إشكالية العبادة في خطاب محمد الفايد: الصلاة نموذجا

 

الجزء الثاني

الصلاة والركوع والسجود في ميزان القرآن


تمهيد: من سؤال «الله الحقيقي» إلى سؤال «العبادة الحقيقية»


أثار محمد الفايد في حديثه عن «الله الحقيقي» سؤالين متلازمين. يتعلق الأول بتصور الله نفسه، حين قرر أن «الله الذي تعبدونه ليس الله الحقيقي»، وأحال في البحث عنه إلى سبينوزا والحلاج. أما الثاني فيتعلق بالعبادة التي تليق بهذا الإله، حين اعترض على أن يُعبد الله «بالحس» أو «بالجسم»، وانتقد الركوع والسجود والحركات التي يؤديها المسلمون في صلاتهم، وذهب في وصف بعضها إلى استعمال عبارة «الحركات السخيفة».


وقد تناولنا السؤال الأول في دراسة مستقلة، انتهت إلى أن الاعتراض على بعض التصورات البشرية أو المكانية عن الله لا يكفي لإثبات أن «الله الحقيقي» هو إله سبينوزا، وأن القرآن يقدم بناءً مختلفًا للعلاقة بين الله والعالم والإنسان؛ فهو ينزه الله عن المماثلة، ويثبت في الوقت نفسه الخلق والربوبية والقرب والإرادة والأمر، ويحافظ على التمايز بين الرب والعبد والخالق والمخلوق.../...


غير أن تصور الإنسان لله يؤثر بالضرورة في تصوره لعبادته. ولذلك يبدو انتقال الفايد من «الله الحقيقي» إلى نقد الصلاة مفهومًا من حيث البناء المنطقي لخطابه. لكن صحة الانتقال لا تثبت صحة النتيجة؛ فالسؤال ليس ما إذا كان الله يحتاج إلى حركة يؤديها الإنسان، لأن القرآن يقرر غناه عن العالمين: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: 6]، وإنما السؤال: ما الذي طلبه الله من الإنسان، وما موقع الصلاة والركوع والسجود في العبادة التي شرعها له؟


وهنا ينبغي ألا ندافع عن كل ما ورثه المسلمون لمجرد أن الفايد انتقده، كما لا يجوز إبطاله لأن تصورًا فلسفيًا معينًا لله لا يجد له معنى. فالمرجع في تحديد العبادة لا يمكن أن يكون تصور سبينوزا، مثلما لا ينبغي أن يكون الموروث بمنأى عن الفحص، وإنما النص المؤسس الذي ينسب إليه الأمر بالعبادة نفسه.



إشكالية البحث


يضعنا اعتراض الفايد أمام مسألتين ينبغي التمييز بينهما. الأولى نقد اختزال العبادة في حركات جسدية تُؤدَّى بمعزل عن معناها وأثرها، وهو اعتراض يمكن اختباره من داخل القرآن نفسه. والثانية الانتقال من هذا النقد إلى اعتبار الركوع والسجود والحركات المرتبطة بالصلاة غير جديرة بالله أو مناقضة لحقيقته.


وتكمن المشكلة في هذا الانتقال في أنه يجعل تصور الإنسان عما «ينبغي» أن يليق بالله معيارًا لما يجوز أن يكون عبادة. فإذا كان الله غنيًا عن العالمين، فهو غني عن الصلاة كما هو غني عن الصيام والذكر والدعاء والعمل الصالح؛ ولذلك لا يتعلق السؤال بحاجة الله إلى العبادة، وإنما بما شرعه للإنسان والوظيفة التي تؤديها هذه العبادة في بناء علاقته بربه وبنفسه وبالآخرين.


ومن هنا ينبغي الفصل بين سؤالين: هل الصلاة والركوع والسجود أفعال قرآنية مأمور بها؟ وهل كل ما استقر تاريخيًا في صورتها ومواقيتها وتفاصيلها يمثل بالضرورة ما يثبته القرآن؟ فإثبات الأول لا يثبت الثاني تلقائيًا، كما أن الاعتراض على بعض عناصر الممارسة الموروثة لا يسمح بالقفز إلى نفي الصلاة نفسها.


وبذلك لا تنحصر المسألة بين الدفاع عن الصلاة كما استقرت تاريخيًا بكل تفاصيلها وبين رفضها بوصفها مجموعة من الحركات الجسدية التي لا تليق بـ«الله الحقيقي». بل ينبغي أولًا تحديد مفهوم العبادة، ثم موقع الصلاة داخله، ثم النظر في الركوع والسجود: ماذا يعنيان في القرآن، وما علاقتهما بالصلاة والعبادة؟



سؤال البحث ومنهجه


يمكن، بناء على ذلك، صياغة السؤال المركزي لهذه الدراسة على النحو الآتي:


ما العبادة التي يطلبها الله من الإنسان كما يحددها القرآن، وما موقع الصلاة والركوع والسجود فيها، وهل يسمح البناء القرآني لهذه المفاهيم باعتبار التعبير الجسدي مناقضًا للعبادة الحقيقية؟


وللإجابة عن هذا السؤال، لن ننطلق من تعريف موروث للصلاة ولا من تصور فلسفي مسبق لما ينبغي أن تكون عليه العبادة، وإنما من العلاقات التي يقيمها القرآن بين مفاهيمها. وتقدم آية محكمة مدخلًا واضحًا إلى هذه الشبكة: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]. فالآية تجمع العبادة وإقامة الصلاة والذكر في بناء واحد من دون أن تسميها بلفظ واحد، مما يقتضي البحث في العلاقة بينها بدل افتراض ترادفها.


والمنهج نفسه يطبق على الركوع والسجود. فلا ينبغي إسقاط الصورة الموروثة على جميع مواضع اللفظين في القرآن، كما لا يجوز العثور على استعمال غير حركي لأحدهما ثم اتخاذه دليلًا على نفي كل دلالة جسدية عنه. المطلوب استقراء استعمالاتهما والعلاقات التي يدخلان فيها، ثم تحديد ما يسمح به النص نفسه.


ولا تهدف الدراسة، من ثم، إلى إثبات خطأ الفايد لأن التراث يقول غير ما يقول، ولا إلى إثبات صوابه لأن بعض عناصر الممارسة الدينية تستحق إعادة الفحص. وإنما تعيد بناء مفهوم العبادة والصلاة والركوع والسجود من داخل القرآن، ثم تعود إلى اعتراضه لتحديد ما يصيب فيه وما يتجاوز به ما يسمح به النص.



أولًا: مفهوم العبادة في القرآن


قبل مناقشة اعتراض محمد الفايد على الصلاة والركوع والسجود، ينبغي تحديد المفهوم الذي تندرج داخله هذه الأفعال. فالصلاة ليست مرادفًا للعبادة، كما أن الركوع والسجود ليسا تعريفًا لها، وإنما تقع هذه الأفعال داخل علاقة أوسع بين الإنسان وربه.


يقدم القرآن نقطة انطلاق عامة في قوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: 93]. فالعبودية هنا لا تخص المؤمنين أو المطيعين، وإنما تشمل من في السماوات والأرض جميعًا. ويلتقي ذلك مع قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: 83]. وعلى هذا المستوى، لا تنشأ العبودية من شعيرة يؤديها الإنسان، وإنما من علاقته الوجودية بخالقه.


لكن الإنسان يدخل، داخل هذه العلاقة، في مجال التكليف والاختيار. فالقرآن يخاطبه بالأمر والنهي، ويثبت له إمكان الاستجابة والمخالفة: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]، مع بقاء مشيئته داخل سلطان الخالق: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29]. ومن ثم، فإن غنى الله عن الإنسان لا يلغي معنى التكليف؛ فالله لا يأمر لأن عبادته تسد حاجة لديه، وإنما يضع أمام الإنسان أمرًا يكون موقفه منه جزءًا من مسؤوليته.


وتظهر أهمية الأمر بوضوح في قصة إبليس. فلم يكن إبليس منكرًا لوجود الله أو جاهلًا بربوبيته؛ فقد خاطبه بقوله: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [ص: 79]. ومع ذلك لم تحسم معرفته بالله موقفه منه، لأن الاختبار وقع عند الأمر: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12]. ولذلك لا يكفي الوصول إلى تصور نظري يعتقد صاحبه أنه يمثل «الله الحقيقي» لحسم سؤال العبادة؛ فالسؤال القرآني يمتد من معرفة الله إلى موقف الإنسان مما يأمر به.


وهنا تقع نقطة الخلاف الأساسية مع اعتراض الفايد. فإذا كان الاعتراض على الركوع والسجود قائمًا على أن الله أسمى من أن يُعبد بحركات الجسد، فإن هذا التصور لا يكفي وحده للحكم على الفعل. ينبغي أولًا معرفة هل أمر الله به أم لا. فإذا لم يكن الركوع أو السجود مما أمر به القرآن، سقط إلزام الإنسان به من جهة القرآن؛ أما إذا ثبت الأمر به، فلا يمكن إبطاله لمجرد أن تصورًا فلسفيًا سابقًا يرى أن الحركة الجسدية لا تليق بعبادة الله.


ولا يعني ذلك أن كل ما يسمى صلاة في الممارسة التاريخية يصبح صحيحًا بمجرد إثبات أصل الأمر؛ فهذه مسألة أخرى تحتاج إلى فحص عناصر الصلاة نفسها. وإنما تعني النتيجة التي وصلنا إليها حتى الآن أن العبادة أوسع من الصلاة، وأن الصلاة والركوع والسجود ينبغي ألا تُقبل أو تُرفض انطلاقًا من تصور مسبق لما ينبغي أن تكون عليه العبادة، بل من موقعها داخل الأمر القرآني.


ومن هنا نصل إلى السؤال التالي مباشرة: هل أمر القرآن بالصلاة فعلًا، وما الذي يعنيه حين يأمر بإقامتها؟



ثانيًا: من أين تستمد الصلاة مشروعيتها: من الموروث أم من القرآن؟


إذا كانت العبادة أوسع من الصلاة، فإن الانتقال إلى الصلاة يفرض سؤالًا سابقًا على البحث في هيئتها ومواقيتها: من أين تستمد الصلاة مشروعيتها أصلًا؟ هل نعرفها لأن الموروث الديني نقلها إلينا، أم لأن القرآن نفسه أمر بها وجعلها جزءًا من علاقة الإنسان بربه؟


تكمن أهمية هذا السؤال في أن النقاش حول الصلاة يبدأ كثيرًا من صورتها التاريخية باعتبارها حقيقة مكتملة، ثم يُبحث في القرآن عما يؤيدها. أما المنهج الذي نعتمده هنا فيقتضي عكس المسار: نبدأ بما يثبته القرآن، ثم ننظر بعد ذلك في مدى توافق الصورة الموروثة معه.


وهنا ينبغي الفصل بين سؤالين: هل أمر القرآن بالصلاة؟ وهل كل ما نُسب تاريخيًا إلى الصلاة جزء مما أمر به القرآن؟ فإثبات أصل التكليف لا يثبت تلقائيًا جميع التفاصيل التي ارتبطت به لاحقًا.


أما السؤال الأول فلا يترك القرآن فيه مجالًا للشك. يقول تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43]، ويقول لموسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]، ويخاطب النبي بقوله: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [العنكبوت: 45]. فمشروعية الصلاة، من حيث الأصل، قرآنية قبل أن تكون تراثية.


ولا تبدو الصلاة في القرآن حكمًا خاصًا بالرسالة المحمدية؛ فقد دعا إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: 40]، وكان إسماعيل ﴿يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: 55]، وقال عيسى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: 31]. وبذلك تدخل الصلاة في امتداد أوسع داخل الرسالات، ولا ينشئ الموروث مشروعيتها وإن كان قد نقل صورًا وتفاصيل لفهمها وممارستها.


لكن إثبات الصلاة لا يحدد تلقائيًا كل ما يدخل فيها. فلا يجوز أن نقرأ لفظ «الصلاة» ثم نستدعي فورًا الصورة الموروثة بكامل عناصرها ونفترض أن اللفظ القرآني يتضمنها جميعًا. فلكل عنصر سؤاله: هل ذكره القرآن؟ وما علاقته بالصلاة؟ وهل جعله لازمًا لها أم ورد في سياق آخر؟


وهذا التمييز مهم في مواجهة اعتراض الفايد. فإذا كان القرآن نفسه يأمر بإقامة الصلاة، فلا يمكن رفض أصلها بحجة أنها ممارسة موروثة أو لأنها تتضمن أفعالًا جسدية. لكن ذلك لا يلزمنا في المقابل بالدفاع عن كل ما نُسب إليها تاريخيًا؛ فالقرآن هو الذي يحدد ما يثبت منها وما يحتاج إلى دليل مستقل.


كما أن القرآن نفسه يمنع اختزال الصلاة في مجرد أداء خارجي. فهو يقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ۝ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ۝ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ۝ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 4-7]. فالآيات لا تتحدث عن أناس لا يصلون، بل تسميهم «مصلين»، ومع ذلك تجعل صلاتهم موضع إدانة عندما تقترن بالرياء ومنع العون عن الآخرين. وهذا يكشف أن مجرد تحقق صورة الصلاة لا يستنفد معناها القرآني.


ويؤكد القرآن هذا البعد الوظيفي بقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]. فالصلاة ليست غاية شكلية مغلقة على ذاتها، بل فعل يفترض أن ينتج أثرًا في الإنسان وسلوكه. ولذلك فإن السؤال عن حقيقتها لا ينفصل عن السؤال عما يجعلها قادرة على أداء هذه الوظيفة.


ومن هنا نصل إلى نتيجة محددة: القرآن يثبت أصل الصلاة بوضوح، لكنه لا يسمح لنا بأن نحمل لفظها ابتداءً على جميع التفاصيل التي استقرت تاريخيًا حولها. ومن ثم يصبح السؤال التالي ضروريًا: ما الذي يعنيه القرآن بالصلاة، وما العناصر التي يربطها بها فعلًا؟



ثالثًا: ما الصلاة في القرآن؟


بعد أن تبين أن مشروعية الصلاة ثابتة في القرآن نفسه، يبقى السؤال عن مفهومها: هل تعني الصلاة في القرآن ابتداءً مجموعة الأقوال والحركات التي يؤديها الإنسان لله، أم أن استعمال المصطلح يكشف عن معنى أوسع تتخذ داخله صلاة الإنسان صورة مخصوصة؟


يمنعنا القرآن من البدء بالتعريف الحركي للصلاة؛ لأن استعمال اللفظ نفسه يتجاوز صلاة الإنسان لله، وتتعدد فيه أطراف العلاقة واتجاهاتها. فهو يقول: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: 43]، ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، كما يأمر الرسول: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: 103].


وتكفي هذه الاستعمالات لإثبات أن الصورة الحركية لا يمكن أن تكون المعنى الجامع للفظ «الصلاة»، إذ لا يمكن حملها على صلاة الله أو الملائكة أو الرسول على المؤمنين. لكنها لا تثبت في المقابل أن صلاة الإنسان لله خالية من الحركة؛ فذلك سؤال آخر يتعلق بالصورة التي تتحقق بها الصلاة في هذه العلاقة تحديدًا.


وتكشف الآيات أيضًا أن الصلاة ليست فعلًا فارغًا من الأثر؛ ففي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: 43] ترتبط الصلاة بالإخراج من الظلمات إلى النور، كما تكون صلاة الرسول على المؤمنين ﴿سَكَنًا لَهُمْ﴾ [التوبة: 103]. وهذا يكشف أن الصلاة تقع داخل علاقة بين أطراف، وأن هذه العلاقة ليست فارغة من الأثر، بل ينتج عنها أثر يتحدد بحسب أطرافها وسياقها.


ومن هنا ينبغي التمييز بين مفهوم الصلاة وبين صورتها في علاقة معينة. فما يجمع استعمالات اللفظ لا يلزم أن يكون هو الهيئة التي يؤدي بها الإنسان صلاته لله، كما أن اختلاف الصورة لا يعني اختلاف المفهوم من أساسه.


ولهذا لا نستطيع في هذه المرحلة تعريف الصلاة بأنها «حركات»، مثلما لا نستطيع اختزالها في «الذكر» أو «الدعاء» أو «الاتصال» قبل أن تفسر هذه التعريفات مجموع استعمالات المصطلح. وما يمكن تقريره هو أن الصلاة مفهوم علائقي تتعدد أطرافه وصور تحققه، وأن صلاة الإنسان لله ينبغي أن تُدرس بوصفها صورة مخصوصة داخل هذا المفهوم الأوسع.


وهنا يصبح التعبير القرآني المتكرر ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ذا أهمية خاصة؛ لأن القرآن لا يكتفي بأن يطلب من المؤمنين «الصلاة»، وإنما يأمرهم بإقامتها. ولذلك ينتقل السؤال من معنى الصلاة في ذاتها إلى معنى إقامة الصلاة: ما الذي تضيفه الإقامة إلى المفهوم، وما الذي تكشفه عن الصورة التي طلبها القرآن من الإنسان؟



رابعًا: ماذا تعني إقامة الصلاة؟


إذا كان مفهوم الصلاة أوسع من أن يُختزل في صورة حركية محددة، فإن التعبير القرآني المتكرر ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ يطرح سؤالًا آخر: ما الذي تضيفه «الإقامة» إلى الصلاة؟


يمكن الاقتراب من الجواب بالنظر في الأشياء الأخرى التي يستخدم القرآن معها الفعل نفسه. يقول تعالى في أهل الكتاب: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [المائدة: 66]، ويقول: ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: 68]. فالكتب موجودة لدى المخاطبين قبل مطالبتهم بإقامتها؛ ومن ثم لا تعني الإقامة مجرد وجود الشيء أو امتلاكه، وإنما تتعلق بجعله قائمًا ومتحققًا في حياة أهله.


ويظهر المعنى نفسه في قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13]. فالدين قد شُرع وأُوحي به قبل الأمر بإقامته، مما يدل مرة أخرى على أن وجود الشيء شيء وإقامته شيء آخر. وحتى في الاستعمال الحسي يقول القرآن عن الجدار: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: 77]؛ فالجدار موجود، لكن إقامته تعيده إلى الحالة التي يتحقق بها قيامه.


وبذلك يمكن فهم ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، مبدئيًا، باعتباره أوسع من مجرد الانتساب إلى الصلاة أو وجودها الاسمي؛ إنه طلب بجعل الصلاة قائمة ومتحققة على النحو الذي يؤدي وظيفتها في حياة الإنسان. غير أن هذا لا يحدد بعد الصورة العملية التي تتحقق بها إقامتها، ولذلك ينبغي العودة إلى المواضع التي يعرض فيها القرآن الصلاة وهي تؤدى بالفعل.



خامسًا: الركوع والسجود: بين المفهوم والتعبير الجسدي؟


يبدو السجود مدخلًا أوضح إلى المسألة؛ لأن القرآن يسنده إلى موجودات مختلفة الطبيعة. فهو يتحدث عن سجود الملائكة لآدم، ويقول: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: 6]، كما يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: 18]. ومن ثم لا يمكن أن تكون هيئة جسدية بشرية واحدة هي المعنى الجامع لجميع هذه الاستعمالات؛ فالشجر والشمس والقمر لا تسجد بالطريقة التي يسجد بها الإنسان.


لكن هذه النتيجة لا تسمح بالقفز إلى الطرف المقابل ونفي التعبير الجسدي عن السجود الإنساني. ففي سياق التأثر بتلاوة القرآن يقول تعالى: ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: 107]، وفي سياق التذكير بالآيات يقول: ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة: 15]. فالخرور حركة، وذكر ﴿الْأَذْقَانِ﴾ يجعل مشاركة الجسد في الموضع الأول صريحة، بينما يصف النص أصحاب هذه الحركة بأنهم ﴿سُجَّدًا﴾. ولا يعني ذلك أن الخرور والسجود مترادفان؛ فقد قال القرآن عن موسى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: 143]. وإنما يثبت أن السجود الإنساني في هذين الموضعين اقترن بحركة جسدية، من غير أن يعني ذلك أن الآيتين تصفان هيئة الصلاة نفسها. الأدق هنا أن نقول: يمكن الاستدلال على اقتران السجود الإنساني بحركة جسدية في هذين الموضعين، لكن لا يمكن تحويل ذلك مباشرة إلى قاعدة عامة تقول إن السجود عند الإنسان "يتحقق جسديًا" في كل استعمالاته، ولا إلى أن هذه هي هيئة الصلاة.


وتكشف قصة سجود الملائكة لآدم بعدًا آخر للمفهوم، من غير أن تقدم وصفًا لهيئته. يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: 34]، ويقول لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12]. ولا يصف القرآن في هذه المواضع حركة جسدية أداها الملائكة، ولذلك لا يجوز نقل الهيئة التي استقرت في الممارسة الإنسانية إلى سجودهم من غير دليل. وما يكشفه النص بوضوح هو أن الخلاف لم يكن حول كيفية السجود، وإنما حول الاستجابة لأمر الله المتعلق بآدم؛ فقد قال إبليس: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: 61]، وعلل رفضه بقوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: 12]. فالملائكة استجابوا للأمر، بينما قابله إبليس بالإباء والاستكبار انطلاقًا من تصوره لموقعه بالنسبة إلى آدم. ومن ثم يظهر السجود في هذه القصة بوصفه استجابة للأمر وقبولًا به، بينما يكشف رفضه موقفًا مضادًا عبّر عنه القرآن بالإباء والاستكبار.


غير أن بقية الشبكة القرآنية تفتح احتمالًا أوسع لفهم ما قبله الملائكة حين امتثلوا لأمر السجود. فالإنسان الذي أُعد لتجربة الأرض لم يُمنح القدرة على إدارة النظام الذي تجري داخله هذه التجربة، وإنما مُنح مجالًا محدودًا من الإرادة والاختيار تقع فيه مسؤوليته، بينما بقيت عمليات أوسع من قدرته خاضعة لأمر الله وتدبيره. فالإنسان يحرث، لكن الله يقول: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: 64]، ويمني، لكن القرآن يسأل: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة: 59]. وفي بعض هذه المجالات يكشف القرآن صراحة عن وظائف تؤديها الملائكة بأمر الله وتتصل بالإنسان وتجربته؛ فمنهم ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: 11]، وعليه ﴿لَحَافِظِينَ ۝ كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: 10-11]، ويأمر الله بعضهم: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: 12]، ويصف آخرين بأنهم ﴿يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: 7].


ومن ثم لا تظهر الملائكة في القرآن بوصفهم بديلًا عن إرادة الإنسان في المجال الذي جعله الله مسؤولًا عنه، وإنما بوصفهم فاعلين بأمر الله في نظام أوسع يحيط بتجربته ويتجاوز قدرته المحدودة. وعلى هذا الأساس يمكن أن تُقرأ قصة السجود في ضوء فرضية وظيفية: فقد يكون امتثال الملائكة لأمر ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ قبولًا بالموقع الوظيفي الذي رتبه الله لهم داخل النظام المصاحب للتجربة الإنسانية، بينما يكشف إباء إبليس رفضًا لهذا الترتيب؛ وهو رفض لم يتوقف عند لحظة السجود، بل أعقبه اتخاذ موقع مضاد تجاه الإنسان حين قال: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: 16]. 


وبالتالي، فسجود الملائكة في قصة الخلق ليس فعلًا منفصلًا عن النظام الذي أعده الله لتجربة الإنسان، بل قبولًا بأمره وبالموقع الذي رتبه لهم في هذا النظام. ويؤكد امتداد القصة هذا المعنى؛ فالملائكة يظهرون في بقية القرآن قائمين، بأمر الله، بوظائف تتصل بالإنسان وتجربته، بينما يتحول إباء إبليس إلى موقع مضاد يقوم على إغواء الإنسان والصد عن صراط الله. وبذلك لا تقدم قصة الخلق أساسًا لقراءة سجود الملائكة بوصفه هيئة جسدية، وإنما تكشف عنه، في هذا السياق، بوصفه قبولًا بالترتيب الإلهي المتعلق بآدم وما يترتب عليه من موقع وظيفي.


وتقدم الآيتان 102 و103 من سورة النساء حالة خاصة تستحق أن تُقرأ بعيدًا عن التسمية الفقهية الشائعة «صلاة الخوف»؛ فالقرآن لا يستخدم هذا الاسم، ولا يأمر المؤمنين بصلاة جديدة يقول إنها كتبت عليهم عند الخوف، وإنما يخاطب الرسول بقوله: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾، ثم ينظم وجود المؤمنين معه في طائفتين تتعاقبان، مع حمل السلاح والحذر والانتقال إلى الخلف، ويعلل ذلك بخطر استغلال العدو لغفلتهم عن أسلحتهم وأمتعتهم. ومن ثم فإن البعد التنظيمي العسكري ليس افتراضًا خارج النص، بل عنصر صريح في بنية الآية نفسها.


ويلفت النظر أن هذا الخطاب يختلف عن الأمر العام للمؤمنين ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾؛ فهنا الرسول هو الذي ﴿أَقَامَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾، والمؤمنون يصلون ﴿مَعَهُ﴾ في تنظيم يرتبط بظرف المواجهة. كما أن الآية، مع تفصيلها الدقيق لمواقع الطائفتين والسلاح والحذر، لا تذكر الركوع ولا تصف هيئة السجود ولا تقدم التسلسل الحركي المعروف للصلاة الموروثة. ولذلك لا يمكن اتخاذها دليلًا على وجود صلاة حركية مختصرة بسبب الخوف إلا بإدخال عناصر لم يذكرها النص.


وتزداد المسألة أهمية في الآية التالية: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]. فالنص ينتقل من الصلاة التي أقيمت في ظرف المواجهة إلى الأمر، بعد الاطمئنان، بإقامة الصلاة المرتبطة بكونها ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. وهذا يفتح احتمالًا ينبغي أخذه بجدية: أن الصلاة التي أقامها الرسول للجماعة في المعسكر كانت تؤدي، إلى جانب صلتها بالمرجعية الإلهية، وظيفة تنظيمية تفرضها حالة الحرب، وليست «صلاة خوف» موقوتة مستقلة كتبها الله على المؤمنين.


وهنا ينبغي التمييز بين مفهوم الصلاة والصورة التي اتخذتها في هذا الظرف. فالصلاة ليست تنظيمًا عسكريًا في ذاتها؛ وإنما الصلاة، بوصفها صلة، تحققت في ظرف الحرب بإقامة صلة منظمة بين الرسول والجماعة، وبين أفراد الجماعة بعضهم ببعض، تحت المرجعية الإلهية. ولذلك جاءت تفاصيل الآية متعلقة بما تقتضيه هذه الصلة في الميدان: طائفة تكون مع الرسول وأخرى تحميها من الخلف، ثم تتبادلان الموقع، مع حمل السلاح والتزام الحذر وعدم ترك ثغرة يستغلها العدو. فالصورة التنظيمية هنا ليست تعريفًا للصلاة، وإنما صورة تحققها في ظرف مخصوص اقتضى أن تتحول الصلة إلى انتظام فعلي يحفظ وحدة الجماعة وعلاقتها بقيادتها وقدرتها على مواجهة العدو.


ومن هذه الزاوية تكتسب واقعة أُحد دلالتها المقابلة؛ إذ يصف القرآن ما وقع هناك بقوله: ﴿فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾ [آل عمران: 152]، ثم يصور تفكك الجماعة بقوله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران: 153]. فإذا كانت آية النساء تقدم جماعة تنتظم حول الرسول وتحافظ على مواقعها وتتبادلها وفق مقتضيات المواجهة، فإن أُحد تقدم الصورة المضادة: تنازع في الأمر، وعصيان، واختلال للمواقع، وانقطاع للصلة التنظيمية حتى أصبح الرسول يدعوهم من خلفهم. وبذلك تتضح الوظيفة التي تؤديها الصلاة التي أقامها الرسول لهم في ظرف الحرب: ليست إنشاء طقس تعبدي جديد، وإنما إقامة الصلة التي تحفظ انتظام الجماعة تحت مرجعيتها وقيادتها في ظرف تكون فيه وحدة الصف جزءًا من شروط بقائها وانتصارها.


وتكتسب عبارة ﴿مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ دلالة خاصة إذا قرئت في ضوء معنى السجود الذي كشفت عنه شبكة استعماله، أي الاستجابة للأمر وقبوله. فالسورة نفسها عرضت المؤمنين وهم يثبتون مع الرسول ويبايعونه في ظرف بالغ الحساسية، وربطت بيعتهم له ببيعتهم لله، ثم ختمت بوصفهم بأنهم ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا﴾، أي خاضعون لله مستجيبون لأمره، يبتغون فضله ورضوانه. ثم يقول تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: 29]؛ فالسيماء هنا ليست علامة مادية في الجبهة أحدثها احتكاكها بالأرض، وإنما الأثر الذي تركه الخضوع لله والاستجابة لأمره في أصحابها حتى ظهر في وجوههم نورًا وسيماء تميزهم. وبذلك يصبح ﴿أَثَرِ السُّجُودِ﴾ أثرًا أحدثته الاستجابة في الإنسان، لا أثرًا أحدثته الأرض في جلده.


وتساعد هذه الصورة على فهم الصلاة التي أقامها الرسول للجماعة في ظرف الحرب في سورة النساء. ففي الحديبية تظهر جماعة ثابتة مع الرسول ومستجيبة له، وفي أُحد تظهر الصورة المقابلة حين ﴿تَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾ [آل عمران: 152] حتى صار ﴿الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران: 153]، أما في سورة النساء فتظهر الجماعة منتظمة حوله في طائفتين، تحمل كل منهما سلاحها وحذرها وتلتزم الموقع الذي يقتضيه تنظيم المواجهة. وعندما يقول النص عن الطائفة الأولى ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: 102]، يصبح فهم السجود في ضوء الاستجابة والقبول منسجمًا مع بنية الآية كلها: تستجيب الطائفة لما أقامه الرسول لها، ثم تنتقل إلى موقعها من الخلف لتأتي الطائفة الأخرى وتدخل في التنظيم نفسه.


وهكذا لا تكون الصلاة في هذا الموضع تنظيمًا عسكريًا بمعنى الصلاة في ذاتها، وإنما تكون الصلاة، بوصفها صلة، قد اتخذت في ظرف الحرب صورة تنظيمية تحقق الصلة بين الرسول والجماعة وبين أفراد الجماعة بعضهم ببعض تحت المرجعية الإلهية. وتقدم أُحد والحديبية صورتين تساعدان على إدراك وظيفة هذه الصلة: فالاستجابة تحفظ انتظام الجماعة حول الرسول، بينما يؤدي التنازع في الأمر والعصيان إلى تفككها.


أما الركوع، فلا ينبغي بدوره تعريفه ابتداءً بالهيئة التي استقرت في الممارسة، لكن القرآن يثبته فعلًا مأمورًا به. يقول لمريم: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]، ويقول لبني إسرائيل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: 43]، ويقول: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: 48].


ولا يقدم القرآن في المواضع التي بين أيدينا قرينة جسدية مماثلة لما وجدناه في بعض مواضع السجود الإنساني؛ فلا يصف انحناءً ولا يذكر عضوًا من الجسد ولا حركة مخصوصة. وفي المقابل يتكرر عنصر آخر ينبغي ألا يمر من غير تفسير، هو العلاقة بالآخرين: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: 43]، و يقول:﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]. وتكتسب هذه الصيغة أهمية خاصة في البقرة لأن الأمر بالركوع يأتي بعد ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، وفي خطاب مريم لأن النص يقول ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، فيقدم السجود على الركوع، وهو ترتيب لا يسمح باتخاذ الآية وصفًا مباشرًا لتسلسل الحركات في الصلاة الموروثة.


ويظهر الركوع كذلك في سياق الاستجابة لما يطلب من الإنسان: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: 48]. فالآية تثبت أن الركوع فعل مطلوب، لكنها لا تقدم وصفًا لهيئته الجسدية، وإنما تقابل بين الأمر بالركوع ورفض الاستجابة إليه.


ويكشف جمع القرآن بين الركوع والسجود في وصف المؤمنين أن المصطلحين، مع تقاربهما، لا يؤديان الوظيفة الدلالية نفسها. يقول تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: 29]. فالركوع، في ضوء شبكة استعماله، يدل على الخضوع؛ ولذلك يتكرر الأمر بأن يكون الإنسان ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، أي في موقع الخضوع مع الخاضعين. أما السجود فيدل على الاستجابة للأمر وقبوله، وهو ما يظهر بوضوح في قصة آدم، حيث صدر الأمر ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فاستجاب الملائكة، بينما ﴿أَبَى﴾ إبليس، ثم واجهه الله بسبب امتناعه بقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12].


وعلى هذا الأساس لا يكون وصف المؤمنين بأنهم ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ تكرارًا لمعنى واحد ولا وصفًا لتتابع حركتين جسديتين، وإنما جمعًا بين موقفين متكاملين في علاقتهم بالله: فهم خاضعون له، ومستجيبون لأمره قابلون به، ولذلك جاءت غايتهم في خاتمة الوصف: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾. وبهذا يستعيد المصطلحان استقلالهما الدلالي: فالركوع يحدد موقف الخضوع، والسجود يحدد موقف الاستجابة والقبول.


ومن ثم فإن ما تكشفه شبكة الركوع حتى الآن ليس حركة انحناء جسدية؛ فهذه الصورة لا نجد وصفها في الآيات التي تتحدث عنه. وما يتكرر بدلًا منها هو الركوع بوصفه موقفًا يقع داخل علاقة: يطلب من الإنسان أن يركع، ويتكرر الأمر بأن يركع ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، ويصبح ﴿رُكَّعًا﴾ وصفًا للمؤمنين الذين ﴿مَعَ﴾ الرسول. وهذا يسمح بالقول إن البعد الجماعي والعلائقي داخل في بناء مفهوم الركوع القرآني.


ومن هنا يمكن ضبط النتيجة التي نحتاج إليها في مناقشة اعتراض الفايد. فالركوع والسجود في القرآن لا يعرَّفان بوصفهما حركتين جسديتين من حركات الصلاة؛ وإنما يكشف استقراء استعمالهما عن دلالتين مختلفتين ومتكاملتين: فالركوع يدل على الخضوع، ولذلك يتكرر الأمر بأن يكون الإنسان ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، أما السجود فيدل على الاستجابة للأمر وقبوله، كما تكشف بصورة خاصة قصة آدم، حيث استجاب الملائكة للأمر بالسجود بينما أبى إبليس، فسأله الله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12].


ولا يناقض هذا المعنى قوله تعالى عن المتأثرين بتلاوة القرآن: ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: 107]؛ بل قد تكون الآية نفسها مما يؤكد ضرورة التمييز بين السجود والحركة التي تعبر عنه. فالقرآن لم يسم الحركة سجودًا، وإنما عبّر عنها بفعل مستقل هو ﴿يَخِرُّونَ﴾، ثم وصف حال أصحابها بأنهم ﴿سُجَّدًا﴾. ويؤكد هذا الفصل قوله عن موسى ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: 143]، حيث يصف الخرور الحركة بينما تحدد ﴿صَعِقًا﴾ حال موسى، كما يؤكده التوازي في السياق نفسه بين ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ و ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: 109].


ويصبح معنى ﴿سُجَّدًا﴾ أوضح إذا أعيد إلى سياقه: يتلى عليهم القرآن فيستجيبون له ويقبلونه، ويعلنون تصديقهم بقولهم ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: 108]، وتظهر هذه الاستجابة في أجسادهم خرورًا، وفي مشاعرهم بكاء وخشوعًا. فالسجود هنا هو موقف الاستجابة والقبول، أما الخرور فهو التعبير الجسدي الذي صاحب ذلك الموقف. وبذلك لا يصبح السجود اسمًا للحركة، ولا تصبح الحركة تعريفًا له، وإنما يكون الفعل الجسدي أثرًا من آثار الاستجابة في الإنسان.


وبذلك يصبح وصف بعض هذه الأفعال من قبل الفايد بأنها «حركات سخيفة» قائمًا على النظر إلى التعبير الجسدي منفصلًا عن المعنى الذي يظهر داخله في القرآن. فالمسألة ليست أن الله يحتاج إلى حركة يؤديها جسد الإنسان، وإنما أن الإنسان كائن ذو إرادة وعقل وجسد، وقد تظهر استجابته لما يؤمن به في أكثر من مستوى؛ في موقفه وقبوله وخضوعه، وقد تنعكس كذلك على جسده خرورًا أو بكاءً أو خشوعًا. والسؤال القرآني، من ثم، ليس: هل يحتاج الله إلى هذه الحركة؟ ولا حتى: هل أمر بالحركة التي استقرت في الممارسة الموروثة؟ وإنما: ماذا يعني الركوع والسجود اللذان أمر بهما، وما موقع التعبير الجسدي حين يصف القرآن ظهوره في استجابة الإنسان؟



سادسًا: متى تقام الصلاة؟ الصلاة والذكر والتسبيح في نظام الزمن القرآني


بعد أن تبين أن القرآن يأمر بإقامة الصلاة من غير أن يعرّفها بالهيئة الحركية الموروثة، وأن الركوع والسجود يحملان في شبكة استعمالهما معنى الخضوع والاستجابة قبل أن يكونا وصفًا لحركتين جسديتين، يبقى سؤال لا يمكن تجاوزه: متى تقام الصلاة التي يخاطب بها القرآن المؤمنين؟


يقرر القرآن أصل الارتباط بالزمن في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]. ولا تحدد هذه الآية وحدها عدد الصلوات ولا تفاصيل أوقاتها، لكنها تثبت أمرًا واضحًا: الصلاة ليست صلة متروكة للإنسان يقيمها متى شاء من غير نظام، وإنما ترتبط بوقت.


ويقدم القرآن موضعًا يسمي فيه الصلاة صراحة باسم وقتها، فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: 58]. واللافت أن الآية تذكر ثلاثة أوقات للخصوصية المنزلية، لكنها تسمي اثنين منها باسم الصلاة: ﴿صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾ و﴿صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾، بينما تقول في الوقت الواقع بينهما ﴿مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ من غير أن تسميه «صلاة الظهر». وإذا التزمنا بألفاظ النص، فلا يجوز تحويل اسم وقت إلى اسم صلاة لم يسمها القرآن.


ويلتقي ذلك مع قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: 114]. فالآية تربط إقامة الصلاة بطرفي النهار وما يقرب من الليل، بما يضع الصلاة في مواضع انتقال بين الليل والنهار وبين النهار والليل. ولا نحتاج هنا إلى حسم جميع الخلافات المتعلقة بالعدد والتفاصيل الدقيقة للمواقيت؛ فما يعنينا في هذا البحث هو البنية التي يصرح بها النص: صلاة مرتبطة بالوقت، وذكر صريح للفجر والعشاء، وإقامة للصلاة عند طرفي الدورة اليومية وزلف من الليل.


غير أن تحديد موقع الصلاة في الزمن يفتح سؤالًا آخر: هل كل ما يأمر به القرآن عند هذه الأوقات يسمى صلاة؟ فالقرآن يأمر كذلك بالذكر والتسبيح، ولا يجوز، وفق منهج عدم الترادف، أن نحمل الألفاظ المختلفة على معنى واحد لمجرد تقارب أوقاتها.


وتظهر العلاقة بين الصلاة والذكر بوضوح في قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]. فالصلاة هنا تقام «للذكر»، ولذلك لا يكون اللفظان مترادفين؛ إذ تقوم بينهما علاقة: صلاة تقام وذكر ترتبط به غايتها. ويزداد التمييز وضوحًا في قوله تعالى بعد الصلاة التي أقامها الرسول للجماعة في ظرف الحرب: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: 103]. فالصلاة قد قُضيت، ثم يأتي الأمر بالذكر بعدها، وفي أحوال جسدية متعددة: قيامًا وقعودًا وعلى الجنوب. وهذا يمنع من جعل الذكر اسمًا آخر للصلاة، كما يمنع من تحويل القيام والقعود وعلى الجنوب الواردة هنا إلى حركات داخل الصلاة؛ لأنها جاءت بعد قضائها.


والذكر نفسه لا ينبغي اختزاله في ترديد اسم الله. فالقرآن يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، ويقول: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء: 50]. ومن ثم يدخل في شبكة الذكر ما أنزله الله للإنسان من هداية وتعليم ومرجعية؛ وهو ما يجعل قوله ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ أوسع من مجرد التلفظ باسم الله، إذ تعيد الصلاة الإنسان إلى المرجعية التي أنزلها الله له.


أما التسبيح فيرد بدوره في شبكة زمنية تتقاطع مع أطراف اليوم، من غير أن يسميه القرآن صلاة. يقول تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: 130]، ويقول: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ۝ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: 39-40]. وتقاطع أوقات التسبيح مع بعض أوقات الصلاة لا يكفي لجعلهما فعلًا واحدًا؛ فالقرآن حافظ على الاسمين، وأقام لكل منهما علاقاته. ولذلك ينبغي أن يبقى السؤال عن معنى التسبيح مستقلًا عن السؤال عن الصلاة، كما بقي الذكر متميزًا عنها وإن ارتبط بها.


ويكشف هذا التمييز عن بنية مهمة: الصلاة صلة مأمور بإقامتها في أوقات، والذكر غاية ترتبط بها ويمكن أن يستمر خارجها، والتسبيح فعل آخر يأمر به القرآن في أوقات متعددة من اليوم والليل. وبهذا لا نحتاج إلى إدخال كل ذكر أو تسبيح يقع عند طرف من أطراف اليوم داخل مفهوم الصلاة حتى نثبت انتظام علاقة الإنسان بالله في الزمن.


أما المجال الممتد بين طرفي النهار، فيمنحه القرآن وصفًا آخر، فيقول: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: 11]، ويقول: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: 7]. فالنهار ليس مجرد فراغ زمني بين صلاتين، وإنما مجال للمعاش والحركة والسعي الطويل. وهنا يبدأ السؤال عن العلاقة بين الصلاة التي تعيد الإنسان إلى مرجعيته عند أطراف يومه، وبين ما يفعله بهذه المرجعية في المجال الممتد بينهما.



سابعًا: من الذكر إلى الأثر: وظيفة الصلاة في حياة الإنسان


إذا كانت الصلاة تقام للذكر، وكان النهار مجالًا للمعاش والسبح الطويل، فإن السؤال التالي يصبح: ماذا يحدث عندما ينتقل الإنسان من صلته بربه إلى مجال فعله وعلاقاته؟


يجيب القرآن عن ذلك بقوله: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]. فالآية لا تجعل الصلاة فعلًا مغلقًا على لحظة إقامته، وإنما تربطها بأثر يفترض أن يظهر خارج تلك اللحظة: النهي عن الفحشاء والمنكر. وهذا يعني أن الوظيفة لا تكتمل بمجرد إقامة الصلة، وإنما بما تحدثه هذه الصلة في إرادة الإنسان واختياراته.


ومن هنا تتضح العلاقة بين الذكر والسلوك. فالإنسان يعود في الصلاة إلى مرجعيته، لكنه لا يبقى داخل الصلاة؛ بل يخرج إلى عالم يمكنه فيه أن يظلم أو يعدل، وأن يمنع أو يعطي، وأن يعتدي أو يقسط، وأن يصلح أو يفسد. وفي هذا المجال تحديدًا يظهر ما إذا كان الذكر قد تحول إلى مرجعية حاكمة للفعل أم بقي كلامًا منفصلًا عن الحياة.


وتقدم سورة الماعون اختبارًا بالغ الدلالة لهذه الوظيفة. فهي تبدأ بالعلاقة بالضعيف: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ۝ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: 2-3]، ثم تقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ۝ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ۝ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ۝ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 4-7]. فالوعيد لا يقع على قوم غاب عنهم اسم الصلاة، بل على ﴿الْمُصَلِّينَ﴾، بينما تكشف السورة الخلل من خلال شبكة تمتد إلى اليتيم والمسكين والرياء ومنع الماعون. وبذلك يصبح الانفصال بين الصلاة وبين العلاقة بالآخر جزءًا من المشكلة التي تكشفها السورة نفسها.


وتساعدنا استعمالات لفظ الصلاة على فهم هذا الامتداد العلائقي؛ فالقرآن لا يجعل الصلاة متجهة من الإنسان إلى الله وحده. يقول للرسول: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: 103]. فالصلاة هنا تتجه من إنسان إلى آخر وتنتج أثرًا هو السكن. وهذا لا يعني أن صلاة الرسول على المؤمنين هي صلاة الإنسان لله نفسها، وإنما يؤكد ما كشفته شبكة المصطلح من أن الصلاة مفهوم علائقي تتحدد صورته ووظيفته بحسب أطراف العلاقة.


ويمكن، لأغراض التحليل، أن نسمي صلة الإنسان بالله «الصلة العمودية»، ونقصد بها عودته إلى المرجعية الإلهية من خلال الصلاة والذكر، وأن نسمي المجال الذي يحمل فيه مقتضيات تلك المرجعية إلى علاقته بالآخرين «الصلة الأفقية». وهذان ليسا مصطلحين قرآنيين، وإنما أداتان تحليليتان لوصف اتجاهين كشفتهما الشبكة: علاقة يرجع فيها الإنسان إلى الله ومرجعيته، وعلاقات يختبر فيها ما حمله من تلك المرجعية إلى الناس والعالم.


وبذلك تتضح الوظيفة التي يؤديها تنظيم اليوم نفسه. فعند الفجر يدخل الإنسان إلى يومه من صلته بالله، وفي النهار ينخرط في مجال المعاش والسبح الطويل، ثم يعود عند العشاء إلى صلته به. ولا يعني ذلك أن الله يغيب عن النهار أو أن الذكر ينقطع فيه؛ فقد رأينا أن الذكر والتسبيح يمتدان في أحوال وأوقات متعددة. وإنما يعني أن الصلاة الموقوتة تقع داخل دورة يكون أحد طرفيها استحضار المرجعية، ويكون المجال الممتد بين طرفيها ساحة اختبار آثار تلك المرجعية في الحياة.


ومن هنا لا يعود قوله تعالى ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ وصفًا لأثر يقع أثناء الصلاة نفسها، وإنما لأثر ينبغي أن يصاحب الإنسان حين يغادرها. فالاختبار الحقيقي للنهي عن الفحشاء والمنكر يقع حيث تصبح الفحشاء والمنكر ممكنين: في السوق والبيت والعمل والمال والحكم والشهادة والعلاقة بالضعيف والخصم والجار وسائر مجالات الفعل.


وعند هذه النقطة يظهر مفهوم قرآني يحتاج إلى تفسير في ضوء هذه البنية كلها: ﴿الصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾.



ثامنًا: الصلاة الوسطى: من الموقع الزمني إلى الوظيفة العلائقية


يقول تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]. وقد اعتيد البحث عن الصلاة الوسطى باعتبارها صلاة تقع زمنيًا بين صلوات أخرى، ثم اختلف في تعيينها. غير أن حمل «الوسطى» على منتصف زمني يفترض معنى «الوسط» قبل أن نبحث عن استعماله في القرآن نفسه.


ويقدم قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143] مدخلًا مختلفًا. فالآية لا تصف الأمة بأنها ﴿وَسَطًا﴾ ثم تترك الوصف مجردًا، وإنما تربطه مباشرة بوظيفة: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، وتضع الأمة داخل علاقتين: الرسول شهيد عليها، وهي شاهدة على الناس. ومن ثم يظهر «الوسط» هنا موقعًا علائقيًا بين طرفين تترتب عليه وظيفة، لا مجرد نقطة هندسية في منتصف مسافة.


وتتسق هذه الدلالة مع البنية التي كشفها تنظيم الصلاة والزمن. فالإنسان يقيم صلته بالله، يستحضر منها مرجعيته، ثم يدخل مجال الحياة حيث ينبغي أن يحمل مقتضيات تلك المرجعية إلى علاقاته. وبين التلقي والتطبيق يقع مجال تتحول فيه القيمة إلى فعل، والأمر إلى استجابة، والذكر إلى سلوك.


كما أن خاتمة الآية ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ لا ينبغي أن تُفصل عن هذه البنية أو أن تُحمل ابتداءً على الوقوف الجسدي داخل طقس. فالقرآن يستخدم «القيام لله» في سياقات تتعلق بالمسؤولية العملية، فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135]، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 8]. فالقيام لله يتحقق هنا في الشهادة والقسط والعدل، أي في مجال العلاقات الإنسانية نفسه.


ولا يعني ذلك أن القيام والقنوت والركوع ألفاظ مترادفة. فالركوع، كما كشف البحث، يدل على الخضوع، والقنوت يضيف معنى الاستمرار في الطاعة والالتزام، والقيام لله يعبر عن اتخاذ الإنسان موقعًا فعليًا يحمل فيه مقتضى المرجعية التي يخضع لها. ولذلك لا يكفي أن يخضع الإنسان لله في مستوى الموقف؛ بل يظل الاختبار في أن يقوم بما يقتضيه هذا الخضوع حين يدخل مجال العلاقات.


وإذا أعدنا هذه الشبكة إلى ﴿الصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ ظهر احتمال مختلف عن البحث عن طقس ثالث يؤدي في ساعة تقع بين الفجر والعشاء. فالوسط يمكن أن يكون موقعًا علائقيًا يصل بين الصلة التي يستحضر فيها الإنسان مرجعيته وبين المجال الذي يطبق فيه مقتضياتها. وعلى هذا الأساس يمكن، في حدود ما تسمح به الشبكة التي تتبعناها، اقتراح أن الصلاة الوسطى هي الصلة التي تقوم في «الوسط» الوظيفي بين المرجعية وتطبيقها، أي الصلة الأفقية التي تنتظم فيها علاقة الإنسان بالناس وفق ما استمده من صلته بالله.


وهذا استنباط، لا تسمية قرآنية للصلاة الأفقية، ولذلك ينبغي الحفاظ على حدوده. فالقرآن لم يسم العدل صلاة، ولا الزكاة صلاة، ولا الشورى صلاة. وإنما تمثل هذه الأفعال مجالات تتحقق فيها مقتضيات الصلة: فالعدل مجال يختبر فيه الإنسان علاقته بالآخر، والإحسان يوجه هذه العلاقة، والزكاة تصل المال بحق غيره، والشورى تنظم العلاقة بالجماعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يربطان المرجعية بالفعل الاجتماعي، كما يدخل الوفاء والأمانة والقسط وعدم الاعتداء في المجال نفسه.


ومن هذه الزاوية يمكن قراءة دورة اليوم بوصفها بنية مترابطة: صلاة الفجر عند أحد طرفي الدورة تعيد الإنسان إلى المرجعية قبل دخوله مجال المعاش، ويمتد النهار مجالًا للسعي والعلاقات واختبار أثر هذه المرجعية، ثم تأتي صلاة العشاء في الطرف الآخر لتعيده إلى صلته بالله. ولا يعني ذلك أن النهار كله يسمى في القرآن «صلاة وسطى»، وإنما أن موقع الوسط الوظيفي الذي تكشفه هذه القراءة يتحقق في المجال الذي تنتقل فيه المرجعية من الصلة بالله إلى الصلة بالناس.


وعندئذ يكتسب قوله ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ بعدًا يتجاوز المحافظة على أوقات منفصلة؛ إذ يمكن للإنسان أن يحافظ على صلته بالله ثم يهدم في علاقاته بالناس ما يفترض أن تنتجه تلك الصلة. وهذا هو الخلل الذي تكشفه سورة الماعون حين يبقى الإنسان في عداد ﴿الْمُصَلِّينَ﴾، بينما يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين ويرائي ويمنع الماعون.


وهكذا لا تنتهي الصلاة عند اللحظة التي يعود فيها الإنسان إلى ذكر الله، بل تفتح أمامه سؤالًا آخر: ماذا سيفعل بما تذكره حين يدخل الحياة؟



تاسعًا: من شرع هيئة الصلاة التي نؤديها؟


بعد إعادة بناء مفهوم الصلاة من شبكة استعمالاته القرآنية، يبقى السؤال المتعلق بمصدر شرعية الهيئة الحركية الموروثة. فثبوت الأمر بالصلاة في القرآن لا يثبت تلقائيًا أن كل ما أُلحق بها تاريخيًا جزء من تشريعها. وإذا كانت الصلاة التي يؤديها المسلمون اليوم تقوم على عدد محدد من الركعات، وعلى ترتيب مخصوص للقيام والركوع والاعتدال والسجود والجلوس، فإن نسبة هذه التفاصيل إلى الله بوصفها عبادة ملزمة تقتضي بيان مصدر إلزامها.


فالقرآن يذكر القيام والركوع والسجود والذكر والقراءة والدعاء، لكن وجود هذه العناصر متفرقة لا يكفي لإثبات العلاقة التي تجمعها في وحدة تسمى «ركعة»، ولا الترتيب الذي تنتظم به داخلها، ولا عدد مرات تكرارها في كل صلاة. والمشكلة، من منظور التحليل العلائقي، ليست في وجود العناصر، وإنما في إثبات العلاقة التي جعلتها أجزاء مرتبة من هيئة تعبدية محددة.


ويجاب عادة بأن القرآن أمر بالصلاة إجمالًا، بينما تولى الرسول بيان كيفيتها، ويستدل في ذلك بما نُسب إليه من قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي». غير أن هذا الجواب ينقل البحث من مفهوم الصلاة إلى مصدر التشريع: هل كان بيان الرسول بيانًا لما أنزل إليه، أم كان يتضمن إنشاء تفاصيل تعبدية ملزمة لا نجد بنيتها في الكتاب؟ فالقرآن يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]، ويصف ما أنزله بأنه ﴿تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: 111]، كما يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38]، ويقول في شأن التشريع: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21].


ولا تحسم هذه الآيات منفردة معنى «الكتاب» أو «التفصيل» أو حدود وظيفة البيان، لكنها تجعل السؤال عن العلاقة بين الكتاب والبيان والتشريع سؤالًا لا يمكن تجاوزه. فإذا كانت هيئة الصلاة بتفاصيلها حكمًا دينيًا ملزمًا، فأين يقع الإذن الإلهي الذي يمنح هذه التفاصيل صفة الإلزام، وما علاقتها بالكتاب الذي يصفه القرآن بالتفصيل وعدم التفريط؟


ولا يكفي لحسم المسألة استدعاء آيات طاعة الرسول أو قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3-4] أو ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: 7] بمعزل عن سياقاتها وشبكاتها القرآنية. فالسؤال ليس هل تجب طاعة الرسول، وإنما ماذا يثبت القرآن في موضوع هذه الطاعة ووظيفة الرسول والبيان والوحي، وهل تنتج هذه الشبكة مصدرًا تشريعيًا مستقلًا عن الكتاب. وهذه مسألة أوسع من موضوع الصلاة نفسه، ولا يصح افتراض جوابها مسبقًا لإثبات الهيئة التي يجري البحث عن مصدرها.


ويمكن اختبار المسألة بصورة مباشرة: لو لم تصل إلينا كتب الحديث والفقه، وبقي القرآن وحده، فهل كان قارئه يستطيع أن يستخرج منه ركعتي الفجر، وأربع الظهر والعصر، وثلاث المغرب، وأربع العشاء، وأن يعيد بناء «الركعة» بتسلسل القيام والركوع والاعتدال والسجود والجلوس كما استقر في الممارسة؟ لقد تتبع هذا البحث الآيات المتعلقة بالصلاة والركوع والسجود، ولم يجد فيها هذه البنية المتسلسلة. وهذا لا يثبت بمجرده كيف نشأت الهيئة الموروثة، ولا يحسم حجية المصادر الأخرى التي تنسبها إلى الرسول، لكنه يثبت أمرًا يخص سؤال هذا البحث: أن هذه الهيئة بتفاصيلها لا يمكن استخراجها من شبكة القرآن وحدها من غير إدخال معلومات من خارجها.


وهذه النتيجة لا تعني أن القرآن ترك الصلاة بلا بيان. فالتحليل السابق كشف شبكة مترابطة: الصلاة مأمور بإقامتها، وترتبط بالذكر، ولها تنظيم زمني، ويسمي القرآن صلاة الفجر وصلاة العشاء ويربط إقامة الصلاة بطرفي النهار وزلف الليل، ويميز الصلاة عن الذكر والتسبيح، ويربطها بأثر يمتد إلى السلوك والعلاقات، كما يكشف استعمال الركوع والسجود عن الخضوع والاستجابة من غير أن يقدم التسلسل الحركي الذي تقوم عليه «الركعة» الموروثة.


ومن ثم قد لا تكون المشكلة أن القرآن لم يبين الصلاة التي يتحدث عنها، وإنما أن القارئ يدخل إليه أحيانًا حاملًا صورة مكتملة للصلاة من خارجه، ثم يبحث عن عناصر هذه الصورة متفرقة في النص ليعيد تركيبها وفق النموذج الذي يحمله مسبقًا.


وهنا ينبغي الفصل بين سؤالين: هل الصلاة مشروعة في القرآن؟ وقد أثبت البحث أنها كذلك بوضوح. وهل الهيئة الحركية الموروثة بتفاصيلها هي الهيئة التي ينتجها تشريع القرآن للصلاة؟ وهذا هو الموضع الذي لم نجد فيه النص المنتج لتلك الهيئة. أما إثبات شرعيتها من مصدر آخر، وتحديد طبيعة سلطة الرسول التشريعية وعلاقة السنة بالكتاب، فهو بحث مستقل ينبغي أن يخضع بدوره للمنهج نفسه.



خاتمة: من نقد الحركات إلى إعادة بناء معنى الصلاة


انطلق هذا البحث من اعتراض محمد الفايد على تحويل الصلاة والركوع والسجود إلى حركات جسدية تعد في ذاتها حقيقة العبادة التي يؤديها الإنسان لله. غير أن العودة إلى القرآن من داخل شبكة مفاهيمه أظهرت أن السؤال قد صيغ على أساس يحتاج هو نفسه إلى المراجعة؛ إذ جرى افتراض أن الصلاة هي الهيئة الحركية الموروثة، وأن الركوع والسجود حركتان داخل هذه الهيئة، ثم دار النقاش حول ما إذا كانت هذه الحركات تليق بالله أم لا.


لم يؤيد الاستقراء الذي اعتمدناه هذا التعريف. فالصلاة في القرآن مفهوم علائقي أوسع من الهيئة الجسدية؛ إذ تنسب إلى الله وملائكته، كما يؤمر الرسول بأن يصلي على المؤمنين وتكون صلاته ﴿سَكَنًا لَهُمْ﴾. كما لم يظهر الركوع في النص بوصفه انحناءً جسديًا، وإنما بوصفه خضوعًا، وظهر السجود بوصفه استجابة وقبولًا، بينما عبّر القرآن عن الحركة الجسدية، حين وصفها، بالخرور. ولذلك كان من الضروري التمييز بين المفهوم وبين التعبير الجسدي الذي قد يصاحب بعض حالات الإنسان، من غير أن يتحول هذا التعبير إلى تعريف للمفهوم نفسه.


ولم يؤد ذلك إلى نفي الصلاة، بل إلى إعادة بنائها من داخل شبكة القرآن. فهي صلة مأمور بإقامتها، وترتبط بالذكر من غير أن تكون مرادفة له: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]. والذكر نفسه يتصل بما أنزله الله للإنسان من هداية ومرجعية، كما أنه يمتد خارج الصلاة وفي أحوال متعددة. وكذلك لا يجوز مساواة التسبيح بالصلاة لمجرد تقاطع بعض أوقاتهما؛ فالقرآن احتفظ لكل منهما بلفظه وعلاقاته.


وكشف الزمن عن بعد آخر في هذه البنية. فالصلاة ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾، والقرآن يسمي صراحة ﴿صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾ و﴿صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾، ويأمر بإقامتها ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾، بينما يجعل النهار مجالًا للمعاش و﴿سَبْحًا طَوِيلًا﴾. ومن ثم ظهرت دورة ينتقل فيها الإنسان من استحضار المرجعية إلى مجال السعي والعمل والعلاقات، ثم يعود إلى صلته بالله، من غير أن يعني ذلك انقطاع الذكر أو التسبيح خلال النهار.


وهنا ظهرت وظيفة الصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. فالإنسان لا يعود إلى مرجعيته لكي تبقى داخل لحظة الصلاة، وإنما لكي يحمل مقتضياتها إلى الحياة. وتكشف سورة الماعون خطر انفصال الطرفين؛ إذ يمكن للإنسان أن يبقى في عداد ﴿الْمُصَلِّينَ﴾، ثم يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين ويرائي ويمنع الماعون. فوجود الصلة في أحد الاتجاهين لا يكفي إذا انهار أثرها في الاتجاه الآخر.


ومن هذه البنية أمكن، اصطلاحًا، التمييز بين صلة عمودية يقيمها الإنسان بالله، وصلة أفقية يحمل فيها مقتضيات المرجعية إلى علاقته بالناس. وفي ضوء استعمال «الوسط» في قوله ﴿أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أمكن اقتراح قراءة ﴿الصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ بوصفها موقعًا علائقيًا يصل بين المرجعية وتطبيقها، لا بالضرورة طقسًا ثالثًا يقع في منتصف زمني. وتظل هذه قراءة مستنبطة من الشبكة، لا دعوى بأن القرآن سمى العدل أو الزكاة أو الشورى صلاة؛ وإنما هي مجالات تختبر فيها الصلة التي يحمل الإنسان إليها مرجعيته.


ومن هنا يمكن العودة إلى اعتراض محمد الفايد بصورة أكثر تحديدًا. فإذا كان اعتراضه منصبًا على اختزال الصلاة في طقوس حركية يؤديها الجسد لله، فإن البحث يكشف أن هذا الاعتراض يصيب جانبًا من المشكلة؛ فالقرآن لا يعرّف الصلاة بالحركات، ولا الركوع بالانحناء، ولا السجود بوضع الجبهة على الأرض. غير أن الاتفاق في نقد الاختزال الحركي لا يعني الاتفاق في البديل؛ فالصلاة التي تكشفها الشبكة القرآنية ليست مجرد شعور روحي، وإنما صلة مأمور بإقامتها، مرتبطة بالذكر والزمن، ومطالبة بإنتاج أثر في حياة الإنسان.


كما كشف البحث أن ثبوت الصلاة لا يعني ثبوت الهيئة الحركية التي نسبت إليها تاريخيًا. فالركعة بتسلسل القيام والركوع والاعتدال والسجود والجلوس، وأعداد الركعات المخصصة للصلوات، لا تنتجها العلاقات النصية التي تتبعناها في القرآن. وهذه النتيجة لا تحسم تاريخ نشأة تلك الهيئة ولا حجية المصادر التي تنسبها إلى الرسول، لكنها تجعل مصدر إلزامها الديني سؤالًا مستقلًا يحتاج إلى إثبات.


ولهذا فإن السؤال: لماذا يحتاج الله إلى ركوع الإنسان وسجوده؟ يبدأ من موضع غير الذي يضع فيه القرآن المسألة. فالله لا يحتاج إلى خضوع الإنسان ولا إلى استجابته ولا إلى ذكره ولا إلى عدله وإحسانه؛ الإنسان هو الذي يحتاج إلى المرجعية التي توجه حريته وتمنعها من أن تتحول إلى ظلم وفساد واعتداء. ومن هنا لا تقاس قيمة الصلاة بما تضيفه إلى الله، وإنما بما تبنيه في الإنسان وما تنتجه في علاقاته.


وبذلك ينتقل البحث من صورة الجسد إلى بنية العلاقة: من الصلاة بوصفها هيئة موروثة إلى الصلاة بوصفها صلة، ومن الركوع بوصفه انحناءً إلى الخضوع، ومن السجود بوصفه حركة إلى الاستجابة والقبول، ومن العبادة بوصفها طقسًا معزولًا إلى حياة تنتظم فيها علاقة الإنسان بالله وعلاقته بالناس داخل مرجعية واحدة.


وهنا تتجاوز المسألة التقابل بين «عبادة الجسد» و«عبادة الروح». فالإنسان في القرآن ليس روحًا منفصلة عن جسده، وقد تظهر استجابته خرورًا وبكاءً وخشوعًا، لكن الجسد لا يصبح بذلك تعريفًا للصلاة. القضية هي إنسان يقيم صلته بربه، ويعود إلى ذكره، ثم يخرج إلى الحياة ليبرهن في صلته بالآخرين على ما أحدثته تلك المرجعية فيه.


ومن ثم فإن السؤال القرآني الأعمق لا يعود: كيف تحرك جسدك وأنت تصلي؟ بل: إلى أي مرجعية أعادتك صلاتك، وماذا صنعت بك حين عدت إلى الناس؟



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق