من ملاعب الكرة إلى مأزق العروبة العسكرية
لم تعد كرة القدم، في العالم العربي، مجرد لعبة يتنافس فيها اللاعبون داخل المستطيل الأخضر، ولا مجرد مناسبة عابرة للفرح أو الحزن أو الحماسة الرياضية. لقد تحولت، في لحظات كثيرة، إلى مرآة كاشفة لما يعتمل في النفوس من توترات، وما تختزنه الذاكرة السياسية من أحقاد، وما تخفيه الخطابات الكبرى من تناقضات عميقة بين ما تقوله الشعوب عن الأخوة والوحدة والتضامن، وما تمارسه بعض الجماهير والمنابر عند أول اختبار حقيقي.../...
وقد كشفت النجاحات الرياضية الأخيرة للمغرب، وما رافقها من ردود فعل عربية متشنجة، عن ظاهرة مقلقة تتجاوز حدود المنافسة الرياضية. فحين يصبح انتصار منتخب إفريقي أو أوروبي على المغرب مناسبة للاحتفال في بعض الفضاءات العربية، وحين تُستدعى فلسطين أو إسرائيل أو التطبيع أو التخوين كلما حقق المغرب إنجازًا، وحين يتحول العلم المغربي إلى موضوع إهانة أو حرق أو تدنيس، فإننا لا نكون أمام شغب جماهيري عابر، بل أمام عطب رمزي عميق في جزء من الوجدان العربي المعاصر.
المشكلة ليست أن يشجع مصري أو تونسي أو جزائري منتخبًا آخر ضد المغرب؛ فهذا حق رياضي طبيعي لا يمكن الاعتراض عليه. المشكلة أن يتحول التشجيع إلى شماتة في شعب، وأن تصبح هزيمة المغرب أمنية سياسية ونفسية، وأن يُستدعى اسم المغرب حتى في مباريات لا يكون طرفًا فيها. عندئذ لا تعود المسألة رياضة، بل تتحول إلى حقد رمزي صنعته سنوات من الإعلام التعبوي، وفشل النماذج السياسية، والحاجة الدائمة إلى عدو خارجي يخفف وطأة الفشل الداخلي.
لقد راجت، في السنوات الأخيرة، مقاطع وتعليقات ومنشورات تظهر فرحًا بهزيمة المغرب أو تمنيًا لانكساره، لا بوصفه خصمًا رياضيًا فحسب، بل بوصفه نموذجًا يجب إسقاطه رمزيًا. وراجت أيضًا تعبيرات عدائية بلغت أحيانًا حد التحقير العنصري أو الحيواني أو إهانة الرموز الوطنية. وبعض هذه المواد يحتاج، بطبيعة الحال، إلى تحقق وتوثيق مستقل، لأن الفضاء الرقمي قابل للتلاعب والاجتزاء والفبركة. غير أن مجرد رواجها وتصديقها والاحتفاء بها يكشف المناخ العام الذي بات يسمح لمثل هذا الخطاب بأن ينتشر، وأن يجد من يصفق له.
وهنا ينبغي التمييز بين الشعوب وبين الخطابات التي تعبئها. فليس المقصود أن شعوب مصر أو تونس أو الجزائر تكره المغرب ككتلة بشرية واحدة؛ فهذا تعميم ظالم وساذج. المقصود أن هناك خطابًا جماهيريًا وإعلاميًا ورقميًا متناميًا، يجد في نجاح المغرب مادة للغيظ، وفي فلسطين وسيلة للتخوين، وفي كرة القدم ساحة لتصفية حسابات سياسية ونفسية لا علاقة لها بالرياضة.
ولعل أخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يهاجم المغرب لأنه فشل، بل لأنه نجح. فالفشل غالبًا لا يثير حساسية الآخرين، أما النجاح فإنه يحرجهم، خصوصًا حين يأتي من دولة عربية وإفريقية استطاعت، رغم المعيقات الخارجية وبعض التفاوتات الداخلية، أن تراكم حضورًا دبلوماسيًا ورياضيًا وتنمويًا متصاعدًا. المغرب لم يصبح نموذجًا مكتملًا، ولا دولة بلا اختلالات، ولا مجتمعًا تجاوز أسئلة الفقر والتعليم والصحة والعدالة المجالية. لكنه، بالمقابل، قدّم صورة مختلفة عن كثير من النماذج العربية التي ظلت لعقود تعد شعوبها بالوحدة والنهضة والتحرر والعدالة الاجتماعية، ثم عجزت عن تحويل تلك الوعود إلى واقع مؤسسي وتنموي مستقر.
هنا تكمن جوهر القضية. فنجاح المغرب لا يثير الحساسية لأنه كروي فقط، بل لأنه يكشف، بالمقارنة، فشل أنظمة عسكرية وجمهورية وعروبية بنت شرعيتها على الشعارات الكبرى: التحرر، القومية، فلسطين، العدالة، الاشتراكية، الوحدة، الصمود، المقاومة، ثم انتهى كثير منها إلى انسداد سياسي، وضعف اقتصادي، وتخلف اجتماعي، وهجرة شبابية، وتضخم في الخطاب يقابله فقر في الإنجاز. وحين تعجز هذه الأنظمة أو الخطابات عن تفسير فشلها لشعوبها، يصبح من الأسهل تحويل النقاش من سؤال الداخل إلى مهاجمة نموذج آخر يحقق النجاح الذي عجزت عنه تلك الأنظمة السلطوية.
بهذا المعنى، يصبح المغرب هدفًا لا لأنه عدو، بل لأنه مرآة. والمرآة، حين تكشف القبح أو العجز أو التناقض، تصبح أحيانًا أكثر إزعاجًا من الخصم الحقيقي. فبدل أن يُطرح السؤال: لماذا لم تنجح هذه الأنظمة في بناء تنمية حقيقية؟ لماذا لم تنتج مؤسسات قوية؟ لماذا لم تترجم شعاراتها إلى كرامة يومية للمواطن؟ يُحوَّل النقاش إلى سؤال آخر: لماذا ينجح المغرب؟ ولماذا ينافس الغرب المتقدم؟ ولماذا يتحالف مع قوى العالم؟ ولماذا يتقدم في كل المجالات؟ ولماذا يفرح المغاربة بمنتخبهم؟ وهكذا تُستبدل محاسبة الفشل بمهاجمة النجاح.
وتأتي فلسطين، للأسف، في كثير من هذه السجالات، بوصفها أداة جاهزة للتخوين. فبدل أن تبقى قضية عدل وحرية وحقوق شعب محتل، تتحول في يد بعض الخطابات إلى عصا أخلاقية لضرب الخصوم. يكفي أن تختلف مع دولة أو شعب حتى تتهمه بالتصهين، ويكفي أن تريد إسكات نقاش حول التنمية أو الحكم أو الفشل حتى تستدعي فلسطين. وهذا ليس دفاعًا عن فلسطين، بل إساءة إليها؛ لأن القضية العادلة لا تحتاج إلى الكذب ولا الانتقائية ولا تحويلها إلى أداة تحريض سياسي وقومي وديني ضد شعب عربي ومسلم آخر.
والمفارقة أن الذين يرفعون تهمة التطبيع في وجه المغرب يتناسون، عمدًا أو جهلًا، أن أول دولة عربية وقعت معاهدة سلام مع إسرائيل كانت مصر سنة 1979، بعد اتفاقيات كامب ديفيد. ولا يعني هذا أن نقد التطبيع المغربي غير مشروع، بل يعني أن الانتقائية في النقد تكشف أن فلسطين لا تُستدعى دائمًا بوصفها مبدأ، بل تُستعمل أحيانًا بحسب الحاجة السياسية والمزاج الإعلامي. فإذا كان التطبيع خطيئة مطلقة، فليكن الحكم عامًا؛ وإذا كان واقعية سياسية في حالة، فلماذا يصبح خيانة في حالة أخرى؟ الإشكال هنا ليس في النقاش السياسي، بل في تحويله إلى تهمة جماعية ضد شعب بأكمله برغم ما قدمه ولا يزال من تضحيات ودعم لفلسطين.
ولفهم هذه الظاهرة بعمق، يمكن استدعاء علي الوردي، الذي حلل ازدواجية الشخصية العربية في بعض البيئات المشرقية بوصفها نتيجة لصراع طويل بين قيم البداوة وقيم الحضارة. فالوردي لم يكن يتحدث عن عيب فطري في شعب أو منطقة، بل عن بنية اجتماعية تاريخية تنتج تناقضًا بين خطاب مثالي عالٍ وسلوك عملي مشدود إلى العصبية والتفاخر والغلبة. وهذا التناقض يظهر حين يرفع الإنسان شعارات الأخوة والوحدة والكرامة، ثم يمارس الشماتة والتحقير والتخوين عند أول امتحان.
لقد رأى الوردي أن الصراع بين البداوة والحضارة أنتج شخصية قادرة على إعلان القيم المثالية بأعلى صوت، لكنها قد تتصرف، في الواقع، بمنطق العصبية والمصلحة والانفعال. وهذا ما نراه في بعض ردود الفعل الرياضية: خطاب يتحدث باسم الأمة، لكنه لا يحتمل نجاح دولة عربية؛ خطاب يرفع علم فلسطين، لكنه يستعمله لإدانة شعب آخر؛ خطاب يتغنى بالأخوة، ثم يحتفل بانكسار الشقيق كما لو كان عدوًا تاريخيًا.
غير أن التحليل السوسيولوجي وحده لا يكفي. هنا يحضر محمد عابد الجابري، لا بوصفه شاهدًا على تفوق مغربي عرقي أو جغرافي، بل بوصفه مفكرًا ميز بين أنظمة معرفية داخل العقل العربي: البيان، والعرفان، والبرهان. فالعقل البياني، حين يهيمن وحده، يجعل اللغة والنص والخطابة والقياس اللفظي مركز التفكير. وهو عقل قادر على إنتاج بلاغة قوية، لكنه إذا انفصل عن الواقع قد يتحول إلى شعارات وإدانات وتصنيفات جاهزة. أما العقل العرفاني، حين ينفلت من الضبط النقدي، فيغرق في الرمز والباطن واليقين غير القابل للنقاش. في المقابل، يمثل العقل البرهاني أفق الدليل والسببية والنتيجة والمراكمة.
وقد ربط الجابري هذا التمييز، في جانب من مشروعه، بجغرافيا ثقافية داخل التراث العربي الإسلامي. فالمشرق غلبت عليه تاريخيًا منظومات البيان والكلام والموروث الإيديولوجي والتصوف العرفاني، بينما برز في المغرب والأندلس مسار برهاني قوي تجسد في ابن رشد فلسفيًا، وابن خلدون تاريخيًا واجتماعيًا، والشاطبي أصوليًا ومقاصديًا. وليس معنى ذلك أن المغرب كله برهاني أو أن المشرق كله بياني، فهذا تبسيط لا يليق بالتحليل الجاد. المعنى أن في التجربة المغاربية والأندلسية رصيدًا معرفيًا يميل إلى اختبار الخطاب بالواقع، والموقف بالنتيجة، والهوية بالإنجاز.
ومن هنا يمكن أن نفهم جانبًا من الفارق بين عقل يكثر من إنتاج الشعارات، وعقل يميل إلى اختبارها بالواقع. العقل الشعاراتي يسأل: من يرفع العلم؟ من يصرخ أكثر؟ من يتهم أكثر؟ من يحتكر الطهارة الأخلاقية؟ أما العقل البرهاني فيسأل: ما النتيجة؟ أين المؤسسة؟ أين التنمية؟ أين التعليم؟ أين البنية التحتية؟ أين الكرامة اليومية؟ أين أثر الشعار في حياة الناس؟
ولعل من عوامل نجاح المغرب أن العقلية المغربية، في جانب واسع منها، تشكلت بوصفها عقلية عملية ومنفتحة. فالمغرب لم يتشكل من رافد واحد، بل من تفاعل طويل بين العمق الأمازيغي، والانتماء العربي الإسلامي، والذاكرة الأندلسية، والامتداد الإفريقي، والاحتكاك الحديث بالفرنسية والإسبانية الإنجليزية، بحكم الجغرافيا والتاريخ والهجرة والاقتصاد. وهذا التعدد لم يكن مجرد تنوع فولكلوري، بل صنع ذهنية مرنة، قادرة على التكيف، وأقل قابلية للانغلاق داخل شعار واحد أو هوية أحادية صلبة.
كما أن الجغرافيا المغربية، بما فيها من جبال وسواحل ومدن تاريخية وامتداد متوسطي وأطلسي وإفريقي، ساعدت على إنتاج اجتماع مركب، لا يخضع لنمط واحد. المغرب عرف القبيلة والعصبية والبداوة كما عرفها غيره، ولا معنى لإنكار ذلك. لكنه عرف أيضًا المدينة العريقة، والزوايا، والأسواق، والموانئ، والهجرة، والتجارة، والمخزن، والتفاوض، والتوازنات المحلية، والاحتكاك الدائم بالعالم. وهذا كله صنع عقلية تميل إلى المساومة العملية، وإدارة الممكن، وتفادي الاصطدام المجاني، وبناء المصالح خطوة خطوة.
ومن هنا تبدو الشخصية المغربية، في كثير من مظاهرها، أقل ميلًا إلى البلاغة الطويلة، وأكثر ميلًا إلى الاختصار والعملية والمباشرة. وهذا لا يعني أنها خالية من الانفعال أو التناقض أو المحافظة أو الخرافة أو الشعبوية؛ فالمجتمع المغربي، مثل غيره، يحمل أعطابه. لكنه، في لحظات النجاح، يظهر قدرة خاصة على تحويل التعدد إلى قوة، والهوية إلى مشروع، والعاطفة الوطنية إلى أداء منظم.
المنتخب المغربي مثال دال على ذلك. فهو ليس فريق كروي في الملعب، بل تعبير عن مغرب متعدد: لاعبون من الداخل والمهجر، لغات متجاورة، ثقافات مختلفة، انتماء وطني جامع، حضور إفريقي وعربي وأوروبي في آن واحد، وإدارة مؤسساتية جعلت الموهبة تتحول إلى نتيجة. ولذلك فإن نجاحه يربك العقل الشعاراتي؛ لأنه يقدم برهانًا عمليًا في فضاء اعتاد كثيرًا على الكلام بدل العمل.
فالمنتخب لا ينتصر بالخطابة، ولا يتقدم في البطولات بالشعارات، ولا يحظى بالاحترام الدولي بمجرد إعلان الانتماء. إنه يحتاج إلى تكوين، وملاعب، وإدارة، وتخطيط، واستقطاب، وانضباط، ومراكمة. وهنا يصبح الفارق واضحًا بين من يتحدث عن الأمة ولا يبني أدواتها، ومن يشتغل على الدولة والمجتمع والمؤسسة حتى ينتج صورة محترمة في العالم.
ولهذا السبب بالذات يتحول نجاح المغرب إلى مصدر إزعاج. إنه لا يقول للآخرين: نحن أفضل منكم. لكنه يقول، بصمت البرهان: الشعارات لا تكفي. التاريخ لا يكفي. القومية لا تكفي. فلسطين لا ينبغي أن تكون ستارًا للفشل. والعداء لإسرائيل، إذا لم ينتج علمًا ولا صناعة ولا تنمية ولا كرامة، يتحول إلى خطاب استهلاكي لا يغير شيئًا في موازين القوة.
إن الأنظمة العسكرية والجمهورية العروبية وعدت شعوبها طويلًا بأنها ستقودها إلى الوحدة والنهضة والتحرر. لكنها، في كثير من الحالات، صنعت دولًا مشدودة إلى الأجهزة أكثر من المؤسسات، وإلى الخطاب أكثر من التنمية، وإلى التعبئة أكثر من المشاركة، وإلى العدو الخارجي أكثر من نقد الذات. وحين فشلت في تحقيق الوعود الكبرى، لم تجد أفضل من تصدير الأزمة إلى الخارج: مرة باسم المؤامرة، ومرة باسم فلسطين، ومرة باسم مكافحة التطبيع، ومرة باسم الدفاع عن العروبة.
لكن الشعوب لا تُطعم بالشعارات، ولا تُعلَّم بالمزايدات، ولا تُداوى بالخطابة، ولا تُبنى الدول بحرق أعلام الآخرين. الشعوب تحتاج إلى تعليم جيد، وصحة محترمة، وشغل، وبنية تحتية، وقضاء، ومؤسسات، وأمن، وكرامة. وإذا كان المغرب نفسه ما زال مطالبًا بتعميق إصلاحاته الاجتماعية والتعليمية والصحية، فإنه مع ذلك استطاع أن يراكم ما يكفي ليصبح نجاحه محرجًا لمن لم يراكم شيئًا سوى الخطاب.
إن أخطر ما كشفته ملاعب كرة القدم ليس كراهية هذا الجمهور أو ذاك، بل هشاشة ما نسميه أحيانًا “القواسم العربية المشتركة”. فقد تبين أن الدين المشترك لا يمنع التحريض، واللغة المشتركة لا تمنع الشتيمة، والقومية لا تمنع الشماتة، وفلسطين نفسها قد تتحول، في يد بعضهم، من قضية جامعة إلى أداة تفريق وتخوين. وهنا يظهر الفرق بين الأخوة كشعار، والأخوة كسلوك؛ بين الانتماء كخطبة، والانتماء كمسؤولية.
ليست المشكلة أن يختلف العرب حول سياسات المغرب. فمن حق أي عربي أن ينتقد السياسة الخارجية المغربية، أو اتفاقياتها، أو اختياراتها الدبلوماسية، أو نموذجها التنموي. النقد مشروع، بل ضروري. لكن أن يتحول النقد إلى إهانة للشعب، أو حرق للعلم، أو تحقير للمنتخب، أو فرح مرضي بانكسار المغرب، فهذا لم يعد نقدًا، بل عداء رمزي يفضح أصحابه أكثر مما يسيء إلى المغرب.
فالمغرب ليس دولة ملائكية، ولا نموذجه مكتمل، ولا نجاحاته تلغي فقرًا أو بطالة أو تفاوتًا أو بطئًا في التحول الاجتماعي. لكن الفرق بينه وبين كثير من النماذج الشعاراتية أنه لا ينتظر خلاصًا عربيًا شاملًا لم يأتِ، ولا يختبئ دائمًا وراء الماضي، ولا يجعل من الهزيمة قدرًا مريحًا. إنه يتحرك داخل الممكن، يخطئ ويصيب، يراكم ويتعثر، لكنه يشتغل بثبات في صمت. وهذه، في زمن البلاغة الفارغة، فضيلة سياسية كبيرة.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بكرة القدم وحدها، ولا بفلسطين وحدها، بل بصراع بين نموذجين في التفكير والحكم والوجود. نموذج شعاراتي يكثر من البيان، ويستدعي الماضي، ويحتكر الطهرانية الأخلاقية والسياسية، ويفسر الفشل بالمؤامرة، ويهاجم نجاح الآخرين حتى لا يسأل نفسه عن أسباب عجزه من جهة. ونموذج عملي، برهاني، تراكمي، لا يخلو من الأعطاب، لكنه يقيس الوطنية بالإنجاز، والهوية بالمؤسسة، والانتماء بالقدرة على بناء القوة من جهة أخرى.
ولذلك فإن الغضب من نجاح المغرب ليس غضبًا من كرة القدم فقط، بل من البرهان حين يفضح البيان؛ من النتيجة حين تضع الشعار أمام عجزه؛ ومن المستقبل حين يكشف أن الماضي، مهما كان مجيدًا في الذاكرة، لا يكفي لصناعة الحاضر.
لقد فشلت بعض الأنظمة في بناء ما وعدت به شعوبها، فاختارت أن تنقل المعركة من سؤال التنمية إلى سؤال التخوين، ومن محاسبة الفشل إلى مهاجمة المغرب، ومن نقد الذات إلى استدعاء فلسطين كستار أخلاقي. لكن الحقيقة البسيطة التي لا يستطيع الضجيج إخفاءها هي أن الدول لا تُبنى بالمزايدات، وأن الشعوب لا تنهض بالشماتة، وأن المستقبل لا تصنعه الجموع التي تحرق أعلام الآخرين، بل تصنعه المجتمعات التي تبني مؤسساتها، وتراكم قوتها، وتحول هويتها إلى إنجاز.
وهذا، في جوهره، هو ما يفعله المغرب حين ينجح: لا يرد على الخطاب بخطاب مثله، بل يضع أمامه برهانًا عمليًا. ومن هنا يبدأ القلق، ومن هنا تنفجر الكراهية، ومن هنا نفهم لماذا يصبح فوز المغرب، في عيون البعض، هزيمة لنموذجهم لا مجرد انتصار لمنتخب.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق