حين تتحول الهجرة من «أزمة إنسانية» إلى «غزو مغربي» لأوروبا

 

الهجرة في معادلة الصراع الدولي على الإنسان والسيادة وذاكرة الاستعمار


لم تعد أحداث سبتة مجرد واقعة حدودية بين المغرب وإسبانيا، ولا مجرد موجة جديدة من الهجرة غير النظامية يمكن اختزالها في عدد الداخلين والضحايا والعائدين. فقد تحولت خلال ساعات إلى حدث دولي أعاد فتح أسئلة الهجرة والسيادة والاستعمار والحدود والكرامة، وأصبح مادة لصراع سياسي وإعلامي بين اليمين واليسار في أوروبا والولايات المتحدة. وقد بدا هذا الصراع منذ اللحظة الأولى في اللغة التي اختارتها الصحف لوصف ما وقع.


فبعض وسائل الإعلام تحدثت عن «أزمة إنسانية»، وبعضها وصف المشهد بأنه «فوضى حدودية»، بينما لجأت صحف محافظة وسياسيون يمينيون إلى عبارات مثل «الغزو» و«الاجتياح»  و«الهروب الكبير» و«انهيار الحدود». وهذه الكلمات ليست مترادفات بريئة؛ فكل واحدة منها تبني رواية مختلفة، وتحدد مسبقًا من هو الضحية، ومن هو المعتدي، ومن يتحمل المسؤولية.../...



حين يصنع العنوان معنى الحدث


عندما يوصف ما وقع بأنه «أزمة إنسانية»، يصبح مركز القصة عشرات الآلاف من الشباب والنساء والأطفال الذين اندفعوا نحو البحر، والذين مات بعضهم غرقًا أو تدافعًا، بينما وجد الآخرون أنفسهم داخل مدينة عاجزة عن توفير الغذاء والمأوى والخدمات الأساسية.


في هذه الرواية، يظهر المهاجر إنسانًا دفعته ظروف اجتماعية واقتصادية، أو خدعته إشاعات قانونية ورقمية، أو أغرته صورة حياة أوروبية يعتقد أنها ستمنحه العمل والكرامة.


وقد ركزت وكالات وصحف دولية على أن معظم المشاركين كانوا شبابًا مغاربة، بعضهم قاصرون، وأن عددًا كبيرًا منهم عاد بعد ساعات حين اكتشف أن سبتة ليست بوابة مفتوحة إلى إسبانيا القارية، وأن التسوية الإسبانية لا تشمل الوافدين الجدد. كما أبرزت التغطيات أن الحدث تسبب في عشرات الوفيات، وأن حجم التدفق تجاوز قدرة المدينة المحلية على الاستيعاب.  


أما عندما يوصف الحدث بأنه «غزو مغربي»، فإن الإنسان يختفي داخل كتلة قومية مجهولة الملامح تحركها قوى خفية.


لا يعود الداخل شابًا يبحث عن فرصة، بل يصبح جزءًا من جماعة موجهة تزحف على أرض أوروبية.


ولا يعود المشهد أزمة هجرة، بل هجومًا على السيادة.


ولا تعود المسؤولية موزعة بين سياسات الهجرة والحدود والاقتصاد والتاريخ، بل تختزل في «المغرب» الذي يرسل مواطنيه نحو إسبانيا.


وهكذا تتحول كلمة واحدة من توصيف إلى اتهام.


فعبارة «المغاربة يغزون إسبانيا» لا تعني فقط أن أعدادًا ضخمة عبرت الحدود، بل توحي بأن الدولة المغربية نفسها تقف وراء حركة منظمة تستهدف التراب الإسباني، مع أن الأدلة المتاحة لم تثبت حتى الآن أن الرباط خططت للعملية أو نظمتها. وقد أكدت تقارير تحقق مستقلة أن عددًا من الروايات السياسية المنتشرة حول التنظيم المتعمد للعملية أو ارتباطها المباشر بقرارات محددة بقيت غير مثبتة، كما وأن سفارة المغرب في إسبانيا نفت ما تررد بهذا الشأن من إشاعات مغرضة هدفها المساس بالعلاقات المغربية الإسبانية.  



المهاجر بين الضحية والتهديد


تكشف التغطيات المتعارضة أن صورة المهاجر لم تعد تُبنى فقط من الوقائع، بل من الموقف السياسي للصحيفة أو الحزب.


فالصحافة الليبرالية واليسارية تميل إلى رؤية المهاجر بوصفه ضحية للفقر وعدم المساواة وشبكات التهريب وانغلاق المسارات القانونية.


أما الصحافة المحافظة واليمين القومي فينظران إليه بوصفه تحديًا أمنيًا وثقافيًا يهدد الحدود والهوية ودولة الرفاه.


والحقيقتان ليستا متناقضتين بالكامل.


فالمهاجر قد يكون ضحية ظروف اقتصادية وإشاعات مضللة، لكن دخول عشرات الآلاف خلال ساعات يخلق أيضًا أزمة أمنية وإنسانية حقيقية لمدينة محدودة المساحة والسكان.


غير أن الخطر يبدأ حين تتحول الضرورة الأمنية إلى نزع للصفة الإنسانية عن الداخلين، أو حين تتحول المعاناة الإنسانية إلى إنكار لحق الدولة في حماية حدودها.


فالمطلوب ليس الاختيار بين الإنسان والسيادة، بل بناء سياسة تحميهما معًا.



سبتة تدخل الصراع بين اليمين واليسار


انتقلت صور سبتة سريعًا من الحدود المغربية الإسبانية إلى السجال السياسي الأوروبي والأمريكي.


فقد استعملت أحزاب اليمين في فرنسا وإيطاليا وألمانيا وفينلاندا والنمسة وإسبانيا الحدث دليلًا على أن السياسات المتساهلة مع الهجرة تشجع على مزيد من التدفقات، وأن التسويات القانونية ترسل رسالة مفادها أن الدخول غير النظامي يمكن أن ينتهي بالإقامة والعمل.


كما انتقلت الصور إلى الولايات المتحدة، حيث وظفتها شخصيات محافظة لإعادة إنتاج خطاب الحدود والانفلات والهجرة الجماعية، وربطتها بالنزاع الأمريكي القديم حول المهاجرين غير النظاميين القادمين من أمريكا اللاتينية.


في المقابل، دافعت الحكومة الإسبانية والتيارات اليسارية عن التسوية باعتبارها اعترافًا بواقع اجتماعي واقتصادي قائم، لأن المستفيدين منها يقيمون أصلًا في إسبانيا ويعمل كثير منهم داخل اقتصادها، ولأن الإجراء لا يشمل من وصل بعد التاريخ المحدد قانونًا.


وقد أظهرت عمليات التحقق أن التسوية الإسبانية كانت موجهة إلى الموجودين قبل فاتح يناير 2026، وأن تصويرها بوصفها دعوة مباشرة للمهاجرين الجدد كان تضليلًا إعلاميا أو تبسيطًا سياسيًا.  


لكن السياسة لا تعمل دائمًا وفق التفاصيل القانونية.


فالشاب في المغرب لا يسمع بالضرورة شروط الإقامة السابقة أو مدة الإقامة المطلوبة، بل يسمع أن إسبانيا منحت الأوراق لمئات الآلاف، وأن من يدخل اليوم قد ينتظر تسوية جديدة غدًا.


وهنا تتحول التسوية، رغم مشروعيتها القانونية والإنسانية، إلى حافز نفسي غير مباشر.



الكرامة: الكلمة التي كشفت جوهر الخلاف


قدم بيدرو سانشيز رؤيته للهجرة من خلال ربطها بالعمل والاندماج والكرامة.


ففي الخطاب الإسباني الرسمي، لا يقتصر الأمر على منح وثيقة إقامة، بل يتعلق بالاعتراف بمن يعمل ويدفع الضرائب ويسهم في الاقتصاد والمجتمع. وهو ما عناه رئيس الوزراء الإسباني بقوله ما مفاده: (نحن لا نمنح المهاجر أوراق إقامة، بل نمنحه الكرامة، وندافع عن كل من يخدم إسبانيا).


وهذا الخطاب، مهما كان توظيفه السياسي، يمس نقطة شديدة الحساسية لدى شباب الضفة الجنوبية.


فعدد كبير ممن حاولوا العبور لا يعانون بالضرورة من انعدام العمل المطلق، بل من ضعف قيمة العمل نفسه.


قد يعمل الشاب في البناء أو الفلاحة أو الخدمات، لكنه لا يستطيع بأجره الاستقلال أو الزواج أو الحصول على سكن أو بناء مستقبل واضح أو العيش بحد أدنى من الكرامة.


بينما يتصور أن العمل نفسه في إسبانيا، حتى إذا كان شاقًا، يمنحه أجرًا أعلى وحماية قانونية وإمكانية للترقي والإقامة.


ومن ثم، فإن سبب الهجرة لا يكمن فقط في وجود الوظيفة أو غيابها، بل في السؤال التالي:


هل يمنح العمل صاحبه كرامة اجتماعية وأفقًا حقيقيًا؟


وهنا تبرز المفارقة المؤلمة: المغرب يعرف خصاصًا في اليد العاملة في قطاعات مختلفة، لكنه في الوقت نفسه يشهد استعداد شباب للعمل في القطاعات نفسها خارج البلاد.


وهذا يعني أن الأزمة تتعلق بالأجر والاستقرار والحماية والتوقع الاجتماعي، لا بعدد الوظائف وحده.



ما الذي أخفاه خطاب «الغزو»؟


حين تقدم الصحافة الغربية المهاجرين بوصفهم كتلة تغزو أوروبا، فإنها تفصل الظاهرة عن التاريخ الذي صنع الفارق بين الضفتين.


فأوروبا لا تواجه اليوم شعوبًا ظهرت فجأة أمام حدودها، بل تواجه نتائج قرون من الاستعمار، ونهب الموارد، وإعادة رسم الحدود، وإضعاف الاقتصادات المحلية، ثم بناء فجوة هائلة في الأجور والخدمات وفرص التنقل.


والهجرة من إفريقيا إلى أوروبا ليست انعكاسًا بسيطًا للفقر، بل امتداد لعلاقة تاريخية غير متكافئة؛ فقد انتقلت الثروة والمواد الأولية والعمالة من الجنوب إلى الشمال لقرون، بينما أغلقت الحدود حين بدأ الإنسان نفسه يتحرك في الاتجاه المعاكس. 


وهنا تقع المفارقة الأخلاقية:


لقد كان انتقال الجيوش والشركات والثروات من أوروبا إلى إفريقيا يسمى تمدينًا وتجارة وحماية.


أما انتقال الإنسان الإفريقي نحو أوروبا فيسمى غزوًا واجتياحًا.



سبتة ومليلية: الاستعمار الذي اختفى من التغطية


ركزت الصحافة الأوروبية على أن سبتة ومليلية تمثلان الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي مع إفريقيا، مع أن هذه العبارة نفسها تكشف تناقضًا جغرافيًا وسياسيًا؛ فالمدينتان لا تقعان في أوروبا، بل داخل القارة الإفريقية وعلى الساحل المغربي.


ومن ثم، فإن السؤال الذي يسبق الحديث عن حماية «الحدود الأوروبية» هو:


كيف أصبحت للاتحاد الأوروبي حدود برية داخل إفريقيا أصلًا؟


فوجود سبتة ومليلية تحت الإدارة الإسبانية ليس حقيقة جغرافية طبيعية، بل نتيجة تاريخ طويل من التوسع العسكري والاستعماري. وقد أعادت إسبانيا، خلال مرحلة استعمار شمال المغرب، تقديم المدينتين بوصفهما قاعدتين للتقدم الأوروبي داخل إفريقيا، وأداتين لترسيخ حضورها العسكري والاقتصادي في المنطقة.


لكن معظم التغطيات تبدأ القصة من اللحظة التي يصل فيها المهاجر المغربي إلى السياج، لا من اللحظة التاريخية التي أقيم فيها السياج فوق أرض إفريقية.


وبذلك يصبح المغربي الذي يحاول دخول سبتة «وافدًا على أوروبا»، بينما تختفي الحقيقة الجغرافية المقابلة: أوروبا هي الموجودة أصلًا، من خلال إسبانيا، داخل شمال إفريقيا.


وقد كشفت علاقة المغرب بالمؤسسات الأوروبية هذه المفارقة منذ وقت مبكر. ففي سنة 1987 تقدم المغرب، في عهد الملك الحسن الثاني، بطلب الانضمام إلى الجماعة الاقتصادية الأوروبية، غير أن الطلب رُفض بدعوى أن المغرب ليس دولة أوروبية.


ولا يوجد ما يثبت بصورة موثقة أن الحسن الثاني ربط طلب العضوية رسميًا بسبتة ومليلية، لكن المفارقة السياسية تظل قائمة: فالمنظومة الأوروبية رفضت عضوية المغرب استنادًا إلى الجغرافيا، ثم تعاملت مع مدينتين موجودتين جغرافيًا داخل المغرب وإفريقيا باعتبارهما تابعتين لدولة أوروبية وحدودًا خارجية للاتحاد.


ومع ذلك، لا تتمتع المدينتان بوضع أوروبي كامل؛ فمعاهدات الاتحاد تنطبق عليهما بحكم تبعيتهما لإسبانيا، لكنهما مستثنيتان من المجال الجمركي الأوروبي ومن نظام الضريبة على القيمة المضافة ومن فضاء شنغن، وتخضعان لترتيبات حدودية وتجارية خاصة.


وهذا الوضع الاستثنائي يؤكد أن وصفهما بأنهما «حدود أوروبية طبيعية» يخفي تعقيدًا قانونيًا وتاريخيًا كبيرًا. فهما أوروبيتان من حيث السيادة الاستعمارية التي تفرضها إسبانيا، إفريقيتان من حيث الجغرافيا، ومستثنيتان من أجزاء مهمة من النظام الأوروبي من حيث القانون.


ويظهر التناقض بصورة أوضح داخل حلف شمال الأطلسي. فالمادة السادسة من معاهدة واشنطن تحصر النطاق الجغرافي التلقائي للدفاع الجماعي في أراضي الدول الأعضاء الواقعة في أوروبا وأمريكا الشمالية، وفي تركيا، وبعض الجزر الواقعة شمال مدار السرطان.


وبما أن سبتة ومليلية تقعان فوق البر الإفريقي وليستا جزيرتين، فإنهما لا تدخلان صراحة في النطاق الجغرافي التلقائي للمادة الخامسة. وهذا لا يعني أن إسبانيا ستترك وحدها في حال تعرضهما لهجوم، لكنه يعني أن الدفاع عنهما لا يستند آليًا إلى النص الجغرافي نفسه الذي يحمي الأراضي الإسبانية الموجودة في أوروبا.


ومن هنا تظهر مفارقة أخرى: تطالب إسبانيا العالم بالتعامل مع المدينتين باعتبارهما جزءًا كاملًا من ترابها الأوروبي، بينما لا تتمتعان داخل الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي بالوضع القانوني والعسكري المطابق تمامًا للبر الإسباني.


وهذا لا يحسم مسألة السيادة بمجرد خطاب أخلاقي، ولا يلغي التعقيدات التاريخية والقانونية، لكنه يكشف الانتقائية التي تصف حركة الإنسان المغربي نحو الثغر بأنها «غزو»، وتتجنب وصف استمرار السيطرة الأوروبية على مدينتين إفريقيتين بأنه بقايا استعمار.


فإذا كانت الجغرافيا هي التي حرمت المغرب من العضوية الأوروبية، فلا يمكن تجاهل الجغرافيا نفسها حين يتعلق الأمر بسبتة ومليلية.



حين رد المندوب الإسرائيلي بالسؤال الاستعماري


جاء تصريح المندوب الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون ليكسر هذا الصمت، حتى لو صدر في سياق سجال سياسي مع إسبانيا حول غزة.


فقد تساءل عن استمرار احتفاظ مدريد بما وصفه بجيوب استعمارية في إفريقيا، في إشارة إلى سبتة ومليلية.


ولا تكمن أهمية التصريح في الموقف الإسرائيلي وحده، بل في أنه نقل السؤال من الهامش إلى قلب السجال الدولي:


كيف تستطيع إسبانيا إدانة الاحتلال في مناطق أخرى، ثم تعتبر وجودها في شمال إفريقيا خارج أي نقاش؟


وقد سبق أن ظهر داخل الولايات المتحدة توجه برلماني محدود يصف المدينتين بأنهما واقعتان فوق التراب المغربي وتحت الإدارة الإسبانية، وهو ما أثار ردود فعل حادة داخل سبتة.  


وهكذا بدأت قضية الثغرين تفقد الحصانة الدبلوماسية التي سعت مدريد إلى فرضها عليها باعتبارها شأنًا داخليًا غير قابل للنقاش.



ذاكرة الريف التي لا تظهر في نشرات الأخبار


الأخطر من تجاهل واقع سبتة ومليلية هو تجاهل الذاكرة الاستعمارية للريف كله.


فالمناطق التي ظهر منها كثير من المهاجرين ليست مجرد مدن تعاني البطالة، بل فضاء يحمل ذاكرة حرب استعمارية شديدة القسوة.


خلال حرب الريف في عشرينيات القرن الماضي، استخدم الجيش الإسباني أسلحة كيميائية ضد المقاتلين والسكان المدنيين والمجالات الزراعية.


وقد وثقت دراسات تاريخية حديثة تصنيع إسبانيا لغاز الخردل وغيره من المواد السامة، ومشاركة منشآت عسكرية ومدنية في إنتاجها، ثم استخدامها خلال الفترة الممتدة بين 1921 و1927.  


ولا تزال ذاكرة القصف الكيميائي حاضرة في الوعي الريفي، وترتبط في الذاكرة المحلية بانتشار أمراض مزمنة وسرطانات، مع أن إثبات العلاقة الطبية السببية الدقيقة بين القصف القديم وأنماط الأمراض الحالية يحتاج إلى دراسات وبائية حاسمة. لكن وجود الاستخدام الكيميائي نفسه لم يعد مجرد رواية شعبية، بل أصبح موضوعًا موثقًا في البحث التاريخي.  


وهنا تظهر مفارقة أخلاقية عميقة:


الصحافة التي تصف شباب الريف اليوم بأنهم يقتحمون حدود أوروبا لا تذكر أن أوروبا نفسها دخلت الريف بالمدافع والطائرات والغازات السامة.


وتتحدث عن خوف سكان سبتة من الحشود، لكنها لا تستعيد خوف القرى الريفية حين كانت تقصف بمواد محرمة فيما يعتبر القانون الدولي جرائم ضد الإنسانية.


وتطالب المغرب بتحمل مسؤوليته في منع الهجرة، لكنها لا تسأل إسبانيا عن مسؤوليتها التاريخية أو عن الاعتذار وجبر الضرر وحفظ الذاكرة.


ليس المقصود تبرير الهجرة الجماعية بجرائم وقعت قبل قرن، ولا تحميل الأجيال الإسبانية الحالية ذنب أسلافها، لكن الحكومات الإسبانية المتعاقبة تتحمل مسؤولية تاريخية وأخلاقية لأن الجرائم ضد الإنسانية لا يطالها التقادم.


كما أن فهم الحاضر من دون التاريخ يحول الضحية القديمة إلى متهم جديد، ويمنح الاستعمار حق كتابة بداية القصة من اللحظة التي تناسبه.



من الاستعمار العسكري إلى عدم التكافؤ الاقتصادي


انتهى الاستعمار المباشر في معظم إفريقيا، لكن بنيته الاقتصادية والثقافية لم تختف بالكامل.


فالفارق الهائل في الأجور والعملات والحماية الاجتماعية وفرص التنقل ليس مجرد نتيجة تفوق طبيعي، بل هو أيضًا ثمرة تراكم تاريخي غير متكافئ.


أوروبا بنت جانبًا من قوتها من خلال الموارد والأسواق والعمل الإفريقي، ثم وضعت بعد الاستقلال أنظمة تأشيرات وحدود تجعل الوصول إليها امتيازًا نادرًا.


ولهذا لا يكفي أن يقال للشباب: توجد فرص عمل في المغرب، فلماذا تهاجرون؟


فهم لا يقارنون فقط بين وظيفة ووظيفة، بل بين نظامين اجتماعيين مختلفين.


يقارنون بين أجر لا يسمح بتكوين أسرة وأجر يعتقدون أنه سيسمح بذلك.


وبين عمل هش وعمل تحميه قوانين ونقابات وتأمينات.


وبين مواطن يشعر أن صوته ضعيف ومهاجر يتصور أن الإقامة ستمنحه حقوقًا أقوى.


وقد تكون هذه الصورة عن أوروبا مبالغًا فيها، لكنها لا تأتي من فراغ.



مسؤولية المغرب لا تسقط بالتاريخ


استحضار الاستعمار لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإعفاء الدولة المغربية من مسؤوليتها.


فإسبانيا تتحمل مسؤولية تاريخية وأخلاقية عن احتلال الشمال واستخدام الأسلحة الكيميائية، لكن المغرب اليوم مسؤول عن التنمية والعمل والكرامة داخل أراضيه.


ولا يمكن تفسير استعداد عشرات الآلاف للهجرة بالماضي وحده.


فمدن الشمال عاشت طويلًا من اقتصاد التهريب المرتبط بسبتة ومليلية، ثم أغلقت الدولة هذه المنظومة من دون توفير بديل اقتصادي بالحجم والسرعة الكافيين.


وكان إنهاء التهريب ضروريًا لحماية الاقتصاد والكرامة، لكن ترك الآلاف من النساء والشباب والتجار الصغار بلا بدائل خلق فراغًا اجتماعيًا.


كما أن المشاريع الكبرى في طنجة والموانئ والصناعة لم تصل آثارها بالتساوي إلى الفنيدق وتطوان والعرائش والمناطق الحدودية.


وهنا تظهر مجددًا مفارقة المغرب بسرعتين:


شمال يضم واحدًا من أكبر الموانئ في المتوسط، وصناعة متقدمة وطرقًا حديثة، وشبابًا يندفعون نحو السياج عند أول إشاعة عن فتح الحدود.


إنها ليست حجة ضد منجزات المغرب، بل دليل على أن أثرها الاجتماعي والمجالي لم يكتمل.



هل فشلت الاستخبارات الإسبانية فعلًا؟


قالت الحكومة الإسبانية إنها لم تتوقع حجم الموجة، لكن هذا التفسير لا يصمد بالكامل أمام الوقائع.


فقبل الانفجار الكبير بأيام، كانت سبتة تعلن حالة طوارئ بسبب دخول أكثر من ألف شخص سباحة خلال أسبوع، وكانت الصحافة تتحدث صراحة عن ارتفاع غير عادي في المحاولات.  


كما أن الحكومة الإسبانية نفسها كانت قد أحدثت قبل الأزمة مجموعة عمل خاصة بخصوص الخصوصيات الجغرافية والسياق الهجروي في سبتة ومليلية، وهو ما يؤكد أنها كانت تدرك تصاعد الخطر.  


وإلى جانب المؤشرات الميدانية، انتشرت خلال الشهور السابقة تحليلات وتحذيرات من احتمال تنظيم مسيرة بشرية جديدة نحو الثغرين.


لذلك لا يبدو أن المشكلة كانت غياب المعلومات بالكامل، بل سوء تقدير حجم التعبئة وسرعتها، أو عدم التعامل بجدية مع السيناريو الأكثر خطورة.


والفشل هنا سياسي بقدر ما هو استخباراتي؛ لأن الحكومة قد تكون امتلكت إشارات متفرقة، لكنها لم تجمعها في صورة واحدة ولم تتحرك قبل انهيار الحدود.



قانون الجنسية للصحراويين والقلق المغربي


ازدادت حساسية التوقيت مع تقدم مقترح منح الجنسية الإسبانية لفئات واسعة من الصحراويين وذرياتهم.


فالمسألة لا تتعلق بالتعاطف الإنساني وحده، بل بإنشاء رابطة قانونية وسياسية دائمة بين إسبانيا وكتلة سكانية مرتبطة بإقليم ينتظر تسوية نهائية ونظام حكم ذاتي.


وإذا نُزل الحكم الذاتي مستقبلًا، فقد يصبح حاملو الجنسية الإسبانية ناخبين ومسؤولين وفاعلين داخل مؤسسات الإقليم، مع احتفاظهم بحماية قانونية وقنصلية من دولة أجنبية كانت القوة الاستعمارية السابقة.


ولا يعني ذلك أن كل مزدوج الجنسية يصبح أداة لإسبانيا، لكنه يطرح سؤالًا مشروعًا حول تضارب الولاءات والتأثير الخارجي في المؤسسات المحلية.


وهذا يعيد النقاش الذي سبق طرحه على هذا الموقع بشأن المسؤولين والمنتخبين حاملي الجنسيات الأجنبية:


كيف يمكن ضمان استقلال القرار السياسي داخل مؤسسات الحكم الذاتي إذا كان بعض القائمين عليها يتمتعون في الوقت نفسه بجنسية وحماية دولة أخرى؟


ومن هنا يمكن فهم القلق المغربي من أن تتحول الجنسية إلى أداة نفوذ سياسي مستقبلي، سواء لإسبانيا أو للجزائر بصورة غير مباشرة.


لكن ربط موجة سبتة بهذا القانون تحديدًا يظل فرضية سياسية تحتاج إلى دليل مباشر، حتى إن كان التزامن يمنحها وجاهة تحليلية.



ما الذي كشفته الأزمة؟


كشفت أزمة سبتة أن الهجرة لم تعد ملفًا اجتماعيًا منفصلًا، بل أصبحت نقطة التقاء لستة صراعات مترابطة:


صراع حول الإنسان: هل هو ضحية لليأس والتفاوت، أم تهديد أمني ينبغي ردعه؟


وصراع حول الحدود: هل تمثل حماية مشروعة للسيادة، أم استمرارًا لترتيب استعماري أقام لأوروبا حدودًا داخل إفريقيا؟


وصراع أوروبي داخلي بين اليمين واليسار حول الهجرة والتسوية والاندماج والهوية ومستقبل فضاء شنغن.


وصراع مغربي إسباني ضمني حول الصحراء وسبتة ومليلية وجبل طارق، وحول قدرة كل طرف على استعمال ملفات الحدود والهجرة والجنسية في حماية مصالحه الاستراتيجية.


وصراع تاريخي حول من يملك حق تعريف الماضي، ومن يحدد اللحظة التي تبدأ منها القصة: هل تبدأ عند وصول المهاجر إلى السياج، أم عند إقامة السياج نفسه فوق أرض إفريقية؟


ثم هناك صراع داخلي لا يقل أهمية بين المجتمع المغربي ونخبة اقتصادية وسياسية استفادت من الثروة والنفوذ وقربها من مراكز القرار، بينما بقيت فئات واسعة من الشباب خارج دوائر الاستفادة الحقيقية من النمو.


فالأزمة لم تكشف فقط عجز السياسات الاجتماعية عن توفير الأمل، بل كشفت أيضًا حدود نموذج اقتصادي تتركز فيه الثروة والفرص والصفقات داخل شبكات ضيقة، فيما يتحمل المواطن تبعات البطالة وغلاء المعيشة وضعف الأجور والخدمات.


ولا يعني ذلك أن كل رجل أعمال أو مسؤول جزء من منظومة فساد، ولا أن هذه النخبة وحدها رتبت ما وقع. لكن اتساع الفوارق، وضعف المنافسة، واقتصاد الريع، وتداخل المال بالسياسة، واحتكار بعض القطاعات، كلها عوامل أسهمت في إنتاج شعور واسع بأن أبواب الارتقاء لا تفتح بالعمل والكفاءة وحدهما، وإنما بالعلاقات والامتيازات والقرب من السلطة.


واللافت أن كثيرًا من الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين الذين يظهرون في الحملات الانتخابية بوصفهم ممثلين للمواطنين، التزموا الصمت حين اندفع آلاف الشباب إلى البحر. فلم يقدموا تفسيرًا، ولم يتحملوا مسؤولية سياسية أو أخلاقية، ولم يسألوا عن أثر السياسات التي شاركوا في صنعها أو استفادوا منها.


إنهم ينتظرون موسم الانتخابات ليعودوا إلى الناخبين بالوعود نفسها، بعد أن غابوا عند لحظة الأزمة، وكأن المواطن لا يُستدعى إلا ليمنح صوته، لا ليُسمع صوته.


وهنا تظهر الأزمة بوصفها أيضًا أزمة تمثيل سياسي. فحين لا يجد الشاب حزبًا يدافع عنه، ولا نقابة تحميه، ولا منتخبًا يراقب السياسات باسمه، ولا اقتصادًا يكافئ جهده، يتحول البحر إلى طريق بديل، ولو كان طريقًا إلى الموت.


ومن هنا، فإن أخطر ما تفعله بعض الصحافة الغربية ليس وصف التدفق بأنه خطر، فقد كان خطرًا بالفعل، وإنما تقديمه كما لو أن التاريخ بدأ يوم وصل المغاربة إلى السياج.


فالسياج نفسه له تاريخ.


والمدينة لها تاريخ.


والفقر الإقليمي له تاريخ.


والفارق بين الضفتين له تاريخ.


واقتصاد الريع واحتكار الفرص لهما تاريخ.


وذاكرة الغازات الكيميائية في الريف جزء من هذا التاريخ.


لذلك لم تكن أزمة سبتة مجرد "هجرة جماعية"، أو "هروب كبير" كما فضل البعض تسميته في إشارة ضمنية لعمق الأزمة الداخلية، بل لحظة انكشاف شاملة: انكشاف حدود السياسة الأوروبية، وبقايا الاستعمار، واختلال العلاقة المغربية الإسبانية، وعجز النموذج الاقتصادي المغربي عن تحويل الثروة إلى عدالة، وفشل النخب في تمثيل مجتمع لا تتذكره إلا عند الانتخابات.



الخلاصة: من غزا من؟


ليس الهدف قلب الاتهام بطريقة دعائية والقول إن كل مهاجر ضحية بريئة وإن كل دولة أوروبية معتدية.


لكن السؤال الذي تفرضه اللغة الإعلامية هو:


من يملك الحق في استخدام كلمة «الغزو» أو  «الهروب الكبير»؟


هل الغزو هو عبور شباب عزل في ساعات من الفوضى بحثًا عن الحياة الكريمة؟


وهل الهروب الكبير هو هروب فئات شعبية واسعة من الوطن ساعة احتفال الملك بعيد العرش بسبب سياسة الريع وتغول الفساد؟


أم هو احتلال أرض، وإقامة جيوب استعمارية، وقصف القرى بالأسلحة الكيميائية، ثم نسيان كل ذلك حين تبدأ حركة البشر في الاتجاه المعاكس؟


إن المهاجرين لم يأتوا بجيش ولا بطائرات ولا بغازات سامة، ولم يهربوا من وطنهم بسبب ملكهم الذي يكنون له حبا كبيرا واحتراما خاصا.


لقد جاؤوا بأجسادهم، وبأوهامهم، وبإحباطهم، وبصورة مضلل وزائفة عن "جنة أوروبا".


وإسبانيا من حقها حماية حدود مدينة سبتة من الفوضى، لكن ليس من حق خطابها الإعلامي أن يمحو التاريخ الذي صنع تلك الحدود.


كما أن المغرب من حقه المطالبة بإنهاء الإرث الاستعماري، لكن ليس من حقه الاكتفاء بالتاريخ لتفسير فشل الحاضر.


فالمطلوب من إسبانيا الاعتراف بذاكرة الاستعمار والريف والثغرين.


والمطلوب من المغرب بناء اقتصاد وكرامة وفرص تجعل شبابه لا يرون في السياج بوابة للحياة، وقبل ذلك إطلاق حملة تطهير واسعة ضد الفساد والفاسدين لا تستثني أحدا، لاسترجاع رأس مال الثقة الذي تآكل بين الشعب والدولة.


وعندها فقط يمكن الانتقال من حرب التسميات إلى معالجة الظاهرة.


فالذين دخلوا سبتة ليسوا جيشًا غازيًا.


وهم أيضًا ليسوا مجرد أرقام في مأساة إنسانية.


إنهم أبناء تاريخ لم يُغلق بعد، وحاضر لم يمنحهم ما يكفي من الأمل، وحدود رسمها الاستعمار ثم طالب ضحاياه باحترامها إلى الأبد.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق