قراءة في إعادة تشكل التحولات الجيوسياسية بغرب المتوسط
واشنطن وتندوف والجنسية والهجرة في إعادة رسم ميزان النفوذ بين المغرب وإسبانيا
تمهيد: من أزمة حدود إلى مشهد استراتيجي أوسع
لم تعد أحداث سبتة الأخيرة قابلة للقراءة باعتبارها أزمة هجرة عابرة، ولا مجرد خلل أمني على حدود مدينة محتلة، ولا حتى خلافًا ثنائيًا جديدًا بين المغرب وإسبانيا. فسرعان ما تجاوزت الوقائع الميدانية معناها المباشر، لتكشف عن تداخل ملفات كانت تتحرك في مسارات متوازية منذ أشهر، قبل أن تلتقي فجأة في لحظة سياسية واحدة.
ففي الوقت الذي كانت فيه مدريد تواجه تدفقًا غير مسبوق للمهاجرين نحو سبتة، كانت واشنطن قد بدأت، قبل ذلك بأشهر، إدخال سبتة ومليلية لأول مرة إلى نقاش داخل مؤسسة أمريكية رسمية، من خلال تقرير لجنة الاعتمادات بمجلس النواب الذي دعا إلى تشجيع حوار دبلوماسي حول مستقبل المدينتين.../...
وفي الوقت نفسه، كانت الولايات المتحدة تكثف، وفق تقارير إعلامية متعددة، تحركاتها من أجل دفع مسار تسوية قضية الصحراء المغربية على أساس الحكم الذاتي، مع بروز ملف مخيمات تندوف باعتباره أحد أكثر ملفات المرحلة المقبلة حساسية إذا انتقل النزاع من إدارة التسوية السياسية إلى التفكير في شروط تنفيذها.
وفي الاتجاه المقابل، كانت إسبانيا تمضي في مسار تشريعي يمنح الجنسية الإسبانية لآلاف من الصحراويين، في خطوة قُدِّمت بوصفها معالجة لإرث تاريخي يعود إلى فترة الاستعمار الإسباني، لكنها تطرح، في السياق الإقليمي الراهن، أسئلة سياسية تتجاوز بعدها القانوني والإنساني المباشر.
وفي الأثناء، انتقلت الأزمة إلى بروكسل، حيث لم يقتصر النقاش على شبكات التهريب أو إدارة الحدود، بل امتد إلى الحديث عن استخدام أدوات مثل التأشيرات والتجارة للضغط على المغرب من أجل تعزيز التعاون في ملف الهجرة. وفي الوقت نفسه، كشفت تقارير غربية عن استغلال شبكات مرتبطة بالدعاية الروسية للأزمة من أجل تغذية خطاب اليمين المتطرف داخل أوروبا بهدف تفجيرها سياسيا من الداخل بسبب دعمها لأوكرانيا في حربها على روسيا، بما يؤكد أن سبتة تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها رهانات تتجاوز بكثير العلاقة المغربية الإسبانية.
إن جمع هذه التطورات داخل سياق واحد لا يثبت وجود خطة موحدة أو تنسيق مباشر بينها، لكنه يكشف أن غرب المتوسط دخل مرحلة يتزايد فيها تفاعل ملفات كانت تُدار سابقًا كل واحدة منها بمعزل نسبي عن الأخرى.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: لماذا وقعت أزمة سبتة؟
بل أصبح أيضًا: لماذا تزامنت، في هذه اللحظة بالذات، كل هذه الملفات؛ من الصحراء وتندوف، إلى واشنطن ومدريد ومسكو والجزائر، ومن الجنسية الإسبانية إلى التحريض الإعلامي إلى الضغوط الأوروبية؟
ومن هنا تنطلق فرضية هذا المقال: أن غرب المتوسط بدأ يدخل مرحلة جديدة من إعادة توزيع أوراق القوة، وأن سبتة ومليلية لم تعودا مجرد مدينتين محل نزاع تاريخي، بل أصبحتا جزءًا من بيئة استراتيجية أوسع تتداخل فيها تسوية الصحراء، ومستقبل مخيمات تندوف، والسياسة الأمريكية، والتحريض الروسي، والتوازنات الأوروبية، ومكانة المغرب الإقليمية الصاعدة.
ولهذا، فإن فهم ما يجري يقتضي تجاوز القراءة الأمنية أو الإعلامية للأحداث، والانتقال إلى قراءة جيوسياسية تبحث في العلاقة بين هذه الملفات جميعًا، لا باعتبارها عناصر في خطة واحدة، بل باعتبارها مسارات مستقلة بدأت نتائجها تتقاطع داخل مشهد استراتيجي واحد آخذ في التشكل.
أولًا: سبتة ليست بداية الأزمة… بل لحظة كشفها
غالبًا ما تبدأ القراءات السياسية للأزمات من الحدث الأكثر ظهورًا، فتجعل منه سببًا لما تلاه من تطورات. غير أن هذا المنهج قد يقود إلى نتائج مضللة، لأنه يخلط بين الحدث الظاهر والتحولات البنيوية التي سبقته.
وهذا ما ينطبق إلى حد بعيد على أزمة سبتة في صيف 2026.
فمن تابع الأزمة عبر الصور القادمة من الحدود، أو عبر الأرقام المتعلقة بالمهاجرين، قد يخلص إلى أن التدفق الجماعي نحو المدينة هو الذي فجّر الأزمة السياسية بين المغرب وإسبانيا، ودفع الاتحاد الأوروبي إلى التدخل، وأعاد ملف سبتة ومليلية إلى الواجهة الدولية.
غير أن التسلسل الزمني للأحداث يقدم صورة أكثر تعقيدًا.
فالتحرك الأمريكي الذي أثار اهتمامًا واسعًا في مدريد لم يبدأ بعد موجة الهجرة، بل سبقها بأشهر. فقد شهد الكونغرس الأمريكي، من خلال لجنة الاعتمادات بمجلس النواب، ظهور صياغة غير مسبوقة تدعو إلى تشجيع حوار دبلوماسي بشأن الوضع المستقبلي لسبتة ومليلية، وهو تطور سياسي لافت لأنه نقل المدينتين، ولو بصورة محدودة، من دائرة الملفات التي ظلت المؤسسات الأمريكية تتجنب الخوض فيها إلى دائرة النقاش داخل مؤسسة تشريعية نافذة.
وفي الفترة نفسها، كانت إدارة الرئيس دونالد ترامب تعيد تأكيد تمسكها بمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها أساسًا للحل النهائي لقضية الصحراء، بينما بدأت تتواتر تقارير إعلامية تتحدث عن إدراج مستقبل مخيمات تندوف ضمن النقاشات المرتبطة بأي تسوية سياسية محتملة.
وفي مدريد، لم تكن الدولة الإسبانية تنتظر بدورها اندلاع أزمة سبتة حتى تعيد ترتيب بعض أوراقها. فقد كان مشروع منح الجنسية الإسبانية لفئات من الصحراويين يشق طريقه داخل البرلمان، في مسار تشريعي بدأ قبل الأزمة بوقت طويل، بما يؤكد أن التفكير في تداعيات مرحلة ما بعد النزاع لم يكن وليد أحداث الحدود.
وفي الوقت نفسه، أخذت العلاقات الإسبانية الجزائرية تستعيد جانبًا من زخمها السياسي والاستراتيجي، في سياق لا يمكن اختزاله في الاعتبارات الاقتصادية أو الطاقية وحدها.
ومن منظور جيوسياسي، يصعب فصل هذا التقارب تمامًا عن التحولات التي يعرفها ملف الصحراء، ولا عن سعي مدريد إلى الحفاظ على توازن إقليمي يمنع اختلال ميزان القوة بصورة كاملة لصالح المغرب، في ظل الدعم الأمريكي والفرنسي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي.
ولا يعني ذلك وجود محور منظم أو اتفاق معلن لمواجهة الرباط، بل يعكس تقاطعًا موضوعيًا في بعض المصالح الاستراتيجية بين مدريد والجزائر في مرحلة إعادة ترتيب موازين النفوذ بشمال غرب إفريقيا.
وبهذا المعنى، لا يبدو مشروع منح الجنسية للصحراويين، ولا التقارب مع الجزائر، ولا التحركات الدبلوماسية الإسبانية المتعددة، مجرد وقائع منفصلة تمامًا، بل تعبيرًا عن استعداد مدريد للتعامل مع مرحلة قد تصبح مختلفة جذريًا إذا اقتربت قضية الصحراء من تسويتها النهائية.
أما داخل الاتحاد الأوروبي، فقد كانت المفوضية تناقش منذ سنوات تشديد أدوات مكافحة شبكات تهريب المهاجرين، وإعادة النظر في أدوات الشراكة مع دول العبور، قبل أن تمنح أحداث سبتة لهذا النقاش زخمًا سياسيًا جديدًا.
وعندما انفجرت الأزمة، لم تنشئ هذه الملفات، بل دفعتها جميعًا إلى الواجهة في توقيت واحد.
وهذه الملاحظة ليست تفصيلًا منهجيًا، بل مفتاح لفهم طبيعة الأزمة كلها.
فإذا اعتبرنا أن الهجرة هي أصل المشكلة، فسوف يصبح النقاش محصورًا في شبكات التهريب، ومراقبة الحدود، والتعاون الأمني، وتقاسم أعباء المهاجرين.
أما إذا اعتبرنا أن الهجرة كشفت إعادة تموضع استراتيجي أوسع، فإن الأسئلة تتغير جذريًا:
لماذا عاد ملف سبتة ومليلية إلى النقاش داخل واشنطن بعد عقود من الجمود؟
ولماذا تتزامن هذه العودة مع اقتراب ملف الصحراء من مرحلة تبدو مختلفة عن كل المراحل السابقة؟
ولماذا يتحول ملف مخيمات تندوف تدريجيًا إلى موضوع مطروح في النقاشات المتعلقة بالتسوية؟
ولماذا تمضي إسبانيا، في هذا التوقيت، في توسيع نطاق منح الجنسية للصحراويين؟
ولماذا تنتقل بروكسل من الحديث عن التعاون مع المغرب إلى الحديث عن أدوات ضغط مرتبطة بالتجارة والتأشيرات؟
ثم لماذا تحولت أزمة سبتة، في الوقت نفسه، إلى مادة لحملات دعائية روسية استثمرت صور الهجرة والانقسام الأوروبي لتغذية خطاب اليمين المتطرف، وتعميق المواجهة بين التيارات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي؟
فهذا البعد الأخير يكشف أن الأزمة لم تعد تتحرك فقط داخل المجال المغربي الإسباني، ولا حتى داخل المؤسسات الأوروبية، بل أصبحت جزءًا من ساحة أوسع للحرب المعلوماتية التي تخوضها موسكو ضد خصومها الأوروبيين منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا. وقد برزت في هذا السياق شبكات إعلامية ورقمية مرتبطة بالفضاء الدعائي الروسي، وفي مقدمتها شبكة «Pravda»، في إعادة تدوير روايات الهجرة والأمن وفشل الحكومات الأوروبية، بما يخدم خطاب القوى الشعبوية واليمينية المناهضة لسياسات الاتحاد الأوروبي.
ولا يعني ذلك أن موسكو صنعت أزمة سبتة أو كانت وراء أسبابها الميدانية؛ فلا تتوافر معطيات تسمح بمثل هذا الاستنتاج. لكن استغلال الأزمة إعلاميًا يتفق مع نمط أوسع من عمليات التأثير الروسية التي تقوم على التقاط الأزمات الموجودة أصلًا داخل المجتمعات الأوروبية، ثم تضخيم تناقضاتها وتحويلها إلى أدوات استقطاب سياسي واجتماعي.
وفي هذا المعنى، لا تحتاج موسكو إلى خلق الأزمة حتى تستفيد منها؛ يكفي أن تجد أزمة قائمة، ثم تعيد صياغة روايتها بما يزيد الشرخ بين اليمين واليسار، وبين الحكومات الأوروبية، وبين الرأي العام ومؤسسات الاتحاد.
وعندما يوضع ذلك في سياق المواجهة الروسية الأوروبية المستمرة بسبب الدعم السياسي والمالي والعسكري الذي تقدمه دول الاتحاد لأوكرانيا، يصبح استثمار أزمة سبتة جزءًا محتملًا من حرب نفوذ أوسع، تستخدم فيها المعلومات والهجرة والانقسامات الداخلية أدوات ضغط غير مباشرة، من دون أن يعني ذلك أن كل حملة أو كل رواية متداولة تصدر مباشرة عن الدولة الروسية.
إن اجتماع هذه الأسئلة في لحظة واحدة يجعل من الصعب تفسير المشهد بمنطق المصادفة الزمنية وحده.
لكنه، في المقابل، لا يبرر القفز إلى افتراض وجود خطة موحدة تدير جميع هذه التحركات.
فالسياسة الدولية لا تقوم دائمًا على التنسيق المباشر، بل كثيرًا ما تنتج تحولات كبرى من تلاقي مصالح مستقلة تتحرك في اتجاهات متقاربة.
فقد تتحرك واشنطن انطلاقًا من رؤيتها لإعادة ترتيب التوازنات في شمال إفريقيا، بينما تتحرك مدريد انطلاقًا من حساباتها المتعلقة بالصحراء ومستقبل علاقتها بالمغرب، ويتحرك الاتحاد الأوروبي بدافع حماية حدوده الجنوبية، وتسعى الجزائر إلى الحفاظ على أوراقها الإقليمية، في حين يعمل المغرب على استثمار التحولات الدولية لتثبيت مكاسبه الاستراتيجية.
غير أن تزامن هذه المسارات يمنحها، مجتمعة، معنى جديدًا.
فالأزمة لم تعد مجرد أزمة حدود، بل أصبحت لحظة تكشف انتقال التنافس من إدارة الملفات اليومية إلى إعادة صياغة موازين القوة في غرب المتوسط.
ولهذا فإن فهم ما جرى في سبتة لا يبدأ من البحر، بل من الخرائط السياسية التي كانت يعاد رسمها قبل أن يصل أول مهاجر إلى شاطئ المدينة.
ثانيًا: لماذا دخلت واشنطن على خط سبتة ومليلية؟
طوال عقود، ظلت الولايات المتحدة تتعامل مع سبتة ومليلية باعتبارهما ملفًا إسبانيًا لا يقتضي تدخلًا سياسيًا مباشرًا.
فرغم العلاقات الاستراتيجية التي ربطت واشنطن بالمغرب منذ الاستقلال، ورغم المكانة الخاصة التي يحتلها المغرب في السياسة الأمريكية بمنطقة شمال إفريقيا، بقيت المدينتان خارج أولويات الدبلوماسية الأمريكية، ولم تتحولا إلى موضوع نقاش داخل المؤسسات السياسية الأمريكية إلا نادرًا وبصيغ شديدة التحفظ.
غير أن الأشهر الأخيرة حملت مؤشرات مختلفة.
فإدراج سبتة ومليلية في تقرير صادر عن لجنة الاعتمادات بمجلس النواب الأمريكي، والدعوة إلى تشجيع حوار دبلوماسي بشأن مستقبلهما، لا يعني أن الولايات المتحدة تبنت المطالبة المغربية، كما لا يعني أن الإدارة الأمريكية غيرت موقفها الرسمي من وضع المدينتين.
لكن مجرد انتقال الملف من دائرة الصمت التقليدي إلى دائرة النقاش التشريعي يمثل تطورًا سياسيًا له دلالته.
ولا تكمن أهمية هذا التطور في قيمته القانونية المباشرة، بل في الرسالة الاستراتيجية التي يمكن أن يحملها.
فالدول الكبرى نادرًا ما تعيد إدخال ملفات مستقرة نسبيًا إلى النقاش السياسي ما لم تكن ترى أن البيئة الإقليمية المحيطة بها بدأت تتغير.
وعندما يظهر ملف ظل لعقود خارج التداول، ولو بصيغة أولية، فإن ذلك قد يعني أن بعض دوائر التفكير الاستراتيجي باتت تنظر إلى البيئة المحيطة به بصورة مختلفة.
وهنا ينبغي وضع هذا التطور في سياقه الأوسع.
فمنذ اعتراف إدارة دونالد ترامب بسيادة المغرب على الصحراء سنة 2020، دخلت العلاقات المغربية الأمريكية مرحلة مختلفة نوعيًا.
ولم يعد المغرب يُنظر إليه فقط باعتباره حليفًا تقليديًا رئيسيًا من خارج حلف الناتو، بل بوصفه شريكًا إقليميًا تتزايد أهميته في ملفات الأمن، والطاقة، والصناعات الدفاعية، والاستقرار في الساحل وغرب إفريقيا، وتأمين الممرات البحرية بين الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط.
ومع تعمق هذا التحول، لم تعد قضية الصحراء مجرد نزاع إقليمي بالنسبة لواشنطن، بل أصبحت جزءًا من تصور أوسع لإعادة ترتيب التوازنات في شمال غرب إفريقيا.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم عودة سبتة ومليلية إلى بعض دوائر الاهتمام.
فالمدينتان ليستا مجرد جيبين إسبانيين على الساحل الإفريقي، بل تقعان ضمن البيئة الاستراتيجية نفسها التي قد تتأثر بنتائج أي تسوية نهائية لقضية الصحراء.
فإذا كان النزاع الصحراوي يتجه تدريجيًا نحو تثبيت واقع سياسي جديد يقوم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، فإن البيئة الاستراتيجية المحيطة بالمغرب ستتغير بدورها.
وسيتحول المغرب من دولة منشغلة بإدارة نزاع مفتوح منذ نصف قرن، إلى دولة قد تمتلك هامشًا أوسع لإعادة ترتيب أولوياتها الجيوسياسية.
ولا يعني ذلك أن الرباط ستنتقل تلقائيًا إلى فتح ملف سبتة ومليلية، لكنه يعني أن انتهاء النزاع الصحراوي يمكن أن يغير الإطار العام الذي ظلت المدينتان تتحركان داخله لعقود.
ولهذا تبدو الحساسية الإسبانية تجاه أي إشارة أمريكية مرتبطة بالمدينتين مفهومة.
فمدريد تدرك أن قوة موقعها لم تكن تقوم فقط على سيادتها الفعلية على سبتة ومليلية، بل أيضًا على وجود توافق دولي واسع بعدم إدخال وضعهما في دائرة النقاش السياسي.
أما إذا بدأ هذا التوافق يتعرض للاهتزاز، ولو بصورة محدودة، فإن البيئة الدبلوماسية التي تمتعت بها إسبانيا طوال عقود قد تصبح أقل ثباتًا.
وفي المقابل، يدرك المغرب أن واشنطن أثبتت، خلال السنوات الأخيرة، قدرتها على تغيير معادلات كانت تبدو مستقرة لعقود، كما حدث في قضية الصحراء.
ولهذا يبدو طبيعيًا أن تسعى الدبلوماسية المغربية إلى تعزيز حضورها داخل دوائر صنع القرار الأمريكية، ليس بالضرورة بهدف انتزاع موقف فوري بشأن سبتة ومليلية، وإنما لمنع تحول الملف إلى منطقة مغلقة سياسيًا كما كان في السابق.
وهذا فرق جوهري.
فالرهان المغربي، في هذه المرحلة، قد لا يكون على حسم قضية المدينتين، بل كسر احتكار رواية واحدة داخل الفضاء الدولي، وإبقاء احتمال النقاش السياسي حول مستقبلهما مفتوحًا.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم لماذا أثارت الصياغة الأمريكية اهتمامًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية يتجاوز قيمتها القانونية المباشرة.
فالسياسة الدولية لا تتحرك فقط عبر القرارات النهائية، بل تبدأ أحيانًا بتغيير اللغة التي توصف بها الملفات.
وعندما تتغير اللغة، قد تبدأ الخرائط الذهنية نفسها في التغير.
ولا يعني ذلك أن الإدارة الأمريكية تبنت سياسة رسمية جديدة تجاه المدينتين، وإنما أن إدراجهما في النقاش التشريعي قد يعكس اتساع دائرة التفكير الاستراتيجي حول توازنات غرب المتوسط.
ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة قد غيرت موقفها الرسمي من سبتة ومليلية، لأن الوقائع المتاحة لا تسمح بهذا الاستنتاج حتى الآن على الأقل، وإنما:
هل بدأت بعض دوائر واشنطن تتعامل مع المدينتين باعتبارهما جزءًا من بيئة ما بعد الصحراء، بعد أن ظلتا لعقود خارج أي تفكير استراتيجي أمريكي معلن؟
هذا السؤال، حتى وإن بقي مفتوحًا، يكشف أن الأزمة تجاوزت منذ زمن حدود الهجرة غير النظامية، وأصبحت مرتبطة بإعادة تعريف ميزان القوة في غرب المتوسط، وبالتحولات التي قد تلي إغلاق أحد أقدم النزاعات الإقليمية في شمال إفريقيا.
ثالثًا: الجنسية الإسبانية للصحراويين… تصحيح تاريخي أم بناء نفوذ لمرحلة ما بعد النزاع؟
إذا كان التحرك الأمريكي يمثل ورقة جديدة في المعادلة الإقليمية، فإن إسبانيا تبدو، هي الأخرى، وكأنها تعيد ترتيب بعض أدواتها استعدادًا لمرحلة قد تختلف عن كل ما عرفه ملف الصحراء منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي.
ومن أبرز هذه الأدوات مشروع القانون المتعلق بمنح الجنسية الإسبانية لفئات من الصحراويين، وهو مشروع بدأت مسيرته البرلمانية قبل أزمة سبتة الأخيرة، وتقدم في الأشهر الماضية داخل المؤسسة التشريعية الإسبانية.
وتقدم مدريد هذا المشروع بوصفه معالجة لمسؤولية تاريخية تجاه سكان إقليم كانت إسبانيا تديره حتى سنة 1975، وتؤكد أن الهدف منه هو تسوية أوضاع قانونية ظلت معلقة منذ إنهاء الإدارة الإسبانية للإقليم.
ومن هذه الزاوية، يبدو المشروع منسجمًا مع منطق قانوني وإنساني يمكن الدفاع عنه، كما حدث في حالات تاريخية مشابهة منحت فيها دول أوروبية الجنسية لسكان أقاليم كانت خاضعة لإدارتها الاستعمارية.
غير أن القراءة الجيوسياسية لا تتوقف عند النوايا المعلنة، بل تنظر أيضًا إلى الآثار الموضوعية التي يمكن أن تنتج عن القرار، بصرف النظر عن الدوافع التي أعلنها أصحابه.
وهنا تبرز أسئلة يصعب تجاهلها.
فإذا أصبح عشرات الآلاف من الصحراويين مواطنين إسبانًا، فإن إسبانيا لن تكون قد منحتهم وثيقة سفر فقط، بل ستكون قد أنشأت علاقة قانونية وسياسية دائمة بينهم وبين الدولة الإسبانية.
ومع مرور الوقت، قد يتحول هؤلاء إلى ناخبين، وجمعيات، ومنظمات مدنية، وشبكات ضغط، ونخب سياسية، ومواطنين يتمتعون بكامل الحقوق الدستورية داخل الدولة الإسبانية.
وهذا يعني أن قضية الصحراء قد لا تبقى، بالنسبة لإسبانيا، مجرد ملف في السياسة الخارجية، بل تصبح أيضًا قضية داخلية مرتبطة بشريحة من مواطنيها.
وهنا يكتسب مشروع الجنسية بعدًا استراتيجيًا يتجاوز نطاقه القانوني المباشر.
ففي حال التوصل مستقبلًا إلى تسوية نهائية للنزاع، قد يصبح لإسبانيا، بحكم وجود مواطنين من أصول صحراوية، مبرر دائم للاهتمام بتطورات الإقليم، ومتابعة أوضاع الحكم الذاتي، والتدخل دبلوماسيًا كلما رأت أن مصالح مواطنيها أو حقوقهم تستدعي ذلك.
ولا يحتاج هذا الأثر إلى وجود خطة سياسية مسبقة.
فهو من النتائج الممكنة للعلاقة القانونية التي تنشئها الجنسية نفسها.
فكل دولة تمنح جنسيتها لفئة معينة تصبح، بحكم مسؤوليتها تجاه مواطنيها، أكثر ارتباطًا بأوضاعهم ومصالحهم، وهو ما قد يمنح مدريد أداة حضور طويلة الأمد في ملف يبدو ظاهريًا متجهًا نحو التسوية.
وتزداد أهمية هذا التطور عندما يُقرأ إلى جانب معطى آخر لا يقل أهمية، وهو الأرشيف الإسباني المتعلق بالصحراء.
فإسبانيا لا تزال تحتفظ بوثائق الإدارة الاستعمارية، وفي مقدمتها تعداد سنة 1974، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أهم السجلات التاريخية المتعلقة بسكان الإقليم قبل الانسحاب الإسباني.
ورغم أن أي تسوية مستقبلية لن تعتمد بالضرورة على هذا التعداد وحده، فإن قيمته القانونية والتاريخية تمنحه مكانة خاصة في أي نقاش يتعلق بإثبات الروابط بالإقليم أو التحقق من بعض المطالب الفردية.
وبذلك تجد مدريد نفسها في موقع فريد.
فهي الدولة التي غادرت الإقليم قبل نصف قرن، لكنها ما تزال تحتفظ بجزء مهم من ذاكرته الإدارية والقانونية، وتسعى اليوم إلى توسيع الروابط القانونية مع شريحة من سكانه عبر الجنسية.
وهذا لا يعني أن إسبانيا تعمل ضد التسوية، ولا أنها تسعى بالضرورة إلى تعطيل الحكم الذاتي.
بل قد يكون العكس صحيحًا.
فالدول كثيرًا ما تستعد لمرحلة ما بعد النزاعات، لا لمواصلة النزاعات نفسها.
لكنها تحرص، في الوقت ذاته، على ألا تخرج من تلك المرحلة من دون أدوات تضمن استمرار حضورها وتأثيرها.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة مشروع الجنسية باعتباره، إلى جانب بعده التاريخي والإنساني، وسيلة محتملة للاحتفاظ بدور إسباني في مرحلة ما بعد النزاع، حتى لو تغير الشكل القانوني والسياسي للصحراء.
وهنا تتقاطع هذه الورقة مع الورقة الأمريكية بطريقة لافتة.
فالولايات المتحدة تبدو معنية بإغلاق أحد أقدم النزاعات الإقليمية في شمال إفريقيا، بينما تبدو إسبانيا معنية بضمان ألا يؤدي هذا الإغلاق إلى خروجها الكامل من المشهد الذي ظل جزءًا من تاريخها السياسي والاستعماري.
أما المغرب، فإنه ينظر إلى هذه التطورات من زاوية مختلفة.
فكلما اقتربت التسوية، ازداد حرصه على أن تؤدي إلى إنهاء النزاع، لا إلى إعادة إنتاجه بأدوات جديدة أو تحت عناوين قانونية مختلفة.
ومن هنا يمكن فهم الحساسية المغربية تجاه أي خطوة قد تمنح أطرافًا خارجية وسائل إضافية للتأثير في مستقبل الإقليم، حتى عندما تأتي تلك الخطوة في إطار قانوني مشروع.
وبذلك، لم يعد النقاش يدور فقط حول من يملك السيادة، بل أيضًا حول من سيملك التأثير بعد تثبيت تلك السيادة.
وهذا، في جوهره، أحد أهم التحولات التي تكشفها المرحلة الراهنة.
رابعًا: تندوف… العقدة التي لا يمكن تجاوزها
طوال سنوات، انصب الاهتمام الدولي على السؤال السياسي المرتبط بقضية الصحراء: هل يكون الحل عبر الاستفتاء، أم عبر الحكم الذاتي، أم عبر صيغة أخرى للتسوية؟
غير أن التطورات الأخيرة بدأت تنقل النقاش إلى مستوى مختلف.
فإذا كان المسار السياسي يميل تدريجيًا نحو منح مبادرة الحكم الذاتي موقعًا متقدمًا في أي تصور للحل، فإن السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد متعلقًا فقط بشكل التسوية، بل بآليات تنزيلها على الأرض.
وهنا تبرز مخيمات تندوف باعتبارها إحدى أعقد حلقات المرحلة المقبلة.
فالمخيمات ليست مجرد تجمعات للاجئين، بل فضاء تشكل عبر نصف قرن، يضم سكانًا، وإدارة، وبنية تنظيمية، وشبكات اجتماعية، وقيادات سياسية، وعناصر مسلحة، وعلاقات إقليمية ودولية تراكمت عبر عقود.
ولذلك فإن أي حديث عن إنهاء النزاع دون معالجة مستقبل هذه المخيمات سيظل ناقصًا.
ومن هذا المنطلق، تكتسب التقارير الإعلامية التي تحدثت خلال الأشهر الماضية عن ضغوط أو تحركات أمريكية لفتح ملف المخيمات أهمية خاصة، حتى وإن لم تصدر بشأنها بيانات رسمية تفصيلية من واشنطن.
فمجرد انتقال النقاش من شكل التسوية إلى مصير المخيمات، إذا تأكد أنه أصبح جزءًا من المباحثات، يكشف أن التفكير قد يكون بدأ ينتقل من المستوى النظري إلى المستوى التنفيذي.
وهذا انتقال بالغ الدلالة.
لأن التسويات الكبرى لا تقاس بما يوقع على الورق فقط، بل بما يمكن تطبيقه على الأرض.
وهنا تظهر أولى الإشكالات.
إذا تم اعتماد الحكم الذاتي باعتباره الإطار النهائي للحل، فمن هم الأشخاص الذين ستشملهم ترتيبات العودة؟
هل يكفي الوجود داخل مخيمات تندوف؟
أم ينبغي إثبات صلة قانونية أو قبلية أو تاريخية بالإقليم؟
وما المرجع الذي يمكن اعتماده في ذلك؟
هذه الأسئلة ليست تقنية، بل سياسية بامتياز.
ذلك أن تحديد من يملك حق العودة يعني، في الوقت نفسه، تحديد من سيكون جزءًا من المجتمع الذي سيعيش داخل إقليم الحكم الذاتي.
وهنا تعود إلى الواجهة وثائق تاريخية مثل التعداد الإسباني لسنة 1974، إلى جانب غيره من وسائل الإثبات التي قد تعتمدها أي آلية مستقبلية للتحقق من الروابط بالإقليم.
غير أن القضية لا تقف عند حدود تحديد الهوية.
فهناك سؤال آخر لا يقل حساسية:
ماذا عن الأشخاص الذين لا تثبت صلتهم المباشرة بالإقليم؟
وماذا عن الذين استقروا في المخيمات منذ عقود، أو ولدوا فيها، أو انخرطوا في مؤسساتها، أو ارتبطت حياتهم كلها بذلك الواقع؟
إن هؤلاء لا يمكن ببساطة تجاهل وجودهم.
وهنا تتحول القضية من نزاع إقليمي إلى مسألة إنسانية وقانونية وسياسية معقدة، تتداخل فيها مسؤوليات الدولة المضيفة، والهيئات الدولية، والدول الراعية لأي تسوية مستقبلية.
ويزداد الأمر تعقيدًا عندما يتعلق بالقيادات السياسية والعناصر المسلحة.
فإنهاء نزاع دام خمسين عامًا لا يعني فقط إعادة السكان، بل يقتضي أيضًا إعادة دمج مؤسسات نشأت في ظل النزاع، ومعالجة أوضاع أشخاص بنوا حياتهم كلها داخل بنية سياسية وعسكرية قائمة منذ عقود.
ولهذا فإن الحديث عن مخيمات تندوف لا يتعلق بمكان جغرافي فقط، بل ببنية سياسية واجتماعية وأمنية كاملة تحتاج إلى معالجة انتقالية دقيقة.
ولذلك فإن مستقبل المخيمات لا يرتبط فقط بالحل السياسي، بل أيضًا بإدارة مرحلة انتقالية معقدة تتداخل فيها اعتبارات القانون الدولي الإنساني، وإعادة الإدماج، والأمن الإقليمي، والتنمية الاقتصادية، بما يجعل نجاح أي تسوية رهينًا بقدرتها على معالجة هذه الأبعاد مجتمعة.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم سبب ازدياد الاهتمام الأمريكي بهذا الملف، إذا صحت التقارير التي تحدثت عن إدراجه ضمن النقاشات الجارية.
فالولايات المتحدة تدرك أن نجاح أي تسوية لا يقاس بإعلانها، وإنما بقدرتها على إنهاء أسباب استمرار النزاع.
ولا يمكن تصور نهاية عملية لنزاع الصحراء مع بقاء المخيمات قائمة بوظيفتها السياسية والعسكرية كما كانت طوال العقود الماضية.
لكن في المقابل، لا يمكن أيضًا تصور تفكيك هذا الواقع بقرارات إدارية أو أمنية مجردة.
فالمطلوب ليس تفكيك المخيمات بوصفها منشآت، بل بناء مسار انتقالي يضمن الحقوق، ويحفظ الاستقرار، ويمنع نشوء فراغ أمني أو إنساني.
وهنا تتقاطع مصالح جميع الأطراف، وإن اختلفت أهدافها.
فالمغرب يسعى إلى أن تكون التسوية خاتمة للنزاع لا بداية لصيغ جديدة منه.
والجزائر معنية بألا تتحول نهاية النزاع إلى أزمة داخلية أو أمنية على حدودها.
والولايات المتحدة معنية بأن تكون التسوية مستقرة وقابلة للحياة، لا مجرد اتفاق هش سرعان ما يعيد إنتاج التوتر.
أما الأمم المتحدة، فإنها ستكون مطالبة، إذا دخلت العملية مرحلتها التنفيذية، بالانتقال من إدارة نزاع طويل إلى مرافقة واحدة من أكثر عمليات الانتقال السياسي والإنساني تعقيدًا في شمال إفريقيا.
وبذلك لم يعد السؤال الحقيقي فقط:
هل يقترب الحل؟
بل أصبح أيضًا:
هل بدأت الأطراف المختلفة تستعد لليوم التالي للحل؟
وإذا كان الأمر كذلك، فإن كثيرًا من التحركات التي تبدو اليوم متفرقة تصبح أكثر قابلية للفهم.
فالجنسية الإسبانية، والاهتمام الأمريكي، والنقاش حول التحقق من الروابط بالإقليم، ومستقبل المخيمات، قد تكون كلها مؤشرات إلى أن التفكير في مرحلة ما بعد النزاع بدأ يتقدم تدريجيًا، حتى وإن لم يتحول بعد إلى ترتيبات رسمية معلنة.
خامسًا: من الصحراء إلى سبتة… كيف بدأت أوراق الضغط تتبادل بين الرباط ومدريد؟
إذا كان لكل مرحلة من مراحل الصراع أدواتها الخاصة، فإن ما تشهده المنطقة اليوم يوحي بأن طبيعة هذه الأدوات نفسها بدأت تتغير.
فعلى امتداد عقود، ظل ملف الصحراء الورقة المركزية في العلاقات المغربية الإسبانية.
وكان التوازن العام يقوم على معادلة شبه ثابتة: المغرب يسعى إلى تعزيز الاعتراف الدولي بسيادته على الصحراء، بينما تحاول إسبانيا، رغم تطور علاقاتها مع الرباط، الحفاظ على هامش يسمح لها بعدم الظهور وكأنها تخلت نهائيًا عن جميع أوراقها المرتبطة بالنزاع.
غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا تدريجيًا في هذه المعادلة.
فبعد الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء، ثم الدعم الفرنسي الصريح لمبادرة الحكم الذاتي، لم يعد ميزان القوة الدبلوماسي كما كان في العقدين السابقين.
وأصبحت الرباط تتحرك من موقع أكثر ثقة، بينما وجدت مدريد نفسها أمام واقع جديد يتمثل في تقلص عدد القوى الغربية الكبرى المتمسكة بالمقاربات التقليدية للنزاع.
وفي هذا السياق، بدأت كل دولة تبحث عن أدوات جديدة لتعزيز موقعها.
بالنسبة لإسبانيا، تبدو الجنسية الإسبانية للصحراويين، والاحتفاظ بالأرشيف التاريخي للإقليم، والعلاقة السياسية مع جزء من النخب الصحراوية، وسائل يمكن أن تسمح لها بالحفاظ على حضور مؤثر في مرحلة ما بعد التسوية، حتى لو لم تعد طرفًا مباشرًا في النزاع كما كانت في الماضي.
أما المغرب، فقد اتجه إلى توسيع دائرة التحرك خارج الإطار الثنائي مع مدريد.
ولعل أبرز مؤشر على ذلك هو تكثيف الحضور داخل دوائر صنع القرار في واشنطن، في وقت بدأت فيه سبتة ومليلية تظهران، لأول مرة منذ عقود، في نقاشات داخل مؤسسة أمريكية رسمية.
ولا يعني ذلك أن المغرب نقل الصراع إلى الولايات المتحدة، وإنما يعني أنه لم يعد يقبل بأن تبقى قواعد اللعبة محصورة داخل الفضاء الأوروبي وحده.
وهنا يبرز تحول بالغ الأهمية.
ففي الماضي، كان يُنظر إلى سبتة ومليلية باعتبارهما ملفين منفصلين عن قضية الصحراء.
أما اليوم، فلا يبدو أن هذا الفصل الاستراتيجي أصبح واضحًا كما كان.
وليس المقصود أن المغرب ربط رسميًا بين الملفين، أو أن الولايات المتحدة أو إسبانيا أعلنتا وجود علاقة مباشرة بينهما، فمثل هذا الاستنتاج لا تدعمه الوقائع المتاحة.
لكن الثابت أن البيئة الاستراتيجية التي يتحرك فيها الملفان أصبحت أكثر ترابطًا.
فكل تقدم في مسار الصحراء ينعكس على الحسابات المرتبطة بسبتة ومليلية، وكل تطور في سبتة يعاد تفسيره في ضوء التوازنات الجديدة التي أفرزها ملف الصحراء.
وفي هذا السياق يمكن فهم التصريحات الأوروبية التي لوّحت باستخدام التجارة والتأشيرات وسيلتين للضغط على المغرب في ملف الهجرة.
فالرسالة الأوروبية لم تكن موجهة إلى أزمة حدودية فقط، بل إلى دولة أصبحت تملك هامشًا أوسع للمناورة مما كان عليه الوضع في السابق.
وفي المقابل، فإن تحرك الرباط داخل واشنطن يحمل رسالة موازية.
فإذا كانت بروكسل ومدريد تمتلكان أدوات ضغط اقتصادية وسياسية، فإن المغرب بدوره، وبموازاة توسعة شبكات شركائه التجاريين والاقتصاديين، يسعى إلى توسيع شبكة داعميه الاستراتيجيين، وإلى منع تحول أي ضغط أوروبي إلى واقع غير قابل للموازنة، بحيث تصبح أوروبا هي من تحتاج إليه لا العكس.
وهكذا لم يعد ميزان العلاقات المغربية الإسبانية قائمًا على ورقة واحدة، بل على شبكة من الأدوات المتبادلة:
الصحراء بوصفها ملف السيادة الرئيسي بالنسبة للمغرب.
وسبتة ومليلية باعتبارهما ملفًا ظل مجمدًا، لكنه بدأ يخرج تدريجيًا من دائرة الصمت.
والهجرة باعتبارها مجالًا للتعاون، وفي الوقت نفسه مصدرًا للتوتر كلما اختلت الثقة.
والتجارة والاستثمار بوصفهما ركيزة للمصالح المشتركة، وأداة ضغط محتملة.
والتعاون الأمني والعسكري الذي يصعب على أي من الطرفين الاستغناء عنه.
والدعم الأمريكي والأوروبي باعتباره عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى.
ثم الورقة الإفريقية، التي أصبحت تكتسب وزنًا متزايدًا في الحسابات المغربية. فالمغرب لم يعد يتحرك تجاه أوروبا فقط من موقع الشريك الجنوبي، بل أيضًا من موقع بوابة سياسية واقتصادية ولوجستية نحو غرب إفريقيا والساحل. وتزداد أهمية هذه الورقة مع المشاريع الكبرى المرتبطة بربط الأسواق الإفريقية بالموانئ المغربية، والممرات الأطلسية، ومشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب، بما قد يمنح الرباط على المدى البعيد دورًا متقدمًا في تأمين جزء من حاجات أوروبا الطاقية وتنويع مساراتها بعيدًا عن مصادرها التقليدية.
ولا تعني هذه الورقة أن المغرب يمتلك اليوم بديلًا فوريًا للطاقة الأوروبية أو للأسواق الأوروبية، فميزان الاعتماد لا يزال متشابكًا بقوة بين الطرفين. لكن قيمتها تكمن في الاتجاه الاستراتيجي الذي تشير إليه: كلما تعمق الحضور المغربي في غرب إفريقيا، وارتبطت الموانئ والأسواق وشبكات الطاقة الإفريقية بالمجال الأطلسي المغربي، ازدادت قدرة الرباط على تحويل موقعها الجغرافي من مجرد معبر بين قارتين إلى أداة نفوذ في علاقاتها مع أوروبا.
وبذلك تصبح إفريقيا نفسها جزءًا من ميزان القوة. فالمغرب يستطيع أن يقدم نفسه لأوروبا بوصفه شريكًا في الوصول إلى أسواق صاعدة، وفي تأمين ممرات لوجستية جديدة، وفي دعم مشاريع الطاقة العابرة للقارات، بينما تدرك إسبانيا والاتحاد الأوروبي أن خسارة موقع متميز داخل هذه الشبكة قد تعني منح منافسين آخرين، من الولايات المتحدة والصين وروسيا إلى قوى خليجية وآسيوية، مجالًا أوسع للتحرك.
وبذلك تتحول الجغرافيا الإفريقية، والغاز، والأسواق، والموانئ، والممرات الأطلسية من ملفات تنموية منفصلة إلى عناصر ضمن معادلة القوة نفسها.
وهنا تظهر مفارقة لافتة.
فكلما ازدادت أوراق الضغط لدى طرف، ازدادت في الوقت نفسه كلفة استخدامها.
فأوروبا تحتاج إلى المغرب في ملفات الهجرة، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار في الساحل، وسلاسل الإمداد، والطاقة.
والمغرب، في المقابل، يحتاج إلى أوروبا باعتبارها شريكه التجاري الأول، وأحد أهم مصادر الاستثمار والتكنولوجيا والسياحة.
ولهذا فإن العلاقة بين الرباط ومدريد لم تعد تسمح بمنطق الغالب والمغلوب.
لقد أصبحت، بدرجة متزايدة، علاقة اعتماد متبادل يقترب أحيانًا من الردع المتبادل.
وهذا هو التحول الأهم الذي كشفت عنه أزمة سبتة.
فلم تعد المسألة تتعلق فقط بمن يستطيع الضغط على الآخر، بل بمن يملك القدرة على منع الطرف المقابل من تحويل أدوات الضغط إلى وسائل إكراه سياسي أحادي.
ومن هذا المنظور يمكن القول إن غرب المتوسط بدأ يدخل مرحلة جديدة لا تقوم على إنهاء أوراق القوة، وإنما على إعادة توزيعها.
وهذا ما يفسر لماذا أصبحت كل خطوة في ملف الصحراء تُقرأ في مدريد من زاوية آثارها المحتملة على سبتة ومليلية، وكل تطور في سبتة يُقرأ في الرباط داخل سياق أوسع يشمل الصحراء وموازين النفوذ الإقليمي.
فالقضيتان لم تندمجا قانونيًا.
لكنّهما بدأتا تتجاوران استراتيجيًا.
وهذا هو التحول الأكثر عمقًا الذي ينبغي التوقف عنده.
سادسًا: هل بدأ عصر ما بعد الملفات المنفصلة؟
على امتداد نصف قرن تقريبًا، تعاملت الدبلوماسية الإقليمية والدولية مع ملفات غرب المتوسط بوصفها قضايا منفصلة.
فقضية الصحراء كانت تُناقش داخل الأمم المتحدة باعتبارها نزاعًا إقليميًا مستقلًا.
وملف سبتة ومليلية ظل يُعامل باعتباره شأنًا ثنائيًا بين المغرب وإسبانيا، خارج أي مسار دولي مؤثر.
أما مخيمات تندوف، فقد بقيت تقدم أساسًا باعتبارها قضية إنسانية مرتبطة باللاجئين، رغم أبعادها السياسية والأمنية.
وفي المقابل، كانت ملفات الهجرة، والتعاون الأمني، والعلاقات التجارية، والشراكة الأوروبية المتوسطية، تتحرك هي الأخرى في مسارات منفصلة، لكل منها مؤسساته وآلياته الخاصة.
غير أن التطورات الأخيرة توحي بأن هذه المرحلة بدأت تتراجع.
فالأزمة التي انفجرت في سبتة لم تُبقِ أيًا من هذه الملفات داخل حدوده التقليدية.
بل كشفت أن كل واحد منها أصبح يؤثر في الآخر بصورة متزايدة.
فقضية الصحراء لم تعد تُقرأ بمعزل عن مستقبل مخيمات تندوف.
ومخيمات تندوف لم تعد مجرد قضية لجوء، بل أصبحت جزءًا من النقاش حول كيفية تنفيذ أي تسوية سياسية مستقبلية.
والجنسية الإسبانية للصحراويين لم تعد تناقش فقط في إطار المسؤولية التاريخية، بل أيضًا في ضوء آثارها المحتملة على مرحلة ما بعد النزاع.
أما سبتة ومليلية، فقد خرجتا تدريجيًا من دائرة الملفات التي يُفترض أنها مستقرة، لتظهرا مجددًا، ولو بصورة محدودة، في النقاشات الاستراتيجية داخل واشنطن.
وفي الوقت نفسه، لم يعد التعاون في ملف الهجرة مجرد تعاون أمني، بل أصبح عنصرًا من عناصر التوازن السياسي بين المغرب والاتحاد الأوروبي.
وهذا كله يعني أن المنطقة بدأت تدخل مرحلة جديدة.
لكن من المهم التمييز بين أمرين.
الأول، أن هذا التحول لا يعني أن جميع الأطراف أصبحت تعمل وفق خطة واحدة أو مشروع منسق.
فلكل دولة أولوياتها، وحساباتها، وتحالفاتها، ومصالحها الخاصة.
أما الثاني، فهو أن تلاقي هذه المصالح في لحظة واحدة قد يكون كافيًا لإنتاج واقع سياسي جديد، حتى دون وجود تنسيق مباشر بينها.
وهذا ما يبدو أنه يحدث اليوم.
فالولايات المتحدة تتحرك وفق رؤيتها لموازين القوى في شمال إفريقيا.
والمغرب يعمل على تثبيت المكاسب التي حققها في ملف الصحراء، وتوسيع هامش حركته الاستراتيجية.
وإسبانيا تسعى إلى المحافظة على دورها ومصالحها في مرحلة قد تشهد تغيرًا في طبيعة النزاع الذي ظل يحدد جزءًا من سياستها الخارجية لعقود.
والجزائر تحاول الحفاظ على ما تبقى من أوراقها الإقليمية في لحظة تبدو أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
أما الاتحاد الأوروبي، فيحاول التوفيق بين حاجته إلى التعاون مع المغرب، ورغبته في الاحتفاظ بأدوات ضغط تضمن استمرار هذا التعاون وفق شروطه ومصالحه.
وهنا قد لا يكون السؤال الذي سيحدد مستقبل المنطقة خلال السنوات المقبلة:
من سينتصر؟
بل:
كيف سيعاد توزيع النفوذ بعد انتهاء مرحلة استمرت خمسين عامًا؟
فإذا كانت قضية الصحراء تتجه بالفعل نحو مرحلة سياسية مختلفة، فإن ذلك لن يعني نهاية التنافس الإقليمي، وإنما انتقاله إلى مستوى جديد، تعاد فيه صياغة أدوات التأثير، وأولويات التحالفات، ومجالات النفوذ.
ولهذا فإن قراءة أزمة سبتة باعتبارها مجرد أزمة هجرة لا تكفي لفهم ما يجري.
كما أن قراءتها باعتبارها مواجهة ثنائية بين المغرب وإسبانيا تختزل مشهدًا أصبح أكثر تعقيدًا.
فالوقائع المتراكمة خلال الأشهر الأخيرة تشير إلى أن غرب المتوسط يشهد بداية إعادة تموضع استراتيجي تتداخل فيه الحسابات الأمنية، والاقتصادية، والقانونية، والدبلوماسية، في لحظة قد تعيد تشكيل كثير من المسلمات التي حكمت المنطقة منذ نهاية الحقبة الاستعمارية.
ولا يعني ذلك أن السيناريوهات أصبحت محسومة.
فكثير من المسارات لا يزال مفتوحًا، وكثير من الفرضيات التي يجري تداولها لم تتحول بعد إلى سياسات معلنة أو اتفاقات نهائية.
لكن البيئة الاستراتيجية نفسها لم تعد كما كانت.
فالقضايا التي كانت تُدار كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى بدأت تدخل، تدريجيًا، في شبكة واحدة من التأثير المتبادل.
ولعل الدرس الأبرز الذي تقدمه أزمة سبتة هو أن التاريخ لا يتحرك دائمًا عبر أحداث كبرى تعلن بداية عصر جديد، بل كثيرًا ما يبدأ بتحولات صغيرة في اللغة، وفي موازين القوة، وفي طبيعة العلاقة بين الملفات، قبل أن تتجسد لاحقًا في وقائع سياسية أكثر وضوحًا.
فكما لم تكن سبتة بداية الأزمة، فإنها قد لا تكون أيضًا آخر محطاتها.
وربما كانت، في صيف 2026، إحدى اللحظات التي لم تغير وحدها مسار التاريخ، لكنها كشفت أن خرائط النفوذ في غرب المتوسط بدأت تدخل مرحلة إعادة رسم هادئة، تتقدم فيها التحولات الاستراتيجية أحيانًا على الإعلانات السياسية، وتتشابك فيها الملفات قبل أن تعترف الدبلوماسية رسميًا بأنها أصبحت مترابطة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق