فيليبي السادس في سبتة ومليلية: معركة السيادة تدخل طورا جديدا

 

حين تحاول مدريد تحويل المدينتين

إلى جزء غير قابل للنقاش من السيادة الإسبانية والهوية الأوروبية


لم يكن اختيار الثالث عشر والرابع عشر من أكتوبر موعدًا لزيارة الملك فيليبي السادس والملكة ليتيزيا إلى سبتة ومليلية تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا. فالزيارة تأتي مباشرة بعد احتفال إسبانيا بعيدها الوطني في الثاني عشر من أكتوبر، بما يجعل انتقال العاهل الإسباني إلى المدينتين امتدادًا رمزيًا لذلك الاحتفال، ورسالةً تربطهما بوحدة الدولة الإسبانية وتضعهما في قلب سرديتها الوطنية.


وهي أول زيارة يقوم بها فيليبي السادس إلى المدينتين منذ اعتلائه العرش سنة 2014، وأول زيارة لملك إسباني منذ أن زارهما خوان كارلوس والملكة صوفيا سنة 2007. وقد أثارت الزيارة السابقة أزمة دبلوماسية حادة مع المغرب، الذي أدانها واستدعى سفيره في مدريد للتشاور، لأنها مست إحدى أكثر القضايا التاريخية حساسية في العلاقات بين البلدين.../...


غير أن زيارة 2026 لا تجري في السياق نفسه، ولا تحمل الدلالات ذاتها فحسب. ففي سنة 2007 كان الفعل الإسباني أقرب إلى تأكيد تقليدي للسيادة، وكان الرد المغربي احتجاجًا دبلوماسيًا مباشرًا على زيارة اعتبرها استفزازية. أما اليوم، فتأتي الزيارة بعد أزمة هجرة غير مسبوقة شهدتها سبتة، وبعد تحرك إسباني واسع لنقل قضية المدينتين من مستواها الثنائي مع المغرب إلى مستوى أوروبي ودولي أوسع.


لقد بدأت مدريد هذا التحرك من بروكسل، حين وضع وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس سبتة ومليلية في قلب النقاش الأوروبي، وطالب بالتعامل مع حدودهما باعتبارها الحدود البرية الجنوبية للاتحاد الأوروبي، المستحقة للتضامن والحماية نفسيهما اللذين تحظى بهما الحدود الشرقية. ولم يقتصر الأمر على خطاب سياسي ظرفي، بل أطلقت الحكومة الإسبانية خطة تهدف، بحسب تعبيرها الرسمي، إلى «ترسيخ سبتة ومليلية نهائيًا في أوروبا»، من خلال توسيع حضورهما داخل المؤسسات الأوروبية، وتعزيز وجود الوكالات الأوروبية فيهما، والعمل على إدماجهما في الاتحاد الجمركي.


ثم جاءت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لتعلن أمام البرلمان الأوروبي أن «حدود سبتة حدود أوروبية»، وأن «سبتة إسبانيا وسبتة أوروبا»، محولة بذلك الأزمة من واقعة هجرة عند الحدود المغربية الإسبانية إلى مسألة تتعلق بحماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. وفي السياق نفسه، نقل بيدرو سانشيز أزمة سبتة إلى منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث قدم المدينة صراحة بوصفها مدينة إسبانية تواجه أزمة هجرة غذتها اللامساواة واليأس والتضليل، من دون أن يطرح النزاع السيادي نفسه للنقاش.


وفي أثناء الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إسبانيا مؤخرا، اكتسبت الرواية الإسبانية دعمًا سياسيًا إضافيًا. فقد تحدث الملك فيليبي السادس عن حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي بوصفها مسؤولية مشتركة، بينما وصف ماكرون ما وقع في سبتة بأنه «هجوم خارجي» استُعملت فيه معاناة المهاجرين، من غير أن يسمي المغرب أو يتهمه مباشرة. وبذلك انتقلت مدريد تدريجيًا من وصف ما جرى بأنه أزمة هجرة إلى تقديمه باعتباره ضغطًا خارجيًا على دولة عضو في الاتحاد الأوروبي.


وقد جاء الإعلان عن الزيارة الملكية بعد اكتمال هذه الحلقات تقريبًا. ولذلك لا يمكن فصلها عما سبقها، أو النظر إليها باعتبارها مجرد جولة ملكية داخل أراض تديرها إسبانيا. إنها الحلقة الرمزية الأبرز في استراتيجية متدرجة: تبدأ بتحويل أزمة الهجرة إلى قضية أمن أوروبي، ثم تعمل على إدماج سبتة ومليلية مؤسسيًا داخل الاتحاد، وتحشد لهما التضامن الدولي، قبل أن ينتقل رأس الدولة الإسبانية إليهما لتجسيد السيادة بالحضور الملكي.


لا تحاول مدريد، إذن، تأكيد سيادتها على المدينتين بالطريقة القديمة فقط، بل تسعى إلى تغيير طبيعة السؤال المطروح حولهما. فبدل أن يبقى السؤال: لمن تعود السيادة على سبتة ومليلية؟ تريد إسبانيا أن يصبح السؤال: كيف يحمي الاتحاد الأوروبي حدوده الجنوبية في سبتة ومليلية؟


وهنا تكمن الخطورة الحقيقية للزيارة. فحين تُعرَّف المدينتان باعتبارهما حدودًا أوروبية قبل أن يُناقش أصلهما التاريخي ووضعهما الاستعماري، تنتقل القضية من نزاع سيادة بين المغرب وإسبانيا إلى مواجهة غير متكافئة بين مطالبة مغربية وإجماع أوروبي تعمل مدريد على بنائه تدريجيًا. وعندما يصل الملك الإسباني إلى المدينتين بعد العيد الوطني، فإنه لا يكتفي بتأكيد انتمائهما إلى إسبانيا، بل يحاول تكريس انتمائهما إلى أوروبا أيضًا.


لهذا تبدو زيارة فيليبي السادس أبعد من مناسبة بروتوكولية، وأخطر من استفزاز دبلوماسي مؤقت. إنها إعلان بأن معركة السيادة دخلت طورًا جديدًا: طور لا تدافع فيه إسبانيا عن وجودها في المدينتين من داخل حدودها الوطنية وحدها، بل تحاول أن تجعل الاتحاد الأوروبي كله شريكًا في حمايته، وأن تحول الأمر الواقع الذي صنعه التاريخ والقوة إلى واقع أوروبي محصن بالمؤسسات والمصالح والتضامن السياسي.



الزيارة الملكية حين تتحول الرمزية إلى فعل سيادي


لا يستمد انتقال فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية أهميته من الصلاحيات التنفيذية التي يمارسها الملك الإسباني، فإسبانيا ملكية برلمانية تتولى فيها الحكومة رسم السياسة الداخلية والخارجية، بينما يمثل الملك الدولة ويجسد وحدتها واستمرارها. غير أن محدودية سلطته التنفيذية لا تعني محدودية أثره الرمزي، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالسيادة ووحدة التراب الوطني.


فالملك، في مثل هذه القضايا، لا يتحدث باسم حزب أو حكومة مؤقتة، بل يظهر باعتباره رمزًا للدولة في امتدادها التاريخي. والحكومات تتغير، والأغلبيات تتبدل، أما حضور الملك فيُقدَّم بوصفه تعبيرًا عن استمرارية السيادة فوق التحولات الحزبية والانتخابية. لذلك تحمل زيارة رئيس الحكومة إلى المدينتين دلالة سياسية قابلة للنقاش، بينما تحمل زيارة الملك دلالة دولتيّة يراد لها أن تبدو نهائية وغير خاضعة للتداول.


ومن هنا لا ينبغي تفسير عدم مرافقة بيدرو سانشيز للعاهل الإسباني باعتباره محاولة من الحكومة للابتعاد عن الزيارة أو ترك تبعاتها للقصر. فالزيارة أُعلن عنها بالتنسيق بين رئاسة الحكومة والقصر الملكي، ويرافق الملكَ فيها عضو من الحكومة وفق الأعراف الدستورية الإسبانية، ما يجعلها فعلًا رسميا صادرًا عن الدولة بمؤسساتها، لا مبادرة شخصية للقصر. الملك يمنحها قوة الرمز، والحكومة تتحمل مسؤوليتها السياسية، فيما تتولى المؤسسات الأوروبية توفير الغطاء الخارجي لها.


ويكشف ذلك توزيعًا دقيقًا للأدوار. فقد تكفل وزير الخارجية بنقل الملف إلى بروكسل وحشد الدعم الأوروبي، وتولى سانشيز إدخاله إلى خطابه أمام الأمم المتحدة، ومنحت فون دير لاين الأزمة بعدها الأوروبي، ثم جاءت فرنسا لتؤكد، في موقف لافت، أن ما وقع يمثل ضغطًا خارجيًا على حدود الاتحاد. وبعد أن بُني الإطار السياسي والدبلوماسي، يأتي دور الملك ليحوّل هذا البناء النظري إلى مشهد سيادي مرئي: رأس الدولة الإسبانية يقف داخل المدينتين، يستقبله ممثلو المؤسسات المحلية، وتحيط به رموز السيادة والجيش والأمن والإدارة.


ولا تحتاج إسبانيا إلى إصدار بيان تقول فيه إن الزيارة موجهة إلى المغرب؛ فالصورة نفسها تؤدي الوظيفة. إنها تقول إن سبتة ومليلية ليستا مجرد مدينتين تديرهما إسبانيا عند الضفة الإفريقية، بل جزء من المجال الذي يمثله الملك ويحضر فيه باسم الدولة. وحين تأتي الزيارة غداة العيد الوطني، تصبح الرسالة أكثر وضوحًا: الاحتفال بوحدة إسبانيا لا ينتهي في شبه الجزيرة الإيبيرية، بل يمتد إلى الضفة الجنوبية للبحر المتوسط داخل الأراضي الإفريقية.


كما أن انتقال الملك والملكة معًا يضيف إلى الزيارة بعدًا آخر. فالمقصود ليس إظهار السلطة الصلبة وحدها، بل تقديم الوجود الإسباني في المدينتين باعتباره حياة وطنية طبيعية ومكتملة: ملك وملكة، مؤسسات محلية، سكان، احتفالات واستقبالات شعبية. إنها محاولة لإخراج المدينتين من صورة الثغرين العسكريين المتنازع عليهما وإدخالهما في صورة مدينتين إسبانيتين عاديتين تزورهما الأسرة الملكية كما تزور بقية الأقاليم.


وهذا الاستخدام للقوة الرمزية ليس أقل أثرًا من القرارات القانونية. فالسيادة لا تُثبَّت بالقوات والإدارة فقط، بل تُثبَّت أيضًا بصناعة الاعتياد. وكل زيارة رسمية رفيعة، وكل خطاب يدرج المدينتين ضمن الحدود الأوروبية، وكل مؤسسة أوروبية تفتح لهما موقعًا داخل بنيتها، تسهم في تحويل الأمر الواقع إلى وضع يبدو طبيعيًا في الوعي الإسباني والأوروبي والدولي.


لكن هذا الحرص الإسباني على تأكيد السيادة يكشف، في الوقت نفسه، أن المسألة ليست محسومة بالقدر الذي تريد مدريد إظهاره. فالدول لا تحشد الملك والحكومة والدبلوماسية والمؤسسات الأوروبية لتأكيد ما لا يثير لديها أي قلق. وكلما ازدادت إسبانيا إصرارًا على وصف المدينتين بأنهما جزء لا يتجزأ من ترابها الوطني ومن حدود الاتحاد الأوروبي، دل ذلك على إدراكها أن موقعهما الجغرافي وتاريخهما واستمرار المطالبة المغربية بهما يمنعان السيادة الإسبانية من التحول إلى حقيقة خالية من النزاع.


ولذلك تحمل الزيارة مفارقة واضحة: إنها تريد إغلاق ملف السيادة، لكنها تعيد فتحه؛ وتسعى إلى جعل المدينتين جزءًا طبيعيًا من إسبانيا، لكنها تلفت أنظار العالم من جديد إلى وضعهما الاستثنائي جنوب المتوسط. ففي اللحظة التي يحتاج فيها الملك الإسباني إلى الانتقال إليهما لتأكيد إسبانيتهما، يعود السؤال الذي تحاول مدريد تجاوزه: لماذا تحتاج سيادة يُقال إنها نهائية إلى كل هذا الاستعراض السياسي والدبلوماسي والرمزي؟



من أزمة الهجرة إلى «هجوم خارجي»


لم يكن أخطر ما حدث في سبتة خلال أزمة الهجرة هو عدد الوافدين أو الطريقة التي تمكنوا بها من عبور الحدود، بل التحول الذي طرأ على توصيف الحدث. فقد بدأت الأزمة بوصفها تدفقًا جماعيًا لمهاجرين غير نظاميين، ثم انتقلت تدريجيًا في الخطاب الإسباني والأوروبي إلى فعل منظم استُعمل فيه البشر أداةً للضغط السياسي، قبل أن يصفها إيمانويل ماكرون بأنها «هجوم خارجي».


والفرق بين التوصيفين جوهري. فأزمة الهجرة تُعالَج بالتعاون الحدودي والاتفاقيات الثنائية وسياسات الاستقبال والإعادة والتنمية. أما «الهجوم الخارجي» فينقل الواقعة من مجال الهجرة إلى مجال الأمن والسيادة وتكتيكات الحرب الهجينة، ويحوّل الدولة التي يأتي منها المهاجرون، ولو لم تُذكر بالاسم، من شريك مطلوب في تدبير الحدود إلى مصدر محتمل للتهديد.


لقد تجنب المسؤولون الإسبان والفرنسيون توجيه اتهام رسمي مباشر إلى المغرب، ولم يقدموا دليلًا علنيًا قاطعًا على أن الرباط نظمت عملية العبور أو وجهتها. غير أن بناء الخطاب لم يكن يحتاج إلى تسمية المغرب صراحة. فالجغرافيا تحدد الجهة التي جاء منها المهاجرون، والحديث عن هجوم خارجي منظم يجعل الإشارة مفهومة حتى عندما يُحذف الاسم من التصريح.


ويتيح هذا الغموض لمدريد الجمع بين مسارين متناقضين ظاهريًا. فهي تحافظ، من جهة، على تعاونها الاستراتيجي مع المغرب في ملفات الهجرة والأمن والتجارة ومكافحة الإرهاب، وتتجنب اتهامًا رسميًا قد يفجر أزمة دبلوماسية مفتوحة. لكنها تعمل، من جهة أخرى، على ترسيخ تصور أوروبي يرى أن حدود سبتة معرضة لضغط خارجي، وأن حمايتها لا ينبغي أن تبقى شأنًا إسبانيًا أو موضوعًا للتعاون الثنائي مع الرباط.


ومن هنا نفهم لماذا حرص الخطاب الأوروبي على استعمال مفهوم «تسليح الهجرة». فهذا المفهوم لا يرى المهاجرين أفرادًا يبحثون عن فرصة للعبور فقط، بل ينظر إليهم باعتبارهم أداة يمكن لدولة أو جهة خارجية استخدامها لزعزعة استقرار دولة أخرى أو انتزاع تنازلات منها. وبمجرد اعتماد هذا التصور، يصبح تعزيز وجود «فرونتكس»، ورفع التمويل الأوروبي، وتطوير أنظمة المراقبة، وتشديد الحماية القانونية والسياسية للحدود نتائج تبدو طبيعية ومبررة.


لكن هذا الانتقال يحمل دلالة تتجاوز أزمة يوليوز نفسها. فإسبانيا لم تعد تقول للاتحاد الأوروبي: ساعدونا على مراقبة تدفقات الهجرة، بل تقول له ضمنيًا: إن سبتة ومليلية نقطتا ضعف في الحدود الجنوبية لأوروبا، وأي ضغط عليهما هو ضغط على الاتحاد بأكمله. وبذلك تستعمل أزمة الهجرة لإعادة تعريف المدينتين من مجالين متنازع على سيادتهما إلى حصنين أوروبيين في مواجهة تهديد قادم من الجنوب.


ولم تكن عبارة أورسولا فون دير لاين بأن «سبتة إسبانيا وسبتة أوروبا» مجرد إعلان تضامن مع السكان بعد الأزمة. إنها اختزال سياسي وقانوني للرواية التي تريد مدريد تثبيتها: ما دامت سبتة إسبانية، وما دامت إسبانيا عضوًا في الاتحاد، فإن حدود سبتة حدود أوروبية، وأي اعتراض على السيادة الإسبانية يصبح، بطريقة غير مباشرة، اعتراضًا على حدود الاتحاد نفسه.


هكذا يجري القفز فوق أصل المشكلة. فلا موقع المدينة الجغرافي يُناقش، ولا ظروف احتلالها واستمرار السيطرة الإسبانية عليها، ولا التناقض بين تصفية الاستعمار في مناطق أخرى واستثناء سبتة ومليلية منها. يحل سؤال حماية الحدود محل سؤال شرعية الحدود، ويصبح الأمن مدخلًا لإغلاق النقاش التاريخي والسيادي.


والمفارقة أن إسبانيا تحتاج إلى المغرب لكي تحمي الحدود التي تريد تكريسها ضده. فاستقرار سبتة ومليلية اقتصاديًا وأمنيًا يعتمد بدرجة كبيرة على تعاون الرباط في ضبط الهجرة ومحاربة التهريب ومراقبة المعابر. وكلما توقف هذا التعاون أو تراجع، ظهرت هشاشة الوضع الحدودي للمدينتين وارتفعت كلفة حمايتهما على مدريد.


لهذا تمثل الهجرة ورقة شديدة الحساسية في العلاقة بين البلدين. فإذا شدد المغرب المراقبة، ساعد إسبانيا عمليًا على تثبيت الاستقرار في المدينتين. وإذا تراخى التعاون، اتُّهم باستخدام المهاجرين أداةً للضغط، ووجدت مدريد مبررًا إضافيًا لاستدعاء الاتحاد الأوروبي إلى الحدود. وفي الحالتين تستطيع إسبانيا توظيف الأزمة لخدمة مشروعها، ما لم ينجح المغرب في الفصل سياسيًا وقانونيًا بين التعاون في تدبير الهجرة وبين موقفه الثابت من سيادة المدينتين.


لقد استطاعت مدريد، إذن، تحويل لحظة كشفت هشاشة حدود سبتة إلى فرصة لتعزيز موقعها الأوروبي فيها. وبدل أن تطرح الأزمة سؤال مستقبل المدينتين وعلاقتهما بعمقهما المغربي، استُعملت لتكريس صورتهما بوصفهما خط الدفاع الأول عن أوروبا. ولم تكن زيارة الملك سوى الترجمة السياسية العليا لهذا التحول: فإذا كانت الأزمة «هجومًا خارجيًا» على حدود أوروبية، فإن حضور رأس الدولة في موقعها يصبح إعلانًا بأن إسبانيا لن تدافع عن المدينتين وحدها، بل تريد من أوروبا أن تعتبر الدفاع عنهما جزءًا من الدفاع عن نفسها.



من السيادة الإسبانية إلى الهوية الأوروبية


لا تكتفي مدريد بالدفاع عن سبتة ومليلية باعتبارهما مدينتين إسبانيتين، بل تعمل على إضافة طبقة ثانية من الحماية إليهما: تعميق اندماجهما في مؤسسات الاتحاد الأوروبي وسياساته ومصالحه. فالسيادة الإسبانية وحدها تُبقي الملف داخل علاقة تاريخية غير محسومة مع المغرب، أما تثبيت الهوية الأوروبية للمدينتين فيوسع دائرة الأطراف المعنية، ويجعل أي مراجعة مستقبلية لوضعهما تمس حدود الاتحاد ومؤسساته ومصالحه المباشرة.


ولا يمنع القانون الأوروبي من حيث المبدأ اعتبار إقليم يقع خارج القارة الأوروبية جزءًا من الاتحاد. فالنطاق القانوني للاتحاد لا يتطابق دائمًا مع حدوده الجغرافية الطبيعية، بل تحدده المعاهدات وأوضاع الأقاليم التابعة للدول الأعضاء. لذلك تضم المنظومة الأوروبية أقاليم عديدة تقع جغرافيًا خارج أوروبا، وتخضع لدرجات متفاوتة من تطبيق قوانين الاتحاد.


ومنذ انضمام إسبانيا إلى الجماعة الأوروبية سنة 1986، دخلت سبتة ومليلية المجال الأوروبي بصفتهما إقليمين تديرهما دولة عضو، ولكن ضمن نظام استثنائي. فهما ليستا حاليًا داخل الإقليم الجمركي للاتحاد، ولا تسري عليهما جميع القواعد الضريبية والجمركية المطبقة في إسبانيا القارية، كما تخضعان لترتيبات خاصة داخل نظام «شنغن». وهذا يعني أنهما أوروبيتان من الناحية السياسية والقانونية العامة، لكن اندماجهما في سياسات الاتحاد ليس كاملًا.


لهذا يبدو التعبير الذي اختارته وزارة الخارجية الإسبانية بالغ الدلالة: «ترسيخ سبتة ومليلية نهائيًا في أوروبا». فالمقصود ليس إنشاء الصفة الأوروبية من العدم، وإنما تعميقها وإزالة بعض الاستثناءات التي ما زالت تميز وضع المدينتين، بحيث تتحول علاقتهما بالاتحاد من تبعية سياسية عامة بحكم خضوعهما لإسبانيا إلى شبكة أكثر كثافة من الروابط القانونية والإدارية والأمنية والاقتصادية المباشرة.


ولا تكمن الإشكالية، إذن، في مخالفة جغرافية لمعاهدات الاتحاد؛ لأن الاتحاد يعترف بأقاليم تابعة لدوله تقع خارج القارة. إنما تكمن في الأساس الذي بُني عليه هذا الإدماج: فالمؤسسات الأوروبية تتعامل مع السيادة الإسبانية القائمة بوصفها حقيقة قانونية، من دون أن تناقش أصل السيطرة على المدينتين أو المطالبة المغربية بهما. وبهذا تستخدم مدريد عضويتها في الاتحاد لتحويل وضع تاريخي متنازع عليه إلى وضع أوروبي محمي بالمؤسسات والمصالح المشتركة.


وبعبارة أخرى، لا ينبغي أن تكون الحجة المغربية أن سبتة ومليلية لا يمكن أن تكونا أوروبيتين لأنهما تقعان في إفريقيا؛ فهذه حجة يسهل على مدريد نقضها قانونيًا بأمثلة الأقاليم الأوروبية الواقعة وراء البحار. الحجة الأقوى هي أن الصفة الأوروبية لا تحسم مشروعية السيادة الأصلية، وأن الاتحاد لا يستطيع أن يحول السيطرة الاستعمارية لثغور تقع ضمن الجغرافية الإفريقية، بمجرد إدماجها في مؤسساته، إلى جواب نهائي عن سؤال تاريخي وسيادي لم يُحسم بالتفاوض.


ومن هنا تظهر وظيفة المشروع الإسباني: كلما ازداد اندماج المدينتين داخل الاتحاد، تراجع حضور السؤال المتعلق بأصل السيادة، وتقدم بدلًا منه سؤال إدارة الحدود الأوروبية وحمايتها. وبهذا لا تلغي مدريد النزاع قانونيًا، لكنها تحيط الوضع القائم بطبقات من المصالح والالتزامات تجعل مراجعته سياسيًا أكثر صعوبة.


وتشمل هذه الخطة منح المدينتين حضورًا دائمًا داخل لجنة الأقاليم الأوروبية، وتعزيز وجود وكالات الاتحاد فيهما، وفي مقدمتها «فرونتكس»، وتخصيص حزمة سياسية ومالية تراعي موقعهما الجغرافي، فضلًا عن العمل على إدماجهما في الاتحاد الجمركي الأوروبي. وكل خطوة من هذه الخطوات تنشئ مصلحة أوروبية جديدة مرتبطة باستمرار الوضع القائم، وتضيف قيدًا سياسيًا ومؤسسيًا إلى أي تفاوض محتمل حول السيادة.


فالحضور داخل المؤسسات يمنح المدينتين صوتًا أوروبيًا، والتمويل ينشئ مصالح اقتصادية مرتبطة ببقائهما داخل المنظومة، ووجود الوكالات يحول الحدود إلى مجال عمل مباشر للاتحاد، أما الاندماج الجمركي فيربط اقتصادهما بالسوق الأوروبية ويضعف ارتباطهما الطبيعي بمحيطهما المغربي. وهكذا لا يعود الوجود الإسباني قائمًا على الإدارة والجيش وحدهما، بل تحيط به طبقات من المؤسسات والقواعد والميزانيات والمصالح الأوروبية.


ويكشف هذا المسار أن مدريد تدرك حدود الدفاع التاريخي التقليدي عن سيادتها. فالمغرب يستطيع مواجهة الرواية الإسبانية برواية تاريخية وجغرافية مضادة، ويستطيع التذكير بأن المدينتين تقعان في شمال إفريقيا وأنهما تشكلان امتدادًا طبيعيًا للأراضي المغربية. لكنه سيجد نفسه أمام وضع أكثر تعقيدًا عندما تصبح حماية المدينتين وتمويلهما وإدارة حدودهما جزءًا من سياسات الاتحاد الأوروبي، لأن النزاع عندئذ لن يعود مع إسبانيا وحدها، بل مع منظومة مؤسسية تضم سبعًا وعشرين دولة.


وهنا يتضح الهدف البعيد للاستراتيجية الإسبانية: تحويل الزمن من عنصر يمكن أن يخدم المطالبة المغربية إلى عنصر يكرس الأمر الواقع. فكل سنة تمر في ظل اندماج أوروبي أعمق تجعل الفصل بين المدينتين والاتحاد أكثر صعوبة، وتمنح مدريد القدرة على القول إن أي تغيير في وضعهما لا يهدد وحدة إسبانيا فقط، بل يهدد الحدود الخارجية للاتحاد والسوق الأوروبية ونظام «شنغن» وسياسات الهجرة والأمن الجماعي.


ويمكن فهم المساعي الإسبانية لمنح سبتة ومليلية وضعًا أوروبيًا أكثر خصوصية في السياق نفسه. فكلما جرى الاعتراف بخصوصيتهما الجغرافية داخل القانون الأوروبي، حصلتا على موارد وضمانات وآليات تمثيل إضافية. وقد يبدو ذلك في ظاهره استجابة لحاجاتهما الاقتصادية والاجتماعية، لكنه يؤدي سياسيًا إلى تثبيت موقعهما داخل أوروبا، وإلى تحويل وضعهما الاستثنائي من حجة على انفصالهما عن المجال الإسباني إلى مبرر لمزيد من الحماية الأوروبية.


ولا تخلو هذه الاستراتيجية من تناقض. فإذا كانت سبتة ومليلية مدينتين إسبانيتين طبيعيتين لا يختلف وضعهما عن بقية المدن، فلماذا تحتاجان إلى عملية خاصة لـ«ترسيخهما نهائيًا» في أوروبا؟ إن فعل الترسيخ نفسه يوحي بأن الاندماج القائم غير مكتمل، وأن مدريد تشعر بوجود هشاشة جغرافية وسياسية لا تعالجها السيادة المعلنة وحدها.


وتظهر هذه الهشاشة بوضوح في المجال الاقتصادي. فقد اعتمدت المدينتان طويلًا على التبادل مع محيطهما المغربي وعلى حركة الأشخاص والبضائع عبر الحدود. لكن مدريد تريد اليوم إعادة توجيه اقتصادهما نحو أوروبا، حتى لا يبقى ازدهارهما مرهونًا بعلاقتهما بالمغرب أو بتدفق التجارة القادمة منه. ولذلك يصبح الإدماج في الاتحاد الجمركي وتمويل مشاريع التنمية وتطوير الموانئ والخدمات لمنافسة البنية التحتية المغربية في الضفة الجنوبية جزءًا من استراتيجية سيادية، لا مجرد سياسة اقتصادية.


إنها، باختصار، محاولة لاستبدال الجغرافيا بالمؤسسات. فالجغرافيا تقول إن المدينتين تقعان داخل المجال المغربي والإفريقي، بينما تريد الشبكة المؤسسية الجديدة أن تقول إنهما تنتميان اقتصاديًا وقانونيًا وأمنيًا إلى أوروبا. وكلما اتسعت هذه الشبكة، أصبح الموقع الجغرافي أقل حضورًا في الخطاب الدولي، وحل محله انتماء سياسي تصنعه القواعد والمصالح وموازين القوة.


ومن هنا لا تبدو زيارة فيليبي السادس منفصلة عن مشروع «الترسيخ الأوروبي»، بل تؤدي وظيفة مكملة له. فالمؤسسات تصنع الاندماج القانوني، والتمويل يصنع الاندماج الاقتصادي، و «فرونتكس» تصنع الاندماج الأمني، أما الملك فيصنع الاندماج الرمزي. وعندما تجتمع هذه المستويات، لا تعود مدريد تدافع عن سيادتها القديمة فحسب، بل تبني واقعًا جديدًا تريد أن يصبح فيه الاعتراض على إسبانية المدينتين اعتراضًا على أوروبيتهما أيضًا.



ماذا يفعل المغرب؟ بين الاحتجاج العابر وبناء استراتيجية للسيادة


تضع زيارة فيليبي السادس المغرب أمام اختبار لا يتعلق بمقدار غضبه، بل بقدرته على تحويل موقفه التاريخي من سبتة ومليلية إلى سياسة متماسكة. ففي سنة 2007 أدانت الرباط زيارة الملك خوان كارلوس والملكة صوفيا، واستدعت سفيرها في مدريد للتشاور، قبل أن يعود بعد انتهاء الأزمة. وقد سجل ذلك الموقف رفض المغرب للزيارة، لكنه لم يغير وضع المدينتين، ولم يمنع إسبانيا بعد أقل من عقدين من تنظيم زيارة ملكية جديدة في ظروف أكثر ملاءمة لها.


يمكن للمغرب هذه المرة أيضًا أن يستدعي سفيره للتشاور، أو أن يستدعي السفير الإسباني في الرباط لتبليغه احتجاجًا رسميًا، أو أن يصدر بيانًا يؤكد أن الزيارة لا تغير الوضع التاريخي للمدينتين ولا تسقط المطالبة المغربية بهما. وتظل هذه الإجراءات ضرورية حتى لا يُفسر الصمت باعتباره قبولًا ضمنيًا أو تراجعًا عن الموقف السابق. لكنها، بمفردها، لن تكون كافية؛ لأن إسبانيا لم تعد تتحرك على المستوى الثنائي وحده، بل بنت حول الزيارة غطاءً أوروبيًا ودوليًا يتجاوز أثر احتجاج دبلوماسي مؤقت.


لقد تغير ميزان المعركة منذ سنة 2007. ففي ذلك الوقت واجه المغرب زيارة ملكية إسبانية، أما اليوم فهو يواجه مسارًا متكاملًا تشارك فيه الحكومة والقصر والمؤسسات الأوروبية، وتدعمه رواية أمنية تقدم المدينتين بوصفهما حدودًا تتعرض لهجوم خارجي. وإذا اكتفت الرباط بإعادة رد الفعل نفسه، بينما غيرت مدريد أدواتها ومستوى تحركها، فإن الاحتجاج المغربي سيسجل في الأرشيف الدبلوماسي، في حين يستمر الاندماج الأوروبي للمدينتين على الأرض.


ولا يعني ذلك أن المطلوب هو قطع العلاقات مع إسبانيا أو التضحية بالمصالح المشتركة. فالتعاون بين البلدين ضروري في الأمن والهجرة والاقتصاد والطاقة والاستعداد لكأس العالم، كما أن المغرب لا مصلحة له في تحويل الخلاف إلى مواجهة مفتوحة غير محسوبة. لكن الحفاظ على الشراكة لا ينبغي أن يعني تعطيل المطالبة بالحقوق التاريخية، مثلما أن خلاف إسبانيا مع بريطانيا حول جبل طارق لم يمنعها من التعاون معها داخل حلف شمال الأطلسي وفي مجالات الاقتصاد والأمن.


المطلوب أولًا أن تفصل الرباط بين التعاون مع مدريد وبين القبول بروايتها السيادية. فمن حق المغرب أن يستمر في ضبط الحدود ومكافحة التهريب وحماية أرواح المهاجرين، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى التأكيد، في البيانات والاتفاقيات والخرائط والمراسلات الدبلوماسية، أن هذا التعاون لا يشكل اعترافًا بالسيادة الإسبانية على المدينتين. فغياب التحفظ المتكرر يسمح لإسبانيا بضم الممارسة المغربية نفسها إلى أدلة التطبيع مع الوضع القائم.


والمطلوب ثانيًا الانتقال من المطالبة العامة إلى بناء ملف دبلوماسي وقانوني حديث. فعبارة «المدينتان محتلتان» لا تكفي وحدها لإقناع المنتظم الدولي ما لم ترافقها دراسة موثقة لتاريخ السيطرة عليهما، ووضعهما في القانون الدولي، والتناقض بين الموقف الإسباني منهما وموقف مدريد من جبل طارق، والتمييز بين حقوق السكان وبين السيادة على الإقليم. كما يحتاج المغرب إلى تحديد ما يطلبه عمليًا: هل يريد فتح حوار ثنائي حول السيادة؟ أم إنشاء آلية تفاوض مرحلية؟ أم عرض صيغ للتعاون والإدارة المشتركة؟ أم يبدأ بطلب اعتراف دولي بوجود نزاع أصلًا؟


وهذا السؤال الأخير بالغ الأهمية؛ لأن سبتة ومليلية غير مدرجتين حاليًا ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي لدى الأمم المتحدة. ولذلك لا يكفي أن تنقل الرباط الملف إلى المنظمة الدولية حتى يتحول تلقائيًا إلى قضية تصفية استعمار. إسبانيا ستدفع بأن المدينتين جزء من ترابها الوطني، بينما سيحتاج المغرب إلى إقناع الدول بأن هناك نزاع سيادة قائمًا يستحق التفاوض. ومن دون إعداد قانوني وتحالفات دبلوماسية، قد يؤدي تدويل متسرع إلى منح الموقف الإسباني اعترافًا أوسع بدل إضعافه.



الشركاء الدوليون: الاعتراف بالصحراء لا يشمل سبتة ومليلية


يملك المغرب اليوم شبكة من الشراكات أقوى من تلك التي كانت لديه سنة 2007، لكن عليه ألا يخلط بين الدعم الذي حصل عليه في قضية الصحراء وبين موقف هذه الدول من سبتة ومليلية. فالولايات المتحدة وإسرائيل اعترفتا بالسيادة المغربية على الصحراء، وفرنسا تبنت موقفًا متقدمًا لمصلحة المغرب في الملف نفسه، لكن ذلك لا يعني أن هذه الدول اعترفت تلقائيًا بمغربية سبتة ومليلية.


توجد في الولايات المتحدة مؤشرات يمكن للمغرب البناء عليها، من بينها التقرير المرافق لمشروع ميزانية في مجلس النواب، الذي وصف المدينتين بأنهما تقعان في أراضي المغرب وتخضعان للإدارة الإسبانية، وشجع وزير الخارجية الأمريكي على الاهتمام بوضعهما المستقبلي. غير أن هذا التقرير، على أهميته السياسية، لا يمثل اعترافًا رسميًا صادرًا عن الإدارة الأمريكية، ولا يشكل تحولًا مكتملًا في سياسة واشنطن. إنه نافذة دبلوماسية ينبغي استثمارها، لا موقفًا نهائيًا يمكن الركون إليه.


أما إسرائيل، فإن اعترافها الصريح تعلق بسيادة المغرب على الصحراء، ولا يوجد ما يثبت أنها وسعت هذا الاعتراف ليشمل سبتة ومليلية. ولذلك يستطيع المغرب أن يطلب منها، ومن الولايات المتحدة، موقفًا واضحًا يدعو على الأقل إلى الحوار بين الرباط ومدريد، بدل مطالبتها منذ البداية باعتراف قد لا تكون مستعدة له. فانتزاع الإقرار بوجود نزاع قابل للتفاوض قد يكون أكثر واقعية، في المرحلة الأولى، من انتظار اعتراف مباشر بالسيادة المغربية.


وتبدو فرنسا في وضع أكثر إحراجًا. فهي تستعد لتعميق شراكتها الاستثنائية مع المغرب وتطويرها نحو إطار استراتيجي طويل المدى، لكنها في الوقت نفسه عضو مركزي في الاتحاد الأوروبي وحليف لإسبانيا، وقد منح رئيسها الرواية الإسبانية دعمًا حين وصف أزمة سبتة بأنها «هجوم خارجي». ومن حق الرباط أن تطلب من باريس توضيح المقصود بهذه العبارة،  وأن تؤكد لها أن بناء شراكة استراتيجية مستقبلية متينة لا ينسجم مع تبني توصيف يمس بصورة غير مباشرة مسؤولية الدولة المغربية.


لكن الواقعية تقتضي أيضًا ألا يتوقع المغرب من فرنسا الاصطفاف ضده مع إسبانيا في نزاع ترابي يقع عند الحدود الخارجية للاتحاد. فالمرجح أن تختار باريس التضامن الأوروبي مع مدريد مع الدعوة إلى التهدئة والتعاون مع الرباط. ولذلك ينبغي أن يكون الهدف المغربي الأول منع فرنسا من منح إسبانيا اعترافًا إضافيًا بمشروعية سيادتها التاريخية، والفصل بين التضامن في مواجهة الهجرة وبين الانحياز في نزاع السيادة.


كما يتعين على المغرب مخاطبة الاتحاد الأوروبي نفسه بلغة قانونية دقيقة. فلا جدوى من إنكار أن المدينتين تعاملان حاليًا بوصفهما جزءًا من المجال الأوروبي بحكم الإدارة الإسبانية، لكن يمكن الاعتراض على تحويل هذا الواقع الإداري إلى حكم أوروبي نهائي في مسألة السيادة. وعلى الرباط أن تطالب مؤسسات الاتحاد بالتمييز بين حماية الأشخاص والحدود التي تديرها دولة عضو وبين تبني الرواية التاريخية الإسبانية وإغلاق باب الحوار حول مستقبل المدينتين.


السكان المحليون: قوة الاحتجاج وحدودها


أما الدعوة التي أطلقها يحيى يحيى إلى تعبئة السكان وتنظيم احتجاجات في المناطق المقابلة لسبتة ومليلية، فإنها تعكس شعورًا مفهومًا بأن القضية لا ينبغي أن تبقى حبيسة البيانات الرسمية. فالزيارة الملكية صُممت لإنتاج صور توحي بإجماع السكان وبطبيعية السيادة الإسبانية، ويمكن لتحرك مدني مغربي واسع أن يقدم صورة مضادة تؤكد أن الزيارة مرفوضة وأن النزاع لم ينته.


لكن فاعلية التعبئة ستظل محدودة إذا اقتصرت على المناطق المحاذية للمدينتين. فسبتة ومليلية ليستا قضية محلية تخص تطوان أو الناظور وسكان المناطق الحدودية وحدهم، بل قضية وطنية تتصل بالسيادة والذاكرة التاريخية للمغاربة جميعًا. ولذلك يمكن تنظيم وقفات سلمية، وفق القوانين الجاري بها العمل، أمام السفارة والقنصليات الإسبانية داخل المغرب، وفي المدن الكبرى، تنظمها الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني في الداخل والمهجر، بما يبعث برسالة واضحة مفادها أن الموقف من المدينتين لا تصنعه مجموعة حدودية صغيرة، وإنما هي قضية أمة.


وتستطيع الجالية المغربية في أوروبا أن تؤدي دورًا أكثر تأثيرًا، من خلال تنظيم وقفات سلمية أمام السفارات والقنصليات الإسبانية، وأمام بعض مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وفي الساحات العامة بالمدن الأوروبية الكبرى. فوجود احتجاجات متزامنة في الرباط وتطوان والناظور ومدريد وباريس ولندن وبروكسل وأمستردام وواشنطن وموسكو وغيرها من العواصم الدولية سيحوّل الحدث من خلاف دبلوماسي محدود إلى قضية رأي عام، ويؤكد أن سبتة ومليلية قضية كل المغاربة، وبالتالي لا يمكن اختزالها في بيان حكومي عابر أو التفريط فيها بفعل تقلب العلاقات بين الرباط ومدريد.


وللتعبئة الدولية أهمية خاصة في معركة الصورة. فإسبانيا ستستخدم الزيارة لإنتاج مشهد إعلامي متكامل: الملك والملكة بين السكان، والأعلام الإسبانية والأوروبية مرفوعة، والمؤسسات المحلية تحتفي برأس الدولة، والخطاب الرسمي يؤكد أن المدينتين جزء طبيعي من إسبانيا. وإذا لم تظهر في المقابل إلا صور الاحتفال الإسباني، بدت الرواية الإسبانية وحدها حاضرة أمام الرأي العام الدولي وخسر حينها المغرب معركة الصورة.


أما إذا تزامنت الزيارة مع احتجاجات مغربية سلمية ومنظمة داخل المغرب وفي العواصم الأوروبية والعالمية، فإن الصورة ستصبح مزدوجة: احتفال رسمي إسباني بالسيادة من جهة، ورفض شعبي مغربي واسع لها من جهة أخرى. وحينئذ تفشل مدريد في تقديم الزيارة باعتبارها دليلًا على إغلاق الملف، لأن الاحتجاج نفسه يصبح برهانًا مرئيًا على استمرار النزاع، ويمنح وسائل الإعلام الدولية حجة مناقضة للأطروحة الإسبانية بدل الاكتفاء بنقل الرواية الرسمية.


ولا يتوقف نجاح هذا التحرك على عدد المشاركين وحده، بل على وحدة رسالته وجودة تنظيمه. فمن الضروري إعداد شعارات وبيانات ومواد تعريفية بلغات متعددة، ولا سيما الإسبانية والفرنسية والإنجليزية، تشرح الأساس التاريخي والقانوني للمطالبة المغربية، وتؤكد احترام حقوق سكان المدينتين، وتدعو إلى الحوار والتفاوض. فالرأي العام الأوروبي لن يتفاعل مع القضية لمجرد رفع الأعلام، وإنما يحتاج إلى خطاب مفهوم يبين أن المغرب لا يهدد السكان ولا يدعو إلى استعمال القوة، بل يطالب بحل سلمي لنزاع سيادي لم يسقط بمرور الزمن.


وتزداد قوة الاحتجاج عندما يشارك فيه سياسيون ونقابيون وباحثون وحقوقيون ومنتخبون وأكاديميون وفعاليات مدنية، وعندما يرافقه نشر مقالات وملفات وندوات ومذكرات موجهة إلى البرلمانات والمؤسسات الأوروبية. فالتظاهر يصنع الحدث والصورة، لكن المعرفة تمنحهما المعنى والاستمرار. وبدون هذا المضمون قد تنتهي التعبئة بانتهاء الزيارة، بينما تواصل إسبانيا عملها المؤسسي الهادئ لترسيخ المدينتين داخل أوروبا.


غير أن قيمة هذه الاحتجاجات تظل رهينة بسلميتها وانضباطها القانوني. فإذا تحولت إلى محاولات لاقتحام الحدود، أو إلى عنف وتهديد للأشخاص والمنشآت، فإنها ستخدم الرواية الإسبانية التي تقدم المدينتين بوصفهما حصنين أوروبيين يواجهان خطرًا خارجيًا. كما أن أي تجاوز أمام السفارات والقنصليات في أوروبا سيحوّل اهتمام الإعلام من أصل القضية إلى مشاهد الفوضى، ويمنح السلطات الإسبانية فرصة لتقديم المطالبة المغربية بوصفها تهديدًا أمنيًا لا قضية سيادة قابلة للنقاش.


وعبارات من قبيل «بذل آخر قطرة دم»، مهما كان مقصدها التعبوي، تمنح الإعلام الإسباني مادة جاهزة لنقل القضية من مجال الحق والسيادة إلى مجال التهديد. والمغرب أحوج إلى قوة الحجة والصورة السلمية منه إلى لغة يمكن توظيفها لإثبات أن الزيارة الملكية ضرورية لحماية السكان. فالمطلوب هو إحراج الأطروحة الإسبانية سياسيًا وأخلاقيًا، لا تزويدها بالأدلة التي تحتاج إليها لتبرير المزيد من التحصين والعسكرة.


إن تحركًا مدنيًا واسعًا ومنضبطًا يستطيع أن يؤدي وظيفة لا يؤديها الاحتجاج الرسمي وحده: إظهار أن العلاقات الاستراتيجية بين الحكومتين لم تُنهِ مطالبة المجتمع المغربي بالمدينتين، وأن الهدوء الدبلوماسي لا يعني سقوط الحق أو نسيان القضية. وعندئذ تصبح الزيارة، بدل أن تكون مناسبة لإعلان انتصار الرواية الإسبانية، لحظة تعيد سبتة ومليلية إلى النقاش الدولي وتكشف أن السيادة عليهما ما زالت موضع اعتراض تاريخي وشعبي حي.


لكن التعبئة المدنية تحتاج إلى موقف رسمي يوازيها ويمنحها معناها السياسي. ولذلك يبدو استدعاء السفير المغربي في مدريد للتشاور إجراءً ضروريًا، لا لأنه سيغير وحده مسار الزيارة، بل لأنه يسجل بوضوح أن المغرب لا يقبل توظيفها لتكريس السيادة الإسبانية، ويؤكد استمرارية موقفه مع الاحتجاج الذي اتخذه عند زيارة الملك خوان كارلوس سنة 2007. كما يمنع هذا الإجراء تفسير الصمت المغربي باعتباره قبولًا بالأمر الواقع أو تغليبًا للمصالح الآنية على قضية السيادة.


ومن المناسب أن يترافق استدعاء السفير مع بيان رسمي يوضح أن الإجراء لا يستهدف الشعب الإسباني ولا يلغي الشراكة بين البلدين، وإنما يعبر عن رفض المغرب لخطوة أحادية تمس قضية تاريخية لم تُحسم بالتفاوض. ويمكن للرباط أيضًا استدعاء السفير الإسباني لديها لتبليغه مذكرة احتجاج، ومطالبة مدريد بفتح حوار هادئ حول مستقبل المدينتين بدل الإصرار على إعلان أن سيادتهما غير قابلة للنقاش.


وعندئذ تتكامل الرسائل الثلاث: الدولة تسجل اعتراضها دبلوماسيًا، والمجتمع يعبر عنه سلميًا، والخطاب القانوني والتاريخي يشرح أسبابه للرأي العام الدولي. أما الاكتفاء باستدعاء السفير من دون تحرك طويل المدى، فسيكرر تجربة سنة 2007: أزمة مؤقتة تنتهي بعودة العلاقات إلى طبيعتها، بينما يبقى الوضع الذي تسبب فيها على حاله. لذلك ينبغي أن يكون الاستدعاء بداية لاستراتيجية طويلة النفس، لا ذروة رد الفعل ونهايته.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق