حين تنسب مدريد إلى نفسها نجاح مكافحة الهجرة،
وتتنصل أوروبا من مسؤوليتها التاريخية والأخلاقية تجاه إفريقيا
تمهيد: إسبانيا تطلب الاعتراف وتتجاهل من صنع النتيجة
دعا وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي مارلاسكا، دول الاتحاد الأوروبي إلى إبداء مزيد من التضامن العملياتي والمالي والسياسي مع إسبانيا في مواجهة أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة منذ 30 يوليوز. وأكد أمام نظرائه الأوروبيين أن أي مهاجر ممن دخلوا المدينة لم يتمكن من مواصلة طريقه إلى دولة أخرى في الاتحاد، وأن الأزمة كان لها «تأثير منعدم» على بقية أوروبا بفضل نظام المراقبة المزدوجة والإجراءات التي اتخذتها حكومته.
ولم يكتف الوزير بالدفاع عن إدارة أزمة سبتة، بل قدم انخفاض الهجرة غير النظامية نحو إسبانيا بنسبة 46 في المائة، وبنسبة 74 في المائة عبر مسار جزر الكناري، بوصفه دليلًا على نجاح السياسة الإسبانية في الوقاية ومراقبة الحدود. ثم طالب الاتحاد الأوروبي بمكافأة هذا النجاح من خلال مزيد من التمويل والدعم والتضامن. غير أن في هذه الرواية طرفًا غائبًا يكاد يكون هو الذي صنع الجزء الأكبر من النتيجة التي تفاخر بها مدريد: المغرب.../...
فإسبانيا تستطيع مراقبة من وصل إلى سبتة، ومنع انتقاله إلى شبه الجزيرة، وتسجيله أو إعادته أو البت في طلب لجوئه. لكنها لا تستطيع، من داخل أراضيها، منع القوارب من مغادرة السواحل الإفريقية، ولا تفكيك شبكات التهريب داخل المغرب، ولا منع تجمع المرشحين للهجرة في الفنيدق والناظور، ولا اعتراضهم قبل أن يبلغوا السياج أو يدخلوا المياه الخاضعة لسيطرتها.
الانخفاض الذي أعلن عنه مارلاسكا لم تصنعه الحواجز الإسبانية وحدها، بل صنعته أيضًا قوات الأمن المغربية التي راقبت السواحل والمسالك البرية، وفككت الشبكات، وأحبطت عشرات الآلاف من المحاولات، وتحملت الاحتكاك المباشر مع الراغبين في العبور. وقد اعترفت وزارة الداخلية الإسبانية نفسها، عند اندلاع أزمة يوليوز، بما وصفته بـ«التعاون المثالي» مع المغرب، وشكرت قواته على منع آلاف المحاولات خلال الأيام السابقة للأزمة.
ومع ذلك، عندما وقف الوزير أمام نظرائه الأوروبيين لتوزيع الفضل وطلب التمويل، اختفى المغرب تقريبًا من الصورة. تحولت النتيجة المشتركة إلى إنجاز إسباني، وتحول الجهد المغربي إلى تفصيل صامت لا يستحق الذكر، بينما احتفظت مدريد لنفسها بدور حارس أوروبا الذي ينبغي مكافأته ماليًا وسياسيًا.
وهذا ليس مجرد إغفال بروتوكولي، بل يعكس بنية غير متوازنة في العلاقة. فالمغرب يتحمل الكلفة البشرية والأمنية داخل أراضيه، وإسبانيا تحصد الاعتراف والفضل داخل مؤسسات الاتحاد. المغرب يمنع التدفقات قبل وصولها، ومدريد تقدم انخفاضها دليلًا على كفاءة حكومتها. وحين تقع الأزمة، يُتهم المغرب بالتقصير أو بتوظيف الهجرة؛ وحين تنخفض الأعداد، يصبح النجاح إسبانيًا وأوروبيً، وهذا لعمري قمة النفاق.
إنه شكل واضح من نكران الجميل السياسي: الحاجة إلى المغرب قائمة في الميدان، لكن الاعتراف بدوره يغيب عندما يحين وقت توزيع المكاسب.
المغرب بلد إقامة لا مركز احتجاز لحساب أوروبا
تتعامل بعض الخطابات الإسبانية والأوروبية مع المغرب كما لو أن وظيفته الطبيعية هي منع الأفارقة من الاقتراب من أوروبا. ويُطلب منه أن يراقب سواحله وحدوده، ويفكك شبكات التهريب، ويمنع التجمعات، ويعترض القوارب، ثم يستعيد من يصلون إلى سبتة ومليلية، حتى عندما يكونون مواطني دول إفريقية أخرى.
لكن المغرب ليس مركز احتجاز خارجيًا تابعًا للاتحاد الأوروبي. فقد انتقل خلال السنوات الأخيرة من بلد عبور إلى بلد إقامة واستقرار، وأطلق حملتين لتسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين، ومنح عشرات الآلاف من الأفارقة بطاقات إقامة، وأتاح لهم الاستفادة من التعليم والصحة وفرص الاندماج الاقتصادي والاجتماعي.
وهؤلاء ليسوا محتجزين في مخيمات مغلقة، ولا يجوز التعامل معهم جميعًا بوصفهم مهاجرين محتملين إلى أوروبا. إنهم مقيمون يتحركون داخل المغرب، ويعملون ويدرس أبناؤهم ويعيشون في مدنه. ولا يمكن مطالبة الدولة بأن تضع وراء كل واحد منهم شرطيًا لمراقبة نياته أو منعه من التوجه إلى شمال البلاد لمجرد احتمال أن يحاول الانتقال إلى أوروبا.
المغرب مسؤول عن ضبط الدخول إلى أراضيه، وعن قانونية الإقامة فيها، وعن حماية النظام العام ومكافحة الاتجار بالبشر ومنع العنف والاقتحام الجماعي. لكنه ليس مسؤولًا عن ضمان ألا يفكر أي أجنبي يقيم فوق ترابه في الهجرة إلى أوروبا، ولا عن تحويل قواته إلى حزام أمني دائم يحمي السيادة الإسبانية على مدينتين يعتبرهما ثغرين محتلين.
وقد عبر وزير العدل عبد اللطيف وهبي عن جوهر هذا التناقض حين تساءل عن جدوى أن يعمل المغرب على وقف الهجرة غير النظامية، بينما تمنح إسبانيا من يصل إليها الإقامة أو إمكان التسوية والاستقرار. فمدريد تطالب الرباط بمنع المهاجر قبل وصوله، لكنها تمنحه بعد وصوله حافزًا قانونيًا للبقاء. ولا يمكن للمغرب أن يعالج وحده، في الضفة الجنوبية، قوة الجذب التي تنتجها القوانين والفرص الاقتصادية والاجتماعية في الضفة الشمالية.
لا يعني ذلك أن يفتح المغرب الحدود أو يسمح بالاقتحامات الجماعية؛ فمكافحة الهجرة الخطرة والاتجار بالبشر مصلحة مغربية قبل أن تكون خدمة لإسبانيا. لكنه يعني أن التعاون لا يجوز أن يتحول إلى التزام مجاني ومفتوح، يحمل المغرب بموجبه مسؤولية كل إفريقي دخل أراضيه، ومسؤولية منعه من المغادرة، ومسؤولية استعادته بعد وصوله، بينما تنفرد إسبانيا بإعلان النجاح وتحصيل التمويل الأوروبي.
أوروبا أمام مرآة تاريخها الإفريقي
لا يمكن مناقشة الهجرة الإفريقية كما لو أنها حركة بشرية نشأت من فراغ، أو كأن أوروبا تقف خارج الأسباب التي تدفع ملايين الأفارقة إلى مغادرة أوطانهم. فالقارة التي تطالب اليوم إفريقيا بمنع أبنائها من الوصول إلى حدودها هي نفسها التي احتلت أجزاء واسعة منها، ورسمت حدود دولها وفق مصالح القوى الاستعمارية، واستولت على مواردها، ونهبت خيراتها، وقتلت مواطنيها، وأخضعت اقتصاداتها لخدمة المراكز الأوروبية.
ولا يعني هذا أن الاستعمار يفسر وحده كل أزمات إفريقيا المعاصرة، أو أن الحكومات والنخب الإفريقية لا تتحمل مسؤولية الفساد وسوء التدبير والحروب الداخلية. لكنه يعني أن أوروبا لا تستطيع محو قرون من الاستغلال ثم التعامل مع نتائجها البشرية باعتبارها مشكلة أمنية إفريقية خالصة.
لقد غادرت الجيوش الاستعمارية، لكن كثيرًا من العلاقات غير المتوازنة بقي قائمًا: تصدير المواد الأولية بثمن منخفض، واستيراد المنتجات المصنعة بثمن مرتفع، واستنزاف الكفاءات، ودعم أنظمة تخدم المصالح الخارجية، وإغراق الدول بالديون، وإقامة حواجز تجارية أمام منتجاتها، ثم استقطاب الأطباء والمهندسين والمتخصصين الذين أنفقت المجتمعات الإفريقية مواردها المحدودة على تكوينهم.
تستفيد أوروبا من الموارد الإفريقية حين تحتاج إليها، ومن اليد العاملة الإفريقية حين يعاني اقتصادها الشيخوخة والنقص في العمال، لكنها تعيد تعريف الإفريقي بوصفه «خطرًا» عندما يصل من دون أن تكون هي قد اختارته وفق حاجات سوقها.
وهنا تكمن المفارقة الأخلاقية: أوروبا تريد المعادن والطاقة والأسواق والكفاءات الإفريقية، لكنها لا تريد تحمل النتائج الاجتماعية والإنسانية للنظام الذي ساهم في إنتاج الفقر وعدم الاستقرار والهجرة. تريد من دول العبور، وفي مقدمتها المغرب، أن تتولى وظيفة المنع، حتى تبقى الفوائد متجهة شمالًا ويبقى البشر محصورين جنوبًا.
لذلك لا يتعلق التضامن الحقيقي بإرسال الأموال لبناء الأسوار أو تمويل الدوريات وحدها. التضامن يبدأ بإعادة النظر في العلاقات الاقتصادية غير المتكافئة، ودعم التنمية المنتجة، وفتح مسارات قانونية للهجرة، وتشجيع الاستثمار الذي يخلق العمل داخل إفريقيا، وإعادة جزء من القيمة التي تستخرجها الشركات الأجنبية من موارد القارة إلى مجتمعاتها.
أما أن تطلب إسبانيا من أوروبا مزيدًا من المال لأنها تحمي حدودها، وأن تطلب أوروبا من المغرب حماية حدودها السابقة، ثم يتجاهل الطرفان الجهد المغربي والمسؤولية التاريخية الأوروبية، فذلك لا يشكل سياسة عادلة للهجرة، بل نقلًا متدرجًا للمسؤولية من الشمال الذي يستفيد إلى الجنوب الذي يدفع الثمن.
وإذا كانت مدريد تريد الاعتراف بدورها في حماية أوروبا، فعليها أولًا أن تعترف بمن يحميها قبل أن يصل الخطر إلى أسوارها. وإذا كان الاتحاد الأوروبي يريد من المغرب أن يظل شريكًا موثوقًا، فعليه ألا يعامله حارسًا صامتًا، بل دولةً ذات سيادة تتحمل أعباءً حقيقية وتستحق شراكة عادلة واعترافًا صريحًا.
فالسؤال لم يعد فقط: من يمنع المهاجرين من الوصول إلى أوروبا؟
السؤال الأصدق هو: من صنع الظروف التي دفعتهم إلى الرحيل، ومن تحمل كلفة منعهم، ومن استولى في النهاية على فضل النتيجة؟
سبتة ومليلية: أوروبيتان عند طلب الحماية، ومعزولتان عند تحمل المسؤولية
تكشف أزمة الهجرة تناقضًا آخر في الخطاب الإسباني يتعلق بالوضع الذي تريد مدريد تكريسه لسبتة ومليلية. فهي تصر على تقديم المدينتين بوصفهما جزءًا نهائيًا من التراب الإسباني وحدودًا خارجية للاتحاد الأوروبي، وتطالب الدول الأعضاء بالتعامل مع أي محاولة لعبورهما باعتبارها مساسًا بأمن أوروبا كلها. لكنها تحتفظ، في المقابل، بنظام مراقبة خاص يفصل المدينتين عن شبه الجزيرة، ويمنع من دخل إليهما من الانتقال بحرية إلى بقية التراب الإسباني وفضاء شنغن.
وبذلك يصبح المهاجر داخل أوروبا عندما تحتاج مدريد إلى التضامن والتمويل والحماية السياسية، لكنه يبقى خارج أوروبا الفعلية عندما يتعلق الأمر بحرية انتقاله وتحمل نتائج وصوله.
لقد تفاخر مارلاسكا بأن أي مهاجر دخل سبتة خلال الأزمة الأخيرة لم يتمكن من مواصلة طريقه إلى دولة أوروبية أخرى، وأن تأثير الأزمة على الاتحاد كان «منعدمًا». غير أن هذا القول يطرح سؤالًا بسيطًا: إذا كانت سبتة جزءًا كاملًا من المجال الإسباني والأوروبي، فكيف يكون دخول عشرات الآلاف إليها بلا تأثير على أوروبا؟
الجواب أن إسبانيا تعامل المدينة بوصفها منطقة عازلة. فهي أوروبية من جهة السيادة، لكنها منفصلة وظيفيًا عن المجال الأوروبي الداخلي. وتسمح هذه الازدواجية لمدريد بأن تجمع بين ميزتين متعارضتين: المطالبة بحماية الاتحاد باعتبار سبتة حدًا أوروبيًا، والاحتفاظ بحاجز ثانٍ يمنع نتائج الأزمة من الانتقال إلى شبه الجزيرة.
ولو كان المقصود فعلًا إدماج سبتة ومليلية إدماجًا كاملًا في فضاء شنغن، لوجب إلغاء هذا الاستثناء، والتعامل مع دخول المهاجرين باعتباره دخولًا كامل الآثار إلى المجال الأوروبي الحر. وعندها ستصبح الحدود المحيطة بهما نقطة الدخول الوحيدة، وستتحمل إسبانيا والاتحاد بصورة مباشرة مسؤوليات التسجيل واللجوء والاستقبال وتوزيع الوافدين.
لكن مدريد لا تبدو راغبة في رفع الحاجز الداخلي بقدر رغبتها في توسيع الحماية الخارجية. إنها تريد أوربة السيادة والأمن والتمويل، مع إبقاء المسؤولية الإنسانية محصورة في المدينتين و منقولة إلى المغرب.
وتخدم هذه السياسة غاية أبعد من الهجرة. فكلما ازداد حضور الاتحاد و «فرونتكس» والتمويل الأوروبي في المدينتين، أصبحت السيادة الإسبانية عليهما أكثر التصاقًا بالبنية المؤسسية الأوروبية. وعندئذ لا يعود الاعتراض المغربي موجهًا، في الظاهر، إلى إسبانيا وحدها، بل إلى ما تصفه مدريد بأنه حدود مشتركة لسبع وعشرين دولة.
وهكذا تتحول الهجرة إلى أداة لإعادة بناء وضع المدينتين: تبدأ الأزمة بتدفق بشري، ثم تتحول إلى مسألة أمن أوروبي، وتنتهي بمزيد من الإدماج المؤسسي الذي تستعمله إسبانيا لتثبيت سيادتها.
من التعاون إلى الاستحواذ على النتيجة
ليس الخلاف، إذن، حول ضرورة التعاون المغربي الإسباني في مكافحة الهجرة؛ فهذا التعاون تفرضه الجغرافيا وتحمي به الدولتان الأرواح والأمن والاستقرار. إنما يتعلق الخلاف بمن يحدد قواعده، ومن يتحمل تكاليفه، ومن يحصل على قيمته السياسية.
في النموذج القائم، يؤدي المغرب القسم الأكثر كلفة قبل الوصول: المراقبة داخل المدن والطرق، وتتبع شبكات الاتجار، وانتشار القوات في المناطق الحدودية، واعتراض محاولات السباحة والإبحار، وإعادة الموقوفين إلى مناطق أخرى، واستقبال من تعيدهم إسبانيا أو يعودون طوعًا.
أما مدريد فتتولى إدارة من نجحوا في العبور، ثم تقدم أمام الاتحاد الأوروبي انخفاض التدفقات أو احتواء الأزمة باعتباره دليلًا على فعالية سياستها. وبذلك تتحول وظيفة يؤديها البلدان إلى قيمة سياسية تحتكرها إسبانيا.
وهنا يظهر الفرق بين الوظيفة والقيمة. فالمغرب يؤدي وظيفة أمنية كبرى، لكن إسبانيا هي التي تحول هذه الوظيفة إلى دعم مالي، وحضور أوروبي، وشرعية سياسية، وتعزيز لموقعها داخل الاتحاد. وكلما بقي الجهد المغربي غير موثق أو غير معلن، ازدادت قدرة مدريد على الاستحواذ على قيمته.
ولذلك لا يكفي أن يعمل المغرب في صمت ثم ينتظر الاعتراف. فالعلاقات الدولية لا تكافئ دائمًا من يتحمل العبء، بل من يستطيع تحويل ما يفعله إلى أرقام وحجج واتفاقات ومطالب واضحة.
يتعين على الرباط أن تنشر بصورة دورية عدد المحاولات التي أحبطتها، وتوزيعها بحسب المسارات والجنسيات، وعدد شبكات الاتجار التي فككتها، وحجم القوات والموارد التي سخرتها، وعدد عمليات الإنقاذ في البحر، والتكلفة المالية والاجتماعية المترتبة على هذه السياسة. فحين تصبح المساهمة المغربية مرئية وقابلة للقياس، لن تستطيع مدريد تقديم النجاح بوصفه ثمرة إسبانية خالصة.
هل يحمي المغرب أوروبا أم يحمي نفسه؟
قد يقال إن المغرب لا يقدم خدمة مجانية لأوروبا، لأن مكافحة الهجرة غير النظامية تحمي أمنه هو أيضًا. وهذا صحيح جزئيًا؛ فشبكات تهريب البشر ترتبط أحيانًا بالجريمة المنظمة وتزوير الوثائق والاتجار والاستغلال، كما أن التجمعات العشوائية قرب الحدود تعرض المهاجرين والسكان والأمن للخطر. ولذلك فإن تفكيكها مصلحة وطنية مغربية.
لكن وجود مصلحة مغربية لا يلغي وجود منفعة أوروبية أكبر. فحين يمنع المغرب قاربًا من الانطلاق، يكون قد حمى أرواح ركابه وحمى نظامه العام، لكنه يكون قد وفر على إسبانيا أيضًا كلفة الإنقاذ والاستقبال والتحقيق واللجوء والإعادة. وحين يفكك شبكة تنقل المهاجرين نحو الشمال، فإنه يحارب الجريمة داخل بلاده، لكنه يمنع في الوقت نفسه وصول مئات الأشخاص إلى الحدود الأوروبية.
إن الوظيفة الواحدة قد تنتج منافع متعددة لأطراف مختلفة. والعدل لا يقتضي إنكار مصلحة المغرب في مكافحة الهجرة، بل يقتضي ألا تستعمل أوروبا هذه المصلحة ذريعة للحصول على خدمة استراتيجية بثمن سياسي ومالي منخفض.
فالمغرب لا يطلب أجرًا عن حماية أراضيه، لكنه يملك الحق في المطالبة بتقاسم كلفة الوظائف الإضافية التي يؤديها لصالح الأمن الأوروبي، وفي رفض تحويلها إلى التزام دائم لا يقابله اعتراف أو دعم أو احترام لمصالحه السيادية.
الشراكة لا تعني التبعية الأمنية
تحتاج الرباط إلى إعادة تعريف تعاونها مع مدريد والاتحاد الأوروبي على أساس الشراكة المتكافئة. فالشريك لا يُطلب منه تنفيذ السياسات التي يضعها الطرف الآخر، ثم يُلام عند الفشل ويُنسى عند النجاح.
والشراكة العادلة تقتضي أولًا اعترافًا سياسيًا صريحًا بأن انخفاض الهجرة نحو إسبانيا نتاج تعاون مع المغرب ودول إفريقية أخرى، لا نتيجة إجراءات إسبانية منفردة. كما تقتضي تقاسمًا واضحًا للتكاليف، ونقلًا للتكنولوجيا والتجهيز، ودعمًا لسياسات إدماج المهاجرين داخل المغرب، لا تمويلًا أمنيًا محصورًا في الأسوار والدوريات.
ذلك أن أوروبا تنفق بسخاء لمنع المهاجر من الوصول، لكنها تنفق أقل على جعله قادرًا على العيش الكريم في بلده أو في دولة إفريقية أخرى تستقبله. وبهذا تستمر في معالجة النتيجة بدل الأسباب: تمول الحاجز بعد أن يتحرك الإنسان، بدل أن تمول الفرصة التي تمنعه من الاضطرار إلى الحركة.
كما ينبغي ألا يتحول التمويل الأوروبي إلى وسيلة لشراء القرار المغربي أو إلزام الرباط باستقبال كل من عبر أراضيها، مهما كانت جنسيته ووضعه. فدولة العبور لا تتحول بمجرد العبور إلى دولة مسؤولة دائمًا عن الشخص، ولا يجوز أن تصبح الإعادة إلى المغرب حلًا تلقائيًا لكل مشكلة تواجهها إسبانيا.
المواطن المغربي مسؤولية دولته بعد إثبات هويته واحترام الإجراءات القانونية. أما المواطن السنغالي أو المالي أو الجزائري أو الغيني أو غيره، فلا يصبح مغربيًا لمجرد مروره بالمغرب، ولا يجوز تحميل الرباط مسؤولية إقامته الدائمة أو إعادته إلى بلده بدل الدولة الأوروبية التي دخل إليها.
من يدفع ثمن التاريخ الاستعماري؟
تطالب أوروبا دول إفريقيا اليوم بمنع مواطنيها من الهجرة، لكنها نادرًا ما تبدأ النقاش من السؤال الذي يسبق الحركة: لماذا يغادر هؤلاء أوطانهم؟
لا يمكن اختزال الجواب في الاستعمار وحده؛ فجزء من المسؤولية تتحمله أنظمة إفريقية فاسدة، ونخب أهدرت الموارد، وحروب داخلية، وضعف المؤسسات، وغياب العدالة الاجتماعية. لكن الاعتراف بهذه المسؤوليات المحلية لا يبرئ القوى الأوروبية من أثر تاريخ طويل في تشكيل الواقع الذي تعانيه القارة.
لقد رُسمت حدود كثيرة في إفريقيا من دون مراعاة تكويناتها البشرية، وربطت اقتصاداتها بتصدير المواد الأولية بدل بناء الصناعة، واستُنزفت مواردها لخدمة الأسواق الأوروبية. وبعد الاستقلال السياسي استمرت أشكال أخرى من التبعية عبر العقود غير المتوازنة، والديون، والضغط على السياسات العمومية، ودعم أنظمة تحفظ المصالح الخارجية ولو على حساب مجتمعاتها.
واليوم تستخرج شركات دولية النفط والغاز والمعادن والذهب واليورانيوم والمواد الزراعية من إفريقيا، بينما تعاني مناطق الإنتاج نفسها الفقر والبطالة وضعف المدارس والمستشفيات. وحين يتحرك الإنسان متتبعًا الثروة التي غادرت أرضه، تستقبله أوروبا بوصفه خطرًا أمنيًا.
وليست المسؤولية الأخلاقية دعوة إلى فتح الحدود بلا ضوابط، ولا إلى منح كل من يصل حق الإقامة الدائمة. إنها تعني أن أوروبا مطالبة بالمشاركة في معالجة الأسباب التي ساهم تاريخها الاستعماري وسياساتها الاقتصادية الابتزازية في إنتاجها، وألا تختزل علاقتها بإفريقيا في استخراج الموارد وتمويل أجهزة المنع.
فمن غير الأخلاقي أن تنتقل الثروات بحرية من الجنوب إلى الشمال، بينما يُطلب من البشر أن يبقوا خلف الأسوار في عالم يقال في الأدبيات الليبرالية أنه أصبح معولما يسمح بتنقل البضائع والأشخاص. ومن غير العادل أن تستقبل أوروبا الكفاءات الإفريقية التي تحتاج إليها، من أطباء ومهندسين وباحثين، ثم تصف بقية المهاجرين بأنهم عبء، مع أن المجتمعات الإفريقية هي التي تحملت كلفة تكوين تلك الكفاءات.
إن سياسة هجرة عادلة يجب أن تجمع بين فتح مسارات قانونية ومنظمة، والاستثمار المنتج في دول المنشأ، ومكافحة الفساد الذي يحول دون وصول التنمية إلى السكان، ودعم التعليم والصحة، وإعادة قدر أكبر من القيمة الاقتصادية إلى البلدان التي تستخرج منها الموارد.
ماذا ينبغي أن يطلب المغرب؟
لا ينبغي أن يكون الرد المغربي فتح الحدود أو تعليق التعاون؛ لأن ذلك يعرض الأرواح للخطر ويمنح إسبانيا ذريعة لتعزيز أوربة سبتة ومليلية واتهام المغرب بتسليح الهجرة. المطلوب هو الانتقال من التعاون الصامت إلى التعاون المشروط والموثق.
ويستطيع المغرب أن يطالب بما يلي:
o أولًا، تضمين البيانات الأوروبية والإسبانية اعترافًا واضحًا بالدور المغربي في خفض التدفقات، بدل الاكتفاء بعبارات عامة عن العمل في دول المنشأ والعبور.
o ثانيًا، إنشاء آلية مشتركة تنشر إحصاءات موحدة وتحدد مساهمة كل طرف، حتى لا تتحول الأرقام المشتركة إلى إنجاز وطني إسباني يتجاهل الجهد المغربي.
o ثالثًا، توجيه جزء أكبر من التمويل الأوروبي إلى إدماج المهاجرين المقيمين في المغرب وإلى تنمية مناطق الانطلاق في إفريقيا، لا إلى المعدات الأمنية وحدها.
o رابعًا، رفض الإعادة التلقائية لمواطني الدول الثالثة، وربط قبولهم بإثبات مرورهم واتفاقات قانونية واضحة وضمانات إنسانية وتمويل مناسب.
o خامسًا، عدم السماح بأن يستخدم التعاون في الهجرة سندًا لفرض الأمر الواقع في سبتة ومليلية أو لإلزام المغرب بالاعتراف بأنهما حدود أوروبية نهائية.
o سادسًا، مطالبة إسبانيا بالتشاور قبل أي تغيير يمس النظام الحدودي للمدينتين أو حضور «فرونتكس» فيهما، لأن نتائجه المباشرة تقع على الأراضي والمصالح المغربية.
o سابعًا، ربط الشراكة الأمنية بشراكة تنموية أوسع مع إفريقيا، تعالج أسباب الهجرة ولا تكتفي بإبعادها عن أنظار الأوروبيين.
خاتمة: من يحمي أوروبا يستحق الاعتراف لا الاتهام
أراد مارلاسكا أن يقنع الاتحاد الأوروبي بأن إسبانيا نجحت في حماية بقية دوله من آثار أزمة سبتة، وأنها تستحق لذلك مزيدًا من التضامن والتمويل. لكنه ترك خارج روايته الدولة التي تتحمل العبء الأكبر قبل وصول المهاجر إلى السياج أو البحر.
ولا يمكن لإسبانيا أن تطلب الاعتراف الأوروبي بجهدها، ثم تحجب الاعتراف نفسه عن المغرب. كما لا تستطيع أوروبا مطالبة الرباط بحماية حدودها، ثم تجاهل الكلفة التي يدفعها المغرب أو التعامل معه بوصفه مجرد حاجز جغرافي بين إفريقيا والضفة الشمالية.
لقد قدم المغرب نموذجًا مختلفًا حين سوّى أوضاع عشرات الآلاف من الأفارقة وتعامل معهم بوصفهم مقيمين قابلين للاندماج، لا خطرًا ينبغي دفعه إلى بلد آخر. لكنه لا يستطيع وحده أن يحمل أعباء قارة كاملة، ولا أن يعالج نتائج الفقر والحروب والاستغلال التاريخي، ثم يؤدي فوق ذلك وظيفة الحارس الدائم للحدود الأوروبية.
المطلوب ليس أن تتخلى الرباط عن التعاون، بل أن تستعيد قيمته السياسية. وليس أن تفتح الطريق أمام الهجرة الخطرة، بل أن ترفض تحويل أراضيها إلى منطقة احتجاز خارجية. وليس أن تنكر مسؤوليتها عن أمنها، بل أن تضع حدًا لمحاولة تحميلها مسؤولية أمن إسبانيا وأوروبا والمهاجرين ودولهم الأصلية في وقت واحد.
إن الأمن الأوروبي لا يبدأ عند سياج سبتة ولا عند شواطئ الكناري، بل يبدأ في القرى والمدن الإفريقية التي يغادرها الشباب، وفي الاقتصادات التي لا توفر لهم فرصة، وفي العلاقات الدولية التي تنقل الموارد ولا تعيد التنمية.
وحين تعترف أوروبا بهذه الحقيقة، ستدرك أن المغرب ليس حارسًا يقف عند بوابتها، بل شريكًا يقف في مركز معادلة إفريقية أوروبية لا يمكن حلها بالأسوار وحدها.
أما استمرار مدريد في نسبة النجاح إلى نفسها، وتحميل المغرب مسؤولية الفشل، ومطالبة أوروبا بدفع الثمن، فليس تعاونًا متوازنًا، بل معادلة تقوم على استعمال الجهد المغربي ثم إنكاره.
وهذا هو التناقض الذي ينبغي كشفه: إسبانيا تريد المغرب حين يمنع المهاجرين، وتنساه حين توزع الفضل، وتتهمه حين يعبرون، وتطالبه باستعادتهم حين يصلون. أما أوروبا فتطلب من إفريقيا أن تحميها من نتائج تاريخ ساهمت هي نفسها في صنعه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق