. فعندما يتحول الاعتماد الاقتصادي إلى أداة للضغط، تدخل مخاطر التبعية في حساب كلفة العلاقة، وقد يصبح بناء بديل أعلى كلفة ماليًا خيارًا عقلانيًا إذا كان يخفض التعرض للإكراه مستقبلًا.
وعلى هذا الأساس، لا يؤيد التحليل القول إن المغرب يستطيع الاستغناء عن إسبانيا، كما لا يؤيد القول إن إسبانيا تستطيع «خنق» الاقتصاد المغربي. فالنتيجة أكثر تحديدًا: تمتلك إسبانيا أدوات قادرة على إحداث كلفة حقيقية للمغرب، لكنها لا تمتلك من خلالها وحدها قدرة مضمونة على تحويل الضرر الاقتصادي إلى إخضاع سياسي؛ وفي المقابل يمتلك المغرب شبكة متنامية من البدائل تقلل بعض تبعياته، لكنها لم تكتمل بعد بما يسمح باعتبار جميع نقاط تعرضه قد زالت.
وبذلك يقدم الاختبار المغربي–الإسباني نتيجة تتجاوز الحالة نفسها. فالقوة لا توجد كاملة في الموارد أو الجغرافيا أو الأسواق أو البنية التحتية، وإنما تتحدد بالقيمة التي تنتجها هذه العناصر داخل العلاقات: الوظيفة تولد الحاجة، والحاجة تنتج التبعية، والبديل يغير مقدارها، والشبكة تعيد توزيعها، والزمن يحدد إمكان تحويلها إلى إكراه.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو مستقبل العلاقة المغربية–الإسبانية متجهًا نحو الاستغناء المتبادل بقدر ما يتجه نحو إعادة توزيع الاعتماد بين الطرفين. فالجغرافيا والمصالح الاقتصادية والأمنية ستستمر في ربطهما، لكن شكل هذه العلاقة سيتغير كلما توسعت البدائل وتوزعت الوظائف. ولذلك يبقى التحدي الحقيقي أمام البلدين هو الاختيار بين استخدام الاعتماد المتبادل موردًا للإكراه، أو إدارته أساسًا لتكامل يجعل كلفة التعاون أقل من كلفة الصراع.
فالحدود قد تفصل بين الدول، لكن الوظائف تعيد وصلها، والعلاقات هي التي تحدد في النهاية قيمة ما يملكه كل طرف داخل تلك الحدود.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق