كيف ينتقل الإنسان من نقد الوحي إلى صناعة طاغوت جديد؟
تمهيد
ليست المشكلة الكبرى في تاريخ الفكر الحديث أنه أعاد للعقل مكانته، بل أنه – في بعض مساراته – لم يكتفِ بذلك، بل رفع العقل من مقام الأداة إلى مقام المرجع الأعلى، ثم من مقام المرجع الأعلى إلى مقام السيد الذي يحق له أن يعيد تعريف الله، والدين، والإنسان، والحرية، والخير، والشر، والغاية، والمعنى. وعند هذه النقطة لم يعد العقل نورًا يهدي إلى حسن الفهم، بل صار سلطة تؤسس العالم من جديد على صورتها، وتطلب من الوجود كله أن يخضع لمعيارها المحدود.
وهنا تبدأ المأساة الحقيقية. لأن العقل حين يتجاوز حدَّه لا يظل عقلًا بالمعنى النبيل للكلمة، بل يتحول إلى ما يشبه الدين البديل: له مقدماته المؤسسة، وله مسلّماته التي لا يُسمح بالاقتراب منها، وله منطقه الذي يحدد ما يجوز قبوله وما ينبغي رفضه، وله أخلاقه، وله تفسيره الخاص للإنسان والعالم والمصير. ثم لا يلبث هذا العقل المتأله أن يثمر سياسيًا، فتظهر الدولة الحديثة – في بعض صورها – بوصفها الوريث الأرضي لهذا المقام الذي كان للوحي: فهي التي تحدد الخير العام، وهي التي تعرّف المصلحة العليا، وهي التي تمنح الحقوق أو تقيّدها، وهي التي تفرض على الإنسان ما ينبغي أن يراه، وأن يقوله، بل أحيانًا ما ينبغي أن يخافه ويطمئن إليه.../...
ومن هنا فإن الطريق من تأليه العقل إلى تأليه الدولة ليس طريقًا طارئًا أو عرضيًا، بل هو مسار منطقي يكاد يفرض نفسه كلما سُحب الإنسان من مرجعية السماء، ثم قيل له إن عقله يكفيه، وإن الوحي عبءٌ على حريته، وإن الغيب قيد على نضجه، وإن الإنسان الراشد هو الذي لا يتلقى من فوق، بل يشرّع لنفسه من داخل عقله وتوافقه الأرضي. عندئذٍ لا يبقى أمامه إلا سلطة بشرية كبرى تحل محل المرجعية المتجاوزة، وتحفظ النظام، وتحدد المعنى، وتضع الحدود، وتحرس ما تسميه الأمن والضرورة والمصلحة العامة. وهكذا يُطرد الطاغوت باسم التحرر، ثم يعود في صورة أحدث وأكثر عقلانية وأناقة.
العقل: نعمة أم إله بديل؟
لا بد من البدء من أصل المسألة: العقل في نفسه ليس خصمًا للوحي، بل هو من أجلّ نعم الله على الإنسان. به يميز، ويستدل، ويقارن، ويكشف التناقض، ويقرأ السنن، ويفهم الخطاب، ويهتدي إلى مواضع الخلل. والعقل، بهذا المعنى، شرط من شروط التكليف، وأداة من أدوات النظر، ووسيلة من وسائل التعرف إلى دلائل الحق في الأنفس والآفاق.
لكن الخلل لا يبدأ حين يعمل العقل، بل حين يُحمَّل ما ليس من شأنه. فالعقل لا يخلق الحقيقة التي ينظر فيها، ولا يستقل بإنتاج جميع المعاني التي يحتاج إليها الإنسان في باب الغيب والمصير والغاية والقيمة النهائية للخير والشر. إن له مجالًا عظيمًا، لكن عظمته لا تعني إطلاقه. بل لعل أعظم ما في العقل أنه قادر – إذا استقام – على أن يعرف حدَّه، وأن يشهد بأنه محتاج إلى ما فوقه في بعض الأبواب، لا لأن هذا الفوق ضدّه، بل لأنه أوسع من استقلاله.
غير أن جزءًا من الوعي الحديث لم يرضَ للعقل بهذا المقام. فلم يرده نورًا للفهم، بل أراده أصلًا نهائيًا تُحاكم إليه كل الأشياء. ومن هنا بدأت عملية هادئة لكنها عميقة: بدل أن يُسأل العقل كيف يفهم الوحي، صار يُسأل الوحي كيف يبرر نفسه أمام العقل. وبدل أن يُسأل العقل ما الذي يمنعه من قبول الغيب، صار الغيب متهمًا حتى يثبت براءته أمام نسق فلسفي مسبق. وبدل أن يكون العقل آلة لتمييز الحق من الباطل، صار هو الذي يمنح الحق صك الاعتراف، ويمنع غيره من دخول مجال الشرعية المعرفية.
وهكذا لم يعد العقل يعمل داخل العالم، بل صار يطالب بأن يكون خالقًا لمعناه. ولم يعد يفهم الدين، بل صار يعيد بناءه. ولم يعد يزن الدعوى، بل صار يحدد مقدمًا ما الذي يجوز أن تكونه الدعوى أصلًا. وعند هذه النقطة لا نكون أمام عقل متزن، بل أمام عقل متأله.
كيف يتأله العقل؟
لا يتأله العقل عادةً بالصورة الفجة التي يتخيلها الناس، أي بأن يقول الإنسان: أنا إله. بل يحدث الأمر بصورة أعمق وأخطر. يتأله العقل حين يمنح نفسه، من غير تصريح غالبًا، حق الحكم النهائي في مسائل لا يملك هو وحده مفاتيحها. يتأله حين يقول ضمنًا:
- لا أقبل من الله إلا ما يوافق تصوري أنا عن الكمال.
- ولا أقبل من الوحي إلا ما يدخل في النسق الذي ارتضيته مسبقًا.
- ولا أقبل من الغيب إلا ما يمكنني إدراجه داخل ميتافيزيقا صنعتها بنفسي.
- ولا أقبل من الإنسان إلا الصورة التي يرضى عنها العقل المستقل.
- ولا أقبل من الأخلاق إلا ما يمكن تبريره من داخل التوافق البشري أو المنفعة أو الضرورة.
وهنا يحدث أمر بالغ الخطورة: لا يُلغى الدين مباشرة، بل يُحتوى. تبقى ألفاظ كثيرة على حالها: الله، الأخلاق، الروح، الحرية، العدالة، الكرامة، الخير العام، المعنى… لكن هذه الألفاظ تُفرغ بهدوء من بنيتها الوحيية، ثم يعاد شحنها بمضامين جديدة صادرة عن الفلسفة أو عن التصور الحديث للإنسان والمجتمع والدولة. فيظن القارئ أنه ما يزال يتحرك داخل العالم القديم، بينما الحقيقة أنه دخل عالمًا آخر لا يبقي من الأصل إلا اسمه.
بهذا المعنى، لا يكون العقل المتأله عدوًا للدين دائمًا، بل يكون أحيانًا أكثر دهاءً: إنه يعيد تشكيل الدين بدلًا من رفضه، ويمنحه حياة جديدة بعد أن يسحب منه سلطته المتعالية. فلا يعود الوحي وحيًا، بل خبرة رمزية. ولا تبقى النبوة اصطفاءً، بل وظيفة تربوية. ولا تبقى الشريعة بيانًا إلهيًا، بل مادة أخلاقية أو مدنية قابلة لإعادة القراءة إلى ما لا نهاية. ولا يبقى الله ربًا خالقًا يسمع ويهدي ويأمر، بل يتحول إلى طبيعة، أو جوهر، أو قانون كوني، أو روح عامة، أو مجرد اسم كبير للوجود.
وهنا لا يكون الإنسان قد تحرر من الوثنية، بل يكون قد بدّل صنمًا بصنم، وعبوديةً بعبودية.
من نقد الوحي إلى اختراع مرجعية جديدة
حين يسحب الإنسان عن الوحي حقه في أن يكون مصدرًا تأسيسيًا للحقيقة، لا يستطيع أن يعيش طويلًا في فراغ. فالإنسان بطبيعته لا يعيش بلا ميزان أعلى، ولا بلا مرجعية تردّ التنازع، ولا بلا مركز يحدد له ما الخير وما الشر، وما الحق وما الباطل، وما الذي ينبغي أن يُقدَّم وما الذي ينبغي أن يؤخر. وإذا أُخرج الله من مقام الربوبية الفاعلة في الوعي، وأُخرج الوحي من مقام البيان الحاكم، فلابد أن يبحث الإنسان عن مرجعية بديلة، ولو أنكر ذلك بلسانه.
في البداية تبدو هذه المرجعية الجديدة فلسفية أو عقلية أو إنسانية عامة. لكن ما يلبث الأمر أن يتجسد سياسيًا. إذ لا يكفي أن يقال للناس: فكروا بأنفسكم. لأن الاجتماع البشري لا يقوم على التفكير وحده، بل يحتاج إلى سلطة تنظم المجال العام، وتحسم النزاع، وتمنع التفكك، وتحتكر العنف المشروع، وتفرض تعريفًا معينًا للنظام والحقوق والواجبات. وهنا تتقدم الدولة.
لكن الدولة لا تتقدم هنا بوصفها جهازًا إداريًا محدودًا، بل بوصفها المرجع الأرضي الأعلى. فهي التي ترث من الدين المنزوع سلطته بعض وظائفه الأساسية: التحديد، والمنح، والمنع، والشرعنة، والتأثيم، وحراسة المجال المشترك، وتحديد المقبول وغير المقبول، بل وأحيانًا تحديد اللغة نفسها التي ينبغي أن يفكر الناس بها.
وهكذا تظهر الدولة الحديثة، في بعض صورها، لا كأداة خادمة للعدل، بل كأنها الإله المدني الجديد. لا تُعبد بالركوع والسجود، لكن تُعبد بالطاعة المطلقة للمصلحة العليا، والخضوع لتعريفاتها للسلامة، والأمن، والاستقرار، والشرعية، والحقوق، بل وللحقيقة العامة أحيانًا. وليس المقصود هنا إنكار ضرورة الدولة من حيث الأصل، بل الكشف عن خطر تحولها من وظيفة إلى مقام، ومن أداة إلى غاية، ومن خادم للمجتمع إلى مرجع أعلى يطالب بحصانة شبه مقدسة.
الدولة حين ترث مقام السماء
الدولة ضرورة بشرية، لكن الضرورة لا تعني العصمة، والتنظيم لا يعني الألوهية، وحفظ الاجتماع لا يعني أن تصبح الدولة هي المصدر النهائي للحق. إلا أن كثيرًا من الأنظمة الحديثة – حتى تلك التي تتغنى بالعقل والحرية وحقوق الإنسان – تنزلق أحيانًا إلى منح الدولة مقامًا يتجاوز حدودها الطبيعية. ويظهر هذا بوضوح في اللحظات التي يُرفع فيها شعار:
- المصلحة العليا للدولة،
- ضرورات الأمن،
- حماية النظام العام،
- مواجهة التهديدات الاستثنائية،
- حفظ السلم المجتمعي،
- مقاومة التطرف،
- أو حتى حماية الديمقراطية نفسها.
هذه العبارات في أصلها قد تحمل قدرًا من المعقولية، لكن الخطر يبدأ حين تتحول إلى مرجعية مطلقة غير قابلة للمساءلة. فعندئذٍ يمكن أن تُقدَّم المصلحة العليا على الحق، والأمن على الحرية، والاستقرار على العدالة، والطاعة على الكرامة، ويُطلب من الإنسان أن يقبل هذا كله لأنه لا يوجد فوق الدولة ميزان أعلى يردها إلى حدها.
وفي هذا الموضع بالذات تظهر الثمرة السياسية لتأليه العقل. لأن العقل الذي ظن أنه تخلص من الوحي، ولم يعد يحتاج إلى حكم الله، يجد نفسه في النهاية خاضعًا لحكم مؤسسة بشرية تدعي أنها الأعرف بمصلحته منه، والأقدر على تعريف الخير العام، والأجدر بتحديد المسموح والممنوع. وهكذا لا يخرج الإنسان من الوصاية، بل ينتقل من وصاية السماء – كما يتوهم – إلى وصاية الأرض. لكنه ينتقل من وصاية معصومة في أصلها إلى وصاية بشرية محكومة بالهوى، والمصالح، والضغوط، والانتقاء، والصراع.
ومن هنا يصبح السؤال الحاسم: ما الذي يمنع الدولة من أن تتغول إذا لم يكن فوقها ميزان أعلى؟ وما الذي يمنعها من أن تجعل من “الاستثناء” قاعدة، ومن “الضرورة” مبدأ دائمًا، ومن “الأمن” ذريعة لتقليم الحرية، ومن “المصلحة العامة” ستارًا لتأجيل الحق أو تعليقه أو إعادة تعريفه؟
الجواب الصريح: لا شيء يمنعها في العمق إلا مرجعية تعلو عليها، وتردها إلى حدها، وتقول لها بوضوح إنها ليست إلهًا، ولا مالكةً للحقيقة المطلقة، ولا صاحبةَ حق في إعادة تعريف الإنسان من أصل خلقه.
بين ميزان الوحي ومنطق الدولة
في الرؤية القرآنية لا تُلغى الدولة، ولا يُستهان بالعمران السياسي، ولا يُترك الناس للفوضى. لكن الدولة لا تُمنح أبدًا مقام المصدر الأعلى للحق. فهي أداة لإقامة القسط، لا بديل عن الله. وهي مجال من مجالات التكليف البشري، لا مطلقًا جديدًا. وهي خادمة للعدل، لا مالكة له.
ومن هنا فالفرق عميق بين عالمين:
في الأول، يكون الوحي مرجعًا أعلى، والعقل أداة للفهم، والدولة وظيفة لحراسة العدل ضمن حدودها.
وفي الثاني، يُطرد الوحي من المجال المؤسس، ويُمنح العقل المستقل حق إعادة بناء القيم، ثم تُسلَّم الدولة مهمة الحسم النهائي في المجال العام.
في العالم الأول تبقى الدولة قابلة للنقد، لأنها ليست فوق الحق.
وفي العالم الثاني تميل الدولة إلى أن تصبح هي الحق العملي المتجسد، أو على الأقل المرجع الأخير في تعريفه.
لهذا لا يكون السؤال القرآني: هل نحتاج إلى الدولة أم لا؟ بل: ما الذي يضبط الدولة؟ من الذي يردها إلى حدها؟ بأي ميزان تُوزن؟ ما الذي يمنعها من التحول إلى قوة تبتلع الإنسان باسم حمايته؟ ما الذي يجعل العدالة أسبق من المصلحة، والكرامة أسبق من المنفعة، والحق أسبق من الضرورة؟
ولا يجيب القرآن عن هذا بإنكار السياسة، بل بإدخالها تحت سلطان أعلى منها: سلطان الحق الذي لا تصنعه الدولة، ولا تحتكره، ولا تمنحه بفضل منها، بل تُطالب بالخضوع له كما يُطالب الأفراد والجماعات.
الطاغوت الجديد: حين يصبح الإنسان عبدًا لما صنعه
من أبلغ مفارقات العصر الحديث أن الإنسان خرج من معارك طويلة ضد الطغيان باسم الحرية، ثم انتهى في بعض صوره إلى صناعة طغيان جديد أكثر تعقيدًا وذكاءً. لم يعد الطاغوت دائمًا ملكًا متألهًا أو كاهنًا يبيع صكوك الغفران، بل قد يكون:
- نسقًا فلسفيًا مغلقًا،
- أو فكرة عن العقل المستقل،
- أو نظامًا سياسيًا يملك تعريف “الإنسان الطبيعي”،
- أو دولة حديثة تدير الخوف، وتعيد ترتيب الحقوق، وتمنح الطاعة معنى أخلاقيًا جديدًا.
وهنا يكون الإنسان قد وقع في الوثنية وهو يظن نفسه قد تحرر منها. لأن الوثنية ليست فقط عبادة حجر أو شجر، بل أيضًا إعطاء ما ليس لله مقامًا لا يليق إلا بالله: مقام الحكم النهائي، والتشريع الأعلى، والتحديد المطلق للحق والباطل، والخير والشر، والمعنى والمصير.
فإذا قيل إن العقل وحده يكفي، سُئل: أي عقل؟ عقل من؟ عقل أي نسق؟ عقل أي طبقة فكرية أو سياسية؟ وإذا قيل إن الدولة أدرى بالمصلحة، سُئل: من يرد الدولة إذا أخطأت؟ ومن يحاكم تعريفها للمصلحة إذا تعارض مع الكرامة والحرية والعدل؟ وإذا قيل إن الواقع أعقد من النص، قيل: نعم، لكن من الذي يحكم في النهاية؟ الواقع كما يفسره الأقوى، أم الحق كما أنزله الله؟
الإنسان لا ينجو من الطاغوت بمجرد رفع شعار التحرر. بل قد يدخل طاغوتًا جديدًا من الباب نفسه، إذا لم يكن له ميزان يفرّق به بين الحرية الحقيقية والتحرر الكاذب.
القرآن: لا ضد العقل، ولا لصالح الدولة المتألهة
القرآن لا يطلب من الإنسان أن يلغي عقله، ولا أن يخرج من التاريخ، ولا أن يعيش بلا مؤسسات، ولا أن يحتقر الدولة من حيث هي دولة. لكنه يرفض ثلاثة انحرافات كبرى:
- انحراف العقل حين يتأله.
- وانحراف الدين حين يتحول إلى أداة قهر بشري.
- وانحراف الدولة حين تبتلع الحق وتطلب لنفسها ما ليس لها.
ولهذا فإن الميزان القرآني ليس ميزانًا ضد العقل، بل ضد طغيانه. وليس ميزانًا ضد السياسة، بل ضد تأليهها. وليس ميزانًا ضد التنظيم البشري، بل ضد تحويله إلى سلطة نهائية فوق الإنسان والحقيقة.
فالعقل في القرآن مكرَّم، لكنه ليس ربًا.
والدولة في القرآن مطلوبة من جهة إقامة العدل، لكنها ليست مصدر الحق.
والإنسان في القرآن مكلَّف، لكنه ليس متروكًا ليشرّع لنفسه من العدم.
والوحي في القرآن هداية، لا عبء.
والحرية في القرآن مسؤولية، لا فوضى.
والحق في القرآن سابق على القوة، لا تابع لها.
ومن هنا فإن الخطر الأكبر ليس في وجود الدولة، ولا في عمل العقل، بل في أن ينفصل كلاهما عن الوحي حتى يطلب لنفسه مقامًا ليس له. فإذا انفصل العقل عن النور، أضاء قليلًا ثم أعمى. وإذا انفصلت الدولة عن الحق، نظمت ظاهر الاجتماع ثم خرّبت جوهر الإنسان.
خاتمة
المشكلة إذن ليست في العقل، بل في تأليهه. وليست في الدولة، بل في منحها مقامًا فوق مقامها. فحين يُسحب الوحي من مركز الهداية، لا يبقى الإنسان طويلًا بلا مرجعية عليا؛ سرعان ما يصنع واحدة من داخله أو من مؤسساته. وحين يظن أنه تحرر من السماء، قد يجد نفسه راكعًا للأرض في صورة أكثر صلابة وأشد إغراءً: صورة العقل الذي لا حدّ له، أو الدولة التي لا يُسأل سلطانها.
وهكذا ينتقل الإنسان، من غير أن يشعر، من طغيان قديم إلى طغيان جديد. يرفض أن يتلقى من الله، لكنه يقبل أن يُعاد تشكيله باسم الضرورة، أو الأمن، أو المصلحة العامة، أو العقل التاريخي، أو الدولة الحديثة. يفر من الوحي بوصفه قيدًا، ثم يذوب في منظومة بشرية لا ترحمه إذا تعارضت حريته مع حاجاتها العليا.
ومن هنا يبقى السؤال الجوهري حاضرًا بإلحاح:
ما الذي يحرر الإنسان حقًا؟
أهو العقل حين ينفصل عن الوحي؟
أم العقل حين يعرف حدَّه ويهتدي بنورٍ أعلى منه؟
وهل الدولة ضمان للإنسان حين تخرج من كل قيد، أم حين تُردّ هي نفسها إلى ميزان لا تصنعه بيدها؟
إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه العصر الحديث ليس أن يخطئ في بعض السياسات أو الفلسفات، بل أن يُقنع الإنسان بأن خلاصه يكون في نزع السماء من فوقه، ثم يسلّمه بعد ذلك إلى أرضٍ تريد أن تكون سماءه الجديدة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق