حين تتحول دولة في قلب الساحل
إلى ساحة مفتوحة لحرب النفوذ والتمرد والإرهاب الوظيفي
لم تعد مالي اليوم مجرد اسم في نشرات الأخبار، ولا مجرد بقعة بعيدة في جغرافيا الساحل الإفريقي. لقد أصبحت مرآة مكسورة تعكس أزمات المنطقة كلها دفعة واحدة: هشاشة الدولة، وتوظيف الإرهاب، وصراع الممرات، وتنافس القوى الكبرى، وعودة الحروب بالوكالة بأقنعة جديدة. ما يجري هناك ليس حادثًا أمنيًا عابرًا، ولا مجرد تمرد محلي محدود، بل لحظة انفجار كاشفة، سقطت فيها الأقنعة، وظهرت تحت الغبار حقيقة أكثر قسوة: الساحل لم يعد هامشًا منسيًا، بل صار عقدة جيوسياسية تتقاطع فيها روسيا والغرب، الجزائر والمغرب، الجهاد والانفصال، الذهب والممرات، الدولة والفوضى. الهجمات الأخيرة في مالي، التي نُسبت إلى تنسيق بين جماعات مرتبطة بالقاعدة وفصائل طوارقية مسلحة، أعادت خلط الأوراق في البلد والمنطقة كلها، ووضعت باماكو وحلفاءها الروس أمام اختبار بالغ الخطورة.../...
ليس كل ما يجري في مالي “إرهابًا” بالمعنى البسيط
الخطأ الأكبر في قراءة الأزمة المالية هو السقوط في التبسيط. فليس صحيحًا أن كل من يقاتل الدولة المالية يحمل المشروع نفسه، كما أنه ليس صحيحًا أن كل الطوارق كتلة واحدة تتحرك بإشارة واحدة، أو أن كل الجماعات المسلحة ليست سوى نسخة مكررة من بعضها البعض. ما يجري في الميدان أعقد من ذلك بكثير: تحالفات ظرفية، تقاطعات مصالح، تمردات محلية، مشاريع انفصالية، أجندات جهادية، واقتصاد حرب يعيش على الفوضى. ولذلك فإن اختزال كل المشهد في عنوان واحد مضلل يطمس الحقيقة بدل أن يكشفها. التقارير الأخيرة تصف تنسيقًا بين جماعات جهادية مرتبطة بـ JNIM وفصائل طوارقية مسلحة، بما يؤكد أننا أمام مشهد هجيني لا يمكن فهمه بلغة واحدة.
المجلس العسكري لم يسقط… لكنه جُرح في الصميم
باماكو لم تنهَر بعد، لكن الضربة التي تلقتها ليست هامشية. لقد ظهر بوضوح أن الحكم العسكري، مهما أحاط نفسه بخطاب السيادة والسلاح والحلفاء، لا يستطيع وحده أن يبني دولة مستقرة فوق أرض متشققة بالتاريخ والجغرافيا والهوية والمصالح المتداخلة. ما كشفته الهجمات الأخيرة ليس فقط ضعفًا أمنيًا، بل هشاشة سياسية وبنيوية: فالدولة التي تطرد خصمًا خارجيًا ثم تستبدله براعٍ آخر، من دون تسوية داخلية عميقة، تبقى في النهاية واقفة فوق أرض رخوة. من هذه الزاوية، لا تبدو الأزمة مجرد هجوم على نظام، بل امتحانًا لفكرة النظام نفسه.
روسيا: البديل الذي اهتزت صورته
حين طُردت فرنسا من مالي، بدا لكثيرين أن باماكو اختارت طريقًا جديدًا، وأن موسكو جاءت لتملأ الفراغ وتمنح النظام العسكري ظهرًا صلبًا. لكن الذي جرى خلال الأيام الأخيرة أظهر أن القوة الروسية، مهما بدت صلبة في الصورة، ليست عصًا سحرية. لقد تلقت موسكو ضربة معنوية واستراتيجية في مالي، لأن البلد صار أحد ركائز حضورها في الساحل، ولأن الانتكاسة هناك لا تصيب باماكو وحدها، بل تضرب أيضًا صورة روسيا باعتبارها حاميًا بديلًا عن الغرب. وهذا لا يعني أن روسيا انتهت، لكنه يعني أن رهانها على الحسم العسكري السريع قد انكشف على حدوده القصوى.
من المستفيد؟ السؤال المشروع… والإجابة التي تحتاج حذرًا
حين تعجز البنادق عن تفسير ما يجري، يتقدم السؤال السياسي إلى الواجهة: من المستفيد؟
وهو سؤال مشروع تمامًا، بل لا يمكن قراءة ما يحدث في الساحل من دونه. فكل من يريد إضعاف النفوذ الروسي سيجد في اهتزاز مالي مكسبًا موضوعيًا. وكل من يرى في استقرار باماكو تهديدًا لمعادلاته الإقليمية قد يستفيد من إرباكها. وكل من يريد تعطيل مشاريع الممرات الجديدة والانفتاح الأطلسي سيجد في الفوضى حليفًا صامتًا.
لكن هنا يجب التمييز بين شيئين:
الاستفادة من الحدث، وصناعة الحدث.
الأول ممكن بل واضح. أما الثاني فلا يجوز تحويله إلى يقين بمجرد الاشتباه أو الرغبة في التفسير. الاستفادة قرينة، نعم؛ لكنها ليست برهانًا كافيًا وحدها.
الجزائر بين منطق المصلحة وحدود الاتهام
من الطبيعي أن تطرح مواقع التواصل السؤال بصيغة حادة: هل للجزائر يد فيما يجري؟
الجواب المسؤول لا يكون بالإنكار الساذج، ولا بالجزم الانفعالي. نعم، توجد مصلحة جزائرية مفهومة في منع تشكل توازنات إقليمية ترى فيها توسعًا للنفوذ المغربي في الساحل. ونعم، ارتباك مالي قد يمنح الجزائر فرصة لاستعادة دور الوسيط أو اللاعب المرجعي في فضاء الساحل. لكن في المقابل، ليس من مصلحة الجزائر الظاهرة أن تنهار مالي كلية، أو أن يظهر على حدودها الجنوبية كيان انفصالي منفلت أو مجال جهادي متوحش. ولذلك فإن الصياغة الأصح ليست: “الجزائر وراء ما يحدث”، بل: الجزائر قد تستفيد سياسيًا ودبلوماسيًا من ارتباك باماكو، من دون أن يثبت علنًا أنها هي التي أعدت الهجوم أو حركته مباشرة.
فرنسا: الغائب الذي قد يستفيد من عودة السؤال
فرنسا خرجت من مالي سياسيًا وعسكريًا، لكنها لم تختف من الحسابات. فكلما تعثر الرهان الروسي، عاد سؤال باريس من جديد: هل كان إخراجها فعلًا بداية التحرر أم بداية الفراغ؟
صحيح أنه لا توجد أدلة علنية حاسمة اليوم على دور فرنسي مباشر في الهجمات الأخيرة، لكن الصحيح أيضًا أن تعثر باماكو وحلفائها الروس يخدم، ولو معنويًا، السردية الفرنسية القديمة: أن الساحل لا يستقر بمجرد طرد فرنسا. لذلك فإن باريس ليست بالضرورة صانعة الحدث، لكنها بالتأكيد ليست خارج دائرة المستفيدين من تآكل البديل الروسي.
الإرهاب في الساحل: ليس إسلامًا… بل وظيفة تتغذى من الفوضى
لقد آن أوان قولها بوضوح: الإرهاب الذي يتحرك في الساحل، مهما رفع من شعارات دينية، لا يمثل الإسلام من قريب ولا من بعيد. إنه توظيف متطرف للدين داخل شبكات أوسع من الحروب بالوكالة، والتمردات الإثنية، والاقتصاد الأسود، وصراع النفوذ.
من هنا، لا ينبغي أن نسأل فقط: ماذا تقول هذه الجماعات؟
بل أيضًا: في أي بيئة تتحرك؟ ومن يستفيد من استمرارها؟ ومن يسمح لها بأن تتحول من مجموعات مسلحة إلى أوراق ضغط وظيفية في لعبة الدول؟
وهذا هو المعنى الدقيق لعبارة “الإرهاب الوظيفي”: ليس أنه دمية خالصة بلا إرادة، بل أنه يتحول، موضوعيًا، إلى أداة قابلة للاستثمار داخل صراعات أكبر منه.
مالي… والضربة غير المباشرة للمغرب
ليست مالي مجرد ساحة داخلية معزولة. فاستقرارها أصبح جزءًا من معادلة إقليمية أوسع، خاصة بعد انخراطها، ومعها دول الساحل الأخرى، في مسار الانفتاح على الأطلسي عبر المغرب. ولهذا فإن أي اضطراب يضرب مالي اليوم لا يصيب الدولة المالية وحدها، بل ينعكس أيضًا على مشاريع الممرات والتكامل والربط اللوجستي التي بدأت تتشكل في المنطقة.
هل يعني هذا أن الهجوم صُمم أساسًا لضرب المغرب؟ لا يمكن الجزم بذلك. لكن يمكن القول بكل وضوح إن الفوضى في مالي تخدم موضوعيًا كل من يريد تعطيل إعادة ربط الساحل بالمحيط الأطلسي، وتمنح خصوم هذا التحول الاستراتيجي فسحة زمنية وميدانية ثمينة.
من باماكو إلى نواكشوط ودكار: الخطر لا يعترف بالحدود
الساحل لا ينهار داخل حدوده الوطنية، بل يفيض على جواره. وإذا تمددت الفوضى في مالي، فإن موريتانيا والسنغال، وسائر الغرب الإفريقي، لن يكونوا بمنأى عن الارتداد الأمني والاقتصادي والاجتماعي. فكلما ضعفت الدولة في عمق الساحل، تمددت شبكات التهريب، وتسربت المجموعات المسلحة، وارتفعت احتمالات إعادة تشكيل المجال الغربي كله تحت ضغط الخوف والعنف والهجرة والانفصال. لذلك فإن من يظن أن مالي شأن مالي محض، لا يرى الخريطة كاملة.
وهل تخدم هذه الفوضى الولايات المتحدة أيضًا؟
من حيث المصلحة الاستراتيجية، نعم، يمكن لواشنطن أن تستفيد من إضعاف روسيا في الساحل، ومن عودة ملف “الحرب على الإرهاب” إلى الواجهة، ومن فتح الباب أمام إعادة بناء شبكات الشراكة الأمنية في المنطقة تحت عناوين جديدة مثل “الملكية الإقليمية” وتقاسم الأعباء. لكن هذا شيء، والقول إن أميركا صنعت الحدث شيء آخر.
الأقرب إلى الدقة هو أن الأزمة الحالية قد تمنح واشنطن فرصة لإعادة التموضع، وربما لإعادة تسويق دورها في شمال وغرب أفريقيا تحت شعار مكافحة الإرهاب، لكنها لا تمنحنا، حتى الآن، دليلًا علنيًا على أنها هي التي أدارت ما يجري من خلف الستار.
حين تصبح أوروبا طرفًا في المعادلة من بوابة الخوف
ما يحدث في مالي لا يهدد أفريقيا فقط، بل قد يرتد شمالًا نحو أوروبا في صورتين تعرفهما جيدًا: الهجرة غير النظامية والتهديد الإرهابي العابر للحدود. فكلما ضعفت الدولة في الساحل، واشتد تزاوج الجهادية مع التهريب والفوضى، ارتفعت الضغوط على المسارات المؤدية إلى الشمال. ومن هنا تبرز أهمية المغرب بوصفه ليس مجرد بلد مغاربي كبير، بل فاعلًا استراتيجيًا في حماية الضفة الجنوبية لأوروبا.
فالمغرب، بحكم موقعه الجغرافي، وخبرته الأمنية، وشراكاته مع الاتحاد الأوروبي، وقدرته على ضبط الحدود ومسالك الهجرة، يتحول موضوعيًا إلى حارس استقرار بين ساحل مضطرب وأوروبا قلقة. ومن ثم، فإن أي قراءة عميقة للأزمة المالية لا ينبغي أن ترى المغرب فقط من زاوية التنافس المغاربي أو المشروع الأطلسي، بل أيضًا من زاوية دوره كـ سد جيوسياسي وأمني يمنع انتقال الفوضى من عمق الساحل إلى الشاطئ الأوروبي. وقد أكدت مؤسسات أوروبية مجددًا أهمية الشراكة مع الرباط في إدارة الهجرة وضبط الحدود الجنوبية.
ما الذي تكشفه هذه الأزمة حقًا؟
تكشف قبل كل شيء أن الدولة العسكرية وحدها لا تكفي. وأن السلاح، مهما تضخم، لا يبني شرعية. وأن القوى الكبرى، مهما رفعت شعارات محاربة الإرهاب، لا تدخل الساحات المضطربة إلا ومعها خرائط مصالحها. وتكشف أيضًا أن “الإرهاب” لا يعيش فقط في الكهوف والفراغات الأمنية، بل يعيش كذلك في الكسور الجيوسياسية التي تفتحها الدول، وتتركها تتسع ثم تديرها بدل أن تعالجها.
مالي اليوم ليست مجرد دولة مضطربة؛ إنها مختبر مفتوح لما يمكن أن يصير إليه الساحل كله إذا استمرت المنطقة تُقرأ بعين أمنية ضيقة، أو بعين دعائية ترى كل شيء مؤامرة خالصة، أو بعين ساذجة تنكر أن الجغرافيا تُدار بالقوة والنفوذ والوظيفة.
السيناريوهات المحتملة: إلى أين تتجه مالي والساحل؟
السيناريو الأول: احتواء عسكري هش
تنجح باماكو، بدعم روسي مباشر أو غير مباشر، في امتصاص الصدمة، وتستعيد بعض المواقع، وتمنع سقوط النظام، لكن من دون حل جذري. في هذا السيناريو تستمر الدولة، لكن كدولة مثخنة بالجراح، تتحكم في المركز وتتنازع مع الأطراف. النتيجة: بقاء الأزمة مفتوحة، من دون انهيار كامل ولا استقرار حقيقي.
السيناريو الثاني: استنزاف طويل وتفكك تدريجي
تتواصل الهجمات، وتتسع مناطق العجز، وتتحول الدولة إلى جسم دفاعي محدود، بينما تفرض الجماعات المسلحة والانفصالية وقائع ميدانية جديدة. هذا السيناريو لا يعني سقوطًا سريعًا، بل تآكلًا بطيئًا للدولة، مع اتساع المجال الرمادي بين الحكم الرسمي والنفوذ المسلح.
السيناريو الثالث: عودة الغرب من بوابة “مكافحة الإرهاب”
تُستثمر الفوضى المتصاعدة لإعادة بناء تدخلات أو شراكات أمنية جديدة تقودها أو ترعاها قوى غربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وشركاؤها، تحت عنوان الحرب على الإرهاب. وقد يفتح هذا الباب أمام ترتيبات إقليمية جديدة تشمل شمال وغرب أفريقيا، مع محاولة إعادة تشكيل المجال الأمني الساحلي بأكمله.
السيناريو الرابع: صعود الوساطات الإقليمية وإعادة التوازن
في هذا المسار، تستعيد قوى إقليمية دور الوسيط، وتُفرض تسوية جزئية توقف الانفجار الكامل، وتحاول ضبط التناقض بين باماكو وبعض الفاعلين الطوارق، من دون إنهاء الخطر الجهادي كليًا. هذا السيناريو يفترض أن الجميع أدرك أن الانهيار الكامل أخطر من الخصومة المؤجلة.
السيناريو الخامس: اتساع الدائرة نحو موريتانيا والسنغال وغرب أفريقيا
إذا فشل الاحتواء، واشتد التداخل بين الإرهاب والانفصال والتهريب، فقد تنتقل الضغوط إلى دول الجوار الغربي، سواء عبر اختراقات أمنية أو عبر مسارات الهجرة والسلاح. هنا لا تبقى مالي أزمة داخلية، بل تصبح بداية موجة عدم استقرار إقليمية واسعة.
السيناريو السادس: تبلور المغرب كقطب استقرار وممر استراتيجي
في مقابل اتساع الفوضى، قد يتعزز دور المغرب أكثر فأكثر بوصفه قطبًا للاستقرار، وحلقة وصل بين الساحل والأطلسي، وشريكًا أمنيًا وعمليًا في حماية الضفة الجنوبية لأوروبا. وفي هذا السيناريو، تتحول الأزمة نفسها إلى عامل يكشف قيمة الدولة المستقرة، والممر الآمن، والشريك الموثوق.. والحديث هنا هو عن المغرب، الدولة القوية والفاعل الجيوسياسي الذي لا غنى عنه في المنطقة.
خاتمة
السؤال الذي ينبغي أن يظل معلقًا فوق كل ما يجري ليس فقط: من هاجم مالي؟
بل أيضًا: من يريد للساحل أن يبقى مفتوحًا على الفوضى؟ ومن يريد أن يتحول إلى مجال للاستقرار والسيادة والربط والتنمية؟
فبين دولة تريد أن تعيش، وجماعات تريد أن تتمدد، وقوى تريد أن تستثمر، وشعوب تريد أن تنجو، تقف مالي اليوم على حافة تاريخية خطيرة.
وما لم تُقرأ هذه اللحظة بعمق، فإن ضجيج المنصات سيغطي على الحقيقة، فيما تتغير الخرائط بهدوء على الأرض.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق