كيف نقرأ حادثة مراكش في ميزان الإسلام والمواطنة؟
تمهيد
أثارت واقعة صلاة زوار يهود عند سور باب دكالة بمراكش موجةً واسعة من الجدل، وتحوّل مشهد عابر في الفضاء العام إلى مادة خصبة للانفعال، وللشعارات، والتظاهرات، وللمزايدة السياسية المتدثرة بالدين. بعض الأصوات قرأته بوصفه “اختراقًا صهيونيًا”، وبعضها قدّمه كأنه إهانةٌ للإسلام أو اعتداء على هوية المغرب، مع أن أصل المسألة، في جوهرها، يتصل بسؤال أعمق بكثير:
- كيف نفهم التعايش الديني في بلدٍ كالمغرب؟ وأين ينتهي الحق في العبادة، وأين تبدأ المزايدة الطائفية؟
الذي ثبت في التغطية الصحفية المتداولة أن الواقعة ارتبطت بصلاة ليهود قرب باب دكالة، ثم أعقبتها احتجاجات رفعت شعارات مناهضة للتطبيع وربطت الحدث بغزة وبالاختراق الصهيوني. لكن تحويل كل حضور يهودي في المغرب إلى “معركة هوية” ليس دليل غيرة على الدين، بقدر ما هو علامة على خلل أعمق في فهم الدين، وفي فهم الدولة، وفي فهم المواطنة نفسها.../...
فالقضية هنا ليست: هل نرفض الصهيونية أم لا؟ فالمغاربة، كغيرهم من أحرار الأمة، من حقهم أن يرفضوا الاحتلال والعدوان والتهجير والقتل. وإنما القضية هي: هل يجوز أن يتحول هذا الرفض السياسي إلى عداوة دينية ضد اليهود كيهود؟ وهل يصبح أداء شعيرة دينية في ذاته ذريعة للغوغاء والتحريض واتهام الناس في دينهم ومواطنتهم؟
أولًا: لا بد من تحرير محل النزاع
ليس كل يهودي صهيونيًا
هذه هي النقطة الأولى التي يجب أن يبدأ منها كل نقاش مسؤول. إن الخلط بين اليهودية كدين، والصهيونية كمشروع استعماري-سياسي، خلط فاسد دينيًا وأخلاقيًا وسياسيًا. فليس كل يهودي صهيونيًا، وليس كل حضور يهودي في المغرب اختراقًا سياسيًا، وليس كل مشهد عبادي يهودي مقدمة لتطبيع أو عدوان.
وحين يفقد الناس هذا التمييز، يختلط عليهم الدين بالسياسة، والهوية بالعدوان، والحق المدني بالموقف من إسرائيل. وهنا تبدأ الفتنة. لأن الإنسان لا يعود يُحاكم على فعله المحدد، بل على هويته الطائفية المجردة. وبهذا المنطق يصبح أي يهودي متهمًا سلفًا، وتصبح صلاته قرينةً على العداء، ويصبح وجوده نفسه موضع اشتباه.
وهذا ظلم محض. لأنه ينقل الصراع من حقل السياسة إلى حقل الدين والهوية. ويجعل مواطنًا مغربيًا يهوديًا، أو زائرًا يهوديًا مسالمًا، يتحمل تبعة مشروع سياسي قد لا ينتمي إليه أصلًا، وقد يكون مناوئًا له. ومن هنا فإن أول واجب معرفي وأخلاقي هو الفصل بين مناهضة الصهيونية، واحترام اليهود كأشخاص لهم حق في الكرامة والعبادة والمواطنة.
ثانيًا: الميزان القرآني أعدل من الغوغاء
الخطاب الشعبوي يحب أن يتحدث باسم الإسلام، لكنه كثيرًا ما يكون أبعد الناس عن ميزانه. فالقرآن لم يؤسس العلاقة مع غير المسلمين على أصل الكراهية الطائفية، ولا على تحويل اختلاف الملة إلى مبرر دائم للظلم والإقصاء. بل قرر قاعدة شديدة العمق:
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62].
هذه الآية لا تلغي الفوارق العقدية، ولا تساوي بين الشرائع من كل وجه، لكنها تكسر منطق الغرور الطائفي الذي يظن أن مجرد الاسم كافٍ في بناء العداوة أو النجاة. فالقرآن يربط المسألة بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، لا بالشعار الجماعي وحده.
ومن هنا فليس من الدين في شيء التحريض على صلاة غير المسلمين في ذاتها، ولا تحويل عبادتهم في ذاتها إلى مبرر للغضب الجماعي، ما داموا:
• لم يعتدوا،
• ولم يخرقوا القانون،
• ولم يحوّلوا الفضاء العام إلى ساحة فتنة مقصودة.
قد يختلف المسلم مع عقيدة غيره، نعم. وقد يعتقد بطلانها من جهة الوحي الخاتم، نعم. لكن هذا شيء، والظلم المدني أو التحريض الطائفي شيء آخر. الإسلام لا يساوي بين الاعتراف بالحق في العبادة، وبين الإقرار بصحة كل عقيدة. والخلط بين الأمرين هو الذي ينتج التوحش باسم "الغيرة على الدين".
ثالثًا: من قبيلة مكة العصبية إلى رحاب المدينة الميثاق
من أهم المفاتيح التي ينبغي استحضارها في هذا الباب أن الهجرة النبوية لم تكن مجرد انتقال جغرافي من مكة إلى يثرب، بل كانت أيضًا انتقالًا حضاريًا من العصبية المغلقة إلى الميثاق المنظم.
مكة الجاهلية كانت فضاءً تغلب عليه العصبية القبلية، والانتماء المغلق، وميزان القوة والنسب والحلف. أما المدينة فكانت فضاءً مركبًا:
• فيها المسلمون من المهاجرين والأنصار،
• وفيها اليهود،
• وفيها من لم يدخلوا في الإسلام،
• وفيها ظواهر اجتماعية وسياسية متعددة.
والنبي عليه السلام لم يؤسس المدينة على قاعدة: “لا مكان إلا لمن يطابقني في الاعتقاد”، بل على قاعدة أوسع: تنظيم الاجتماع المتعدد بميثاق يضبط الحقوق والواجبات، ويمنع الفوضى والاقتتال.
وهنا يتجلى المعنى الكبير: الإسلام في أفقه النبوي لا يبني العمران على العصبية، بل على العدل والميثاق. والمدينة لم تكن طائفة مغلقة، بل مجتمعًا منظمًا يحمل التنوع والتعدد داخل إطار سياسي وأخلاقي مشترك.
فإذا كان هذا هو الدرس النبوي، فكيف يجرؤ بعض الناس اليوم على العودة إلى منطق العصبية المغلقة، فيتعاملون مع كل اختلاف ديني بوصفه عداءً في ذاته؟ وكيف يصح أن نُنسب هذا إلى الإسلام، والإسلام نفسه نقل الناس من منطق القبيلة إلى منطق الأمة الحضارية المنظمة؟
رابعًا: التعايش ليس تنازلًا عن العقيدة
من الاعتراضات الشائعة في هذه القضايا أن احترام صلاة غير المسلمين أو الدفاع عن حقهم في العبادة يُفهم وكأنه إقرار بصحة عقائدهم. وهذا خطأ بيّن.
فاحترام الحق المدني والديني ليس هو نفسه الإقرار بالحقيقة العقدية. المسلم قد يعتقد بوضوح أن الإسلام هو الرسالة الخاتمة، وأن الحق الكامل فيما أنزله الله على محمد عليه السلام، لكنه مع ذلك لا يملك أن يحوّل هذا اليقين العقدي إلى رخصة لظلم غيره، أو التحريض عليه، أو حرمانه من حقه في العبادة والمواطنة.
بعبارة أوضح:
• الاختلاف العقدي لا يساوي الحرب المدنية.
• والاعتزاز بالإسلام لا يعني اضطهاد غير المسلمين.
• والتوحيد لا يحتاج إلى غوغاء تحرسه بالصراخ.
من هنا فالتعايش ليس ذوبانًا في الآخر، ولا تخليًا عن العقيدة، بل هو ثمرة من ثمرات العدل حين يعلو على العصبية. وهو علامة قوة حضارية، لا علامة ضعف.
خامسًا: الأندلس شاهدٌ على إمكان العمران المشترك
التاريخ الإسلامي نفسه يقدّم نماذج قوية في هذا الباب. فالأندلس، رغم ما عرفته من توترات وصراعات في بعض مراحلها، ظلت شاهدًا حضاريًا بارزًا على إمكان قيام عمران مشترك بين:
• المسلمين،
• واليهود،
• والمسيحيين.
لقد تعاون الناس هناك في:
• العلم،
• والإدارة،
• والاقتصاد،
• والثقافة،
• والفلسفة،
• والفنون.
ولم تكن الأندلس جنة مثالية بلا مشكلات، لكن قيمتها التاريخية أنها أثبتت أن الاختلاف في المعتقد لا يمنع من قيام حضارة مشتركة راقية، إذا وُجدت دولة، وميزان، وعدالة، وعقل حضاري أعلى من الطائفية.
وهذا الدرس نفسه ينبغي أن يُستدعى في المغرب. فالمغرب ليس طارئًا على التعدد، ولا غريبًا عن الحضور اليهودي، ولا محتاجًا إلى استيراد التسامح من الخارج. بل إن ذاكرته العميقة مشبعة بالتعدد:
• العربي والأمازيغي،
• الإسلامي واليهودي،
• الإفريقي والأندلسي والمتوسطي.
والدستور المغربي نفسه يصرح بأن الهوية المغربية نُسجت من مكونات متعددة، وأنها “مغذاة ومثرية” بروافد إفريقية وأندلسية وعبرية ومتوسطية، كما يربط سموّ الدين الإسلامي في المرجعية الوطنية بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار. كما ينص صراحة على أن الإسلام دين الدولة، مع ضمان حرية ممارسة الشؤون الدينية للجميع.
سادسًا: المواطنة ليست مِنّة من الأغلبية
واحدة من أخطر آفات الوعي المتخلف أن يعتبر حقوق الأقليات أو الطوائف غير المسلمة منحةً تتفضل بها الأغلبية حين تشاء، وتسحبها حين تشاء. وهذا منطق غير دولتي أصلًا، فضلًا عن كونه غير إسلامي.
فاليهود المغاربة ليسوا جسمًا دخيلًا على الوطن، بل جزء من نسيجه التاريخي. ومن يحمل الجنسية المغربية أو ينتمي إلى هذه الأرض، فله حق المواطنة كاملًا:
• في الكرامة،
• وفي الحماية القانونية،
• وفي المساواة أمام الدولة،
• وفي ممارسة شعائره في حدود القانون.
المواطنة لا تُبنى على الأغلبية العددية، بل على الانتماء القانوني والسياسي إلى الوطن. ومن هنا فإن الدفاع عن حق اليهود المغاربة في العبادة، وفي صون كرامتهم من التحريض، ليس مجاملة لأحد، بل هو حماية لفكرة الدولة نفسها. لأن الدولة التي تسكت عن التحريض الطائفي، أو تترك الشارع يحدّد لمن الحق في المواطنة ومن لا حق له، تكون قد بدأت تتخلى عن وظيفتها الأصلية.
والدستور المغربي واضح هنا:
• المغرب دولة مسلمة،
• لكنه يضمن حرية ممارسة الشعائر،
• ويقرّ بالتنوع والروافد العبرية ضمن الهوية الوطنية،
• ويمنع التمييز بسبب المعتقد أو غيره.
سابعًا: حرية العبادة والاتساق الأخلاقي
من أكثر ما يكشف التناقض في هذا الملف أن كثيرين يطالبون – بحق – أوروبا وأمريكا بحماية صلاة المسلمين، وباحترام مساجدهم وشعائرهم، بل يدافعون عن أداء الصلاة في الفضاءات العامة عند الحاجة، ثم ينقلبون فجأة إلى منطق مغاير تمامًا حين يتعلق الأمر بغير المسلمين في بلادهم.
وهنا يجب أن يقال بوضوح:
من يطالب العالم باحترام شعائر المسلمين، لا يحق له أن يرفض من حيث الأصل شعائر غير المسلمين في بلده لمجرد أنهم يهود أو نصارى.
نعم، الحرية لا تعني الفوضى. ونعم، المجال العام يُنظَّم بالقانون. ونعم، ينبغي مراعاة حساسية السياق والزمان والمكان. لكن هذا شيء، وجعل صلاة غير المسلم جريمةً في ذاتها شيء آخر.
الموقف الرشيد هنا هو:
• حماية الحق في العبادة،
• مع تنظيم الفضاء العام،
• ومنع الاستفزاز المتعمد من أي جهة،
• دون تحويل المسألة إلى حرب طائفية.
ثامنًا: إمارة المؤمنين ووظيفة الحماية لا التحريض
في السياق المغربي، ثمة بعد آخر مهم: إمارة المؤمنين. وكثير من الناس يفهمون هذا اللقب فهمًا ضيقًا أو تعبويًا، وكأنه أداة لإقصاء كل مخالف ديني. بينما المعنى الأرقى له، في الوظيفة المغربية، هو:
• حماية الدين،
• وصون وحدة المجتمع،
• ومنع الفتنة،
• وحراسة السلم الديني والمدني.
فإذا كان أمير المؤمنين هو الضامن لوحدة الأمة الدينية والسياسية، فإن من مقتضيات هذه الوظيفة ألا يُترك المجال للغوغاء كي يحتكروا الحديث باسم الدين، أو يحولوا خلافًا سياسيًا إلى صراع طائفي، أو يهددوا السلم الاجتماعي باسم فلسطين أو الهوية.
والأفق القرآني نفسه أوسع من الفهم العصبي الضيق؛ لأن الإيمان فيه موصول بسلسلة الوحي كلها، وإن كانت الرسالة المحمدية هي خاتمتها المهيمنة. فلا يصح أن يتحول الدين إلى أداة لتأجيج الكراهية، بينما وظيفته الأصلية إقامة العدل، وكبح الهوى، ومنع الفتنة.
تاسعًا: المزايدة السياسوية المتدثرة بالدين
أخطر ما كشفته حادثة مراكش هو هذا اللون من الخطاب الذي يلبس لبوس الدين، لكنه في الحقيقة يوظفه لخدمة المزايدة السياسية والشعبوية. طريقة عمله معروفة:
1. يلتقط حادثة جزئية.
2. يشحنها بأقصى قدر من الانفعال.
3. يربطها بخيالات كبرى: “اختراق”، “تدنيس”، “خطر وجودي”، “إهانة للإسلام”.
4. يدفع الشارع إلى الغضب.
5. ثم يتغذى هو نفسه من هذا الغضب.
هذا الخطاب لا يحمي الدين، بل يبتذله. ولا يخدم فلسطين، بل يوظفها. ولا يحفظ السلم الاجتماعي، بل يهدده. وهو في الغالب يصدر عن:
• شعبويين إسلامويين،
• ومزايدين باسم المقاومة،
• وجهلة رقميين،
• وشباب لم يتعلموا التمييز بين السياسة والدين، ولا بين العدل والغضب.
وهنا يجب أن يقال كلمة حاسمة:
ليس كل خطاب يتكلم باسم الإسلام نابعًا من الإسلام.
فقد تكون أخطر الفتن هي التي ترتدي لباس الغيرة على الدين، بينما هي في حقيقتها غيرة على النفوذ أو التعبئة أو الكسب السياسي.
عاشرًا: ما الموقف الرشيد إذن؟
الموقف الرشيد ليس غامضًا، بل يمكن تلخيصه في نقاط واضحة:
• نعم، من حق المغاربة أن يرفضوا الصهيونية والاحتلال وأن يتضامنوا مع فلسطين.
• لكن، لا يجوز تحويل هذا الرفض إلى عداء ديني ضد اليهود كيهود.
• نعم، لليهود المغاربة وغيرهم من الموجودين قانونيًا في البلاد حق في ممارسة شعائرهم.
• نعم، من حق الدولة أن تنظم الفضاء العام للجميع.
• لا، ليس من حق الغوغاء أن ينصّبوا أنفسهم قضاة على المواطنة أو على حق الناس في العبادة.
• نعم، على الدولة أن تتكلم بوضوح، حتى لا تترك الميدان للمحرضين.
• نعم، على النخبة الدينية والفكرية أن تفكك هذا الخلط، وألا تخاف من قول الحق حين يعلو ضجيج المزايدة.
خاتمة
من مكة العصبية إلى المدينة الميثاق، ومن الأندلس العمران إلى المغرب التعددي، يتبين أن الإسلام في أفقه الحضاري لا يؤسس للكراهية الطائفية، بل لقدرة المجتمع على حمل التعدد داخل ميزان العدل والكرامة والنظام العام.
ولهذا فإن الدفاع عن حق غير المسلمين في العبادة، وعن المواطنة المتساوية، ليس ضعفًا في الدين، بل قوة في فهمه. كما أن مقاومة الصهيونية لا تكون بتخريب السلم الداخلي، ولا بتحويل الدين إلى أداة تعبئة غوغائية، ولا باستبدال العدل بالهوية المجروحة.
إن القضية اليوم ليست فقط كيف نقرأ حادثة مراكش، بل: أيّ مغرب نريد؟
مغرب العصبية والانفعال والتحريض؟
أم مغرب الدولة والميزان والعدل؟
والجواب الذي يليق بتاريخ المغرب، وبدينه، ودستوره، وشعبه، وحضارته، لا ينبغي أن يكون عسير الفهم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق