عهد محمد السادس: بين التأْريخ والتقويم (04)

 

الدولة القائدة ومشاريع التحديث


تمهيد: من البنية التحتية إلى سؤال الأثر الاجتماعي


من بين السمات البارزة للتجربة المغربية في عهد الملك محمد السادس أن الدولة لم تكتفِ بدور الحَكَم أو المنظِّم أو الضامن العام للتوازنات، بل تقدمت إلى موقع الفاعل القائد في عملية التنمية. فقد اختارت أن تقود مشاريع التحديث الكبرى مباشرة، وأن تجعل من البنية التحتية، والتهيئة الترابية، وجلب الاستثمار، وتطوير الواجهات الحضرية، وتحديث الإدارة، وتعزيز الأمن، وتحديث الجيش، أدوات مركزية لإعادة تشكيل صورة المغرب داخليًا وخارجيًا.


لم يكن هذا الاختيار معزولًا عن السياق الذي وُلد فيه العهد الجديد. فالمغرب الخارج من نهاية القرن العشرين كان يواجه أعطابًا متراكمة: ضعفًا في التجهيزات الأساسية، وفوارق مجالية عميقة، وهشاشة في الاقتصاد المنتج، وبطالة متنامية، وتفاوتًا واضحًا بين المدن الكبرى والمناطق الطرفية. لذلك بدا أن الدولة لا تستطيع أن تنتظر دينامية اقتصادية أو اجتماعية تلقائية، ولا أن تترك التنمية لقوى السوق وحدها، بل كان عليها أن تتدخل بقوة، وأن تجعل من الاستثمار العمومي رافعة لفتح الطرق، وبناء الموانئ، وتحديث المطارات، وتطوير السكك الحديدية، وتأهيل المدن، وإطلاق المناطق الصناعية، والانخراط في سلاسل الإنتاج العالمية.../...


غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بعد أكثر من عقدين من هذا المسار ليس: هل بُنيت الطرق؟ ولا: هل أُنشئت الموانئ؟ ولا: هل تغيّرت واجهات المدن الكبرى؟ فهذه أسئلة تجيب عنها الوقائع المادية والإنجازات المرئية. السؤال الأعمق هو: هل تحولت هذه البنية إلى أثر اجتماعي واسع؟ هل أنتجت شغلًا كافيًا؟ هل قلّصت الفوارق المجالية؟ هل منحت المواطن العادي شعورًا ملموسًا بأن التنمية لا تمر فوقه، بل تصل إليه وتغير شروط حياته؟


من هنا، لا يسعى هذا الباب إلى إنكار ما تحقق في مجال التحديث والبنية التحتية، ولا إلى تحويل الإنجاز المادي إلى تفصيل ثانوي، بل إلى وضعه في ميزان الأثر. فالتنمية لا تُقاس فقط بحجم الحجر، ولا بطول الطرق، ولا بجمالية الواجهات، بل تُقاس أيضًا بقدرتها على نقل الإنسان من الهشاشة إلى الكرامة، ومن العزلة إلى الاندماج، ومن الانتظار إلى المشاركة، ومن الفرجة على المشاريع الكبرى إلى الانتفاع العادل بنتائجها.


وعليه، فإن الإشكالية المركزية لهذا الباب يمكن صياغتها في السؤال الآتي:


هل نجحت الدولة القائدة في تحويل مشاريع التحديث الكبرى من إنجازات بنيوية مرئية إلى عدالة اجتماعية ومجالية محسوسة؟


للإجابة عن هذا السؤال، سنبدأ أولًا ببيان أسباب اختيار الدولة قيادة التنمية مباشرة، ثم ننتقل إلى قراءة البنية التحتية الكبرى، من الطرق والموانئ والمطارات إلى القطار فائق السرعة والطاقة والماء. بعد ذلك نتوقف عند القطاعات الإنتاجية والاستراتيجية، وفي مقدمتها الفلاحة والصيد البحري والفوسفاط، بوصفها قطاعات تمس الأمن الغذائي والعملة الصعبة وموقع المغرب الاقتصادي. ثم ننتقل إلى تحديث المجال السيادي، من الأمن والجيش إلى حماية الحدود ومحاربة الإرهاب، قبل أن ندرس تحديث الإدارة وإصلاح العدالة ومحاربة الفساد. وبعد ذلك نتوقف عند المدن والواجهات الحديثة، والسياحة، والاستثمار والمناطق الصناعية وسلاسل الإنتاج، ثم نخصص محورًا لمغاربة الخارج بوصفهم قوة مالية وبشرية وسياسية غير ممثلة بما يكفي. وفي النهاية نفتح السؤال الجامع حول حدود الأثر الاجتماعي: هل تحولت هذه الأوراش إلى شغل، وعدالة مجالية، وترقٍّ اجتماعي، أم أنتجت مغربًا بسرعتين: مغرب الواجهة ومغرب العمق؟



أولًا: لماذا اختارت الدولة قيادة التنمية مباشرة؟


لفهم مسار التحديث في عهد الملك محمد السادس، ينبغي البدء من سؤال أساسي: لماذا اختارت الدولة أن تقود التنمية مباشرة، بدل أن تكتفي بدور المراقب أو المنظم أو الحَكَم بين الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين؟


لا يمكن فصل هذا الاختيار عن طبيعة اللحظة التي دخل فيها المغرب القرن الحادي والعشرين. فقد كان البلد يحمل إرثًا ثقيلًا من الفوارق المجالية، وضعف البنية التحتية، ومحدودية الاستثمار المنتج، وهشاشة العالم القروي، واتساع الحاجات الاجتماعية في التعليم والصحة والسكن والتشغيل. كما كان الاقتصاد الوطني، رغم انفتاحه التدريجي، غير قادر وحده على إطلاق دينامية تنموية واسعة تشمل مختلف الجهات والفئات. فالقطاع الخاص الوطني ظل، في جزء كبير منه، محدود الجرأة، يميل إلى القطاعات السريعة الربح، ويتردد في الدخول في مشاريع كبرى تحتاج إلى رأسمال ضخم، ومخاطرة طويلة المدى، ورؤية استراتيجية تتجاوز منطق الربح القريب.


من هنا، وجدت الدولة نفسها أمام معادلة صعبة: إما أن تنتظر نضج السوق والفاعلين الاقتصاديين، وهو انتظار كان سيطيل زمن العطالة ويعمق الفوارق، وإما أن تتقدم هي إلى موقع القيادة، فتفتح الأوراش الكبرى، وتجهز المجال، وتخلق شروط الاستثمار، وتعيد رسم الخريطة الاقتصادية والعمرانية للبلاد. وقد اختارت الدولة الطريق الثاني، أي طريق الدولة القائدة، التي لا تترك التنمية لتلقائية السوق، ولا تختزل دورها في التدبير الإداري، بل تتدخل بوصفها فاعلًا استراتيجيًا يخطط، ويمول، ويوجه، ويطلق المشاريع الكبرى.


كان لهذا الاختيار منطقه الخاص. فبلد يريد أن يتحول إلى منصة إقليمية للتجارة والصناعة والخدمات لا يستطيع أن يفعل ذلك من غير موانئ كبرى، وطرق سيارة، ومطارات مؤهلة، وقطارات سريعة، وشبكة لوجستية فعالة، وطاقة مستقرة، ومناطق صناعية قادرة على استقبال الاستثمار. وبلد يريد أن يجذب الرساميل الأجنبية لا يكفيه الخطاب السياسي، بل يحتاج إلى بنية أمنية وقانونية ومادية ملموسة يراها المستثمر ويقيس عليها قراره. وبلد يريد أن يعيد توزيع التنمية بين الجهات لا يستطيع أن ينجز ذلك من غير ربط الطرق، وفك العزلة، وتقريب الأسواق، وخلق مراكز اقتصادية جديدة خارج المركز التقليدي.


كما أن الدولة كانت واعية بأن التحديث ليس مجرد جواب اقتصادي، بل هو أيضًا جواب سياسي ورمزي. فالمشاريع الكبرى تمنح العهد الجديد صورة الحركة والإنجاز، وتبعث رسالة داخلية مفادها أن زمن الجمود قد انتهى، ورسالة خارجية مفادها أن المغرب يريد أن يتموقع ضمن الدول الصاعدة، لا ضمن الدول التي تكتفي بإدارة الهشاشة وتستسلم للتبعية الخارجية. لذلك لم تكن البنية التحتية مجرد تجهيزات تقنية، بل تحولت إلى لغة سياسية تقول إن الدولة حاضرة، وإنها تملك رؤية، وإنها قادرة على تحويل المجال الوطني إلى ورش مفتوح.


غير أن قيادة الدولة للتنمية لم تكن خالية من الإشكالات. فحين تكون الدولة هي المخطِّط والمموِّل والموجِّه والمراقب في الوقت نفسه، يطرح سؤال الحكامة والمساءلة والنجاعة. وحين تنجز الدولة المشاريع الكبرى من أعلى، يطرح سؤال المشاركة المحلية: هل اختيرت المشاريع وفق حاجات المجتمع، أم وفق تصور مركزي للتحديث؟ وحين تتركز الاستثمارات في محاور وجهات بعينها، يطرح سؤال العدالة المجالية: هل تقود الدولة التنمية لفائدة كل المجال الوطني، أم تعيد إنتاج مركز جديد وهوامش جديدة؟


من هنا، فإن اختيار الدولة قيادة التنمية مباشرة كان مفهومًا من زاوية الضرورة التاريخية والاقتصادية؛ لأن المغرب لم يكن يملك ترف الانتظار، ولا قطاعًا خاصًا قادرًا وحده على حمل مشروع تحديث واسع. لكنه، في الوقت نفسه، فتح سؤالًا ظل يرافق التجربة كلها: هل تستطيع الدولة أن تبني التنمية من فوق، ثم تجعل ثمارها تصل إلى الناس في الأسفل؟ وهل يكفي أن تكون الدولة قوية في الإنجاز، لكي يصبح المجتمع قويًا في الشغل، والدخل، والكرامة، والترقي الاجتماعي؟


ثم هل يمكن لمشاريع الاستثمار والصناعة والخدمات أن تنتج أثرها الكامل من غير مدرسة مؤهلة، وجامعة منتجة للمعرفة، وتكوين مهني متنوع، وتخصصات تستجيب لحاجات السوق؟ فالبنية التحتية، مهما بلغت قوتها، لا تتحول إلى تنمية حقيقية إذا لم تجد الإنسان المؤهل الذي يشغلها، ويطورها، وينتفع بها. وهنا يظهر أن سؤال الدولة القائدة لا ينفصل عن سؤال التعليم؛ لأن الطريق والميناء والمنطقة الصناعية قد تفتح إمكانات كبرى، لكن المدرسة والجامعة والتكوين هي التي تحول هذه الإمكانات إلى شغل، وكفاءة، وترقٍّ اجتماعي.


بهذا المعنى، فإن الدولة القائدة كانت جوابًا على فراغ تنموي حقيقي، لكنها لم تكن جوابًا نهائيًا على سؤال التنمية. لقد استطاعت أن تفتح الطرق، وتبني الموانئ، وتطلق الأوراش، وتخلق صورة جديدة للمغرب، لكنها بقيت مطالبة بإثبات أن القيادة من فوق يمكن أن تتحول إلى أثر اجتماعي في العمق، وأن المشروع الكبير لا يكتمل إلا حين يشعر به المواطن الصغير في حياته اليومية.



ثانيًا: البنية التحتية الكبرى 


الطرق، الموانئ، المطارات، القطار فائق السرعة، الطاقة والماء

إذا كانت الدولة قد اختارت قيادة التنمية مباشرة، فإن أول مجال تجسد فيه هذا الاختيار كان مجال البنية التحتية المادية الكبرى. فقد تحول المغرب، خلال العقدين الأخيرين، إلى ورش واسع للطرق والموانئ والمطارات والسكك الحديدية والطاقة والماء، في محاولة لإعادة تأهيل المجال الوطني وربطه داخليًا وخارجيًا، وجعله أكثر قدرة على استقبال الاستثمار، وتحريك التجارة، وتسهيل التنقل، ورفع جاذبية البلاد في محيط إقليمي ودولي شديد التنافس.


وقد شكلت الطرق السيارة إحدى أبرز علامات هذا التحول. فالطريق، في معناها التنموي، ليست مجرد إسفلت يربط نقطة بأخرى، بل هي أداة لفك العزلة، وتقريب الأسواق، وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع، وإعادة تشكيل العلاقة بين المركز والأطراف. ومن خلال توسيع شبكة الطرق السيارة والطرق الوطنية، سعت الدولة إلى تقليص المسافات الزمنية بين المدن الكبرى، وربط المراكز الاقتصادية بعضها ببعض، وفتح المجال أمام حركة أسرع للتجارة والسياحة والخدمات بين الحواضر والقرى.


وفي الاتجاه نفسه، جاء تطوير الموانئ بوصفه رهانًا استراتيجيًا يتجاوز النقل البحري إلى إعادة تموقع المغرب في خرائط التجارة العالمية. فالميناء لم يعد مجرد بوابة للتصدير والاستيراد، بل صار منصة لوجستية وصناعية وخدماتية. وقد مثل ميناء طنجة المتوسط، في هذا السياق، نموذجًا بارزًا لتحول البنية التحتية إلى أداة استراتيجية، لأنه لم يربط المغرب بأوروبا والأسواق العالمية فقط، بل ساهم أيضًا في خلق محيط صناعي ولوجستي جديد غيّر موقع الشمال المغربي داخل الاقتصاد الوطني والإقليمي.


أما المطارات، فقد دخلت بدورها في منطق تحديث الواجهة والانفتاح. فتأهيل المطارات وتوسيع طاقتها الاستيعابية لم يكن مرتبطًا بالسفر فقط، بل بالسياحة، والاستثمار، وصورة البلد، وقدرته على استقبال التدفقات البشرية والاقتصادية. وكلما تحسن الربط الجوي، ازدادت قدرة المدن على جذب السياح والمستثمرين والمؤتمرات والأنشطة الاقتصادية والخدماتية.


وجاء القطار فائق السرعة ليشكل علامة رمزية قوية على طموح المغرب إلى الانخراط في نادي الدول التي تراهن على النقل الحديث. فالمشروع لم يكن مجرد وسيلة نقل بين طنجة والدار البيضاء، بل رسالة تحديثية تعكس رغبة الدولة في الانتقال من بنية نقل تقليدية إلى بنية سريعة ومندمجة. وقد ساهم هذا المشروع في تقليص زمن التنقل بين محورين اقتصاديين مهمين، لكنه فتح في الوقت نفسه نقاشًا واسعًا حول معنى الأولويات التنموية: هل كان الأجدر توجيه الكلفة إلى التعليم والصحة والمناطق الهشة، أم أن مثل هذه المشاريع الكبرى ضرورية لجرّ البلاد إلى مستوى جديد من التنافسية؟


وفي مجال الطاقة، ظهر الرهان على تنويع مصادر الإنتاج وتقليص التبعية الخارجية، خصوصًا من خلال مشاريع الطاقات المتجددة، وفي مقدمتها الطاقة الشمسية والريحية. وهذا الاختيار لم يكن بيئيًا فقط، بل استراتيجيًا أيضًا، لأن أمن الطاقة أصبح جزءًا من أمن الدولة ومن شروط التنمية الاقتصادية. فبلد لا يملك طاقة مستقرة ومخططة لا يستطيع أن يبني صناعة قوية، ولا أن يجذب استثمارًا طويل المدى، ولا أن يتحكم في كلفة إنتاجه.


غير أن الماء أصبح، في السنوات الأخيرة، أحد أعمدة البنية التحتية السيادية الجديدة. فالمغرب، بحكم موقعه الجغرافي ومناخه شبه الجاف في مناطق واسعة منه، كان دائمًا بلدًا محتاجًا إلى سياسة مائية يقظة، لكن توالي سنوات الجفاف، وتراجع التساقطات، وضغط الاستهلاك الحضري والفلاحي والصناعي، جعل الماء ينتقل من كونه موردًا طبيعيًا قابلًا للتدبير الموسمي إلى كونه سؤالًا استراتيجيًا يمس الأمن الغذائي، والاستقرار الاجتماعي، والعدالة المجالية، ومستقبل النموذج التنموي نفسه.


وقد أدركت الدولة أن استمرار الرهان على الفلاحة، وعلى المدن الكبرى، وعلى الاستثمار الصناعي والسياحي، لا يمكن أن يستقيم من غير إعادة بناء السياسة المائية على أسس جديدة. لذلك تسارعت وتيرة بناء السدود، وتقوية المنشآت المائية، وتطوير مشاريع تحلية مياه البحر، وربط بعض الأحواض والسدود والخزانات الكبرى بشبكات تحويل مائي تشبه، في منطقها الوظيفي، “طرقًا سيارة للماء”، تنقل الفائض أو المتاح من مناطق إلى أخرى بحسب الحاجة والضغط والندرة.


ولم تعد هذه المشاريع مجرد تجهيزات تقنية، بل أصبحت جزءًا من البنية التحتية السيادية للدولة. فكما تحتاج البلاد إلى الطرق والموانئ والطاقة لكي تتحرك وتنتج، تحتاج أيضًا إلى أمن مائي لكي تعيش وتستقر. والماء هنا ليس قطاعًا معزولًا، بل هو الشرط الخفي لكل القطاعات: فلاحة بلا ماء لا تستمر، ومدينة بلا ماء لا تستقر، وصناعة بلا ماء لا تتوسع، وسياحة بلا ماء لا تزدهر، ومجال قروي بلا ماء يتحول إلى مصدر للهجرة والهشاشة والتوتر الاجتماعي.


غير أن أهمية هذه الأوراش لا ينبغي أن تحجب السؤال التقويمي الأساسي: من استفاد أكثر من هذه البنية؟ هل خدمت كل الجهات بالقدر نفسه؟ هل فتحت فعلًا فرصًا واسعة للشغل والترقي الاجتماعي؟ هل خففت عزلة المناطق العميقة، أم عززت أساسًا قوة المحاور الكبرى؟ وهل استطاعت البنية التحتية أن تتحول من إنجاز مادي إلى عدالة مجالية محسوسة؟


هنا يظهر الفرق بين البنية بوصفها شرطًا للتنمية، والبنية بوصفها تنمية مكتملة. فالطريق شرط، لكنها ليست وحدها شغلًا. والميناء شرط، لكنه لا يكفي وحده لإنتاج عدالة اجتماعية. والمطار شرط، لكنه لا يضمن وحده تحسين حياة المواطن. والقطار السريع شرط للربط الحديث، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال المدرسة والمستشفى والدخل. والطاقة شرط للتصنيع، لكنها لا تصبح منجزًا اجتماعيًا إلا إذا انعكست على الإنتاج والعمل وجودة الحياة. والماء شرط للحياة والتنمية معًا، لكنه لا يتحول إلى عدالة إلا حين يُدبَّر وفق منطق الحق العام، لا وفق منطق الامتيازات والقدرة على الوصول إلى المورد النادر.


لذلك يمكن القول إن الدولة نجحت، إلى حد بعيد، في بناء قاعدة مادية جديدة للمغرب الحديث. فقد صار للبلد رصيد بنيوي مهم، وشبكات أكثر تطورًا، ومنافذ أقوى على العالم، وقدرة أكبر على الحركة والجذب. غير أن اكتمال هذا المنجز يظل مشروطًا بقدرته على الانتقال من المجال إلى الإنسان، ومن الربط بين المدن إلى الربط بين التنمية والعدالة، ومن تحديث الواجهة الاقتصادية إلى تحسين شروط العيش في العمق الاجتماعي والمجالي.



ثالثًا: القطاعات الإنتاجية والاستراتيجية


الفلاحة، الصيد البحري، الفوسفاط، والأمن الغذائي

لا يكتمل الحديث عن مشاريع التحديث من غير التوقف عند القطاعات الإنتاجية والاستراتيجية التي يقوم عليها جانب مهم من الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها الفلاحة والصيد البحري والفوسفاط. فالمغرب ليس بلد عبور ولوجستيك فقط، بل هو بلد فلاحي وبحري وفوسفاطي بامتياز. الأرض والبحر والفوسفاط شكلت، تاريخيًا، جزءًا أساسيًا من اقتصاده، ومن أمنه الغذائي، ومن موقعه في الأسواق الإقليمية والدولية.


في المجال الفلاحي، عرف المغرب خلال العقدين الأخيرين توسعًا واضحًا في الزراعات الموجهة للتصدير، خصوصًا الخضروات والفواكه والحوامض والمنتجات ذات القيمة التجارية المرتفعة. وقد ساعدت شبكات الري، والطرق، والتبريد، والتلفيف، والنقل، والموانئ، واتفاقيات التبادل، على إدماج جزء من الفلاحة المغربية في سلاسل التوريد الدولية، حتى صار المغرب منافسًا لعدد من الدول الأوروبية في بعض المنتجات الفلاحية داخل الأسواق الخارجية. ولم يعد الأمر يتعلق بفلاحة تقليدية موجهة للاستهلاك المحلي فقط، بل بفلاحة تجارية مرتبطة بالمعايير الدولية، والأسواق الأوروبية، والمقاولات الكبرى، والتصدير المنظم.


وفي الصيد البحري أيضًا، استفاد المغرب من امتلاكه واجهتين بحريتين واسعتين: متوسطية وأطلسية. وقد ساعد تطوير الموانئ، وأساطيل الصيد، وسلاسل التبريد، ووحدات التصبير والتجميد، والمناطق الصناعية المرتبطة بالمنتجات البحرية، على جعل السمك ومشتقاته جزءًا مهمًا من الصادرات المغربية. فالواجهة البحرية لم تعد مجرد مجال للصيد التقليدي، بل تحولت، في بعض المناطق، إلى قطاع اقتصادي منظم يرتبط بالتصنيع الغذائي، والتصدير، والتشغيل، والاستثمار.


أما الفوسفاط، فلا ينبغي النظر إليه بوصفه مجرد معدن يُستخرج ويُصدَّر، بل بوصفه رافعة استراتيجية مرتبطة بالفلاحة والأمن الغذائي الوطني والإقليمي والعالمي. فالفوسفاط ومشتقاته، وخاصة الأسمدة، يدخلان في صميم معادلة الغذاء؛ لأن تحسين مردودية الأرض في عالم يواجه ضغط السكان، وتغير المناخ، وندرة الموارد، لم يعد ممكنًا من غير أسمدة وتقنيات زراعية متطورة. ولهذا لا يمثل الفوسفاط ثروة طبيعية فقط، بل ورقة سيادية تمنح المغرب موقعًا خاصًا في النقاش العالمي حول الأمن الغذائي، خصوصًا داخل إفريقيا، حيث ترتبط خصوبة التربة ومستقبل الإنتاج الزراعي بقدرة الدول على الولوج إلى الأسمدة المناسبة.


غير أن هذه القوة الإنتاجية والاستراتيجية تطرح سؤال توزيع العائد. فحين تتحول الفلاحة إلى قطاع تصديري قوي، والصيد البحري إلى صناعة مرتبطة بالسوق الخارجية، والفوسفاط إلى ورقة عالمية في الأمن الغذائي، يحق للمواطن أن يسأل: من يستفيد فعلًا من هذه الموارد؟ هل يستفيد الفلاح الصغير، والعامل الزراعي، والبحّار التقليدي، وسكان القرى والسواحل؟ أم تستفيد أساسًا الدولة من العملة الصعبة والضرائب، وتستفيد الطبقة الاقتصادية المنعَّم عليها، التي تملك الضيعات الكبرى، وشركات التلفيف، ورخص الصيد، وشبكات التصدير، وتتحكم في مفاصل واسعة من اقتصاد البلاد؟


هنا تظهر المفارقة بوضوح. فقد نجح المغرب في تحديث جزء من فلاحته وصيده البحري، وفي ربطهما بالأسواق العالمية، وفي تحقيق حضور تنافسي في بعض المنتجات. لكن هذا النجاح لم يلغِ السؤال الأعمق حول توزيع القيمة. فالخضروات والفواكه التي تصل إلى الأسواق الأوروبية لا تعني بالضرورة أن العامل الزراعي يعيش كرامة اقتصادية. والأسماك التي تُصدَّر أو تُصنَّع لا تعني بالضرورة أن البحّار التقليدي خرج من الهشاشة. والضيعة العصرية المجهزة بالتقنيات الحديثة لا تعني بالضرورة أن العالم القروي تجاوز الفقر والعزلة وضعف الخدمات. والفوسفاط الذي يمنح المغرب موقعًا عالميًا في الأمن الغذائي لا يعني تلقائيًا أن عائداته تحولت بالقدر الكافي إلى تعليم وصحة وبحث علمي وتنمية مجالية متوازنة.


كما أن تحديث الفلاحة يطرح سؤالًا بيئيًا ومائيًا لا يمكن تجاهله. فالتوسع في الزراعات التصديرية، خصوصًا الزراعات المستهلكة للماء، يضع المغرب أمام معادلة صعبة بين جلب العملة الصعبة وحماية الأمن المائي، وبين ربحية الضيعات الكبرى وحق الأجيال القادمة في الموارد. فحين يصبح الماء النادر موجهًا لإنتاج ما يُصدَّر إلى الخارج، بينما تعاني مناطق واسعة من العطش أو ضعف التزويد، يصبح السؤال التنموي أكبر من مجرد نجاح تجاري.


صحيح أن الدولة سارعت إلى بناء سدود، وتحلية مياه البحر، وربط الأحواض، ومحاولة تأمين التزويد، وهذا إنجاز ضروري لا يمكن التقليل من أهميته. لكن السؤال الأعمق يبقى متعلقًا بالاختيارات: لمن يُعبّأ الماء؟ لأي نوع من الفلاحة؟ ولأي مجال؟ ولفائدة أي فئات؟ هل لحماية الأمن الغذائي والعدالة المجالية، أم لضمان استمرار نموذج تصديري تستفيد منه أساسًا الضيعات الكبرى وشبكات التسويق والتصدير، إضافة إلى الخزينة والأبناك بسبب ما يدره من عملة صعبة تحتاجها البلاد لتسوية ديونها الخارجية وتأمين السيولة اللازمة لتنمية تجارتها الخارجية؟


ومن هنا، فإن الفلاحة والصيد البحري والفوسفاط والماء يقدمون نموذجًا واضحًا لمنطق هذا الباب كله: هناك إنجاز حقيقي في التحديث والإنتاج والتصدير وتعزيز الموقع الاقتصادي للمغرب، لكن هناك أيضًا سؤال عدالة لا يقل حقيقة. لقد تحولت الأرض والبحر والفوسفاط والماء إلى مصادر قوة اقتصادية واستراتيجية، لكن السؤال الحاسم هو: هل تحولت هذه القوة إلى كرامة اجتماعية للفلاح الصغير، والعامل الزراعي، والبحّار، وسكان المجال القروي والساحلي؟ أم أن الدولة نجحت في تحديث القطاعات الحيوية، بينما بقيت ثمارها الكبرى في يد الأقلية الاقتصادية القادرة على الوصول إلى الأرض، والماء، والرخص، والدعم، والأسواق؟



رابعًا: تحديث المجال السيادي 


الأمن، الجيش، الحدود، ومحاربة الإرهاب

لا يكتمل الحديث عن الدولة القائدة ومشاريع التحديث الكبرى من غير التوقف عند المجال السيادي، لأن التنمية لا تستقر في فضاء هش أمنيًا، ولا ينجح الاستثمار في بلد مهدد في حدوده أو عاجز عن حماية أمنه الداخلي. لذلك شمل التحديث في عهد محمد السادس، إلى جانب الطرق والموانئ والطاقة والمدن، تحديثًا واضحًا في بنية الأمن والدفاع والاستخبارات وحماية الحدود.


فقد عملت الدولة على تعزيز قدرات الجيش، وتطوير جاهزيته، وتنويع شراكاته، وتحديث عتاده، في سياق إقليمي مضطرب تتداخل فيه تحديات الإرهاب، والهجرة غير النظامية، والتهريب، والجريمة العابرة للحدود، وتوترات الساحل والصحراء. كما عرفت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية تطورًا ملحوظًا في مجال الرصد الاستباقي، وتبادل المعلومات، وتفكيك الخلايا المتطرفة، ومراقبة التهديدات، وهو ما ساهم في ترسيخ صورة المغرب بوصفه بلدًا مستقرًا في محيط إقليمي شديد الاضطراب.


ولا تكمن أهمية هذا المنجز في بعده الأمني وحده، بل في علاقته بالنموذج التنموي كله. فالأمن شرط للاستثمار، والاستقرار شرط للتنمية، وحماية الحدود شرط لحماية المجال الوطني، ومحاربة الإرهاب شرط لحماية المجتمع من الخوف والفوضى. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الدولة، وهي تقود مشاريع التحديث، كانت تبني معادلة مزدوجة: تحديث الاقتصاد والعمران من جهة، وتحصين المجال السيادي والأمني من جهة أخرى.


وقد عرف المجال الأمني أيضًا تحولًا في صورته لدى جزء واسع من المواطنين. فبعد أن ارتبطت الذاكرة الأمنية في مرحلة سابقة بالخوف، والرقابة، وما كان يسمى “البوليس السياسي”، بدأ يتشكل تدريجيًا حضور أكثر مهنية للمؤسسة الأمنية، خصوصًا في حماية الحياة اليومية، ومحاربة الجريمة، ومواجهة الإرهاب، والتدخل في حالات الخطر. وهذا التحول لا يعني اختفاء كل التجاوزات، لكنه يعني أن العلاقة بين المواطن ورجل الأمن لم تعد محكومة، بالدرجة نفسها، بذاكرة الرهبة التي ميزت مراحل سابقة.


غير أن هذا المنجز السيادي يظل محتاجًا إلى توازن دائم. فالأمن الحقيقي لا يقوم فقط على قوة الأجهزة، بل على ثقة المواطن، وعدالة القانون، واحترام الحقوق، ووعي الدولة بأن الاستقرار لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن السياسة والعدالة الاجتماعية. لذلك سيعود هذا التقويم، في موضع لاحق، إلى سؤال الأمن والحريات بتفصيل أكبر، أما هنا فيكفي التأكيد على أن تحديث المجال السيادي كان جزءًا أساسيًا من مشروع الدولة القائدة، ومن شروط بناء صورة المغرب المستقر والجاذب للاستثمار والحضور الدولي.



خامسًا: تحديث الإدارة وإصلاح العدالة 


من دولة السلطة إلى دولة الخدمة

إلى جانب تحديث البنية التحتية وتعزيز المجال السيادي، برز في عهد محمد السادس مسار آخر يتعلق بتحديث الإدارة وتقريبها من المواطنين، وإصلاح العدالة بوصفها أحد المداخل الأساسية لبناء الثقة بين الدولة والمجتمع. فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بعدد الطرق والموانئ والمطارات، بل تُقاس أيضًا بقدرتها على تقديم خدمة عمومية فعالة، عادلة، قريبة، وشفافة.


وقد جاءت محاولات تبسيط المساطر، وتطوير الإدارة الإلكترونية، واعتماد الرقمنة في عدد من الخدمات، وتقريب بعض المصالح من المواطنين، ضمن هذا التوجه. ولم يكن الهدف من هذا التحديث إدخال الوسائل الرقمية إلى الإدارة فحسب، بل الحد من البطء، والاحتكاك المباشر، والرشوة الصغيرة، وسلطة الوسيط، وتعسف بعض المساطر التي جعلت المواطن، في كثير من الحالات، رهين مزاج الموظف أو تعقيد الإدارة.


وفي الاتجاه نفسه، شكل إصلاح العدالة ورشًا محوريًا في بناء دولة المؤسسات. فالعدالة ليست قطاعًا تقنيًا معزولًا، بل هي ميزان الثقة في الدولة كلها. فحين يشعر المواطن بأن القضاء مستقل وفعال ومنصف، يشعر بأن الدولة تحميه. وحين يشعر المستثمر بأن الحقوق مضمونة والعقود محترمة والمنازعات تُحسم بوضوح وفي آجال معقولة، يصبح الاستثمار أكثر أمنًا واستقرارًا.


غير أن هذا التحول ظل جزئيًا وغير مكتمل. فالإدارة الرقمية لا تعني بالضرورة إدارة عادلة، وإصلاح بنايات المحاكم لا يعني بالضرورة عدالة ناجزة، وتبسيط بعض المساطر لا يكفي إذا بقيت ثقافة السلطة والوساطة والزبونية حاضرة في علاقة المواطن بالمرفق العام. لذلك فإن تحديث الإدارة والعدالة يظل مهمًا بقدر ما ينجح في نقل المواطن من علاقة الخضوع للإدارة إلى علاقة الحق في الخدمة، ومن الخوف من القضاء إلى الثقة في الإنصاف.


وبهذا المعنى، فإن هذا المحور لا يدخل هنا في تفاصيل القضاء والرشوة وتعثر العدالة، لأن ذلك سيُعالج في فصل الحكامة والفساد. وظيفته داخل هذا الباب هي إبراز أن الدولة القائدة لم تشتغل على البنية المادية وحدها، بل حاولت أيضًا تحديث جزء من بنيتها المؤسسية والخدماتية. غير أن السؤال ظل هو نفسه: هل تحول هذا التحديث إلى أثر يومي يشعر به المواطن في الإدارة والمحكمة والمرفق العمومي؟



سادسًا: محاربة الفساد


بين الإشارات الإصلاحية وحدود المحاسبة

لا يمكن الحديث عن تحديث الإدارة والعدالة من غير الإشارة إلى ملف الفساد، لأنه يمثل أحد اختبارات الانتقال من دولة السلطة إلى دولة القانون. فقد عرفت البلاد خلال السنوات الأخيرة متابعات ومحاكمات طالت منتخبين محليين، وموظفين، وبعض المسؤولين، بتهم تتعلق بالرشوة، واستغلال النفوذ، وتبديد المال العام، وسوء تدبير الشأن المحلي. وقد أعطت هذه المتابعات انطباعًا بأن الدولة بدأت تتحرك في اتجاه ربط المسؤولية بالمحاسبة، وأن زمن الإفلات الكامل من العقاب لم يعد كما كان من قبل.


غير أن هذا المسار، على أهميته، ظل يطرح سؤالًا جوهريًا في الوعي العام: هل نحن أمام محاربة بنيوية للفساد، أم أمام محاسبة انتقائية أو محدودة تطال أساسًا الفساد المحلي والصغير والمتوسط؟ فالمواطن لا يقيس جدية محاربة الفساد بعدد الملفات فقط، بل بنوعية من تطالهم المحاسبة، وبمستوى المسؤولية التي تصل إليها، وبقدرة القانون على الاقتراب من شبكات الريع الكبرى، والصفقات، والرخص، والامتيازات، ومراكز النفوذ الاقتصادي والسياسي.


ومن هنا فإن محاربة الفساد لا يمكن أن تكون مجرد امتداد لتحديث الإدارة، بل ينبغي أن تكون جزءًا من بناء الثقة في الدولة. فالمواطن لا يريد فقط إدارة رقمية أو وثيقة أسرع، بل يريد أن يرى القانون قادرًا على حماية المال العام، ومساءلة المسؤولين صغارا وكبارا، ومنع تحويل القرب من السلطة إلى امتياز اقتصادي أو سياسي. لذلك يبقى مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ناقصًا إذا طُبق في الهوامش وتردد عند المراكز، أو إذا طال صغار الشبكات وتوقف أمام كبار المستفيدين من الريع والنفوذ.


غير أن التفصيل في بنية الفساد، وعلاقته بالصفقات العمومية، والقضاء، والإدارة، والريع، والمحاسبة، سيعود في باب الحكامة والفساد كما سبق القول. أما في هذا الباب، فتكفي الإشارة إلى أن الدولة القائدة، وهي تبني البنية وتحدث الإدارة وتطلق المشاريع الكبرى، ظلت مطالبة بأن تجعل المحاسبة على قدر حجم التحديث. لأن التنمية لا تفقد معناها بسبب غياب المشاريع فقط، بل تفقد معناها أيضًا حين يشعر المواطن بأن ثمار المشاريع والصفقات والامتيازات لا تُوزع بعدل، وأن القانون لا يشتغل بالقوة نفسها على الجميع.



سابعًا: المدن والواجهات الحديثة


طنجة، الدار البيضاء، الرباط، مراكش، أكادير، والمدن الجديدة

بعد البنية التحتية الكبرى، برزت المدن بوصفها واجهة مرئية لمشروع التحديث. فالدولة لم تكن تبني الطرق والموانئ والمطارات فقط، بل كانت تعيد تشكيل صورة المجال الحضري نفسه. ومن هنا عرفت مدن كبرى تحولات عمرانية ورمزية لافتة، مثل طنجة والدار البيضاء والرباط ومراكش وأكادير، كما ظهرت مشاريع المدن الجديدة بوصفها محاولة لتخفيف الضغط عن الحواضر الكبرى وإعادة تنظيم التوسع العمراني.


في شمال المغرب، بدا واضحًا أن العهد الجديد رفع، بدرجات مختلفة، ذلك الحظر التنموي غير المعلن الذي ظل يثقل مدن الشمال خلال مرحلة سابقة، وفتح أمامها مسارًا جديدًا من الاستثمار والتهيئة والربط والانفتاح. وبفضل هذا التحول، لم تعد مدن مثل طنجة وتطوان والحسيمة والمضيق والفنيدق ومحيطها مجرد أطراف جغرافية قريبة من أوروبا وبعيدة عن القرار التنموي، بل تحولت تدريجيًا إلى واجهة متقدمة للمغرب الجديد، بحكم موقعها القريب من القارة الأوروبية، وبحكم ما عرفته من طرق وموانئ ومطارات وتأهيل عمراني وسياحي.


وقد جعل هذا التحول بعض مدن الشمال تبدو، في واجهاتها وفضاءاتها الجديدة، أقرب إلى المدن المتوسطية الحديثة، بل شبيهة في بعض ملامحها بمدن أوروبية صغيرة من حيث الكورنيشات، والتهيئة الساحلية، والنظافة، والانفتاح على البحر، وتطور البنية السياحية والخدماتية. ولم يكن هذا مجرد تحسين جمالي للصورة، بل كان جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة دمج الشمال في الدورة الاقتصادية الوطنية، وربطه بأوروبا والبحر المتوسط، وتحويله من مجال ظل لسنوات طويلة في موقع الهامش والحذر إلى مجال للرهان والاستثمار والواجهة الحضارية التي تربط بين إفريقيا أوروبا.


ومع ذلك، فإن هذا النجاح العمراني والرمزي يفتح بدوره سؤالًا تقويميًا مهمًا: هل انتقلت هذه النهضة الشمالية إلى كل السكان، أم بقي جزء منها محصورًا في الواجهات الساحلية والمناطق السياحية والاستثمارية؟ وهل تحولت صورة المدينة الحديثة إلى عدالة اجتماعية داخل أحيائها العميقة؟ ذلك أن رفع الحظر التنموي عن الشمال كان من أهم تحولات العهد الجديد، لكن اكتماله لا يقاس فقط بما صار ظاهرًا في الواجهة، بل بما تغير فعليًا في حياة الإنسان، وفرص الشغل، وجودة الخدمات، وعدالة التوزيع داخل المجال نفسه.


أما الدار البيضاء، فقد ظلت العاصمة الاقتصادية الكبرى، ومركز المال والأعمال والخدمات، لكنها مثلت في الوقت نفسه نموذجًا واضحًا لمفارقة التحديث الحضري. فالمدينة عرفت مشاريع تهيئة ونقل وبنيات اقتصادية مهمة، لكنها ظلت تعاني ضغطًا حضريًا هائلًا، واختناقًا مروريًا، وفوارق اجتماعية صارخة، وأحياء هامشية تكشف أن قوة المدينة الاقتصادية لا تعني بالضرورة عدالة حضرية. فالدار البيضاء تجمع في الوقت نفسه بين مغرب المال والأعمال، ومغرب الهشاشة اليومية، وبين واجهة اقتصادية كبرى وعمق اجتماعي متعب.


وفي الرباط، اتخذ التحديث بعدًا إداريًا ورمزيًا. فقد أُعيد تشكيل العاصمة بوصفها واجهة للدولة الحديثة، عبر مشاريع عمرانية وثقافية وإدارية كبرى، جعلت المدينة أكثر تنظيمًا وجمالية وقدرة على تمثيل صورة الدولة. غير أن السؤال الذي يطرح هنا هو: هل يمكن تحويل نموذج العاصمة المؤهلة إلى نموذج وطني قابل للتعميم، أم إن الأمر يتعلق بواجهة رمزية لا تعكس بالضرورة حال باقي المدن والجهات؟


أما مراكش، فقد واصلت ترسيخ موقعها بوصفها واجهة سياحية عالمية، تجمع بين التراث والضيافة والفنادق والمنتجعات والمؤتمرات والأنشطة الدولية. غير أن نجاح مراكش السياحي فتح بدوره أسئلة عن العقار، وغلاء المعيشة، وتحول بعض الفضاءات إلى مجال موجه للزائر أكثر مما هو موجه للمواطن. فالمدينة السياحية قد تزدهر بالأرقام، لكنها قد تضغط على سكانها إذا لم تتحول مداخيل السياحة إلى خدمات، وشغل كريم، وعدالة حضرية. ونفس الأمر يمكن أن يقال بالنسبة لأكادير.


وفي المقابل، جاءت مشاريع المدن الجديدة بوصفها محاولة لتخفيف الضغط عن المدن الكبرى، وخلق فضاءات عمرانية منظمة. غير أن بعض هذه التجارب بقيت ملتبسة؛ إذ لا تكفي البنايات والطرقات لإنتاج مدينة حقيقية. فالمدينة ليست إسكانًا فقط، بل حياة، وخدمات، ومدارس، ومستشفيات، وفرص عمل، ونقل، ومجال عام، وروح اجتماعية. ومن دون ذلك، قد تتحول المدن الجديدة إلى فضاءات سكنية ناقصة، لا إلى مدن مكتملة.


من هنا، فإن المدن والواجهات الحديثة تكشف مرة أخرى منطق الباب كله: لقد تغيرت الصورة، وتطورت الواجهة، وتحسنت بعض المدن، لكن السؤال هو: هل تحسنت الحياة بالقدر نفسه؟ وهل التحديث الحضري وصل إلى عمق المدينة، أم بقي في الشوارع الكبرى والكورنيشات والواجهات الرسمية والسياحية؟



ثامنًا: السياحة


اقتصاد الصورة والعملة الصعبة وسؤال الأثر المحلي

ترتبط السياحة مباشرة بصورة المدن والواجهات الحديثة، لكنها تستحق محورًا مستقلًا لأنها أصبحت من أهم مصادر العملة الصعبة، ومن أكثر القطاعات حضورًا في صورة المغرب الخارجية. فقد عرف المغرب خلال السنوات الأخيرة قفزة واضحة في عدد الوافدين، وارتفعت مكانته بوصفه وجهة سياحية متوسطية وإفريقية وعربية، تجمع بين المدن التاريخية، والسواحل، والصحراء، والجبال، والمنتجعات، والمؤتمرات، والسياحة الثقافية.


وقد ساعد على هذا الصعود تحسن الربط الجوي، وتطوير المطارات، وتحديث بعض المدن، وتنوع العرض السياحي، والاستثمار في الفندقة والخدمات، فضلًا عن استقرار البلاد مقارنة بمحيط إقليمي مضطرب. كما أن استعداد المغرب لتنظيم تظاهرات كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، أعطى دفعة إضافية لتطوير البنية السياحية، وتوسيع الطاقة الاستيعابية، وتحسين صورة البلاد عالميًا.


لكن السياحة، رغم أهميتها، تبقى قطاعًا مزدوج الوجه. فهي من جهة تخلق فرص عمل، وتنعش المدن، وتدعم النقل، والفندقة، والمطاعم، والصناعة التقليدية، والخدمات. لكنها من جهة أخرى قد تتحول إلى اقتصاد واجهة إذا بقيت محصورة في المدن الكبرى والوجهات المعروفة، وإذا أنتجت شغلًا موسميًا أو هشًا، وإذا رفعت أسعار العقار والمعيشة في بعض المدن من غير أن يستفيد السكان المحليون بالقدر نفسه.


ولذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بعدد السياح، بل بنوعية القيمة المضافة: هل تصنع السياحة تنمية محلية عادلة؟ هل توفر شغلًا مستقرًا وكريمًا؟ هل توزع مداخيلها على المجتمع، أم تتركز في يد المستثمرين الكبار وشبكات الريع العقاري والخدماتي؟ وهل تصبح المدينة فضاءً مشتركًا بين المواطن والزائر، أم تتحول تدريجيًا إلى واجهة استهلاكية موجهة للسائح أكثر مما هي مدينة لسكانها؟


السياحة، بهذا المعنى، تقدم مثالًا آخر على منطق الاختلال: أرقام قوية وصورة دولية متقدمة، لكن الأثر الاجتماعي لا يقاس بعدد الوافدين فقط، بل بجودة الشغل، وعدالة توزيع المداخيل، وحماية المدينة من أن تصبح واجهة براقة فوق مجتمع محلي لا يستفيد بالقدر الكافي من بريقها.



تاسعًا: الرياضة


من الترفيه إلى صناعة الصورة والدبلوماسية الناعمة

إلى جانب السياحة والمدن والواجهات الحديثة، برز مجال آخر أصبح له دور متزايد في تشكيل صورة المغرب الخارجية، وهو مجال الرياضة. فقد انتقلت الرياضة في العهد الجديد من كونها نشاطًا تنافسيًا أو ترفيهيًا محدود الأثر إلى مجال منظم ومؤطر ومندمج في استراتيجية أوسع لبناء الإشعاع الدولي، وجذب الأنظار، وتعزيز الثقة في قدرة المغرب على التنظيم والتنافس والحضور في الساحة العالمية.


لم يعد الأمر يتعلق فقط بنتائج رياضية عابرة، بل بتحول تدريجي في البنية الرياضية نفسها: ملاعب أكثر تأهيلًا، مراكز تكوين، احتراف نسبي في التدبير، حضور أقوى للجامعات الرياضية، تنظيم تظاهرات قارية ودولية، واستثمار في صورة المنتخب الوطني والرياضة المغربية عمومًا. وقد انعكس هذا التحول في نتائج لافتة، وفي حضور مغربي متزايد في كرة القدم، وألعاب القوى، والرياضات الفردية والجماعية، بما جعل الرياضة إحدى واجهات المغرب الجديدة في الخارج.


ولعل الأهم أن الرياضة أصبحت، في كثير من الحالات، أكثر قدرة من الخطاب الرسمي والإعلام الترويجي على إيصال صورة المغرب إلى المواطن الأجنبي العادي. فالمواطن الغربي الذي قد لا يتابع تفاصيل السياسة المغربية، ولا يعرف كثيرًا عن خطابات التنمية أو الإصلاح، أصبح يكتشف المغرب عبر المنتخب الوطني، واللاعبين المغاربة في الدوريات الأوروبية، وتنظيم التظاهرات الرياضية، وصورة الجمهور، والأعلام، والأهازيج، والحضور القوي في المنافسات الدولية. بهذا المعنى، صارت الرياضة لغة عالمية مختصرة، تقدم المغرب للآخر من غير حاجة إلى شرح سياسي طويل.


وقد ظهر هذا الأثر بوضوح في العلاقة بين الرياضة والسياحة. فالنجاح الرياضي لا ينتج فرحًا وطنيًا فقط، بل ينتج فضولًا عالميًا حول البلد: أين يوجد المغرب؟ كيف هي مدنه؟ ما طبيعة شعبه؟ ما ثقافته؟ ما الذي جعله ينتج هذا الحضور الرياضي اللافت؟ وهكذا تتحول النتيجة الرياضية إلى إعلان غير مباشر عن البلد، وتصبح الملاعب، والمنتخبات، واللاعبون، والجمهور، جزءًا من آلة رمزية تروّج لصورة المغرب أكثر مما تفعل حملات دعائية كثيرة.


كما أن الرياضة أصبحت أداة من أدوات الدبلوماسية الناعمة. فتنظيم التظاهرات الكبرى، والمنافسة على استضافة البطولات، وبناء البنيات الرياضية، وتقديم المغرب بوصفه بلدًا قادرًا على الجمع بين الاستقرار والتنظيم والحماس الجماهيري، كلها عناصر تعزز مكانته الإقليمية والدولية. ومن هنا لا يمكن فصل الرياضة عن مشروع الدولة القائدة؛ لأنها لم تعد مجالًا هامشيًا، بل صارت جزءًا من بناء السمعة، وجذب الاستثمار، وتنشيط السياحة، وتعزيز الحضور المغربي في الوعي العالمي.


غير أن هذا النجاح الرياضي يفتح بدوره سؤال الأثر الداخلي. فمن الإنصاف القول إن السنوات الأخيرة عرفت توسعًا ملحوظًا في بناء ملاعب القرب والفضاءات الرياضية الصغيرة، خصوصًا داخل المدن الكبرى وبعض الأحياء والفضاءات الخضراء، بما أتاح لعدد من الشباب ممارسة الرياضة في المساء وفي أوقات الفراغ، وخلق متنفسًا اجتماعيًا مهمًا داخل المجال الحضري. وهذا توجه إيجابي، لأنه ينقل الرياضة من مستوى الفرجة على المنتخب والبطولات الكبرى إلى مستوى الممارسة اليومية، ويجعلها أداة لتأطير الشباب، وتخفيف الضغط عن الشارع، ومحاربة الفراغ والانحراف.


لكن هذا التحول، على أهميته، لا يزال غير كافٍ لبناء سياسة رياضية مكتملة. فملاعب القرب ضرورية، لكنها لا تعوض الحاجة إلى أندية قوية في المدن الصغيرة والمتوسطة، ولا إلى مراكز تكوين حقيقية، ولا إلى تمويل قار، ولا إلى مدربين مؤهلين، ولا إلى منظومة لاكتشاف المواهب منذ المدرسة والحي والقرية. فالطفل الموهوب لا يحتاج فقط إلى ملعب صغير يلعب فيه، بل يحتاج إلى مسار مؤسسي يحتضنه، وينقله من الممارسة العفوية إلى التكوين المنظم، ثم إلى المنافسة، ثم إلى الاحتراف كما هو الحال في أوروبا.


وهنا يظهر الفرق بين الرياضة بوصفها فضاءً اجتماعيًا، والرياضة بوصفها صناعة اقتصادية. ففي تجارب أوروبية مثل إسبانيا، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة شعبية، بل تحولت إلى رافعة اقتصادية كبرى، تخلق قيمة مضافة من خلال الأندية، والأكاديميات، وحقوق البث، والتسويق، والسياحة الرياضية، والمتاجر، والتكوين، وانتقال اللاعبين، وجذب الجماهير والاستثمارات. أما في المغرب، فقد تحقق تقدم مهم في النتائج والبنية والصورة، لكن تحويل الرياضة إلى اقتصاد منظم لا يزال في حاجة إلى عمل أعمق، خصوصًا في مجال حكامة الأندية، والتمويل، والتكوين، وربط الرياضة بالتعليم والجماعات المحلية والقطاع الخاص.


ومن هنا، فإن السؤال لم يعد فقط: هل نملك ملاعب كبرى ومنتخبًا ناجحًا؟ بل: هل نملك منظومة رياضية وطنية قادرة على إنتاج المواهب، وتمويل الأندية، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وخلق فرص عمل، وتحويل الرياضة إلى رافعة تنموية لا تقل أهمية عن السياحة في بعض المدن؟ فإذا تحقق ذلك، فإن الرياضة لن تبقى مجرد إشعاع خارجي أو فرح وطني عابر، بل ستصبح جزءًا من الاقتصاد المنتج ومن سياسة إدماج الشباب في التنمية.


فكما أن الطريق لا تكفي وحدها لصناعة التنمية، فإن الملعب الكبير لا يكفي وحده لصناعة ثقافة رياضية عادلة. الرياضة الحقيقية لا تقاس فقط بعدد الملاعب الكبرى أو بنتائج المنتخب، بل بقدرتها على تأطير الشباب، ومحاربة الانحراف، وتكوين الأجساد والعقول، وفتح مسارات اجتماعية جديدة أمام الفئات الشعبية. فإذا بقيت الرياضة حاضرة في الواجهة وغائبة عن المدرسة والحي والقرية، فإنها ستعيد إنتاج المفارقة نفسها: إشعاع خارجي قوي، وأثر اجتماعي داخلي غير مكتمل.


ومع ذلك، يبقى مجال الرياضة أحد أنجح مجالات بناء الصورة في العهد الجديد. فقد منح المغرب حضورًا وجدانيًا عالميًا، وجعل اسمه مألوفًا لدى فئات واسعة من الجمهور الدولي، وربط صورته بالحماس، والتنظيم، والكفاءة، والفرح الجماعي. ولذلك ينبغي اعتباره جزءًا من مشاريع التحديث غير المباشرة: مشروعًا لا يبني طريقًا أو ميناءً، لكنه يبني صورة، وثقة، وانتماء، وجاذبية رمزية تنعكس على السياحة والاقتصاد والمكانة الدولية.


غير أن المكسب الأعمق لهذا التحول لا يتمثل في الصورة الخارجية وحدها، بل في بروز شعور وطني جديد داخل المجتمع المغربي نفسه. فقد ساهمت النجاحات الرياضية، وخصوصًا حين ارتبطت بالمنتخبات الوطنية وبالحضور المغربي في المحافل الدولية، في تعزيز اعتزاز المغاربة بانتمائهم الوطني، وإعادة شحن معنى المواطنة بطاقة وجدانية إيجابية. ولم يعد إعلان الانتماء إلى مغرب العهد الجديد أمرًا مرتبكًا أو مخجلًا كما كان في بعض مراحل العهد السابق، حين كانت صورة الدولة مثقلة بالخوف والاحتقان وضعف الثقة، بل أصبح الانتماء الوطني يظهر في الفرح الجماعي، ورفع العلم، والاحتفاء بالنجاح، والشعور بأن المغرب قادر على المنافسة والتميز والحضور بين الأمم.


وهذا مكسب عظيم لا ينبغي التقليل من قيمته؛ لأن الدول لا تُبنى بالبنية التحتية وحدها، بل تُبنى أيضًا بالثقة والانتماء والرموز الجامعة. فالرياضة، في هذه الحالة، لم تنتج صورة خارجية فقط، بل ساهمت في تقوية الرابط الداخلي بين المواطن ووطنه، وفي ترميم جزء من الثقة الجماعية، وفي تحويل النجاح الرياضي إلى مناسبة لتجديد الشعور بالمواطنة والتضامن والتضحية. ومن هنا، فإن قيمة الرياضة في العهد الجديد لا تقاس فقط بعدد الملاعب أو النتائج أو الكؤوس، بل أيضًا بقدرتها على جعل المغربي يشعر بأن الانتماء إلى بلده مصدر فخر، لا عبء؛ ومصدر مشاركة، لا صمت؛ ومصدر أمل، لا خيبة.



عاشرا: الاستثمار والمناطق الصناعية وسلاسل الإنتاج


إلى جانب البنية التحتية والسياحة والقطاعات الاستراتيجية، راهنت الدولة على جلب الاستثمار وإطلاق المناطق الصناعية واللوجستية وإدماج المغرب في سلاسل الإنتاج العالمية. وقد ظهر هذا الرهان بوضوح في قطاعات مثل صناعة السيارات، وصناعة الطيران، والنسيج، والصناعات التحويلية، والخدمات المرتبطة بالتصدير.


لم يكن هذا التحول ممكنًا من غير الطرق والموانئ والمطارات والطاقة والاستقرار الأمني. فالمستثمر لا يقرر فقط بناءً على كلفة اليد العاملة، بل ينظر أيضًا إلى موقع البلد، وجودة بنيته التحتية، واستقراره السياسي، وسرعة لوجستيكه، وقربه من الأسواق، وضمانات القانون، وتوفر اليد العاملة المؤهلة. ومن هنا حاول المغرب أن يقدم نفسه بوصفه منصة صناعية قريبة من أوروبا، ومنفتحة على إفريقيا، وقادرة على الجمع بين الموقع الجغرافي، والاستقرار، والتكلفة التنافسية، والبنية اللوجستية.


وقد مثّل محور طنجة المتوسط والمناطق الصناعية المرتبطة به نموذجًا بارزًا لهذا التحول، إذ لم يعد الشمال مجرد مجال حدودي، بل صار فضاءً للتصنيع والتصدير والخدمات اللوجستية. كما أن صناعة السيارات والطيران منحت المغرب صورة جديدة، مختلفة عن الصورة التقليدية لاقتصاد يعتمد فقط على الفلاحة والفوسفاط والسياحة وتحويلات مغاربة الخارج.


غير أن هذا النجاح الصناعي يفتح بدوره سؤال القيمة المضافة. هل أصبح المغرب يصنع فعلًا، أم يركّب أجزاء ضمن سلاسل إنتاج تظل قيادتها التكنولوجية والمالية في الخارج؟ هل ينقل الاستثمار الأجنبي المعرفة والتكنولوجيا، أم يكتفي باستعمال موقع المغرب ويده العاملة؟ هل ينتج هذا النموذج شغلًا مؤهلًا ومستقرًا، أم يخلق أساسًا مناصب محدودة الأجر والقابلية للترقي؟ وهل تستطيع المدرسة والجامعة والتكوين المهني مواكبة حاجات هذه القطاعات الجديدة؟


هنا يعود سؤال التعليم الذي طُرح في البداية. فالدولة تستطيع أن تجذب مصنعًا، وأن تهيئ منطقة صناعية، وأن توفر طريقًا وميناءً وطاقة، لكنها لا تستطيع أن تبني صناعة حقيقية من غير يد عاملة مؤهلة، ومهندسين، وتقنيين، ومراكز بحث، وجامعات قادرة على فهم حاجات السوق. لذلك لا يمكن فصل الاستثمار عن إصلاح التعليم؛ لأن الاقتصاد الحديث لا يحتاج فقط إلى أيدٍ عاملة، بل إلى عقول قادرة على الابتكار، والتدبير، والصيانة، والتطوير، ونقل المعرفة.


وبهذا المعنى، فإن الاستثمار والمناطق الصناعية وسلاسل الإنتاج تمثل أحد وجوه نجاح الدولة القائدة، لكنها تكشف أيضًا حدود هذا النجاح إذا لم يتحول التصنيع إلى ترقٍّ اجتماعي، ونقل للتكنولوجيا، وبناء لرأسمال بشري وطني قادر على قيادة الإنتاج، لا مجرد الاندماج في حلقاته الدنيا.



حادي عشر: مغاربة الخارج


مورد مالي كبير واعتراف سياسي ناقص

من بين الموارد الكبرى التي لا يمكن تجاهلها عند تقييم الاقتصاد الوطني تحويلات مغاربة الخارج. فهذه الفئة لا تمثل مجرد جالية ترسل المال إلى عائلاتها، بل تمثل قوة اقتصادية واجتماعية وثقافية هائلة. فتحويلاتها ترفد ميزان الأداءات، وتدعم الاستهلاك الداخلي، وتخفف الفقر عن آلاف الأسر، وتساهم في تمويل السكن والتعليم والعلاج والمشاريع الصغيرة. وفي بعض السنوات، تبدو هذه التحويلات أثقل وزنًا في التوازنات المالية من قطاعات استراتيجية تقليدية، لأنها مورد مستمر ومتجدد، لا يحتاج إلى استخراج ولا تصنيع، بل يقوم على تعب ملايين المغاربة المنتشرين في أوروبا وأمريكا والخليج وباقي أنحاء العالم.


غير أن المفارقة الكبرى هي أن هذه الفئة التي تدر على البلاد موارد مالية ضخمة، وتربط المغرب بأوروبا والعالم، وتساهم في توازناته الاقتصادية والاجتماعية، لا تتمتع بتمثيل سياسي حقيقي يناسب وزنها. فمغاربة الخارج حاضرون بقوة في الاقتصاد، لكنهم غائبون أو شبه غائبين عن القرار السياسي المباشر، وخصوصًا عن المشاركة البرلمانية الفعلية من خلال دوائر تمثيلية واضحة. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: لماذا تثق الدولة في مال المهاجر ولا تثق بالقدر نفسه في صوته السياسي؟


قد يكون جزء من الجواب مرتبطًا بحسابات سياسية غير معلنة. فالمغاربة المقيمون في أوروبا وأمريكا الشمالية وغيرها يعيشون في فضاءات ديمقراطية أكثر رسوخًا، ويتشبعون بثقافة سياسية تقوم على المحاسبة، والشفافية، وحقوق المواطن، واستقلال المؤسسات. ولذلك تخشى الدولة، فيما يبدو، أن ينقل هؤلاء المواطنون إلى الحقل السياسي المغربي نموذجًا مختلفًا من المطالبة الديمقراطية، أقل قابلية للضبط المحلي، وأكثر حساسية تجاه الفساد والريع وضعف الحكامة.


ومن هنا تبدو المفارقة واضحة: الجالية مرغوب فيها كمصدر للعملة الصعبة، لكنها مقلقة حين تطالب بأن تتحول من خزّان مالي إلى فاعل سياسي كامل الحقوق. يتم الاحتفاء بها في موسم العبور، وتُطلب تحويلاتها لدعم الاقتصاد، وتُستدعى عاطفتها الوطنية عند الحاجة، لكنها لا تُمنح موقعًا سياسيًا يناسب وزنها الحقيقي في البلاد.


إن مغاربة الخارج ليسوا مجرد مورد مالي، بل رأسمال ديمقراطي ومعرفي وبشري. فهم يحملون خبرات مهنية، وثقافات تنظيمية، وتجارب في الإدارة، والمقاولة، والحقوق، والمحاسبة، والمشاركة السياسية. والاعتراف الحقيقي بهم لا يكون فقط بتسهيل عبورهم أو تشجيع تحويلاتهم، بل بفتح المجال أمام مشاركتهم في صناعة القرار الوطني، وربط الاقتصاد بالتمثيل، والمال بالحق السياسي، والانتماء بالمواطنة الكاملة.



ثاني عشر: حدود الأثر الاجتماعي


هل تحولت البنية إلى شغل وعدالة مجالية وترقٍّ اجتماعي؟

بعد استعراض هذه الأوراش الكبرى، من البنية التحتية إلى الفلاحة والصيد والفوسفاط، ومن الأمن والإدارة والعدالة إلى المدن والسياحة والاستثمار والجالية، نصل إلى السؤال الحاسم: ما الأثر الاجتماعي الفعلي لكل ذلك؟ هل تحولت قوة الدولة في البناء والتحديث إلى قوة المجتمع في الشغل والدخل والكرامة والترقي؟ أم بقي جزء مهم من الإنجاز في مستوى الواجهة، بينما ظل المواطن العادي يواجه أعطاب التعليم والصحة والسكن والبطالة والهشاشة وضعف الأجور؟


لا شك أن الدولة أنجزت كثيرًا في مجال البنية. فالطرق توسعت، والموانئ تطورت، والمطارات تأهلت، والقطار السريع دخل الخدمة، والطاقة المتجددة أصبحت عنوانًا استراتيجيًا، والسدود والتحلية والربط المائي دخلت في صميم الأمن الوطني، والمدن تغيرت، والاستثمار الصناعي تقدم، والسياحة ارتفعت، والفوسفاط عزز موقع المغرب في الأمن الغذائي العالمي. لكن التنمية لا تُقاس فقط بما أُنجز في المجال، بل بما تغير في حياة الإنسان.


فالطريق شرط للتنمية، لكنها ليست وحدها شغلًا. والميناء شرط للتصدير، لكنه لا يضمن وحده عدالة اجتماعية. والمطار شرط للسياحة والانفتاح، لكنه لا يحل وحده مشكلة البطالة. والقطار السريع علامة تحديث، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال المدرسة والمستشفى. والطاقة شرط للتصنيع، لكنها لا تتحول إلى إنجاز اجتماعي إلا إذا انعكست على الإنتاج والعمل وجودة الحياة. والفوسفاط ثروة استراتيجية، لكنه لا يصبح تنمية إلا إذا تحول إلى علم وبحث وعدالة مجالية. والسياحة أرقام مبهرة، لكنها لا تكفي إذا كان شغلها هشًا ومداخيلها مركزة. وتحويلات الجالية قوة مالية، لكنها تبقى ناقصة إذا لم يرافقها اعتراف سياسي وتمثيل ديمقراطي.


هنا تظهر حدود الأثر الاجتماعي. فقد استطاعت الدولة أن تبني كثيرًا، لكنها لم تستطع دائمًا أن تحول البناء إلى شعور واسع بالإنصاف. واستطاعت أن تجذب الاستثمار، لكنها لم تنجح دائمًا في إنتاج شغل كريم ومستقر. واستطاعت أن تطور المدن، لكنها لم تمنع استمرار الهوامش داخلها وحولها. واستطاعت أن ترفع صورة البلاد خارجيًا، لكنها لم تجعل كل المواطنين يشعرون بالقدر نفسه بأن هذه الصورة تمثل حياتهم اليومية.


ويتصل هذا كله بسؤال التعليم والتكوين. فاقتصاد حديث من غير مدرسة حديثة يظل ناقصًا. وصناعة من غير جامعة منتجة للمعرفة تظل محدودة القيمة المضافة. واستثمار من غير تكوين مهني متنوع يخلق فجوة بين حاجات السوق وقدرات الشباب. لذلك فإن أعظم تحدٍّ أمام الدولة القائدة ليس أن تواصل البناء فقط، بل أن تبني الإنسان القادر على حمل هذا البناء وتطويره والاستفادة منه.


كما يتصل الأمر بسؤال العدالة المجالية. فالمغرب ليس فقط طنجة والرباط والدار البيضاء ومراكش وأكادير. هناك الجبال، والقرى، والواحات، والأحياء الشعبية، والمناطق البعيدة عن محاور الاستثمار. وإذا لم تصل التنمية إلى هذه المجالات، فإن البلاد قد تظهر حديثة في واجهتها، لكنها ستظل تحمل في عمقها شعورًا بالتفاوت والإقصاء.


لهذا، فإن حدود الأثر الاجتماعي لا تعني فشل التجربة، لكنها تكشف عدم اكتمالها. لقد انتقلت الدولة من الجمود إلى الإنجاز، ومن ضعف التجهيز إلى قوة البنية، ومن الحذر إلى الانفتاح، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في تحويل كل ذلك إلى عدالة اجتماعية ومجالية محسوسة. وهنا يبدأ السؤال الأخطر: هل نحن أمام مغرب واحد يتحرك نحو التحديث، أم أمام مغربين بسرعتين مختلفتين؟



ثالث عشر: مغرب الواجهة ومغرب العمق


بداية تشكل مغرب بسرعتين

من خلال ما سبق، يمكن القول إن التجربة المغربية في عهد محمد السادس أنتجت صورة مزدوجة. هناك مغرب الواجهة: مغرب الموانئ الكبرى، والطرق السيارة، والقطار فائق السرعة، والمطارات الحديثة، والطاقات المتجددة، والمدن المؤهلة، والمناطق الصناعية، والسياحة العالمية، والاستثمار الأجنبي، والصورة الدولية الصاعدة. وهناك، في المقابل، مغرب العمق: مغرب القرى والجبال، والأحياء الهامشية، والمدارس المتعبة، والمستشفيات الناقصة، والبطالة، والهشاشة، وضعف الأجور، والشباب الذي يرى المشاريع الكبرى ولا يجد دائمًا مكانه داخلها.


هذه الازدواجية لا تعني أن المغرب الأول وهم، ولا أن المغرب الثاني وحده هو الحقيقة. كلاهما حقيقي. المغرب بنى فعلًا، وتقدم فعلًا، وغيّر صورته فعلًا. لكنه في الوقت نفسه لم ينجح بالقدر نفسه في توزيع أثر هذا التقدم على كل المجالات والفئات. ومن هنا تظهر فكرة “مغرب بسرعتين”: سرعة عالية في الواجهة، وسرعة بطيئة في العمق؛ سرعة في الحجر، وبطء في الإنسان؛ سرعة في المشاريع الكبرى، وبطء في المدرسة والمستشفى والدخل والعدالة المجالية.


فالمواطن لا يقيس التنمية فقط بما يراه في نشرات الأخبار أو في صور المشاريع الكبرى، بل بما يعيشه في حيه، ومدرسته، ومستشفاه، وإدارته، وطريقه اليومية، وفرصة عمله، وقدرته على السكن، وشعوره بأن القانون يحميه كما يحمي القوي. وإذا لم يجد هذا المواطن أثرًا مباشرًا للتنمية في حياته، فإن الإنجاز المادي قد يتحول في وعيه إلى مشهد بعيد، جميل في الصورة، لكنه غير كافٍ في الواقع.


وهنا تكمن المفارقة الكبرى للدولة القائدة. فقد كانت قوية في البناء، لكنها لم تكن دائمًا بالقوة نفسها في التوزيع. وكانت ناجحة في إطلاق المشاريع، لكنها واجهت صعوبة في تحويلها إلى أثر اجتماعي شامل. وكانت قادرة على تغيير الواجهة، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في تغيير شروط العيش داخل العمق.


ولذلك، فإن سؤال “مغرب الواجهة ومغرب العمق” ليس سؤالًا دعائيًا أو انطباعيًا، بل هو سؤال سياسي وتنموي عميق. فإذا لم تُصحَّح الفوارق المجالية والاجتماعية، فإن المشاريع الكبرى قد تنتج إعجابًا خارجيًا، لكنها لا تنتج بالضرورة ثقة داخلية. وإذا لم يتحول التحديث إلى عدالة، فإن الدولة قد تنجح في بناء صورة حديثة، لكنها ستظل تواجه سؤال المواطن الذي يسأل: أين أنا من هذه التنمية؟



خلاصة الباب


لقد قادت الدولة المغربية، في عهد الملك محمد السادس، أوراشًا كبرى لا يمكن إنكارها أو التقليل من أهميتها. فقد تطورت البنية التحتية، وتوسعت الطرق والموانئ والمطارات، ودخل القطار فائق السرعة، وتقدمت مشاريع الطاقة والماء، وتحدثت قطاعات الفلاحة والصيد البحري والفوسفاط، وتعزز المجال الأمني والسيادي، وتغيرت واجهات المدن، وصعدت السياحة، وتقدم الاستثمار الصناعي، واستمرت تحويلات مغاربة الخارج بوصفها سندًا ماليًا واجتماعيًا مهمًا للبلاد.


غير أن السؤال الذي ظل يرافق هذه التجربة كلها هو سؤال الأثر: هل انتقل الإنجاز من الحجر إلى الإنسان؟ هل تحولت الطرق والموانئ والمطارات والقطارات والسدود والمصانع والفوسفاط والسياحة وتحويلات الجالية إلى كرامة اجتماعية، وعدالة مجالية، وشغل مؤهل، وثقة سياسية، وترقٍّ حقيقي للمواطن؟


لا ينتهي هذا الباب إلى نفي الإنجاز، بل إلى مساءلة أثره. فالمغرب الحديث ظهر بقوة في الواجهة، لكنه لم ينجح دائمًا في جعل العمق الاجتماعي يتحرك بالسرعة نفسها. لقد بنت الدولة كثيرًا، لكنها لم تستطع دائمًا أن تجعل المواطن يشعر بأن ما بُني باسمه قد وصل إلى حياته اليومية بالقدر الكافي.


وهنا تتحدد المفارقة الكبرى في تجربة الدولة القائدة: قوة واضحة في التخطيط والإنجاز والبناء، وضعف نسبي في تحويل المنجز البنيوي إلى أثر اجتماعي عادل وشامل. فالتنمية لا تكتمل حين تتحرك الطرق والموانئ والمصانع فقط، بل حين يتحرك الإنسان معها: في المدرسة، والمستشفى، وسوق الشغل، والدخل، والسكن، والكرامة، والثقة في المستقبل.


ومن هنا يُطرح السؤال التالي: إذا كانت الدولة قد نجحت في بناء جزء مهم من مغرب البنية والواجهة، فلماذا بقي مغرب الإنسان بطيئًا في التعليم والصحة والشغل والحماية الاجتماعية؟ وما الذي منع انتقال التنمية من منطق المشروع الكبير إلى منطق المواطن الكريم؟


وهذا ما سنجيب عنه في الجزء التالي من هذا التقويم.


يتبع...


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق