الدعاوى ضد مسؤولين مغاربة…
هل يحاكم القضاء المغرب أم يكشف أزمة إسبانيا؟
لم يكن مستغربًا أن تثير الشكاوى التي استهدفت مسؤولين مغاربة أمام المحكمة الوطنية الإسبانية اهتمامًا إعلاميًا وسياسيًا واسعًا، بالنظر إلى حساسية العلاقات المغربية الإسبانية، وإلى الطابع الاستثنائي لأزمة سبتة التي شهدت خلال أيام قليلة تدفقًا غير مسبوق لآلاف المهاجرين نحو المدينة المحتلة.
غير أن الضجة التي رافقت هذه الشكاوى تكشف في الوقت نفسه عن مفارقة لافتة؛ إذ إن كثيرًا من التعليقات الإعلامية والسياسية تعاملت مع مجرد فتح التحقيق وكأنه إدانة مسبقة، أو كما لو أن القضاء الإسباني قد حسم بالفعل في مسؤولية الدولة المغربية أو بعض مسؤوليها، بينما تختلف الحقيقة القانونية عن ذلك اختلافًا جوهريًا.../...
فالتمييز بين الشكوى والتحقيق والاتهام والحكم القضائي ليس مجرد تفصيل إجرائي، بل هو أحد أهم الضمانات التي تقوم عليها دولة القانون. ومن هنا تبرز ضرورة قراءة هذا الملف في ضوء الوقائع المعلنة، بعيدًا عن المبالغات السياسية أو الإعلامية.
أولًا: ماذا حدث أمام المحكمة الوطنية الإسبانية؟
بدأت القضية عندما تقدمت جمعيات وأحزاب إسبانية، من بينها جمعية "أَسْمِع صَوْتَك"(Hazte Oír)، بشكاوى أمام المحكمة الوطنية الإسبانية، طالبت فيها بفتح تحقيق في ظروف التدفق الجماعي للمهاجرين نحو سبتة، وذهبت بعض تلك الشكاوى إلى حد تسمية مسؤولين مغاربة وإسبان، مطالبةً بالتحقيق في احتمال وجود مسؤوليات جنائية.
غير أن المحكمة الوطنية لم تصدر أي حكم، ولم توجه أي اتهام رسمي لأي مسؤول مغربي، بل فتحت تحقيقًا أوليًا، وكلفت الأجهزة المختصة بجمع المعلومات والتقارير اللازمة لتحديد الوقائع، وحتى لتحديد مدى اختصاص المحكمة بالنظر في الملف أصلًا. كما طلبت تقارير من الشرطة الوطنية والحرس المدني حول الظروف التي أحاطت بالأحداث، وهو ما يؤكد أن الملف ما يزال في مرحلة البحث وجمع الأدلة، لا في مرحلة إصدار الأحكام.
ومن الناحية القانونية، فإن فتح التحقيق لا يحمل في ذاته أي دلالة على ثبوت الوقائع أو صحة الادعاءات، وإنما يعكس فقط أن القاضي رأى أن ما عُرض عليه يستحق الفحص وفق الإجراءات القانونية.
ثانيًا: بين التحقيق والإدانة… خلط لا ينسجم مع دولة القانون
من أكثر الأخطاء شيوعًا في تغطية القضايا ذات البعد السياسي الخلط بين قبول الشكوى وبين الإدانة القضائية.
ففي جميع الأنظمة القانونية الحديثة، يستطيع أفراد أو جمعيات أو أحزاب تقديم شكاوى إلى القضاء إذا اعتقدوا بوجود جريمة. لكن قبول المحكمة النظر في تلك الشكاوى أو فتح تحقيق بشأنها لا يعني أن القضاء اقتنع بمضمونها، ولا أن الأشخاص المذكورين فيها أصبحوا متهمين بالمعنى القانوني، فضلًا عن كونهم مدانين.
إن وظيفة قاضي التحقيق ليست إصدار الأحكام، وإنما البحث عن الحقيقة، سواء انتهى ذلك إلى حفظ الملف لغياب الأدلة، أو إلى توجيه الاتهام إذا ظهرت معطيات كافية، أو إلى الإحالة على المحكمة المختصة.
ولهذا، فإن تحويل مجرد فتح التحقيق إلى دليل على مسؤولية الدولة المغربية أو مسؤوليها يمثل قفزًا على أبسط المبادئ التي يقوم عليها القضاء الجنائي، وفي مقدمتها قرينة البراءة.
ثالثًا: المفارقة الكبرى… الحكومة الإسبانية لم تتهم المغرب رسميًا
لعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذا الملف هو وجود تباين واضح بين مضمون بعض الشكاوى المقدمة إلى القضاء، وبين الخطاب الرسمي للحكومة الإسبانية.
فبحسب ما أوردته صحيفة وول ستريت جورنال، فإن حكومة بيدرو سانشيز تجنبت توجيه اتهام رسمي إلى المغرب، وأرجعت موجة العبور الجماعي إلى نشاط شبكات تهريب البشر، ولم تعلن أن الدولة المغربية أو مسؤوليها يقفون وراء ما جرى. كما أشار التقرير إلى أن بعض المحللين طرحوا فرضيات سياسية بشأن خلفيات الأزمة، إلا أن هذه الفرضيات بقيت في إطار التحليل ولم تتحول إلى موقف رسمي للدولة الإسبانية.
وهذه المفارقة تكتسب أهمية خاصة، لأن الحكومة الإسبانية هي الجهة التي تملك تقارير الشرطة الوطنية، والحرس المدني، وأجهزة الاستخبارات، ومع ذلك لم تصدر عنها حتى الآن إدانة رسمية للمغرب.
ومن ثم، فإن الادعاءات الواردة في بعض الشكاوى تبقى، في هذه المرحلة، ادعاءات مقدمة من أصحابها إلى القضاء، لا حقائق ثبتت رسميًا.
رابعًا: أزمة سبتة… أزمة مغربية إسبانية أم أزمة إسبانية داخلية؟
عند النظر إلى المشهد السياسي الإسباني، يتبين أن أزمة سبتة لم تعد مجرد قضية حدودية، بل تحولت إلى ملف داخلي شديد الحساسية.
فالمعارضة اليمينية جعلت من الهجرة أحد أهم محاور هجومها على حكومة سانشيز، بينما دخل الملف في قلب السجال الانتخابي، وأصبح وسيلة لتقييم سياسات الحكومة في إدارة الحدود والهجرة.
وفي الوقت نفسه، كانت حكومة سانشيز تواجه ضغوطًا سياسية وقضائية مرتبطة بملفات داخلية أخرى، الأمر الذي زاد من حدة الاستقطاب.
وفي مثل هذا السياق، يصبح من الطبيعي أن تلجأ بعض الجمعيات أو الأحزاب إلى القضاء باعتباره امتدادًا للصراع السياسي، وهو أمر تعرفه معظم الديمقراطيات، لكنه لا يعني أن القضاء يتحول تلقائيًا إلى أداة لإثبات صحة المواقف السياسية.
خامسًا: البعد الأوروبي… عندما امتد الخلاف إلى داخل الاتحاد الأوروبي
لم تقف الأزمة عند حدود العلاقة بين الرباط ومدريد، بل امتدت إلى النقاش الأوروبي حول سياسات الهجرة.
فقد أبرزت التقارير الصحفية أن عددًا من الدول الأوروبية وجه انتقاداته إلى السياسة الإسبانية نفسها، ودعا إلى تشديد الرقابة على الحدود، بينما دخلت حكومة سانشيز في سجال مع بعض شركائها الأوروبيين حول كيفية إدارة هذا الملف.
كما أشار تقرير وول ستريت جورنال إلى أن حكمًا حديثًا للمحكمة العليا الإسبانية بشأن التعامل مع المهاجرين الذين يصلون إلى سبتة بحرًا أصبح جزءًا من النقاش حول أسباب الأزمة، بما يعني أن للعوامل القانونية والسياسات الداخلية الإسبانية دورًا في تفسير ما وقع، إلى جانب أي عوامل أخرى قد يكشفها التحقيق.
خاتمة: القضاء يبحث عن الحقيقة… والسياسة تبحث عن الانتصار
إن أول ما تكشفه هذه القضية هو ضرورة الفصل بين مسارين مختلفين تمامًا.
المسار الأول هو المسار القضائي، الذي ما يزال في بدايته، ويقوم على جمع الأدلة والتحقق من الوقائع وفق الضمانات القانونية، دون أن يصدر حتى الآن أي قرار يثبت مسؤولية الدولة المغربية أو أي مسؤول مغربي.
أما المسار الثاني فهو المسار السياسي، حيث أصبحت أزمة سبتة جزءًا من الصراع الداخلي في إسبانيا، ومن النقاش الأوروبي حول الهجرة، وهو ما منحها أبعادًا تتجاوز بكثير الجانب القضائي.
ولهذا، فإن التعامل الرصين مع هذا الملف يقتضي عدم تحويل الادعاءات إلى حقائق، وعدم الخلط بين الشكاوى والأحكام، وعدم إقحام القضاء في معارك السياسة قبل أن يقول كلمته.
ففي دولة القانون، لا تُبنى المسؤوليات على العناوين الصحفية أو المواقف الحزبية، وإنما على الأدلة التي تثبت أمام القضاء. وحتى ذلك الحين، تبقى جميع الأطراف متمتعة بقرينة البراءة، ويبقى التحقيق القضائي وسيلة للبحث عن الحقيقة، لا أداة لإنتاجها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق