من جمود التراث إلى سؤال التجديد
تمهيد
لم تولد مناهج التفسير المعاصرة في فراغ معرفي هادئ، بل نشأت في لحظة تاريخية مأزومة، وجد فيها المسلمون أنفسهم بين ثقل تراث طويل من الشروح والمذاهب، وصدمة حضارية عنيفة تمثلت في الاستعمار الغربي، وتفكك الدولة العثمانية، وانكشاف التخلف العلمي والسياسي والعسكري، وصعود الدولة الحديثة، وانتشار مفاهيم الحرية والدستور والنهضة والعقلانية والإصلاح.
لقد كان السؤال الذي واجه المسلمين في هذه المرحلة سؤالًا مزدوجًا: لماذا تأخر العالم الإسلامي وتقدم العالم الغربي؟ وكيف نقرأ القرآن من جديد بطريقة تساعدنا على الخروج من الانحطاط؟ لم يعد الإشكال محصورًا في معنى لفظ، أو حكم فقهي، أو مسألة كلامية، بل صار متعلقًا بمصير الأمة كلها: الاستبداد، والاستعمار، والجهل، والتخلف، والتواكل، والاستعباد، والفساد، وانهيار الشورى، وضعف العقل، وغياب الفاعلية الحضارية..../...
ومن هنا اختلفت مناهج التفسير المعاصرة عن كثير من المناهج القديمة. فالمفسر القديم كان يتحرك غالبًا داخل أسئلة الرواية، واللغة، والفقه، والكلام، والذوق الروحي. أما المفسر المعاصر، فقد وجد نفسه أمام أسئلة النهضة، والدولة، والحرية، والاستعمار، والعلم، والمرأة، والعدالة الاجتماعية، والهوية، والعلاقة بالغرب، وموقع القرآن في بناء الإنسان والمجتمع. ولذلك لم يعد التفسير مجرد شرح للآية، بل صار محاولة لإعادة ربط القرآن بالواقع.
لكن هذا التحول يحمل في داخله فرصة وخطرًا في آن واحد. أما الفرصة، فهي أن يعود القرآن إلى موقعه الحي بوصفه كتاب هداية وتغيير، لا مجرد موضوع للشرح المدرسي أو التلاوة التعبدية المنفصلة عن الحياة. وأما الخطر، فهو أن يتحول الواقع نفسه إلى حاكم على القرآن، أو أن تُقرأ الآيات في ضوء أيديولوجيات حديثة جاهزة، كما حدث في بعض القراءات القومية العروبية، أو الرأسمالية، أو الاشتراكية، أو الحركية الثورية، أو التاريخية، أو التاريخانية أو الإسلاموية السياسية.
ولهذا فإن مناهج التفسير المعاصرة تحتاج إلى ميزان دقيق: نأخذ منها وعيها بالواقع، وجرأتها على مراجعة التراث، ومحاولتها ردّ القرآن إلى مركز الفعل الحضاري؛ لكننا نراجعها حين تجعل مشكلات العصر، أو أيديولوجياته، أو ضغوطه السياسية والثقافية، هي التي تحدد معنى القرآن. فالقرآن يخاطب الواقع، لكنه لا يذوب فيه. وينهض بالأمة، لكنه لا يتحول إلى برنامج حزبي. ويحرر الإنسان، لكنه لا يخضع لكل شعار يرفع باسم التحرر والنهضة.
وقد جاءت البدايات الكبرى لهذا الوعي الإصلاحي في سياق مواجهة الاستبداد والانحطاط. فعبد الرحمن الكواكبي، في كتابه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، لم يقدم تفسيرًا بالمعنى الاصطلاحي، لكنه أعاد لفت النظر إلى البعد القرآني في الحرية والشورى ومقاومة الطغيان. فقد رأى أن الاستبداد أصل كل فساد، وأن الجهل والتخلف ليسا قدرًا دينيًا، بل نتيجة سياسية واجتماعية لصناعة الخضوع. ومن هنا كانت دعوته إلى الشورى والدستور قريبة من الروح القرآنية التي تجعل أمر المؤمنين شورى بينهم.
ومع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده بدأت محاولة أخرى، تمثلت في ربط القرآن بالعقل والنهضة ومقاومة التقليد. فقد رأى هذا الاتجاه أن أزمة المسلمين ليست في القرآن، بل في تعطيل العقل، وتقديس الموروث، والجمود الفقهي، والاستسلام للاستبداد. ومن هنا جاء تفسير المنار محاولة لإعادة قراءة القرآن قراءة إصلاحية، تربط الإيمان بالعمل، والدين بالعمران، والعقل بالوحي، وتواجه الخرافة والتقليد باسم الإسلام نفسه.
ثم جاء محمد إقبال ليطرح سؤال التجديد من زاوية فلسفية وروحية أوسع. فقد كان مشغولًا بإعادة بناء الفكر الديني في الإسلام، وبإحياء الذات المسلمة في مواجهة السكون، وبإعادة فهم العلاقة بين الوحي والزمان والحركة. ولم يكن مشروعه تفسيرًا مباشرًا للقرآن، لكنه أسهم في تشكيل الوعي المعاصر بأن الدين ليس انحباسًا في الماضي، بل طاقة روحية وفكرية قادرة على تجديد الإنسان والتاريخ.
ثم ظهر مالك بن نبي، الذي نقل سؤال النهضة إلى مستوى آخر، حين تحدث عن القابلية للاستعمار، وبيّن أن الاستعمار لا ينجح إلا حين يجد مجتمعًا فقد مناعته الداخلية، وعجز عن إنتاج الإنسان الفاعل. وهذا التحليل ينسجم مع منطق قرآني عميق: أن تغيير الخارج لا يبدأ إلا بتغيير ما بالنفس، وأن الهزيمة ليست عسكرية فقط، بل نفسية وثقافية وحضارية وهو ما أكدت صحته حرب (حزيران) أكتوبر 1967، حيث اعتبرتها الكاتبة السورية غادة السمان آنذاك، هزيمة شاملة وعميقة تتجاوز البعد العسكري لتضرب في الصميم الوجدان والفكر العربي، رافضة بذلك مصطلح "النكسة" الذي روج له الإعلام القومي العروبي باعتباره مصطلحا تحذيريا يحاول التغطية على حجم الكارثة والشعارات الكاذبة، وفق ما ورد في مقالها الشهير "أحمل عاري إلى لندن".
وفي سياق آخر، ظهر سيد قطب بقراءته الوجدانية والحركية للقرآن في مؤلفه الشهير في ظلال القرآن، وهي ليست قراءة تفسيرية بقدم ما هي قراءة متمردة في ظلال القرآن وذات أثر وجداني واسع، لأنها أعادت للقرآن حرارة الخطاب المباشر، وربطت الآيات بالصراع الاجتماعي والسياسي والروحي. غير أن هذه القراءة حملت كذلك خطرًا كبيرًا حين تحولت عند بعض أتباعها من جماعة الإخوان المسلمين، خاصة بعد كتاب معالم في الطريق، إلى رؤية حادة تقسم العالم إلى جاهلية وإسلام، وتفتح الباب أمام منطق المفاصلة والصدام. ولذلك فإن قراءة سيد قطب تحتاج إلى تمييز: فيها قوة وجدانية ولغة قرآنية مؤثرة، وفيها أيضًا قابلية حركية وثورية خطيرة إذا فُصلت عن ميزان الرحمة والعدل والتدرج وسنن الاجتماع.
وفي مقابل الإصلاح القرآني والعقلي، ظهرت حركات رفعت شعار العودة إلى التوحيد أو إصلاح العقيدة، لكنها غالبًا عادت إلى النص بروح ظاهرية أو سياسية مغلقة. ومن هنا ينبغي التفريق بين التجديد الذي يحرر القرآن من الجمود، وبين الحركات التي توظف القرآن لبناء هوية مغلقة أو مشروع ثورة من أجل السلطة. فليس كل من رفع شعار العودة إلى القرآن كان قرآنيًا في المنهج، وليس كل من نادى بالإصلاح كان إصلاحيًا في المآل.
ولهذا سيكون من الضروري ألا نخلط بين المناهج التفسيرية المعاصرة والحركات الإسلامية السياسية. فالحركات قد تستعمل القرآن في خطابها، لكنها ليست بالضرورة مدارس تفسير. والوهابية أو الإخوان أو غيرهما لا ينبغي أن تُدرج هنا بوصفها مناهج تفسير بالمعنى العلمي، بل بوصفها أمثلة على توظيف ديني وسياسي للنص، سوف نعرض لها عند الحديث عن القراءة الحركية أو الأيديولوجية للقرآن، لا بوصفها أصلًا في علم التفسير، بل بوصفها استغلالا للدين في السياسة.
أما من جهة المناهج العلمية التي ظهرت في الزمن المعاصر الذي نحن بصدد الحديث عنه، فيمكن القول إن أبرزها هو التفسير الموضوعي، الذي حاول أن ينتقل من تفسير الآيات متتابعة بحسب ترتيب المصحف، إلى دراسة الموضوعات القرآنية الكبرى: الإنسان، الأمة، العدل، الحرية، السنن، المرأة، المال، الحكم، الجهاد، الأخلاق، الأسرة، العمران، وغيرها. وهذا المنهج كان ردًا على التفسير التجزيئي، ومحاولة لجمع الآيات المتعلقة بموضوع واحد لاستخراج رؤية قرآنية كلية تضيئه من كل جوانبه.
غير أن التفسير الموضوعي نفسه ليس خاليًا من الإشكال. فهو نافع حين يجمع أطراف الموضوع من القرآن كله، ويرد الجزئي إلى الكلي، ويستخرج المفاهيم من داخل النص. لكنه يصبح انتقائيًا حين يبدأ الباحث من موضوع جاهز أو موقف مسبق، ثم يبحث عن الآيات التي تؤيده، ويغفل ما لا يخدم بناءه. فالمنهج الموضوعي لا يكون موضوعيًا لمجرد أنه يدرس “موضوعًا”، بل يكون كذلك حين يلتزم الاستقراء، والمحكم، والسياق، والموضوعية، وعدم الانتقاء.
وقد تفرعت عن التفسير الموضوعي اتجاهات متعددة: اتجاه يدرس المصطلحات القرآنية، واتجاه يدرس الوحدة الموضوعية للسورة، واتجاه يدرس الموضوع في القرآن كله، واتجاه يحاول بناء منظومة مفاهيمية كاملة من داخل القرآن. وكل اتجاه من هذه الاتجاهات له قيمة وحدود. فدراسة المصطلح ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها. ودراسة السورة مهمة، لكنها قد تعزل الموضوع عن بقية القرآن. ودراسة الموضوع في القرآن كله هي الأقرب إلى الشمول، لكنها تحتاج إلى ضبط شديد حتى لا تتحول إلى اختيار جزئي للآيات.
ومن هنا يبدو أن المنهج الأقوم في العصر المعاصر هو ما يمكن تسميته بـ القراءة المفاهيمية الكلية: أي أن ندرس المفهوم القرآني من داخل القرآن كله، لا من خلال آية واحدة، ولا من خلال المعجم وحده، ولا من خلال التراث وحده، ولا من خلال أسئلة الواقع وحدها. نبدأ من اللفظ، ثم نجمع مواضعه، ثم نقرأ سياقاته، ثم نربطه بالمحكمات، ثم ندرسه داخل الشبكة القرآنية الكبرى، ثم ننظر في كيفية تنزيله على الواقع دون أن نفرض الواقع عليه.
وهذا المنهج يقترب من قاعدة تفسير القرآن بالقرآن، لكنه لا يكتفي بها كشعار عام، بل يحاول تحويلها إلى طريقة علمية: جمع، وتصنيف، ومقارنة، وردّ للمتشابه إلى المحكم، وتمييز بين اللفظ والمفهوم، وبين السياق الخاص والدلالة العامة، وبين المعنى القرآني والتراكم التراثي. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأمة للخروج من أسر التفاسير المتناثرة والمقولات المذهبية المغلقة.
ومع ذلك، يجب التنبيه إلى أن تفسير القرآن بالقرآن ليس دعوة إلى إلغاء اللغة أو الرواية أو التاريخ أو العقل، بل إلى إعادة ترتيبها. فاللغة تساعد على فهم اللفظ، والرواية تضيء بعض السياقات، والتاريخ يشرح ظروف التلقي، والعقل يرتب المعنى، لكن القرآن يبقى هو الحاكم على هذه الأدوات كلها. فإذا تعارضت رواية مع محكم القرآن، رُدت. وإذا ضاق المعجم عن المفهوم القرآني، وسّعه القرآن. وإذا فرض الواقع قراءة تصادم الهداية، عُدّل فهم الواقع لا القرآن.
وهنا يمكن أن نستحضر أطروحة الباحث الإسلامي عبد الكريم سروش فيما اصطلح على تسميته بـ "علم الكلام الجديد" حول التمييز بين الدين والمعرفة الدينية. فالدين، من حيث هو وحي وحق إلهي، ليس هو فهم البشر له. والمعرفة الدينية تتسع وتضيق، تقبض وتبسط، بحسب تطور معارف الإنسان وأسئلته وسياقاته. وهذه الفكرة مهمة جدًا إذا وُضعت في موضعها الصحيح: فهي تحرر القرآن من احتكار الفقهاء والمذاهب، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى نسبية تذيب الحقيقة نفسها. فالمعرفة نسبية، أما الحق الإلهي فمطلق؛ والفهم يتجدد، أما القرآن فليس مادة يصنعها كل مفسر كما يشاء.
ومن هنا نعود إلى القاعدة التي تصلح لتأطير مناهج التفسير المعاصرة كلها: التجديد لا يعني تغيير القرآن، بل تغيير علاقتنا به. ولا يعني أن نصنع قرآنًا على مقاس العصر، بل أن نعود إلى القرآن لنصحح به أخطاء العصر والتراث معًا. ولا يعني أن نقطع مع الماضي كله، بل أن نميز بين ما خدم الوحي وما حجبه. ولا يعني أن نجعل الواقع مصدرًا للمعنى، بل أن نجعل القرآن مصدرًا للهداية داخل الواقع المتغيّر.
وعليه، فإن هذا الباب سيقرأ مناهج التفسير المعاصرة في ضوء هذا الميزان: ما الذي أضافته؟ وما الذي أخفقت فيه؟ كيف فتحت باب التجديد؟ وكيف وقعت أحيانًا في الانتقاء أو الأدلجة؟ كيف ساعدت على كسر احتكار الفقهاء والمؤسسات الرسمية لإنتاج المعنى؟ وكيف أنتجت أحيانًا قراءات حركية أو سياسية أو أيديولوجية أوقعت الأمة في أزمات جديدة؟
من الإصلاح إلى التفسير
الكواكبي، عبده، إقبال، ومالك بن نبي
لا تبدأ مناهج التفسير المعاصرة من داخل كتب التفسير وحدها، بل تبدأ من سؤال أوسع سبقها ومهّد لها: لماذا تعطلت فاعلية القرآن في حياة الأمة؟ فقد ظل القرآن حاضرًا في التلاوة، والتعليم، والوعظ، والطقوس، لكنه غاب في مجالات كثيرة عن صناعة الوعي، وبناء الإنسان، ومقاومة الاستبداد، وتحرير العقل، وإصلاح الاجتماع، وتجديد العمران. ومن هنا ولد السؤال الإصلاحي قبل أن يولد المنهج التفسيري المعاصر.
لقد وجد المسلمون أنفسهم في القرنين التاسع عشر والعشرين أمام أزمة مركبة: استبداد داخلي، وجمود فقهي، وضعف علمي، وتراجع حضاري، ثم استعمار خارجي كشف هشاشة البنية السياسية والثقافية للأمة. ولم يكن هذا الضعف عسكريًا فقط، بل كان ضعفًا في الإنسان نفسه: في وعيه، وإرادته، وعلاقته بالدين، وموقعه من الحرية، وقدرته على الفعل في التاريخ.
ومن هنا جاءت أهمية المرحلة الإصلاحية؛ لأنها لم تطرح القرآن بوصفه نصًا يحتاج إلى شرح فحسب، بل بوصفه قوة معطّلة في حياة المسلمين ينبغي تحريرها من الحجب التي تراكمت حولها. فالسؤال لم يكن: ما معنى هذه الآية في كتب السابقين؟ بل: لماذا لم تعد الآية تصنع مواطنا حرًا؟ لماذا لم يعد الإيمان يصنع إنسانا قويا؟ لماذا لم تعد الشورى تمنع الاستبداد؟ لماذا لم يعد التوحيد يحرر الإنسان من الخضوع للطغيان؟ لماذا لم يعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنع الفساد؟ ولماذا صار الدين، في بعض صوره التاريخية، قوة تبرير للواقع بدل أن يكون قوة تغيير له؟
في هذا السياق تبرز شخصية عبد الرحمن الكواكبي. فهو لم يكن مفسرًا بالمعنى الاصطلاحي، ولم يكتب تفسيرًا للقرآن، لكنه قدّم قراءة قرآنية عميقة لأصل الداء السياسي في حياة المسلمين. لقد رأى أن الاستبداد ليس مجرد خلل إداري أو انحراف عارض في نظام الحكم، بل مرض شامل يفسد الدين، والعقل، والأخلاق، والعلم، والاجتماع. فالإنسان المستعبد لا يفكر بحرية، ولا يتدين بحرية، ولا ينتج معرفة حرة، ولا يبني أمة حرة. ومن هنا كان الاستبداد عنده أصلًا لكثير من صور الفساد.
وتظهر قرآنية الكواكبي في ربطه بين الحرية والعقل والشورى. فالقرآن لا يريد إنسانًا مفعولًا به، بل إنسانًا فاعلا، مسؤولًا، مخاطبًا، مكلفًا، شاهدًا على نفسه ومجتمعه. والاستبداد يسلب الإنسان هذه المسؤولية ويشل فاعليته الطبيعية؛ لأنه يحوله إلى فرد من رعية صامتة، ويجعل الدين أداة طاعة لا أداة تحرير. ومن هنا كان نقد الاستبداد خطوة ضرورية لاستعادة المعنى القرآني للشورى والأمانة والعدل.
ولذلك لم تكن دعوة الكواكبي إلى مقاومة الاستبداد دعوة سياسية منفصلة عن الدين، بل كانت في عمقها عودة إلى روح القرآن. فالاستبداد يناقض مبدأ الأمانة، لأن الحاكم لا يملك الناس ولا يملك الحق. ويناقض الشورى، والقرار العام لا يجوز أن يتحول إلى إرادة فرد واحد. ويناقض العدل، لأنه يجعل القوة فوق الميزان. ويناقض التوحيد، لأن الطاغية يطالب الناس عمليًا بنوع من الخضوع والاستسلام لا يليق إلا بالله.
وفي هذا السياق، يصبح قوله إن الشورى ليست ترفًا سياسيًا بل أصلًا من أصول العمران قريبًا من روح القرآن. فالله تعالى وصف المؤمنين بقوله: {وأمرهم شورى بينهم} الشورى: 38، وجاء هذا الوصف في سياق صفات إيمانية كبرى، لا في هامش إداري عابر. وهذا يعني أن الشورى ليست إجراءً شكليًا، بل تعبير عن كرامة الإنسان ومسؤوليته الجماعية. وكل تفسير للدين يلغي الشورى أو يفرغها من مضمونها، فإنه يقترب من الفقه السلطاني أكثر مما يقترب من الميزان القرآني.
ومن هنا يمكن القول إن الكواكبي مهّد لقراءة سياسية أخلاقية للقرآن، لا بمعنى تحويل القرآن إلى برنامج حزبي، بل بمعنى استعادة محكماته في مواجهة الاستبداد. لقد أراد أن يقول إن الدين الذي لا يحرر الإنسان من الخوف، ولا يوقظ عقله، ولا يمنعه من الخضوع للطاغية، قد فُهم فهمًا ناقصًا أو استُعمل استعمالًا فاسدًا. وهذا المعنى سيبقى حاضرًا في كل قراءة معاصرة تريد أن ترد القرآن إلى مركز الإصلاح.
ثم جاءت محاولة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده لتواجه جانبًا آخر من الأزمة: جمود العقل الديني. فقد رأى هذا التيار الإصلاحي أن المسلمين لم يتخلفوا لأن القرآن تخلف بهم، بل لأنهم عطلوا ما في القرآن من عقل وحركة وفاعلية. فالدين في أصله يدعو إلى النظر، والتفكر، والعمل، والعدل، ومقاومة الخرافة، لكن التدين التاريخي غلبت عليه أحيانًا نزعة تقليدية جعلت الإنسان يستسلم للموروث بدل أن يعود إلى القرآن.
كان جمال الدين الأفغاني معنيًا بإيقاظ الأمة من سباتها السياسي والحضاري، وبإحياء روح المقاومة في وجه الاستعمار، وبالدفاع عن قدرة الإسلام على بناء نهضة لا تقل عن نهضة الغرب. لم يكن مشروعه تفسيرًا مباشرًا، لكنه أسهم في نقل القرآن من مجال الوعظ الفردي إلى مجال الوعي الحضاري والسياسي. لقد رأى أن الإسلام، إذا فهم فهمًا حيًا، يستطيع أن يكون قوة تحرير عظيمة لا قوة خمول.
أما محمد عبده، فقد كان أقرب إلى إعادة بناء العقل الديني من الداخل. فقد رأى أن التقليد من أكبر عوائق الفهم، وأن القرآن يخاطب العقل، وأن الدين لا يعارض السنن ولا العلم الصحيح. ومن هنا جاءت أهمية مشروعه في تفسير القرآن، خاصة من خلال ما صار لاحقًا معروفًا بـ تفسير المنار، الذي تولى رشيد رضا إتمامه وتوسيعه. لقد حاول هذا المشروع أن يقرأ القرآن قراءة إصلاحية، تربط الإيمان بالعمل، والدين بالعمران، والعقل بالوحي، وتواجه الخرافة والتقليد باسم الإسلام نفسه.
وتكمن أهمية تفسير المنار في أنه خرج جزئيًا من دائرة التفسير التجزيئي المدرسي، وسأل عن أثر الآية في حياة الأمة. فعند قراءة آيات الشورى، أو السنن، أو أهل الكتاب، أو الاجتماع، أو الأخلاق، لم يكن السؤال لغويًا فقط، بل كان سؤالًا إصلاحيًا: كيف يمكن للقرآن أن يعيد بناء المجتمع المسلم؟ كيف يحرر العقل من الخرافة؟ كيف يربي الإنسان على العمل؟ كيف يواجه الاستبداد والاستعمار؟ كيف يستعيد الدين دوره في النهضة لا في تبرير الانحطاط؟
ومع ذلك، فإن هذا الاتجاه الإصلاحي لم يكن واحدًا في نتائجه. فمحمد عبده كان أقرب إلى إصلاح العقل والدين والأخلاق، بينما اتجه رشيد رضا لاحقًا في بعض جوانب مشروعه إلى مساحات أقرب إلى السلفية الإصلاحية، ثم أثرت كتاباته في تيارات مختلفة، بعضها ظل إصلاحيًا، وبعضها اتجه إلى تشدد أكبر في مسائل العقيدة والهوية. وهذا يعلّمنا أن المنهج الإصلاحي نفسه يحتاج إلى ميزان؛ فقد يبدأ بتحرير العقل، ثم قد ينتهي عند بعض تلامذته إلى إعادة إنتاج سلطة موروثة بلباس جديد.
وهذه ملاحظة بالغة الأهمية في قراءة المرحلة الإصلاحية. فالإصلاح لا يكفي أن يرفع شعار العقل أو العودة إلى القرآن، بل يحتاج إلى ضبط منهجي يمنع الانزلاق إلى طرفين: طرف التوفيق السطحي مع الحداثة كما حدث في تركيا، وطرف العودة الحرفية إلى موروث يظن أنه القرآن كما حدث في بقية الدول الإسلامية. فالميزان ليس في كون القراءة جديدة أو قديمة، بل في مدى خضوعها للقرآن نفسه: محكمه، ولسانه، ومقاصده، وسننه، وميزانه في العدل والحرية والمسؤولية حيث يوجد الإنسان في مركز الخطاب.
أما محمد إقبال، فقد نقل سؤال التجديد إلى أفق فلسفي وروحي أوسع. فهو لم يكن مفسرًا تقليديًا، لكنه كان مشغولًا بإعادة بناء الفكر الديني في الإسلام. وقد رأى أن الإسلام ليس دين سكون، بل دين حركة، وأن الوحي لا يعطل الذات الإنسانية، بل يوقظها لتشارك في بناء العالم. ومن هنا كان تركيزه على مفهوم الذات، والحرية، والحركة، والزمن، والاجتهاد، بوصفها مفاتيح لإحياء الأمة.
تنبع أهمية إقبال من أنه أدرك أن الأزمة ليست فقط أزمة فقه أو سياسة، بل أزمة روح. فالمسلم في نظره لم يفقد السلطة فقط، بل فقد الحيوية الداخلية، وفقد ثقته برسالته، وفقد قدرته على الفعل الخلاق. ولذلك لم يكن التجديد عنده مجرد تعديل أحكام أو إصلاح مؤسسات، بل إعادة بناء للذات المؤمنة، حتى تستعيد قدرتها على المبادرة في التاريخ.
وفي هذا المعنى، يقترب إقبال من الرؤية القرآنية التي تجعل الإنسان خليفة ومسؤولًا ومبتلى، لا كائنًا سلبيًا ينتظر الخلاص دون عمل. فالقرآن لا يقدم الإيمان بوصفه انسحابًا من العالم، بل بوصفه قوة أخلاقية تحرك الإنسان في العالم. ولا يقدم العبادة بوصفها انفصالًا عن التاريخ، بل بوصفها تربية للإنسان الذي يحمل الأمانة في التاريخ. ومن هنا كان إقبال يريد تحرير المسلم من السكون باسم القدر، ومن العجز باسم الزهد، ومن الخمول باسم التواكل والتسليم للأمر الواقع.
غير أن لغة إقبال الفلسفية والشعرية تجعل مشروعه أقرب إلى إلهام تجديدي عام منه إلى منهج تفسيري تطبيقي مفصل. فهو يفتح آفاقًا واسعة في فهم الدين والزمان والذات والاجتهاد، لكنه لا يقدم دائمًا أدوات تفسيرية دقيقة لضبط قراءة الآيات وبناء المفاهيم. ولذلك نأخذ منه روحه التجديدية العميقة، لا باعتبارها بديلًا عن المنهج، بل باعتبارها طاقة دافعة نحو المنهج.
ثم جاء مالك بن نبي ليضيف إلى سؤال الإصلاح بعدًا حضاريًا دقيقًا. فقد رأى أن الاستعمار لا يفسر وحده مأساة المسلمين، لأن الاستعمار لا ينجح إلا حين يجد قابلية داخلية للاستعمار. وهذه الفكرة شديدة الأهمية؛ لأنها تنقل النقد من الخارج إلى الداخل، ومن اتهام الآخر وحده إلى مساءلة الذات التي تفضل الهوب من خلال الاحتماء في موقف الضحية. فالقرآن نفسه يقرر قاعدة عميقة: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} الرعد: 11. وهذا يعني أن الهزيمة تبدأ من الداخل قبل أن تظهر في الخارج.
في ضوء هذا التحليل، يصبح التفسير المعاصر مطالبًا بأكثر من شرح الآيات. إنه مطالب بأن يكشف كيف يبني القرآن الإنسان القادر على الفعل، وكيف يحرر المجتمع من القابلية للاستعباد، وكيف يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان (الواعي) والتراب (العمران) والوقت (التاريخ) في ضوء فكرة موجِّهة تمنح هذه العناصر معناها الحضاري، كما في تحليل مالك بن نبي لشروط النهضة.
فالإنسان لا يصنع حضارة بمجرد وجوده العددي، والتراب لا يتحول إلى عمران بمجرد امتلاكه، والوقت لا يصبح تاريخًا بمجرد مروره. وإنما تبدأ الحضارة حين يصبح الإنسان حاملًا لفكرة، مستثمرًا للأرض، واعيًا بقيمة الزمن، متجهًا نحو غاية أخلاقية وعمرانية واضحة. والقرآن، في هذا المعنى، ليس كتاب وعظ فقط، بل مصدر للفكرة الموجهة التي تمنح الإنسان اتجاهه، وتمنح العمل قيمته، وتمنح الزمن مسؤوليته.
ومن هنا تتجلى قرآنية مالك بن نبي في تركيزه على السنن. فالأمة لا تنهض بالدعاء وحده، ولا بالشعارات وحدها، ولا بمجرد الانتساب إلى الإسلام، بل تنهض حين تفهم سنن الله في النفس والاجتماع والتاريخ. فالفساد ينتج الظلم، والظلم ينتج الخراب، والكسل ينتج التبعية، والتفرق ينتج الفشل، وفقدان الفكرة ينتج الفراغ، وغلبة الأشياء على الأفكار تنتج حضارة استهلاك لا حضارة رسالة. وهذه كلها معانٍ قريبة من المنطق القرآني في ربط المصير بالأعمال والسنن لا بالأسماء والشعارات.
ومع هؤلاء جميعًا، بدأ يتشكل اتجاه جديد: قراءة القرآن بوصفه كتاب نهضة، لا مجرد كتاب أحكام أو مواعظ. وهذه كانت نقطة تحول مهمة. فقد انتقل السؤال من: ماذا قال المفسرون في الآية؟ إلى: ماذا تقول الآية عن حال الأمة؟ كيف تعالج الاستبداد؟ كيف تحرر العقل؟ كيف تقاوم الخرافة؟ كيف تبني الإنسان؟ كيف تواجه الاستعمار؟ كيف تستعيد الفاعلية؟
لكن هذا التحول، على أهميته، يحمل خطرًا منهجيًا ينبغي التنبه له. فحين نقرأ القرآن من موقع أزمة النهضة، قد ننتفع بالقرآن في فهم الأزمة، لكن قد نقع أيضًا في إسقاط همومنا عليه. والفرق كبير بين أن نجعل القرآن ميزانًا لتشخيص الواقع، وبين أن نجعل الواقع هو الذي ينتج معنى القرآن. الإصلاحي الحق يأخذ سؤال الواقع إلى القرآن، أما المؤدلج فيأخذ جوابًا مسبقًا من الواقع ثم يبحث له عن آيات.
ومن هنا ينبغي أن نقرأ رواد الإصلاح قراءة مزدوجة: نأخذ منهم الجرأة على نقد الجمود والاستبداد، والعودة إلى القرآن بوصفه قوة تحرير وبناء، ونراجع عندهم ما قد يكون متأثرًا بصدمة الغرب، أو بثنائية التقدم والتأخر، أو بالرغبة في إثبات أن الإسلام يوافق كل ما وصل إليه العصر (الأصالة والمعاصرة). فالقرآن لا يحتاج إلى أن يثبت قيمته بالتطابق مع الحداثة، بل الحداثة نفسها تحتاج إلى أن تُوزن بالقرآن.
وهذا ما يميز الإصلاح القرآني عن الإصلاح التوفيقي السطحي. فالإصلاح القرآني لا يقول إن كل ما جاء به الغرب موجود في القرآن، ولا يحاول أن يجعل القرآن تابعًا لمفاهيم النهضة الأوروبية، بل يعود إلى القرآن ليحرر الإنسان من الاستبداد والتقليد والتبعية معًا. أما الإصلاح التوفيقي فيكتفي أحيانًا بطمأنة المسلم أن القرآن لا يعارض العصر، دون أن يسأل: أي عصر؟ وأي حداثة؟ وأي إنسان تريد هذه الحداثة أن تصنع؟
وقد كان من حسنات المرحلة الإصلاحية أنها كسرت احتكار الفهم التقليدي، وفتحت باب السؤال من جديد. لكنها لم تستطع دائمًا أن تقدم منهجًا متكاملًا لتفسير القرآن. فالكواكبي كشف خطر الاستبداد، لكنه لم يبنِ نظرية تفسيرية. والأفغاني أيقظ الحس السياسي والحضاري، لكنه لم يقدم تفسيرًا مفصلًا. ومحمد عبده فتح باب القراءة العقلية الإصلاحية، لكنه بقي مشدودًا إلى أسئلة عصره. وإقبال أطلق طاقة روحية وفلسفية كبيرة، لكنها لم تتحول إلى أدوات تفسيرية. ومالك بن نبي بنى قراءة حضارية وسننية عميقة، لكنها تحتاج إلى وصل مباشر وموسع بالنسق القرآني.
ومن هنا فإن المرحلة الإصلاحية مهّدت لمناهج التفسير المعاصرة بثلاث نتائج كبرى.
- الأولى: أنها كسرت احتكار التفسير المدرسي المغلق، وأعادت القرآن إلى سؤال الأمة والواقع.
- الثانية: أنها حررت، إلى حد كبير، العلاقة بين القرآن والعقل، فصار التدبر والاجتهاد جزءًا من معركة النهضة.
- الثالثة: أنها فتحت الباب أمام التفسير الموضوعي والمقاصدي والحضاري، لأن أسئلة الأمة لم تعد تجيب عنها التفاسير التجزيئية وحدها.
لكنها في الوقت نفسه خلّفت ثلاثة تحديات.
- الأول: خطر تحويل القرآن إلى خطاب إصلاحي عام بلا ضبط منهجي كاف.
- الثاني: خطر قراءة القرآن تحت ضغط الهزيمة الحضارية أمام الغرب.
- الثالث: خطر انتقال الإصلاح من نقد الاستبداد والجمود إلى مشاريع حركية أو سياسية قد تستعمل القرآن في الصراع على السلطة.
وهذا ما سيظهر بوضوح في القراءات اللاحقة، خاصة مع التفسير الحركي من جهة، والتفسير الموضوعي والمقاصدي من جهة أخرى. فالأول حاول أن يجعل القرآن محركًا للصراع والتغيير، لكنه وقع أحيانًا في الحدة والأدلجة. والثاني حاول أن يستخرج الرؤية الكلية للقرآن في الموضوعات الكبرى، لكنه وقع أحيانًا في الانتقاء أو إسقاط أسئلة الباحث على النص.
وخلاصة القول، أن رواد الإصلاح لم يقدموا دائمًا مناهج تفسير مكتملة، لكنهم غيّروا سؤال التفسير نفسه. فقد نقلوا القرآن من فضاء الشرح المدرسي إلى فضاء النهضة والتحرير والعمران. وهذه نقلة كبرى لا يجوز إنكار فضلها. غير أن هذه النقلة تحتاج إلى ضبط قرآني دائم، حتى لا يتحول الإصلاح إلى تبعية للحداثة، ولا تتحول النهضة إلى أيديولوجيا، ولا يتحول القرآن من ميزان على الواقع إلى أداة في يد الواقع.
يتبع...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق