سبتة تنفجر في وجه أوروبا

 

ماذا لو كانت الموجة المقبلة غير مغربية؟


لم تكن موجة الهجرة الجماعية الأخيرة نحو سبتة مجرد حادث حدودي عابر، ولا مجرد اندفاع مفاجئ لشباب استبد بهم اليأس فرأوا في البحر طريقًا مختصرًا إلى أوروبا. لقد تحولت، في غضون أيام، إلى أزمة متعددة المستويات: مأساة إنسانية، واختبار أمني، ومعركة روايات بين المغرب وإسبانيا، ومادة لإعادة إنتاج الخوف من الهجرة في الإعلام الأوروبي، وفرصة لإحياء السؤال الذي ظنت مدريد أنه أصبح خارج النقاش: ما طبيعة سبتة ومليلية؟ وما موقعهما الجغرافي والقانوني داخل أوروبا؟ وماذا لو تكررت الأزمة بمهاجرين غير مغاربة؟ .../...


بدأت الأزمة كما أصبح معروفا بإشاعات على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم انتهت باتهامات سياسية لدوائر القرار المغربي، ودعوات أوروبية إلى مزيد من عسكرة الحدود، ومقالات تحذر من أن الاتحاد الأوروبي قد يموت إذا عجز عن حمايتها. وبين البداية والنهاية ضاع السؤال الأهم:


من يتحمل المسؤولية عن نظام للهجرة يريد من المغرب أن يمنع ويراقب ويستقبل، بينما تحتفظ أوروبا لنفسها بحق وضع القواعد وتحديد السياسات، من دون أن تتحمل بالقدر نفسه الكلفة التنموية والاجتماعية التي تقع على شمال المغرب؟


إن الأزمة لا تثبت أن المغرب نظم الهجرة، كما لا تعفيه من مساءلة اختلال منظومته الأمنية والوقائية بل والاجتماعية. لكنها تكشف أن الشراكة القائمة مع أوروبا بلغت حدودها، وأن استمرارها بالصيغة نفسها قد يجعل من كل موجة جديدة أزمة أشد خطورة، خصوصًا إذا لم يكن معظم الداخلين إلى سبتة مغاربة، أو إذا تعمدوا إخفاء هوياتهم وجنسياتهم الحقيقية كما كان يحث زمن الحسن الثاني.



إشاعة فتحت الحدود قبل أن تفتحها الوقائع


أهم ما كشفته وكالة أسوشيتد برس في تتبعها للأحداث أن الاندفاع نحو سبتة لم يبدأ، وفق الأدلة التي تمكنت من جمعها، بأمر سياسي معلن أو بتنظيم مركزي مثبت، بل بموجة من التضليل الرقمي انتشرت عبر إنستغرام وفيسبوك وتيك توك.


تداولت الحسابات والمنشورات أخبارًا تزعم أن الحدود قد فُتحت، وأن الوصول سباحة إلى سبتة أصبح ممكنًا، وأن تغييرات في السياسة الإسبانية أو في الأحكام القضائية ستجعل إعادة الداخلين أكثر صعوبة. كما انتشرت خرائط لمسارات السباحة، ومعلومات عن تحركات خفر السواحل، ومقاطع تصور عمليات عبور ناجحة، فتحولت الأخبار الكاذبة إلى ما يشبه النداء الجماعي للانطلاق. وقد روى مهاجرون للوكالة أنهم تحركوا من تلقاء أنفسهم، أو ضمن مجموعات صغيرة، بناءً على ما رأوه على المنصات، لا استجابة لتنظيم مباشر من شبكات تهريب أو جهة سياسية.  


لا يعني ذلك أن وسائل التواصل صنعت الرغبة في الهجرة من العدم. فالإشاعة لا تدفع عشرات الآلاف إلى المخاطرة بالغرق إلا حين تجد مجتمعًا واسعًا من المستعدين نفسيًا واجتماعيًا لتصديقها. البطالة، والهشاشة، وانسداد الأفق، وصورة أوروبا بوصفها مجالًا للفرصة والكرامة، كلها كانت كامنة قبل ظهور أول منشور مضلل.


لكن التضليل الرقمي منح هذا اليأس موعدًا ومكانًا واتجاهًا.


وهنا يمكن فهم تسلسل الأزمة على نحو أقرب إلى الوقائع:


كانت هناك رغبة واسعة في الرحيل، ثم ظهرت إشاعات توحي بأن فرصة استثنائية قد فتحت، فانتشرت مقاطع النجاح، وبدأت الحركة الفردية، ثم تحولت بفعل التقليد الجماعي إلى موجة ضخمة خرجت عن قدرة الأجهزة على الاحتواء.


والأخطر أن الإشاعة لم تستند إلى فراغ كامل. فقد سبقها حكم للمحكمة العليا الإسبانية حد من إمكان الإعادة الفورية لمن يعترضون في البحر أثناء محاولة الوصول إلى سبتة ومليلية. وقد رأت الرباط أن الحكم أضعف قوة الردع التي كانت تقوم عليها منظومة التعاون الحدودي، بينما تحول الفارق القانوني الدقيق على وسائل التواصل إلى رسالة مبسطة تقول إن من يصل سباحة لا يمكن إرجاعه. وقد حمل مسؤول مغربي إسبانيا مسؤولية عدم توقع أثر الحكم، مؤكدًا أن المغرب لم يخفف مراقبة الحدود وأن شبكات التهريب استغلت الوضع القانوني الجديد.


وهكذا التقت ثلاثة عناصر في لحظة واحدة:


يأس اجتماعي عميق، وتضليل رقمي واسع، وثغرة قانونية أسيء فهمها أو استغلالها.


وهذا التفسير لا يغلق باب التحقيق في احتمال تدخل جهات منظمة، لكنه يضع عبء الإثبات على من يدعي أن العملية صممت من مركز سياسي محدد.



من التحقيق في الوقائع إلى البحث عن "العقل المدبر"


في مقابل المسار الذي تتبعه أسوشيتد برس، ظهرت في الصحافة الإسبانية رواية مختلفة. فقد نشرت صحيفة The Objective مقالًا بعنوان مثير يضع مستشار الملك محمد السادس، فؤاد عالي الهمة، في دائرة الاتهام بوصفه «العقل المدبر» المحتمل للموجة.


لكن قوة العنوان لا تعني قوة الدليل.


فالاتهام، كما ظهر في المادة المنشورة، يستند بدرجة كبيرة إلى موقع فؤاد عالي الهمة داخل بنية القرار المغربي، وإلى تقارير استخباراتية إسبانية قديمة نسبت إليه دورًا في أزمة سبتة سنة 2021، ثم يعيد إسقاط تلك السابقة على أحداث 2026.


وهنا تقع القفزة المنهجية:


لأن شخصًا اتُّهم في أزمة سابقة، ولأنه قريب من مركز القرار، ولأن أزمة مشابهة وقعت اليوم، يصبح هو العقل المدبر لها. وهو ما يشير إليه المثل المغربي بالقول: (“طاحت الصَّمْعة علّْقوا الحجام”، بمعنى: “سقطت الصومعة اشنقوا الحلاق”)


لكن هذا ليس تحقيقًا في العملية الحالية، بل بناء سياسي قائم على القياس بالسابقة.


فإثبات التنظيم يحتاج إلى معطيات من نوع مختلف: أوامر، واتصالات، وتمويل، وحسابات رقمية موجهة، وشهادات متقاطعة، أو تعليمات صادرة إلى الأجهزة. أما مكانة الشخص ونفوذه والاشتباه السابق فيه فلا تكفي وحدها لإثبات دوره في موجة جديدة.


كما أن الادعاء بأن وزيرة الدفاع الإسبانية وجهت إليه اتهامًا مباشرًا يحتاج إلى تمييز. فالتصريحات العلنية المنقولة عنها طالبت المغرب بالتحقيق، وانتقدت تعريض القاصرين للخطر، ودافعت عن أجهزة الدولة الإسبانية، لكنها لم تقدم في ما نُشر علنًا دليلًا يربط المستشار الملكي شخصيًا بتنظيم الموجة.


ولذلك فإن الصياغة الدقيقة ليست أن إسبانيا أثبتت تورط فؤاد عالي الهمة، بل أن بعض المنابر والدوائر الإسبانية أعادت إنتاج رواية أزمة 2021، واستعملتها إطارًا جاهزًا لتفسير أزمة 2026 قبل اكتمال التحقيق فيها.


إن الاستفادة السياسية من حدث لا تثبت صناعته.


والتقصير في منعه لا يساوي التخطيط له.


والارتباك الأمني لا يتحول تلقائيًا إلى عملية استخباراتية.



حين يتحول المهاجر إلى خطر وجودي


لم تتوقف معركة الروايات عند حدود إسبانيا. ففي فرنسا، قدم رونو جيرار في لوفيغارو الأزمة ضمن عنوان يحذر من أن الاتحاد الأوروبي "قد يموت بسبب عجزه عن حماية حدوده".


هذه الصياغة لا تتعامل مع سبتة بوصفها أزمة هجرة ذات أسباب اجتماعية وقانونية ورقمية، بل ترفعها إلى مستوى تهديد وجودي لأوروبا.


المهاجر هنا لا يظهر بصفته إنسانًا خُدع بإشاعة، أو شابًا سحقه اليأس، أو فردًا يخضع طلبه لقواعد اللجوء والهجرة، بل بوصفه جزءًا من كتلة بشرية تهدد بقاء الاتحاد.


والحدود لا تعود أداة قانونية لتنظيم الحركة، بل تتحول إلى جدار دفاع عن حضارة محاصرة.


ليس كل حديث عن حماية الحدود عنصرية، وليس تنظيم الهجرة عداءً للأجانب. فلكل دولة حق مشروع في ضبط الدخول إلى أراضيها، وحماية أمنها، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر. لكن الانتقال من ضرورة التنظيم إلى التحذير من «موت أوروبا» يغير طبيعة الخطاب كله.


إنه يحول أزمة قابلة للتحليل والمعالجة إلى خوف جماعي مفتوح.


ويجعل المهاجر سببًا لانهيار أوروبا، بدل أن يكون نتيجة لفشل تنموي وسياسي وقانوني يتقاسم مسؤوليته الشمال والجنوب.


كما يفتح الطريق أمام قبول كل إجراء استثنائي باسم البقاء: عسكرة الحدود، والإعادة السريعة، ونقل مراكز اللجوء إلى خارج أوروبا، وتوسيع المراقبة، والضغط على دول العبور، والتضييق على الهجرة النظامية ولمّ الشمل.


وقد دعت رئيسة المفوضية الأوروبية، عقب الأزمة، إلى تعزيز حماية الحدود الخارجية، وتطوير الإنذار المبكر، وزيادة عمليات الإعادة، وتعميق التعاون مع الدول الثالثة، بينما ظهرت ضغوط أوروبية متزايدة على إسبانيا بسبب سياستها في تسوية أوضاع مهاجرين موجودين فوق أراضيها.


وهكذا انتقلت الأزمة من تضليل استهدف المهاجرين إلى خطاب تخويف يستهدف الأوروبيين.


التضليل الأول قال للشباب إن الطريق مفتوح.


والخطاب الثاني يقول للأوروبي إن الحضارة مهددة.


وبين الوهمين تضيع إمكانات الحل العقلاني.



حدود أوروبية داخل إفريقيا أم وضع استثنائي؟


تزداد المفارقة حين توصف سبتة في الخطاب الإعلامي بأنها «الحدود الأوروبية» من دون توضيح طبيعة وضعها الجغرافي والقانوني.


سبتة ومليلية تخضعان للسيادة الإسبانية كأمر واقع، وتطبق عليهما جوانب واسعة من قانون الاتحاد الأوروبي، كما تعتبر حدودهما مع المغرب حدودًا خارجية لفضاء شنغن. لكنهما لا تتمتعان بوضع مطابق للتراب الإسباني القاري.


فهما تخضعان لنظام خاص داخل منظومة شنغن، وتستمر مراقبة الوثائق على الرحلات المتجهة منهما إلى شبه الجزيرة الإسبانية أو إلى بقية فضاء شنغن. كما أنهما ليستا جزءًا من الإقليم الجمركي للاتحاد الأوروبي.


هذه الخصوصيات لا تعني أن الأمم المتحدة تعترف بالمطالبة المغربية، كما لا تعني أنها حسمت نهائيًا الوضع السيادي للمدينتين لصالح إسبانيا. فسبتة ومليلية لا تردان ضمن قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، ولم يدرجهما مجلس الأمن في جدول أعماله بوصفهما قضيتَي تصفية استعمار أو نزاع سيادي. وفي المقابل، تتمسك إسبانيا بأنهما جزء لا يتجزأ من أراضيها، بينما يتمسك المغرب بمطالبته التاريخية باستعادتهما. وبذلك يظل النزاع سياسيًا وثنائيًا، من دون مسار أممي مماثل لمسار الصحراء الغربية أو جبل طارق.


فالمدينة تقع جغرافيًا في شمال إفريقيا، ومحاطة بالتراب المغربي، وتخضع لنظام أوروبي استثنائي، وتفصلها عن إسبانيا القارية مراقبة لا توجد بين مدن البر الإسباني نفسها.


ومن ثم، فإن الأزمة لم تكشف هشاشة الحدود وحدها؛ بل أعادت تعريفها أمام جمهور دولي واسع لم يكن يعرف أصلًا أين تقع سبتة ومليلية.


فحين رأى العالم شبابًا يسبحون من شاطئ مغربي إلى مدينة إسبانية لا تبعد إلا أمتارًا، ظهر السؤال تلقائيًا:


كيف أصبحت حدود الاتحاد الأوروبي موجودة داخل القارة الإفريقية؟


وهذا الأثر الإعلامي قد يخدم إعادة طرح المسألة تاريخيًا وسياسيًا، لكنه لا يثبت أن الموجة نظمت من أجل تحقيقه.



المغرب شريك أم شرطي؟


في قلب الأزمة توجد معادلة أوروبية ظلت تعمل سنوات من دون مراجعة جدية:


تضع أوروبا قواعد الهجرة واللجوء والإعادة.


وتطلب من المغرب مراقبة السواحل والحدود.


وتنتظر منه منع الانطلاق، وتفكيك الشبكات، واستقبال العائدين.


بينما يتحمل المغرب، ولا سيما مناطقه الشمالية، جزءًا كبيرًا من الكلفة الأمنية والاجتماعية والاقتصادية.


ولهذا جاءت العبارة المغربية بأن المملكة ليست «شرطي إسبانيا» تعبيرًا عن رفض نموذج المناولة الأمنية، لا عن رفض مبدأ التعاون.


فالشراكة شيء، وتحويل المغرب إلى حارس خارجي للحدود الأوروبية شيء آخر.


الشراكة تعني المشاركة في القرار، وتقاسم الكلفة، وتبادل المعلومات، وفتح مسارات قانونية للهجرة، والاستثمار في التنمية، وتحمل دول الأصل مسؤولياتها.


أما المناولة فتعني أن تقرر أوروبا، ويمول جزء من الأجهزة، ثم يطلب من المغرب تنفيذ السياسة وتحمل تبعاتها الداخلية.


وقد استغلت الرباط الأزمة لتطالب الاتحاد الأوروبي بإعادة النظر في علاقته التنموية والاقتصادية معها، مؤكدة أن التعاون لا يمكن اختزاله في الأمن، وأن السياسات الأوروبية التي تضر بالاستثمار والتجارة والتنمية المغربية تنعكس في النهاية على استقرار الهجرة نفسها.


وهنا تظهر خصوصية شمال المغرب.


فمدن مثل تطوان والمضيق والفنيدق والناظور لا تتحمل فقط ضغط القرب من سبتة ومليلية، بل عاشت لعقود على اقتصاد حدودي غير مستقر، ثم وجدت نفسها أمام إغلاق المعابر، وتغير أنماط التجارة، وضغط المهاجرين العابرين، وتشديد المراقبة، من دون أن يقابل كل ذلك برنامج أوروبي تنموي بحجم العبء الذي تتحمله المنطقة.


لا يكفي تمويل سيارات المراقبة والكاميرات والأسوار.


ولا يمكن مطالبة آلاف الشباب بعدم الهجرة، بينما لا يرون في محيطهم فرصًا حقيقية للعمل والترقي والاستقلال.


إن أمن الحدود يبدأ من التنمية قبل أن يبدأ من الحاجز.



ماذا لو لم تكن الموجة المقبلة مغربية؟


أعلنت سلطات سبتة بعد انحسار الموجة بقاء بضعة آلاف من المهاجرين داخل المدينة، وإن اختلفت التقديرات بحسب اللحظة والجهة. وهذه الحقيقة تطرح سؤالًا أخطر من كل ما سبق:


ماذا لو كانت الموجة المقبلة مكونة أساسًا من أفارقة جنوب الصحراء، أو جزائريين، أو تونسيين، أو مهاجرين مجهولي الهوية؟


هل يقبل المغرب بإعادتهم جميعًا لمجرد أنهم وصلوا من جهته؟


الجواب القانوني والسيادي لا يمكن أن يكون نعم مطلقة.


فالمغرب ملزم من حيث الأصل باستقبال مواطنيه بعد التحقق من هوياتهم. أما مواطنو الدول الثالثة، فلا يصبحون مغاربة لأنهم عبروا أراضيه، ولا تتحول المملكة تلقائيًا إلى بلد إعادتهم النهائي.


هناك فرق بين الجنسية، والمرور عبر التراب المغربي، والإقامة السابقة فيه.


والاتفاق المغربي الإسباني بشأن إعادة القبول يسمح، ضمن شروط وإجراءات، بطلب إعادة أجانب ثبت دخولهم من أراضي الطرف الآخر، لكنه لا يشرعن تسليمًا جماعيًا آليًا لكل شخص يوجد في سبتة. فالإثبات والآجال والضمانات الفردية وحق طلب اللجوء ومبدأ عدم الإعادة إلى الخطر تبقى عناصر أساسية.


لذلك يستطيع المغرب أن يقول:


نستقبل من تثبت جنسيتهم المغربية.


ونبحث حالات مواطني الدول الثالثة وفق الاتفاق والإثبات الفردي.


لكننا لا نقبل أن نتحول إلى مستودع إقليمي لكل من تعجز إسبانيا أو أوروبا عن تحديد هويته أو إعادته إلى بلده.


وإذا كانت أوروبا تريد توسيع التزامات المغرب، فعليها أن تراجع الشراكة برمتها: قانونيًا وماليًا وتنمويًا وإنسانيًا.



معضلة الوثائق: من ترك البطاقة إلى صناعة هوية بديلة


ليست مشكلة إثبات الهوية جديدة في تاريخ الهجرة المغربية إلى سبتة ومليلية.


خلال عهد الحسن الثاني، كان كثير من المرشحين للهجرة يدركون أن البطاقة الوطنية هي مفتاح الإعادة السريعة. فإذا دخل المهاجر حاملًا وثيقة تثبت أنه مغربي، أصبح من السهل تسليمه إلى السلطات المغربية. أما إذا ترك وثائقه في المغرب، فإنه يحول جنسيته من حقيقة ظاهرة إلى واقعة تحتاج إلى تحقق.


ولذلك انتشر بين بعض المهاجرين تكتيك ترك البطاقة الوطنية قبل العبور.


كانت الرسالة الضمنية بسيطة:


أثبتوا أنني مغربي قبل أن تعيدوني.


ولا ينبغي الجزم بأن البطاقة الوطنية كانت الوسيلة الوحيدة المقبولة دائمًا، أو أن السلطات المغربية رفضت كل وسيلة أخرى للإثبات. لكن التجربة التاريخية تؤكد أن غياب الوثائق كان يبطئ التعرف والإعادة، ويمنح المهاجر وقتًا وفرصة أكبر للبقاء.


وقد تطور هذا التكتيك مع الزمن.


لم يعد الأمر يقتصر على إخفاء البطاقة، بل قد ينتقل إلى ادعاء جنسية بديلة، خصوصًا جنسية مرتبطة بمنطقة حرب أو اضطهاد أو استحالة عملية للإعادة.


وقد عاين كاتب هذه السطور شخصيًا، خلال وجوده في إسبانيا، عددًا من المغاربة في الجزيرة الخضراء كانوا ينتظرون تسوية أوضاعهم مدعين أنهم فلسطينيون من غزة.


هذه شهادة ميدانية شخصية، وليست إحصاءً رسميًا، ولا تسمح بتعميم السلوك على المغاربة أو طالبي اللجوء. لكنها تكشف آلية تستحق الانتباه.


فالشخص الذي يقر بأنه مغربي قد يصبح قابلًا للتعرف والإعادة بعد التنسيق مع بلده. أما من يدعي أنه فلسطيني من غزة، فإنه يدخل ملفه في مسار أكثر تعقيدًا:


يدعي الانتماء إلى منطقة حرب.


ويستفيد من صعوبة التحقق القنصلي.


ويثير احتمال استحقاق الحماية الدولية.


ويجعل الإعادة العملية شديدة الصعوبة قبل الحسم في هويته وروايته.


ولا تمنح إسبانيا اللجوء لمجرد الادعاء، بل تخضع الطلب للمقابلة وفحص المصداقية والقرائن. لكن الادعاء الكاذب قد يطيل زمن التحقق ويعطل الإعادة، حتى إذا انتهى لاحقًا إلى الرفض.


وهنا ينتقل المهاجر من إخفاء الهوية إلى صناعة هوية بديلة ذات قيمة قانونية وإنسانية أكبر.


وتكمن خطورة ذلك في أثرين متقابلين:


الأول أنه يعقد قدرة السلطات على تحديد من يحق له البقاء ومن ينبغي إعادته.


والثاني أنه يضر بطالبي اللجوء الحقيقيين، ولا سيما الفلسطينيين والسوريين والسودانيين والليبيين بل والجزائريين المضطهدين أيضا، لأنه يزرع الشك في روايات من يحتاجون فعلًا إلى الحماية.



السيناريو الذي قد يشل منظومة الإعادة


لنتصور موجة جديدة تضم آلاف الأشخاص، بعضهم مغاربة تركوا وثائقهم، وبعضهم جزائريون أو تونسيون، وبعضهم من إفريقيا جنوب الصحراء، وبعضهم يدعي الانتماء إلى مناطق حرب.


عندئذ لن يكون السؤال: من أين دخلوا فقط؟


بل: من هم أصلًا؟


لن تستطيع إسبانيا أن تعتبر الجميع مغاربة لمجرد أنهم وصلوا من الجانب المغربي.


ولن يستطيع المغرب أن يقبلهم جميعًا من دون تحقق، وإلا تحمل مسؤولية أشخاص لا يحملون جنسيته.


وسيصعب على دول الأصل التعرف إلى مواطنيها أو إصدار وثائق سفر لهم بسرعة.


وقد يقدم عدد منهم طلبات لجوء، أو يدعون القصور، أو يخفون معلوماتهم الحقيقية.


وبذلك قد يبقى آلاف الأشخاص داخل سبتة مدة طويلة، في مدينة محدودة المساحة والقدرة الاستيعابية، قبل نقل قسم منهم إلى شبه الجزيرة الإسبانية أو الوصول إلى اتفاقات مع بلدانهم الأصلية.


وهنا تنقلب الأزمة من أداة ضغط على المغرب إلى مأزق إسباني وأوروبي مباشر.


فكلما طال وجود المهاجرين في سبتة، زادت الكلفة الإنسانية والأمنية والسياسية.


وكلما نقلت إسبانيا عددًا منهم إلى البر الأوروبي، ارتفع ضغط اليمين المتطرف.


وكلما طالبت إسبانيا المغرب باستقبالهم، عاد سؤال الهوية والإثبات والاتفاقات إلى الواجهة.


ومن ثم، فإن الإصرار على أن المغرب يجب أن يستقبل كل من دخل من جهته ليس حلًا قانونيًا، بل محاولة لنقل المأزق إلى الطرف الأضعف في سلسلة الهجرة.



مسؤولية المغرب لا تسقط


لا ينبغي أن يتحول نقد المقاربة الأوروبية إلى تبرئة كاملة للمغرب.


فالدولة مسؤولة عن مراقبة حدودها، وعن رصد حملات التضليل قبل تحولها إلى موجة، وعن حماية أرواح الشباب، وعن تفكيك الشبكات التي تستغلهم، وعن التواصل السريع والواضح حين تنتشر الأخبار الكاذبة.


كما أن البطالة واليأس وفقدان الثقة ليست مؤامرة أوروبية، بل نتائج لاختلالات تنموية واجتماعية داخلية ينبغي الاعتراف بها.


وقد سجلت البيانات الإسبانية قبل الأزمة أصلًا ارتفاعًا واضحًا في محاولات الدخول إلى سبتة خلال النصف الأول من سنة 2026 مقارنة بالسنة السابقة، ما يعني أن مؤشرات الضغط كانت موجودة قبل الانفجار، وأن التحرك الجماعي لم يظهر من العدم.


لكن مسؤولية المغرب عن منع الانفلات لا تعني أن يتحول إلى جهاز أمن يعمل نيابة عن أوروبا.


كما أن فشلًا استخباراتيا وأمنيًا محتملًا لا يثبت وجود قرار سياسي بفتح الحدود.


يجب التحقيق في الخلل، ومحاسبة التقصير، وتطوير الإنذار الرقمي، من دون قبول رواية تحول كل خطأ مغربي إلى مؤامرة وكل مهاجر إلى سلاح.



من الشراكة الأمنية إلى الشراكة التنموية


تحتاج الأزمة إلى اتفاق جديد يقوم على خمسة مبادئ مترابطة.


أولها أن المسؤولية مشتركة، فلا تكون أوروبا صاحبة القرار والمغرب مجرد منفذ.


وثانيها أن إعادة المواطنين المغاربة تختلف عن إعادة مواطني الدول الثالثة، ولا يجوز دمج المسارين.


وثالثها أن كل إعادة يجب أن تقوم على إثبات الهوية والمسار، وعلى فحص فردي يحترم اللجوء وحماية القاصرين وعدم الإعادة إلى الخطر.


ورابعها أن دول الأصل يجب أن تكون طرفًا مباشرًا في الاتفاقات، بدل نقل عبء مواطنيها إلى المغرب.


وخامسها أن التنمية في شمال المغرب جزء من أمن الحدود، وليست منحة منفصلة عنه.


فالبديل عن الهجرة لا يُبنى بالخطب، بل بفرص العمل، والتكوين المهني، والصناعة، والخدمات، والاستثمار، والهجرة القانونية المنظمة.


ومن غير المعقول أن تخصص أوروبا عشرات الملايين لتعزيز المراقبة والأجهزة الأمنية في سبتة، بينما يبقى الاستثمار التنموي في المدن المغربية المجاورة أقل من حجم التحدي الذي تطلب منها احتواءه. وقد أعلنت السلطات الإسبانية سنة 2026 استثمارات أمنية كبيرة في سبتة، منها عشرات الملايين لتحديث مقرات الحرس المدني والشرطة الوطنية، وهو ما يظهر أن المقاربة الأمنية تتقدم بسرعة على المقاربة التنموية المشتركة,


المطلوب ليس أن تدفع أوروبا للمغرب ثمن حراسة حدودها، بل أن تنشأ شراكة تجعل الاستقرار مصلحة مشتركة، وتمنح الشباب بدائل حقيقية عن البحر.



لا فتح للحدود ولا قبول بالمناولة


يحتاج الموقف المغربي إلى توازن دقيق.


فرفض دور الشرطي الأوروبي لا يعني ترك الحدود مفتوحة، ولا التغاضي عن موجات العبور، ولا استخدام المهاجرين وسيلة للضغط السياسي. فذلك يضر بالمغرب أخلاقيًا وأمنيًا، ويعرض حياة البشر للخطر، ويمنح خصومه مادة لاتهامه بتسليح الهجرة.


وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول الشراكة إلى التزام مفتوح يقبل بموجبه المغرب كل من تريد إسبانيا التخلص من عبئه.


الموقف المسؤول هو:


يتولى المغرب واجباته في المراقبة والإنقاذ ومكافحة الشبكات.


ويستقبل مواطنيه بعد التحقق من هوياتهم.


ويرفض الإعادة الجماعية أو غير الموثقة لمواطني الدول الثالثة.


ويطالب باتفاقات مباشرة مع دول الأصل.


ويربط توسيع التعاون بتمويل تنموي حقيقي ومسارات هجرة قانونية وتقاسم واضح للمسؤولية.


فالمغرب ليس شرطي إسبانيا، لكنه كذلك ليس في مصلحته أن يصبح شماله فضاءً للفوضى والتجمعات غير النظامية وشبكات التهريب.


إنه شريك ينبغي أن يتصرف كدولة ذات سيادة، لا كحارس مأجور ولا كطرف يلوح بالمهاجرين.



أزمة حدود أم إنذار حضاري؟


تكشف أزمة سبتة أكثر مما تكشفه أعداد العابرين.


تكشف كيف تستطيع إشاعة رقمية أن تحرك عشرات الآلاف حين تكون النفوس مشحونة باليأس.


وتكشف كيف تنتقل الصحافة من البحث في الأسباب إلى اختراع عقل مدبر قبل ظهور الدليل.


وتكشف كيف تتحول المأساة الإنسانية في الخطاب الأوروبي إلى تهديد وجودي للحضارة.


وتكشف الوضع الاستثنائي لمدينتين إسبانيتين داخل الجغرافيا الإفريقية.


وتكشف هشاشة اتفاقات الإعادة حين يتعمد المهاجرون محو هوياتهم أو ادعاء جنسيات بديلة.


وتكشف، قبل ذلك كله، فشل نموذج يريد من المغرب أن يتحمل الحراسة والاستقبال والكلفة، من دون أن يمنحه شراكة متكافئة في القرار والتنمية.


قد تتمكن الأجهزة من إغلاق الحدود بعد هذه الموجة.


وقد تنجح إسبانيا في نقل بعض الموجودين أو إعادتهم.


وقد يهدأ السجال الإعلامي بعد أسابيع.


لكن الأسباب التي أنتجت الأزمة ستبقى قائمة: اليأس، والتضليل، وغموض القواعد القانونية، واختلال التنمية، وغياب الاتفاق المتوازن.


وإذا لم تُراجع الشراكة، فقد تكون الموجة المقبلة أكثر تعقيدًا؛ لا لأن عددها سيكون أكبر بالضرورة، بل لأنها قد تضم أشخاصًا لا يحملون وثائق، ولا يقرون بجنسياتهم، ولا يملك المغرب التزامًا تلقائيًا باستقبالهم.


وعندها ستدرك أوروبا أن الحدود لا تحمى بإسنادها إلى دولة أخرى، وأن الهجرة لا تعالج بإعادة البشر من ضفة إلى ضفة، وأن الشراكة لا تعني أن يأمر طرف وينفذ الآخر.


لقد بدأت الأزمة بإشاعة تقول إن الطريق إلى أوروبا فُتح.


ثم تحولت إلى خطاب يقول إن أوروبا ستموت إن لم تغلق حدودها.


أما الحقيقة التي ضاعت بين الإشاعتين فهي أن الحدود لا تستقر بالخوف وحده، بل بالعدل والتنمية والقانون والمسؤولية المشتركة.


وأن المغرب لا يمكن أن يبقى في الوقت نفسه حاجز أوروبا، ومستودع مهاجريها، والمتهم الأول كلما انهار الحاجز.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق