الجزء الأول
سبينوزا والحلاج في ميزان القرآن
تمهيد
أثار خبير التغذية المغربي محمد الفايد موجة جديدة من الجدل بعد تصريحات تجاوزت هذه المرة عددًا من القضايا الفقهية والحديثية التي سبق أن أثارت حوله نقاشًا واسعًا، لتصل إلى سؤال يقع في صميم التصور الديني نفسه: من هو الله الحقيقي؟ فقد قال، في عبارة شديدة الدلالة، إن «الله الذي تعبدونه ليس الله الحقيقي»، قبل أن يحدد المرجعية التي يحيل إليها بالقول إن «الله الحقيقي» هو الذي تحدث عنه سبينوزا والحلاج. ولم يقف خطابه عند تحديد مفهوم الله، بل ربط ذلك بطريقة عبادته، فانتقد الركوع والسجود وبعض الحركات التي يؤديها المسلمون في الصلاة، انطلاقًا من تصوره أن «الله الجوهر» لا يعبد بهذه الكيفية، كما اعترض على تصور الله بوصفه بعيدًا في السماء، وكرر عبارة أن «الله فيك».
وكان متوقعًا أن تثير عبارات بهذه الحساسية ردود فعل قوية، غير أن السجال لم يبق في حدود الاعتراض الفكري والديني، بل انتقل في جانب منه إلى التكفير والمطالبة بالمتابعة القضائية بدعوى الإساءة إلى الدين والمقدسات. وهكذا أصبح النقاش موزعًا بين من يرى في خطاب الفايد هدمًا لثوابت الإسلام، ومن يتعامل معه باعتباره اجتهادًا تجديديًا ينبغي أن يواجه بالحجة لا بالتكفير أو القضاء. لكن الاصطفاف بين هذين الموقفين قد يحجب سؤالًا أسبق منهما: قبل الحكم على صاحب القول، ما مدى صحة القول نفسه؟ وما المقصود أصلًا بـ«الله الحقيقي»؟ وبأي معيار يمكن للإنسان أن يقرر أن تصورًا لله أكثر مطابقة للحقيقة من تصور آخر؟.../...
إن القول إن المسلمين لا يعبدون «الله الحقيقي» ليس مجرد عبارة استفزازية، بل دعوى معرفية كبرى؛ لأنها تفترض امتلاك معيار يمكن به التمييز بين الله كما هو في الحقيقة وبين الصور التي يكونها البشر عنه. وتصبح المسألة أكثر تعقيدًا عندما يُستدعى سبينوزا والحلاج شاهدين على هذه الحقيقة، لأننا ننتقل عندئذ من نقد بعض التصورات الدينية الموروثة إلى إحلال تصورات فلسفية أو صوفية محلها. وإذا كان من المشروع نقد التصورات البشرية عن الله، فإن تصحيح تصور بشري لا يتم بمجرد استبدال مرجعية بشرية بأخرى؛ فلا يصبح تصور سبينوزا صحيحًا لأنه فلسفي وعميق، ولا يصبح تصور الحلاج صحيحًا لأنه نتاج تجربة صوفية استثنائية، كما لا يصبح تصور موروث صحيحًا لمجرد أن جماعات من المسلمين تبنته قرونًا طويلة.
وإذا كان النزاع يقع داخل المجال الإسلامي، وكان القرآن هو النص الذي يعلن المسلمون أنه وحي من الله، فإن نقطة البداية المرجعية والمنهجية لا ينبغي أن تكون سبينوزا، ولا الحلاج، ولا محمد الفايد، ولا خصومه، وإنما الله كما يعرّف بنفسه في القرآن. ولذلك لن يبحث هذا المقال في إيمان محمد الفايد أو كفره، ولن يحسم المسؤولية القانونية عن تصريحاته؛ فالحكم العقدي على الأشخاص مجال من اختصاص الله، والتكييف القضائي لعباراتهم ليسا موضوع البحث. ما يعنينا هنا هو اختبار الدعوى نفسها: هل الله الذي تحدث عنه سبينوزا والحلاج هو فعلًا الله الذي يعرّف به القرآن؟ وهذا يقتضي أن نقرأ سبينوزا من داخل نسقه الفلسفي، والحلاج من داخل خطابه الصوفي، ثم نبني التصور القرآني بصورة مستقلة قبل المقارنة بينها. وهذا هو الشرط الضروري لمقارعة الأفكار بالأفكار بدل استبدال التحليل بالأحكام على الأشخاص.
أولًا: هل «الله الحقيقي» عند سبينوزا هو الله الذي يعرفه الوحي؟
قد تبدو إحالة محمد الفايد إلى سبينوزا مفهومة للوهلة الأولى إذا عزلنا نقد الفيلسوف الهولندي للتصورات البشرية عن البناء الكامل لفلسفته. فقد كان سبينوزا من أشد الفلاسفة رفضًا لتصور الله على صورة الإنسان، ولإسقاط الانفعالات والمقاصد البشرية عليه، ولتصوره موجودًا يتخذ قرارات متعاقبة في الزمن على الطريقة التي يتصرف بها البشر. ومن هذه الزاوية يمكن أن يجد الباحث عن تنزيه الله في نقد سبينوزا للتصورات الدينية الشعبية أسئلة تستحق التفكير. لكن المشكلة تبدأ عندما ننتقل من السؤال عن الصورة التي رفضها سبينوزا إلى السؤال الأهم: من هو الله في فلسفة سبينوزا نفسها؟
سبينوزا لا يكتفي بنفي التشبيه، وإنما يعيد بناء العلاقة بين الله والعالم من أساسها. فالله عنده هو الجوهر الواحد اللامتناهي، ولا يوجد شيء خارج هذا الجوهر استقلالًا عنه؛ والموجودات المتناهية ليست مخلوقات قائمة في مغايرة أنطولوجية لخالقها بالمعنى الذي تقرره الأديان، وإنما أحوال أو أنماط لذلك الجوهر. ومن هنا جاءت الصيغة الشهيرة Deus sive Natura، أي «الله أو الطبيعة». ولا يعني ذلك ببساطة أن سبينوزا أطلق اسم الله على شيء كان يسمى الطبيعة، وإنما أن فلسفته أعادت بناء العلاقة بين الله والعالم بحيث أصبحا مفهومين داخل حقيقة أنطولوجية واحدة.
وهذا التمييز أساسي في مناقشة مقولة الفايد؛ لأن رفض التشبيه لا يقود منطقيًا إلى إله سبينوزا. يستطيع الإنسان أن يرفض التجسيم والتصور الحسي والمكاني لله، مع الاحتفاظ بالتمييز بين الله والعالم أو بين الخالق والمخلوق. أما القرآن فيقرر بوضوح: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: 62]، ويقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]. وبذلك لا يكتفي النص بنفي مماثلة الله للأشياء، وإنما يحدد العلاقة بين الله و «كل شيء» بأنها علاقة خلق. وإذا كان العالم مخلوقًا لله، فإن العلاقة القرآنية لا تطابق العلاقة السبينوزية التي تجعل الموجودات أحوالًا للجوهر الواحد.
ولا تقف المسافة بين التصورين عند طبيعة العالم، بل تمتد إلى طبيعة الفعل الإلهي نفسه. فإذا كانت الأشياء عند سبينوزا تتبع عن طبيعة الجوهر وفق الضرورة، فإن مفهوم الإرادة الإلهية الحرة لا يحتل الموقع الذي يحتله في القرآن. أما النص القرآني فيقول: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]. وبصرف النظر عن البحث المستقل الذي يحتاجه معنى «كن» وكيفية تحقق الأمر الإلهي، فإن بنية الآية تثبت حضور الإرادة والأمر والشيء ووقوعه. ويظهر المعنى نفسه في الاصطفاء: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: 75]؛ فالاصطفاء علاقة اختيار، ومن ثم فإن تغيير مفهوم الإرادة ينعكس بالضرورة على شبكة كاملة تشمل الوحي والنبوة والعناية والدعاء والحرية. وهذا هو السبب في أن «إله سبينوزا» لا يمكن عزله عن النسق الفلسفي الذي ينتمي إليه.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يقود هذا الاختلاف إلى تجاهل المشكلة التي وضع سبينوزا يده عليها، وربما كانت هي التي جذبت الفايد إلى فلسفته. فهناك بالفعل فرق بين الله كما يقدمه القرآن وبين الصور البشرية التي يمكن أن تتشكل عنه في المخيال الديني. فالقرآن يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، ويقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: 103]، ويقول عن قربه من الإنسان: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16]. ولذلك فإن نقد تصور الله في هيئة بشرية أو اختزاله في صورة حسية ليس في ذاته اعتراضًا على القرآن، بل قد يكون مراجعة ضرورية لبعض التصورات التي نشأت حوله.
لكن ينبغي الفصل بين سؤالين مختلفين: هل توجد تصورات بشرية عن الله تحتاج إلى مراجعة؟ وهل يترتب على فساد بعضها أن «الله الحقيقي» هو إله سبينوزا؟ السؤال الأول مشروع، أما الثاني فلا ينتج عنه منطقيًا. فقد يكون سبينوزا مصيبًا في نقد التشبيه، ثم يكون مخطئًا في البديل الأنطولوجي الذي بناه. ولسنا مضطرين إلى الاختيار بين إله متخيل على صورة الإنسان وبين إله يندمج العالم معه في وحدة الجوهر؛ فالقرآن يقدم بناءً آخر: إله لا يشبه خلقه ولا تدركه الأبصار، وهو في الوقت نفسه خالقهم وربهم، يريد ويأمر ويهدي ويصطفي ويعلم ويجيب.
ومن ثم، إذا كان الفايد يستدعي سبينوزا لمجرد نقد التجسيم، فإن القرآن نفسه يكفي لإقامة هذا النقد. أما إذا كان يقصد أن «الله الحقيقي» هو بالفعل الله كما أعاد سبينوزا تعريفه داخل فلسفته، فإن الأمر يحمل لوازم تتجاوز نفي التشبيه إلى وحدة الجوهر والضرورة وإعادة تعريف الخلق والإرادة والوحي والعناية والحرية. ولا ينبغي أن ننسب إلى الفايد ما لم يصرح به، لكن من حق البحث، ما دام قد أحال إلى سبينوزا بوصفه شاهدًا على «الله الحقيقي»، أن يبين ما الذي يعنيه الله داخل النسق السبينوزي. والنتيجة الأولية عندئذ واضحة: إله سبينوزا لا يطابق الإله الذي تبنيه العلاقات القرآنية بين الله والخلق؛ فالاختلاف لا يقع في الاسم، وإنما في بنية العلاقة: عند سبينوزا جوهر وأحوال وضرورة، وفي القرآن خالق ومخلوق، رب ومربوب، إرادة وأمر وخلق.
لكن الفايد لم يستدع سبينوزا وحده، بل وضع إلى جانبه اسمًا ينتمي إلى سياق فكري وروحي مختلف تمامًا: الحلاج. وهنا ينبغي، قبل أن نقارن الحلاج بالقرآن، أن نسأل سؤالًا أسبق: هل إله الحلاج هو أصلًا إله سبينوزا حتى يصح جمع الرجلين شاهدين على تصور واحد لـ«الله الحقيقي»؟
ثانيًا: هل إله الحلاج هو أصلًا إله سبينوزا؟
حين جمع محمد الفايد بين سبينوزا والحلاج في عبارة واحدة، بدا كأن الرجلين يمثلان طريقًا واحدًا إلى تصور أكثر عمقًا لله. وقد تساعد بعض العبارات المتداولة عنهما على تكوين هذا الانطباع؛ فسبينوزا يرفض الإله المجسّد أو المتخيل على صورة الإنسان، والحلاج ارتبط في الذاكرة الثقافية بعبارته الشهيرة «أنا الحق» وبخطاب صوفي بلغ في التعبير عن القرب من الله حدًا أثار جدلًا كبيرًا أدى إلى تكفيره والحكم عليه بالقتل. لكن التشابه في لغة القرب أو الوحدة أو تجاوز التصور الحسي لا يكفي لإثبات أن الرجلين يتحدثان عن الحقيقة الميتافيزيقية نفسها.
سبينوزا فيلسوف يبني نسقًا أنطولوجيًا متكاملًا يبدأ من الجوهر ويفسر من خلاله الله والطبيعة والإنسان والفكر والجسد والسببية والحرية. أما الحلاج فالسياق مختلف؛ فنحن أمام متصوف مسلم يتحرك داخل عالم اصطلاحي وتجريبي يتحدث عن الحق والمحبة والتخلي والتحلي والتجلي والقرب والفناء والحضور والعبد والرب. ولذلك لا يجوز أخذ عبارته «أنا الحق»، ثم بناء ميتافيزيقا كاملة عليها ومن ثم قول الفايد «الله فيك»، مثلما لا يجوز اختزال فلسفة سبينوزا كلها في عبارة «الله أو الطبيعة».
فالقول إن الموجودات أحوال لجوهر واحد ليس هو نفسه القول إن العبد يفنى عن شهود نفسه حتى لا يرى إلا الحق. الأول قضية في ماهية الموجودات وبنية الوجود، أما الثاني، وفق أحد أوجه قراءة الخطاب الصوفي، فوصف لحالة إدراكية أو روحية. وقد تكون هناك قراءات أخرى لعبارة الحلاج، بما فيها القراءات التي تفهمها في اتجاه اتحادي أو حلولي، لكن تعدد هذه القراءات نفسه يمنعنا من تحويلها دون برهان إلى المقابل الصوفي لنظرية الجوهر عند سبينوزا.
ولهذا تبدو إحالة الفايد إلى الرجلين محتاجة إلى جسر مفهومي لم يوضحه. هل الجامع بينهما رفض التجسيم؟ أم القرب الإلهي؟ أم المحايثة؟ أم وحدة الوجود بمعنى الإتحاد والحلول؟ أم الاعتراض على تصور الله كشخص بالمعنى البشري؟ هذه قضايا مختلفة، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها مترادفات. فالحلاج لم يقل «الله أو الطبيعة»، ولا نعرفه بوصفه صاحب نظرية تجعل قوانين الطبيعة هي الله أو تجعل الموجودات أنماطًا للجوهر بالمعنى السبينوزي. وفي المقابل، لا تكفي اللغة الصوفية عن الفناء والقرب لكي تجعل خطابه موافقًا للقرآن.
وهنا يصبح السؤال القرآني أكثر دقة: هل يسمح القرآن، مهما بلغ قرب الإنسان من ربه، بأن يزول التمايز بين طرفي العلاقة، بحيث يصبح العبد هو الرب أو الرب هو العبد، أو بحيث يُقال إن روح أحدهما هي روح الآخر، وأن إرادة أحدهما لا تتميز عن إرادة الآخر وفق القصيدة الشهيرة التي تقول:
يا نسيمَ الريحِ قولي للرَّشا
لي حبيبٌ حبُّه وسطَ الحشا
إن يشأ يمشي على خدّي مشى
روحُه روحي وروحي روحُه
إن يشأ شئتُ وإن شئتُ يشا
فإذا كان القرب في القرآن يظل قائمًا داخل علاقة بين رب وعبد، ومجيب وداعٍ، وولي ومؤمن، فإن الانتقال من القرب إلى الهوية يمثل انتقالًا من علاقة بين طرفين إلى إلغاء أحد طرفي العلاقة. وهنا لا يعود الخلاف متعلقًا بدرجة القرب، بل بطبيعة العلاقة نفسها.
القرآن يبلغ في وصف القرب حد قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16]، ويقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 186]. لكن اللافت أن القرب لا يلغي العلاقة؛ ففي الآية الثانية هناك عباد يسألون، ورب قريب يجيب دعوة الداعي. والقرب نفسه لا يصبح مفهومًا إلا مع بقاء طرفي العلاقة متميزين. ومن هنا يظهر تمييز أساسي: القرب ليس هو الهوية، كما أن الإحاطة ليست هي الاتحاد.
والأمر نفسه يظهر في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: 4]. فـ«معكم» تحتفظ لغويًا بطرفين: «هو» و«أنتم». وكذلك قوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 257]؛ فالولاية علاقة قد تبلغ من القرب والرعاية والهداية مبلغًا عظيمًا، لكنها تظل ولاية الله للمؤمنين، ولا تحول المؤمن إلى الله ولا الله إلى المؤمن.
وهنا تظهر قيمة النظر إلى المفاهيم من خلال علاقاتها. فبدل الاكتفاء بالسؤال عن معنى القرب أو المعية أو الولاية كل على حدة، يمكن أن نسأل: ماذا يحدث لطرفي العلاقة عندما تشتد؟ وتظهر الشبكة القرآنية محافظة على التمايز: رب وعبد، خالق ومخلوق، ولي ومؤمن، مجيب وداعٍ، هادٍ ومهتدٍ، محب ومحبوب. قوة العلاقة لا تمحو الأطراف التي تقوم بينها. ويمكن، في حدود الآيات التي بين أيدينا، اقتراح قاعدة أولية مؤداها أن اشتداد العلاقة بين الله والإنسان في القرآن لا يؤدي إلى سقوط التمايز بينهما؛ فالقرب والولاية والمحبة والمعية علاقات اتصال، لا علاقات هوية. وهي قاعدة تحتاج إلى اختبار أوسع قبل تعميمها، لكنها كافية هنا لتحديد معيار المقارنة.
وعلى هذا الأساس، لا يصح القول ببساطة إن إله الحلاج هو إله سبينوزا. سبينوزا يقدم ميتافيزيقا للجوهر الواحد والضرورة والطبيعة، بينما يتحرك الحلاج داخل خطاب صوفي في علاقة الإنسان بالحق، وقد ظلت دلالة بعض عباراته موضع نزاع. وإذا انتهت قراءة «أنا الحق»، أيًا كان صاحب هذه القراءة، إلى إلغاء حقيقة العبودية والمغايرة بين الله والإنسان، فإنها تصطدم بالبنية العلائقية التي يحافظ عليها القرآن. أما إذا كانت العبارة وصفًا لحالة فناء إدراكي لا دعوى أنطولوجية بهوية الإنسان والله، فلا يجوز تحميلها ما لا تقوله.
ومن ثم فإن جمع سبينوزا والحلاج تحت عنوان واحد هو «الله الحقيقي» يحتاج إلى برهان لم يقدمه الفايد بمجرد الإحالة إليهما. وقد تكون بين الرجلين نقاط تماس، لكن نقطة التماس لا تثبت وحدة النسق. وهنا تكشف عبارة الفايد، ربما من حيث لا تقصد، المشكلة المنهجية التي يقوم عليها السؤال كله: لا يكفي أن نجد لدى شخصين اعتراضًا على التصور الديني الشائع حتى نجعلهما شاهدين على حقيقة واحدة. فسبينوزا ليس الحلاج، والحلاج ليس القرآن.
وعند هذه النقطة يصبح من الضروري أن نترك الثلاثة مؤقتًا: سبينوزا والحلاج والفايد، وأن نسأل السؤال الذي ينبغي أن يكون المعيار قبل المقارنة:
ثالثًا: من هو الله كما يعرّف بنفسه في القرآن؟
سيكون من الخطأ المنهجي أن ننتقل من نقد سبينوزا والحلاج إلى البحث في القرآن عن آيات تؤكد نتيجة وصلنا إليها مسبقًا؛ لأن القرآن سيتحول عندئذ إلى مستودع للشواهد المنتقاة. والأجدر أن نعكس الطريق: نضع التصورات البشرية جانبًا، ونسأل كيف يبني القرآن مفهوم الله من داخله. واللافت أن القرآن لا يقدم تعريفًا ميتافيزيقيًا مجردًا على طريقة كتب الفلسفة، وإنما يعرف الإنسان بربه من خلال شبكة من العلاقات: الله والخلق، الله والعالمين، الله والإنسان، الخلق والأمر، الهداية والرزق، الحياة والموت، الوحي والدعاء. ومن مجموع هذه العلاقات تتكون معرفة بالله أكثر تركيبًا من أي تعريف منفرد. ولذلك قد لا تكون الإجابة القرآنية عن سؤال «من هو الله؟» تعريفًا للذات بقدر ما تكون كشفًا للعلاقات التي يعرف الإنسان من خلالها ربه.
أول ما تكشفه هذه الشبكة أن القرآن لا يضعنا أمام الاختيار بين إله يذوب في العالم وإله بعيد عنه لا علاقة له بما يجري فيه. فهو يقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: 62]، ويقول: ﴿اللَّهُ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 164]، ويقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]. هذه العلاقات تثبت المغايرة: الله ليس شيئًا من الأشياء التي خلقها، ولا العالم هو الله. لكن القرآن نفسه يقول: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: 4]، ويقول: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16]، ويقول: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: 61]. ومن ثم يثبت القرآن المغايرة دون أن يجعلها غيابًا، ويثبت القرب دون أن يحوله إلى امتزاج.
وتصبح هذه النقطة مهمة أمام اعتراض الفايد على تصور الله بوصفه بعيدًا في السماء. فالقرآن يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: 84]. وينبغي الانتباه إلى دقة العبارة؛ فالآية لا تقول إن ذات الله موجودة مكانيًا في السماء والأرض، وإنما تقول: ﴿في السماء إله وفي الأرض إله﴾. ولذلك لا ينبغي أن نستبدل بالتصور المكاني التقليدي تصورًا مكانيًا آخر، بل أن نسأل أصلًا عن صلاحية الإحداثيات التي يستخدمها الإنسان لوصف الأشياء المخلوقة عندما يتحدث عن الله. فالانتقال من «الله في السماء» إلى «الله في الإنسان» لا يحل المشكلة إذا ظل التفكير نفسه قائمًا على تحديد الله بمكان. وهكذا يمكن تلخيص العلاقة في قاعدة: التنزيه لا يعني البعد، والقرب لا يعني الاتحاد.
غير أن القرآن لا يُعرّف الله بالخالق فقط، بل يقدمه ربًا للعالمين. ويكشف الفرق بين العلاقتين جانبًا مهمًا من التصور القرآني؛ فالخلق يحدد علاقة الأصل والإيجاد، بينما تفتح الربوبية شبكة العلاقة المستمرة بين الله وما خلق. ولهذا يقول إبراهيم: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء: 78-81]. فالآيات لا تقدم تعريفًا مجردًا لله، وإنما شبكة من العلاقات: خلق، وهداية، وإطعام، وسقي، وشفاء، وإماتة، وإحياء. ومن خلالها نفهم لماذا لا يستوعب وصف الله بأنه «الجوهر» أو «واجب الوجود» وحده الصورة القرآنية؛ فالقرآن لا يعرف الإنسان بحقيقة ميتافيزيقية عليا فحسب، وإنما بـرب العالمين.
ولا تعني الربوبية أن العالم يعمل بلا نظام ثم يتدخل الله في وقائعه تدخلات اعتباطية. فالقرآن يربط النتائج بالأسباب والسعي: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39]، ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]، ويأمر في مجال القوة: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]. ولذلك لا يعفي الإيمان الإنسان من السنن والأسباب التي يعمل بها العالم، ولا يعني اكتشاف الأسباب أن الله أصبح غائبًا؛ فانتظام العالم نفسه لا يلزم منه استقلاله عن خالقه.
وهنا تقع مسافة دقيقة لكنها حاسمة بين القرآن وسبينوزا: أن تكون قوانين الطبيعة داخلة في النظام الذي خلقه الله شيء، وأن تكون الطبيعة هي الله شيء آخر. الأول يحافظ على علاقة الخالق بالمخلوق، أما الثاني فيعيد تعريف العلاقة أنطولوجيًا. وبذلك لا يضطر الإنسان إلى الاختيار بين «إله الفجوات» الذي يُستدعى كلما جهلنا سببًا طبيعيًا، وبين إله يساوي الطبيعة نفسها؛ فإمكان وجود نظام سببي منتظم لا ينفي الخالق الذي أقام العالم.
ويكتمل جانب آخر من الصورة في علاقة الإنسان بالمشيئة. يقول القرآن: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 28-29]. فالآيتان تمنعاننا من جعل الإنسان مستقلًا استقلالًا مطلقًا، كما تمنعان ـ في الوقت نفسه ـ من محو مشيئته من النص؛ فهناك ﴿من شاء منكم﴾، ثم تأتي هذه المشيئة داخل مجال أوسع: ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله﴾. ويمكن، في حدود هذه العلاقة، القول إن حرية الإنسان ليست خروجًا من النسق الذي خلقه الله، وإنما قدرة على الاختيار داخل الإمكانات التي يتيحها ذلك النسق. وهذه صورة تختلف عن الضرورة السبينوزية، كما تختلف عن تصور الإنسان آلة لا إرادة لها.
وعندما نجمع هذه العلاقات، تظهر أمامنا صورة لا تختزل بسهولة في أي من البدائل التي بدأ منها الجدل. الله في القرآن ليس العالم، لكنه ليس غائبًا عنه؛ ليس كمثله شيء، لكنه قريب؛ هو الخالق والخلق ليس جزءًا من ذاته؛ وهو الرب الذي تستمر علاقته بالعالم بعد خلقه؛ يريد ويأمر ويهدي ويصطفي، ويقيم الوجود على نظام لا يجعل انتظامه مستقلًا عنه؛ ويمنح الإنسان مجالًا للمشيئة دون أن تتحول مشيئة الإنسان إلى سلطان مطلق على الوجود تتجاوز مشيئة الخالق.
وهذا البناء لا يطابق إله سبينوزا، كما أنه لا يحتاج إلى تحويل القرب الإلهي إلى هوية بين الإنسان والله. ولذلك ربما كانت المشكلة في عبارة «الله الحقيقي» نفسها أنها توحي بأن الحقيقة يمكن العثور عليها عند اسم فلسفي أو صوفي بعينه، بينما يفرض المنهج الذي اعتمدناه سؤالًا مختلفًا: كم من التصور الذي نحمله عن الله مصدره ما عرّف الله به نفسه، وكم منه تشكل تاريخيًا من الفلسفة والتصوف وعلم الكلام والمرويات والمخيال الديني؟
خاتمة: من «الله الحقيقي» إلى معيار معرفة الله
بدأت هذه الدراسة من عبارة محمد الفايد: «الله الذي تعبدونه ليس الله الحقيقي»، ومن إحالته إلى سبينوزا والحلاج بوصفهما شاهدين على تصور آخر لله. لكن تحليل هذه الإحالة كشف أن القضية أكثر تركيبًا مما توحي به العبارة. فسبينوزا والحلاج لا يقدمان تصورًا واحدًا يمكن جمعه بلا واسطة؛ الأول يبني نسقًا ميتافيزيقيًا يقوم على الجوهر الواحد والضرورة، والثاني يتحرك داخل خطاب صوفي عن الحق والقرب والفناء ظل تفسير بعض عباراته موضع خلاف. ومهما وُجدت بينهما نقاط تماس، فإنها لا تكفي لإقامة الهوية بين النسقين.
كما كشف التحليل أن نقد بعض التصورات الدينية الشائعة عن الله يمكن أن يكون مشروعًا دون أن يقود إلى قبول البديل السبينوزي أو أية قراءة حلولية للخطاب الصوفي. فالقرآن نفسه ينفي المماثلة والإدراك البصري، ويرفض اختزال العلاقة بالله في تصور مكاني ساذج، لكنه يحافظ في الوقت نفسه على التمييز بين الخالق والمخلوق والرب والعبد. وبذلك لا يكون البديل عن إله بعيد متخيل هو إله مذاب في الطبيعة أو حال في الإنسان؛ لأن التنزيه لا يعني البعد، والقرب لا يعني الاتحاد.
ومن هنا يمكن أن نعيد صياغة السؤال الذي أثاره الفايد. ربما لا تكون القضية ببساطة أن فريقًا يعرف «الله الحقيقي» وفريقًا آخر يعبد إلهًا غير حقيقي، بل أن كل تصور بشري عن الله، سواء صدر عن فيلسوف أو متصوف أو فقيه أو داعية أو مؤمن عادي، يظل قابلًا للاختبار أمام المعيار الذي اختاره هذا البحث: الله كما يعرّف بنفسه في القرآن. وعندئذ لا يكون السؤال: هل نختار إله الفايد أم إله خصومه؟ وإنما: أي العناصر في كل تصور تجد أساسها في العلاقات التي يبنيها القرآن، وأيها جاء من بناء بشري أضيف إليها؟
وهنا نصل إلى الحد الذي ينبغي أن يتوقف عنده هذا المقال. لكن تصريح الفايد لم يتوقف عند سؤال من هو الله؟، بل انتقل منه إلى سؤال آخر عندما انتقد الركوع والسجود والطريقة التي يعبد بها المسلمون ربهم. وإذا كان المرجع في معرفة الله هو ما عرّف الله به نفسه، فإن السؤال التالي يصبح لازمًا بالمنطق نفسه:
من الذي يحدد للإنسان كيف يريد الله أن يُعبد؟
ذلك سؤال آخر، وسيتطلب العودة مرة أخرى إلى القرآن، لا للدفاع عن صورة موروثة للعبادة ولا لإبطالها مسبقًا، وإنما لإعادة بناء مفاهيم العبادة والصلاة والإقامة والذكر والركوع والسجود ومواقيت الصلاة من داخل علاقاتها القرآنية. وهو موضوع الجزء الثاني من هذه الدراسة.
يتبع...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق