لم تعد المسألة، في غرب المتوسط، مجرد خلافات حدودية قديمة بين المغرب وإسبانيا، ولا مجرد توتر عابر في البحر الأحمر أو الخليج. ما يجري اليوم أوسع من ذلك بكثير: تصدع في البنية الغربية نفسها، وانكشاف في موقع أوروبا داخل النظام الأطلسي، وارتقاء تدريجي للمغرب من موقع “الجار الجنوبي المزعج” إلى موقع الفاعل الجيوسياسي الذي بدأت الصحافة الإسبانية تتحدث عنه بقلق لا تخطئه العين. ويكفي أن نقرأ ما كتبته صحيفة "لا راسون" (La Razón) الإسبانية عن مزاج ترامب تجاه مدريد، وعن إمكان نقل الثقل العسكري الأمريكي من إسبانيا إلى المغرب، وعن الأصوات الأمريكية التي بدأت تتكلم علنًا عن سبتة ومليلية بوصفهما ملفًا غير مغلق، حتى ندرك أن إسبانيا لم تعد تخاف فقط من المغرب، بل من تبدل قواعد اللعبة التي كانت تحتمي بها .../...
في هذا السياق، لم تعد كتابات الصحيفة الإسبانية المذكورة مجرد تهويل صحفي. فالصحيفة اليمينية نشرت موادًا متتالية خلال مارس 2026 تتحدث عن تهديدات ضمنية أو صريحة بنقل القوات الأمريكية من "روتا" و "مورون" الإسبانيتين إلى المغرب، وعن مقالات وتحليلات أمريكية تميل إلى اعتبار سبتة ومليلية “أرضًا مغربية محتلة”، مع تحذير واضح من أن أي إعادة تموضع عسكري أمريكي جنوبًا ستضع إسبانيا في موقف استراتيجي أضعف في المتوسط والأطلسي. وهذه ليست سياسة أمريكية معلنة ونهائية حتى الآن، لكنها تكشف أن الفرضية نفسها صارت قابلة للتداول داخل الإعلام اليميني الإسباني بوصفها سيناريو جديًا، وهذا في حد ذاته تطور بالغ الدلالة.
غير أن الصورة لا تكتمل إذا عزلناها عن الحرب على إيران. فالأزمة الكبرى التي فجّرتها الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران لم تضع الشرق الأوسط وحده على صفيح ساخن، بل فجّرت أيضًا خلافًا حادًا بين واشنطن من جهة، وبين عواصم أوروبية رئيسية من جهة أخرى. ففرنسا، على سبيل المثال، أعلنت بوضوح أن فتح مضيق هرمز بالقوة العسكرية “غير واقعي”، وفضّلت مقاربة دبلوماسية بدل الانخراط في حرب توسعية جديدة، فيما قادت بريطانيا مشاورات دولية واسعة بشأن هرمز من دون أن تجعل نفسها جزءًا من الحرب ذاتها. وبكلمات أخرى: أوروبا لم تدخل الحرب على إيران كما كان يريد ترامب، ولم تقدم له الغطاء الأطلسي الذي كان يتوقعه.
وهنا بدأ غضب ترامب يتخذ شكلًا أخطر من مجرد التوبيخ السياسي. فقد صرّح في أواخر مارس 2026 بأن الولايات المتحدة “لا يلزمها أن تكون هناك من أجل الناتو”، رابطًا امتعاضه من الحلف مباشرة بعدم وقوف الأوروبيين إلى جانبه في حرب إيران. وفي اليوم نفسه تقريبًا، راحت تحليلات غربية تتحدث عن أخطر أزمة ثقة يشهدها الحلف منذ عقود، خصوصًا مع تصاعد الشكوك حول التزام ترامب العملي بمظلة الدفاع الجماعي. المعنى هنا واضح: ترامب لا ينظر إلى أوروبا بوصفها شريكًا استراتيجيًا متساويًا، بل بوصفها تابعًا يجب أن يصطفّ حين تقرر واشنطن الحرب. وحين لم تصطفّ أوروبا، أعاد التلويح بسلاح الناتو نفسه.
ومن زاوية الطاقة والتجارة، جاءت أزمة مضيق هرمز لتكشف عمق المأزق أكثر. فالرئيس الفرنسي ماكرون أكد أن إغلاق المضيق يهدد توازنًا عالميًا حساسًا، بينما صرّح قائد البحرية الفرنسية بأن الصين ستضطر، عاجلًا أو آجلًا، إلى الانخراط أكثر في معالجة الأزمة، لأن أمن الملاحة في هرمز لم يعد مسألة خليجية أو غربية خالصة، بل مسألة تطال قلب الاقتصاد العالمي. كما دعت الصين، في اتصالاتها مع الاتحاد الأوروبي وألمانيا، إلى وقف إطلاق النار فورًا وإلى حماية الملاحة في هرمز، في إشارة إلى أن بكين ترى في استمرار الحرب خطرًا مباشرًا على مصالحها الطاقية وعلى تدفق التجارة. وهذا طبيعي، لأن المضيق ممر أساسي للطاقة المتجهة إلى آسيا وأوروبا معًا، وأي اختناق فيه يضرب الأسعار، وسلاسل الإمداد، والنمو الصناعي في القارتين.
أما أوروبا، فرفضها الانخراط العسكري لم يكن فقط موقفًا أخلاقيًا أو دبلوماسيًا انسجاما مع القانون الدولي، بل كان أيضًا خوفًا من كلفة الانجرار. فهي تعلم أن أي تفجر واسع في هرمز سيعني:
• ارتفاعًا في أسعار الطاقة،
• وتعقيدًا إضافيًا للصناعة الأوروبية المتعبة أصلًا،
• وزيادة هشاشة الأمن التجاري من المتوسط إلى بحر الشمال.
ولهذا فضلت عواصم أوروبية أساسية أن تنأى بنفسها عن الحرب، حتى وهي تحاول حماية الملاحة. وهذا التردد الأوروبي هو ما قرأه ترامب باعتباره “خيانة أطلسية”، بينما قرأته الصحافة الإسبانية باعتباره مقدمة لاحتمال أن تعيد واشنطن رسم خرائط ولائها جنوب المتوسط بعيدًا عن مدريد.
في الوقت نفسه، كانت مصر تدفع ثمنًا باهظًا لاختلال الممرات البحرية. فهجمات البحر الأحمر وباب المندب وما تبعها من تحويل عدد كبير من السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح ألحقت خسائر جسيمة بقناة السويس؛ وقد نقلت رويترز عن السيسي في مارس 2025 أن خسائر القناة بلغت نحو 800 مليون دولار شهريًا، فيما أشارت تقارير أخرى إلى خسارة تقارب 7 مليارات دولار من الإيرادات خلال 2024. ومع الضغط على العملة والطاقة وتراجع إيرادات القناة، دخلت مصر في أزمة خانقة تعمقت بفعل مشكلات الغاز والكهرباء وإجراءات التقشف وخفض الاستهلاك. بهذا المعنى، لم تكن مصر مجرد متفرج على أزمة الممرات، بل واحدة من أكبر ضحاياها.
وفي الجهة المقابلة من المتوسط، كان المغرب يتحرك في الاتجاه المعاكس: لا كدولة متفرجة، بل كدولة تحاول تحويل الجغرافيا إلى فرصة. فالمملكة تمضي في توسيع بنيتها المينائية واللوجستية، مع قرب تشغيل ميناء الناظور غرب المتوسط وخطط أوسع تخص الموانئ والمطارات والسياحة، في وقت سجلت فيه أرقامًا قياسية في عدد الزوار وتدفقت عليها تمويلات واستثمارات مرتبطة بالبنية التحتية والسياحة والخدمات. هذه المعطيات الموثقة لا تثبت، حتى الآن، الروايات الرائجة عن “مدن عائمة خليجية” جاهزة في الشمال المغربي، لكنّها تثبت شيئًا أهم: أن المغرب صار أصلًا يُبنى ليكون منصة لوجستية وسياحية وطاقية أكبر من صورته القديمة، وهذا وحده كافٍ لتفسير القلق الإسباني من منافس جديد على الضفة الأخرى.
ومن هنا تصبح الصورة أوضح:
• مصر تخسر لأن طريقها البحري اختنق.
• أوروبا ترتبك لأنها لا تريد الحرب لكنّها ستدفع ثمنها الطاقي والتجاري.
• ترامب يعاقب أوروبا سياسيًا لأنها رفضت أن تدخل حربه على إيران، ويعيد فتح السؤال عن جدوى الناتو من منظوره الابتزازي.
• إسبانيا تكتشف أن حمايتها الأمريكية لم تعد مسلمة ثابتة، وأن مجرد طرح بديل مغربي في القواعد والانتشار لم يعد ضربًا من الخيال الصحفي.
• المغرب يستفيد من اللحظة التاريخية، لا لأنه خلق الأزمة، بل لأنه يعرف كيف يلتقط نتائجها.
لهذا كله، فإن ما يحدث اليوم ليس مجرد جدل حول سبتة ومليلية، ولا مجرد موجة غضب ترامبية عابرة على أوروبا. نحن أمام إعادة فرز جيوسياسي:
• من يملك الممرات،
• ومن يملك الطاقة،
• ومن يملك الموانئ البديلة،
• ومن يملك المرونة في التموقع بين واشنطن والخليج وأفريقيا وأوروبا.
وفي مثل هذا السياق، لا تعود سبتة ومليلية مجرد ملف حدودي، بل تتحولان إلى عقدة داخل انتقال أكبر في ميزان القوة جنوب أوروبا.
والخلاصة أن إسبانيا لا تواجه اليوم “مقالًا إسبانيًا مزعجًا” ولا “شائعة أمريكية” فحسب؛ إنها تواجه احتمالًا مؤلمًا: أن الغرب الذي كانت تختبئ خلفه بدأ يعيد ترتيب نفسه من دون أن يضمن لها المكانة نفسها. وعندما يتزامن:
• تصدع الثقة بين ترامب وأوروبا،
• ورفض الأوروبيين الانخراط في حرب إيران،
• وأزمة هرمز التي تضغط على الصين وأوروبا معًا،
• وتراجع مصر تحت وطأة اختناق الممرات،
• وصعود المغرب صناعيا وتجاريا ولوجستيًا وسياحيًا وعسكريا واستراتيجيًا،
فإن السؤال لم يعد: هل يخيف المغرب إسبانيا؟
بل صار: هل تدخل إسبانيا عصرًا لم تعد فيه قادرة على منع صعود المغرب، ولا على ضمان بقاء أمريكا إلى جانبها كما كانت؟
إن ما يبدو اليوم أزمةً متناثرة بين حربٍ على إيران، واضطرابٍ في هرمز وباب المندب، وتوترٍ بين ترامب وأوروبا، ليس في الحقيقة إلا وجهًا من وجوه إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية لإفريقيا. فالقارة لم تعد هامشًا يتلقى الصدمات، بل صارت ساحةً يعاد فيها توزيع الممرات، والتحالفات، ومراكز النفوذ: في الساحل خرجت مالي وبوركينا فاسو والنيجر من "إيكواس"، وشكّلت تحالفًا أمنيًا خاصًا بها مع انفتاح متزايد على روسيا؛ وفي الشرق والجنوب الإفريقيين بدأت موانئ مثل موزمبيق وناميبيا وجنوب إفريقيا وموريشيوس تستفيد من تحويل الملاحة بعيدًا عن البحر الأحمر، بينما تتحرك الصين دبلوماسيًا لحماية عقد التجارة والطاقة الممتدة عبر إفريقيا؛ وفي الشمال الإفريقي يصعد المغرب بموانئه الكبرى وموقعه الأطلسي والمتوسطي ليقدّم نفسه بوصفه عقدةً بديلة في سلاسل التجارة والطاقة والعبور.
وبهذا المعنى، فإن إفريقيا تدخل طورًا جديدًا لا تحكمه فقط خرائط الاستعمار القديم ولا ثنائيات “الفرنكفونية” و“الأنجلوسكسونية”، بل تحكمه أسئلة أكثر صلابة: من يسيطر على البحر؟ من يملك الميناء البديل؟ من يضمن الطاقة؟ ومن يستطيع أن يحوّل موقعه الجغرافي إلى نفوذ سياسي؟ لهذا لم تعد المنافسة في القارة بين دولٍ فقط، بل بين ممرات وموانئ ومحاور لوجستية وقواعد عسكرية وشبكات تمويل خليجية وصينية وروسية وغربية تتصارع كلها فوق الجسد الإفريقي أو من خلاله. والتقرير المشترك الذي حذر هذا الأسبوع من أن استمرار حرب الشرق الأوسط سيبطئ نمو إفريقيا ويزيد التنافس الدولي عليها، لا يصف أزمة عابرة، بل يعلن أن القارة أصبحت جزءًا مباشرًا من قلب الصراع العالمي لا هامشه.
لذلك فالسؤال لم يعد: ماذا يحدث في إفريقيا؟ بل: أي إفريقيا تتشكل الآن؟ إفريقيا الممرات البديلة، والسواحل الصاعدة، وتحالفات الساحل الجديدة، والموانئ التي ترث جزءًا من وظيفة السويس وهرمز وباب المندب حين تختنق الممرات القديمة. وفي هذه اللحظة بالذات، لا تبدو إسبانيا قلقة من المغرب وحده، بل من حقيقة أكبر: أن الجنوب كله يتحرك، وأن خريطة القوة في إفريقيا، من الساحل إلى الأطلسي إلى البحر الأحمر، بدأت تُرسم من جديد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق