صدمة سبتة: لماذا تخشى إسبانيا المغرب الجديد؟

 

سيناريوهات المستقبل

من تغير ميزان العلاقات إلى تصعيد يصعب التحكم فيه


لم تبدأ المطالبة المغربية بسبتة ومليلية مع الأزمات الأخيرة التي عرفتها العلاقات بين الرباط ومدريد، ولم تولد من التحولات التي يشهدها المغرب في السنوات الأخيرة. ففي 30 يوليو 1956، بعد أشهر قليلة فقط من حصول المغرب على استقلاله، سجلت مذكرة سرية أميركية تصريحات للملك محمد الخامس أكد فيها أن المغرب وحكومته سيبذلان كل جهد لاستعادة السيادة على الأراضي التي يعتبرانها مغربية، وسمّت الوثيقة صراحة إفني ووادي الذهب ومليلية وسبتة وشمال موريتانيا، إلى جانب تصحيح الحدود الجزائرية. ولم يكن الأمر مجرد تصور عابر في لحظة الاستقلال؛ فقد استعادت الرباط طرفاية سنة 1958 وإفني سنة 1969، بينما بقيت سبتة ومليلية خارج السيادة المغربية، واستمرت المطالبة بهما بأشكال ودرجات مختلفة عبر العهود اللاحقة. وتؤكد وثيقة استخباراتية أميركية أخرى من السبعينيات أن المغرب، منذ استقلاله سنة 1956، طالب بالممتلكات الإسبانية في شمال غرب إفريقيا، بما فيها المدينتان.../...


وتكشف هذه العودة إلى البدايات مفارقة ضرورية لفهم ما يجري اليوم. فإذا كانت المطالبة المغربية بسبتة ومليلية حاضرة في موقف المغرب منذ استعادة استقلاله، وإذا كان الرفض الإسباني لهذه المطالبة قديمًا بدوره، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بسبب عودة المغرب إلى المطالبة بهما، وإنما بسبب عودة القضية نفسها بهذه القوة إلى مركز التوتر السياسي والاستراتيجي بين البلدين. فالمطالبة المغربية ليست جديدة، والرفض الإسباني ليس جديدًا، والجغرافيا لم تتغير؛ فما الذي تغير إذن حتى عادت قضية ضاربة بجذورها في التاريخ إلى مركز التوتر، واستدعت اليوم هذا القدر من التعبئة السياسية والعسكرية والهوياتية على ضفتي المضيق؟


هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يفتح المقال. ومنه ننتقل إلى المحادثات والوثائق السرية التي تكشف أن الموقف الإسباني نفسه لم يكن تاريخيًا بالصلابة والنهائية اللتين يوحي بهما الخطاب الراهن.



أولًا: من المطالبة المعلنة إلى المحادثات السرية


لم تختف قضية سبتة ومليلية بعد السنوات الأولى لاستعادة المغرب استقلاله، لكنها لم تتحرك بالوتيرة نفسها في جميع المراحل. فقد ظلت مرتبطة بترتيب الأولويات الاستراتيجية للدولة المغربية وبالظروف الإقليمية المحيطة بها. وفي عهد الحسن الثاني أصبحت هذه المرونة أكثر وضوحًا؛ إذ لم يتراجع المغرب عن المطالبة، لكنه لم يتعامل معها باعتبارها ملفًا ينبغي فتحه في كل لحظة وبالأدوات نفسها. ففي سنة 1976، وبعد التحول الكبير الذي أحدثه ملف الصحراء، أكد الحسن الثاني علنًا أمله في أن يُعترف يومًا بأن سبتة ومليلية وجزر الريف أراض مغربية، وربط في مناسبة أخرى مستقبل المدينتين بمفارقة جبل طارق Gibraltar فإذا كانت إسبانيا تطالب باستعادة جبل طارق بالرغم من أنها سبق وأن تنازلت عن سيادتها على الصخرة رسميا لصالح بريطانيا، فكيف يعقل، أن يمتلك بلد واحد ضفتي المضيق وتعارض في نفس الوقت مطالبة المغرب بأراضيه التي لم يتنازل عنها تاريخيا؟


وتكشف المراسلات الدبلوماسية الأميركية أن هذا الخطاب العلني كان يوازيه تدبير أكثر حذرًا للملف. ففي برقية سرية أرسلتها السفارة الأميركية في الرباط في 21 أغسطس 1976، لاحظ السفير أن تحسن العلاقات المغربية الإسبانية، وانشغال المغرب بالصحراء، وحرص الحسن الثاني على عدم خلق صعوبات للملك خوان كارلوس خلال الانتقال الإسباني بعد فرانكو، كلها عوامل دفعت قضية سبتة ومليلية مؤقتًا إلى «الموقد الخلفي»، بحسب تعبير الوثيقة. لكن البرقية أضافت مباشرة أن القضية ما تزال قائمة، وأن الحسن الثاني ملتزم علنًا بعودتهما في نهاية المطاف إلى المغرب.


وهذه الوثيقة مهمة لأنها تكشف تمييزًا سيظل حاضرًا في السياسة المغربية تجاه المدينتين: تجميد المطالبة ليس التخلي عنها، وتأجيل فتح الملف لا يعني الاعتراف بالوضع القائم باعتباره نهائيًا. فقد تستطيع الدولة تخفيض أولوية قضية إقليمية عندما تفرض البيئة الاستراتيجية ترتيبًا مختلفًا للأهداف، مع إبقاء أصل المطالبة محفوظًا إلى أن تتغير شروط العلاقة.


لكن الأكثر إثارة ظهر على الجانب الإسباني نفسه. ففي ربيع 1979، لم تكن نهائية السيادة الإسبانية على المدينتين تبدو، داخل بعض المحادثات الخاصة في أعلى مستويات الدولة، بالصلابة التي سيقدمها بها الخطاب الرسمي بعد عقود. وتكشف برقية دبلوماسية أميركية رفعت عنها السرية أن الملك خوان كارلوس ناقش في قصر ثارثويلا مع السيناتور الأميركي إدموند موسكي والسفير الأميركي تيرينس تودمان مشكلة الجيبين الإسبانيين في شمال المغرب. وبحسب ملخص المحادثة، رأى الملك أن مليلية يمكن أن تُسلَّم إلى المغرب في أجل قصير نسبيًا، بالنظر إلى محدودية عدد الإسبان المقيمين فيها آنذاك، بينما كانت سبتة، في تقديره، أكثر تعقيدًا بسبب موقعها وسكانها، ولذلك طرح بشأنها تصورًا لوضع خاص قريب من النموذج الدولي الذي عرفته طنجة.


ينبغي بالطبع ألا نحمل هذه الوثيقة أكثر مما تحتمل. لم تكن خطة رسمية للحكومة الإسبانية لإعادة المدينتين إلى المغرب، ولم تتحول إلى سياسة للدولة. لكنها ذات قيمة تاريخية كبيرة لسبب آخر: إنها تثبت أن مستقبل سبتة ومليلية كان قابلًا للتفكير والنقاش، حتى داخل رأس الدولة الإسبانية، باعتباره مسألة يمكن أن تعرف ترتيبات مختلفة عن الوضع القائم. ومن ثم فإن الصورة التي يقدمها الخطاب السياسي الراهن للسيادة الإسبانية باعتبارها حقيقة أبدية لا يمكن حتى تصور مناقشتها، لأنها لا تعكس بالضرورة كل ما دار تاريخيًا خلف الأبواب المغلقة.


والأهم أن الوثائق تكشف مفارقة أخرى: ففي الوقت الذي كان الحسن الثاني يؤجل الملف مراعاةً للتحولات الداخلية التي تمر بها إسبانيا، كان الملك الإسباني نفسه يفكر سرًا في الكيفية التي يمكن أن يُحل بها مستقبل الجيبين. وبذلك لم تكن العلاقة في تلك المرحلة محكومة بثنائية بسيطة بين مغرب يطالب وإسبانيا ترفض، بل بقدر من الإدراك المتبادل بأن القضية قائمة، وأن إدارتها تخضع لميزان أوسع من المصالح والظروف والتوقيت.


وهنا تظهر أولى الخلاصات التي ستصبح أساسية لفهم ما يحدث اليوم:


لم يكن السؤال التاريخي دائمًا ما إذا كانت سبتة ومليلية ستظلان خارج السيادة المغربية إلى الأبد، بل كان أحيانًا: متى يمكن فتح الملف، وتحت أي شروط، وبأي صيغة، وفي ظل أي ميزان للعلاقات؟


وهذا تحديدًا ما يجعل المقارنة مع الخطاب الإسباني الراهن ضرورية. فبعد أن كان مستقبل المدينتين قابلًا للنقاش سرًا في نهاية السبعينيات، سنصل بعد نحو نصف قرن إلى رئيس حكومة إسبانية يعلن أمام البرلمان أن بلاده لن تتخلى أبدًا عن سيادتها على سبتة ومليلية. وبين مرونة المحادثات السرية آنذاك وقطعية خطاب «أبدًا» اليوم يقع سؤال أكبر من مجرد اختلاف الكلمات:


ما الذي جعل إسبانيا، في اللحظة التي أصبح فيها المغرب أقوى وأكثر اتصالًا بشبكات القوة الإقليمية والدولية، أشد حاجة إلى إعلان أن الوضع القائم غير قابل للنقاش؟



ثانيًا: من المرونة السرية إلى «أبدًا»: كيف تصلب الموقف الإسباني؟


لم تتحول الأفكار التي تداولها خوان كارلوس سرًا سنة 1979 إلى سياسة إسبانية، بل سارت الدولة الإسبانية لاحقًا في اتجاه معاكس: تثبيت الوضع القائم، وإخراج مستقبل سبتة ومليلية تدريجيًا من دائرة الاحتمالات السياسية القابلة للنقاش. ومن اللافت أن سنة 1979 نفسها، التي شهدت تلك المحادثة السرية، كانت تشهد في العلن نشاطًا مغربيًا واسعًا لإبقاء المطالبة حاضرة. فقد سجلت الصحافة الإسبانية آنذاك تكرار طرح الحسن الثاني للقضية خلال العام، وحضورها في اجتماعات سياسية وحزبية وإفريقية مختلفة، بما يؤكد أن سبتة ومليلية لم تكونا ملفًا منسيًا في الرباط، حتى عندما كانت إدارة الملف تتم بقدر كبير من الحذر.


ومع مرور الزمن أخذ التباعد بين الموقفين يتسع. فالمغرب حافظ على المطالبة من دون أن يجعلها عائقًا دائمًا أمام بناء علاقات وثيقة مع إسبانيا، بينما اتجهت مدريد إلى ترسيخ اندماج المدينتين في بنيتها الدستورية والسياسية والإدارية، ثم منحهما نظام الحكم الذاتي سنة 1995. وهكذا نشأت معادلة غير مكتوبة سمحت للعلاقة الثنائية بالاستمرار: المغرب لا يتخلى عن المطالبة، وإسبانيا لا تقبل فتح السيادة للتفاوض، والطرفان يتعاونان في الملفات التي تسمح بها المصالح المشتركة من دون حل التناقض الأصلي بينهما.


وقد اختُبرت هذه المعادلة أكثر من مرة. فعندما زار الملك خوان كارلوس سبتة ومليلية في نوفمبر 2007، للمرة الأولى التي يقوم فيها رئيس للدولة الإسبانية بزيارة المدينتين في العهد الدستوري، اعتبرت الرباط الخطوة مساسًا بموقفها السيادي واستدعت سفيرها في مدريد للتشاور. وتكشف المعلومات المنشورة حديثًا أن الزيارة لم تكن إجراءً بروتوكوليًا عابرًا؛ فقد كان خوان كارلوس نفسه قد ألح على رئيس الحكومة خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو في ضرورة القيام بها، لما كان يراه لها من أهمية سياسية ومؤسساتية.


وهنا تظهر مفارقة تاريخية يصعب تجاهلها. فالملك نفسه الذي ناقش سرًا سنة 1979 إمكان تسليم مليلية إلى المغرب والتفكير في وضع خاص لسبتة، أصبح بعد أقل من ثلاثة عقود أول رئيس للدولة الإسبانية في العهد الديمقراطي يزور المدينتين لتأكيد الارتباط المؤسسي بهما. ولا يعني ذلك تناقضًا شخصيًا بالضرورة؛ فالأهم تحليليًا أن موقع الفاعل نفسه تغير بتغير العلاقة والظروف التي تحيط بها. ما كان قابلًا للتفكير في مرحلة انتقال إسباني هش وعلاقة إقليمية مختلفة، أصبح في بيئة أخرى جزءًا من عملية تثبيت السيادة.


ومع ذلك ظل الطرفان قادرين، حتى بعد الأزمات، على إعادة العلاقة إلى منطق المصالح. وهذه نقطة ينبغي ألا نتجاهلها، لأنها تمنعنا من قراءة التاريخ باعتباره مسارًا مستقيمًا نحو الصدام. فقد شهدت العلاقات المغربية الإسبانية فترات تعاون وثيق في التجارة والأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب، بالتوازي مع استمرار الخلاف السيادي. كان النزاع موجودًا، لكن الطرفين نجحا طويلًا في منعه من ابتلاع بقية العلاقة.


أما في سنة 2026، فقد أصبحت اللغة أكثر قطعية. ففي مثوله أمام مجلس النواب الإسباني في 3 سبتمبر، أعلن بيدرو سانشيز أن حكومته لن تتخلى عن السيادة الإسبانية على سبتة ومليلية، وربط الدفاع عنهما بإجراءات سياسية وأمنية ومؤسساتية أوسع. وهذه ليست عبارة من صحافة المعارضة أو من حزب قومي متشدد، بل موقف رسمي أعلنه رئيس الحكومة الاشتراكية من داخل البرلمان.


والأكثر دلالة أن تثبيت السيادة لم يعد يُصاغ إسبانيًا في الإطار الوطني وحده. فقد دفع سانشيز أيضًا باتجاه تعميق اندماج المدينتين في الفضاء الأوروبي، بما في ذلك الاتحاد الجمركي الأوروبي وتعزيز وضعهما داخل مؤسسات الاتحاد. وهنا يبدو أن مدريد لا تكتفي بالقول إن سبتة ومليلية إسبانيتان، وإنما تسعى إلى زيادة الكلفة السياسية والقانونية الأوروبية لأي تشكيك مستقبلي في وضعهما. وهذا انتقال مهم: من حماية الوضع القائم بالقوة السيادية الإسبانية وحدها إلى محاولة إحاطته بطبقة إضافية من الشرعية والمصالح الأوروبية.


ومن ثم ينبغي ألا نفهم كلمة «أبدًا» باعتبارها مجرد مبالغة خطابية. فهي تؤدي وظيفة سياسية واضحة: إغلاق مجال الاحتمال. فبينما تقول الوثائق السرية من نهاية السبعينيات إن مستقبل المدينتين كان قابلًا للتصور في أكثر من صيغة، يقول الخطاب الإسباني الراهن إن المستقبل نفسه ينبغي ألا يكون موضوعًا للنقاش.


لكن هنا تظهر المفارقة. فمن الناحية النظرية، كان ينبغي أن تكون إسبانيا أكثر حاجة إلى هذا الخطاب القطعي عندما كان المغرب أضعف، وأكثر عزلة، وأقل قدرة على التأثير في البيئة المحيطة بالمدينتين. غير أن ما نراه اليوم هو العكس: كلما ازدادت قدرات المغرب واتسعت شبكاته الدولية والإفريقية، ارتفعت في إسبانيا الحاجة إلى تأكيد نهائية الوضع القائم.


وهذا لا يثبت وحده أن مدريد تتوقع فقدان المدينتين، ولا أن تغيير سيادتهما أصبح وشيكًا. لكنه يفرض علينا الانتقال من سؤال ما الذي تقوله إسبانيا؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ما الذي تغير في المغرب وفي البيئة المحيطة بإسبانيا حتى أصبح تثبيت ما كان يُعامل باعتباره أمرًا محسومًا يحتاج إلى هذا القدر من التأكيد السياسي والمؤسساتي؟



ثالثًا: من التعبئة المرآتية إلى التصعيد الذاتي — هل بدأت الأزمة تخرج من سيطرة الدولتين؟


طوال عقود، استطاعت الرباط ومدريد إدارة التناقض حول سبتة ومليلية لأن جانبًا مهمًا منه ظل محصورًا داخل مؤسسات الدولتين. كان المغرب يحتفظ بالمطالبة، وإسبانيا ترفضها، لكن الخلاف لم يكن حاضرًا باستمرار بوصفه قضية تعبئة شعبية واسعة. وحتى عندما وقعت أزمات حادة، ظل في إمكان الحكومتين خفض التوتر وإعادة بقية العلاقة إلى منطق المصالح المشتركة. وهذا ما جعل النزاع، على عمقه التاريخي، قابلًا للإدارة دون أن يتحول تلقائيًا إلى مواجهة مفتوحة. وهذه القدرة على الفصل بين النزاع السيادي وبقية العلاقة كانت من أهم أسباب استقرار الصيغة القديمة.


لكن ما كشفته أزمة سبتة الأخيرة هو أن هذا الشرط نفسه قد يكون بدأ يتغير.


فالأزمة لم تتوقف عند السؤال عمن سمح بعبور عشرات الآلاف أو عمن نظمه، بل انتقلت سريعًا إلى سؤال أكبر يتعلق بطبيعة المغرب الذي تواجهه إسبانيا، وبقدرة الدولة الإسبانية على حماية حدودها، ثم إلى موقع سبتة ومليلية داخل تعريف السيادة والهوية الإسبانيتين. وفي المقابل، عادت المدينتان بقوة إلى الخطاب السياسي والاجتماعي المغربي بوصفهما جزءًا من قضية ترابية لم تُغلق تاريخيًا.


والأرقام التي ظهرت بعد الأزمة تكشف حجم التحول في الضفة الإسبانية. ففي استطلاع 40dB  المنشور في 7 سبتمبر، حمّلت أغلبية ساحقة من الإسبان المغرب مسؤولية ما حدث، بينما اعتبر نحو ثلثي المستطلعين السيادة الإسبانية على سبتة ومليلية مسألة غير قابلة للنقاش، وأبدت أغلبية واضحة استعدادها لتأييد تدخل القوات المسلحة إذا تعرضت المدينتان لاعتداء خارجي. وفي الوقت نفسه ارتفع التأييد لسياسة أكثر تشددًا تجاه المغرب، وأصبحت الهجرة والحدود جزءًا أكثر حضورًا في التنافس بين الحكومة والمعارضة.


ولا تعني هذه الأرقام أن المجتمع الإسباني أصبح كتلة قومية واحدة، ولا أن أغلبية الإسبان تريد مواجهة المغرب. بل تظهر المفارقة نفسها عندما ينتقل السؤال من التأييد المجرد للقوة إلى تحمل كلفتها الشخصية والاقتصادية. لكن أهميتها تكمن في شيء آخر: البيئة الاجتماعية التي سيتخذ داخلها أي قرار إسباني مقبل تجاه المغرب لم تعد هي نفسها التي كانت قائمة قبل 30 يوليو.


وهنا تدخل الأحزاب إلى الحلقة. فقد تحولت الأزمة إلى أداة مباشرة في الصراع الداخلي الإسباني، وصار الخلاف حول كيفية التعامل مع المغرب معيارًا للمزايدة في الحزم. واتهمت قيادات في الحزب الشعبي الحكومة بالتساهل مع الرباط، بينما ذهب فوكس إلى المطالبة بتشديد الحدود واستخدام أدوات اقتصادية وعسكرية وعقابية أوسع. والنص الأصلي كان قد التقط هذه النقلة عندما ميز بين القدرة، أي ما تستطيع إسبانيا فعله، والإكراه، أي ما تستطيع فعله بكلفة مقبولة، والخطاب، أي ما تستطيع قوله لجمهورها في لحظة سياسية محتدمة.


لكن التطورات الأخيرة أضافت مستوى رابعًا: الضغط الذي يمارسه الجمهور نفسه على القرار.


فكلما ترسخت في المجتمع رواية أن ما حدث لم يكن أزمة هجرة وإنما «هجومًا» أو «غزوًا» منظمًا، ارتفعت الكلفة السياسية لأي حكومة تختار الحذر أو التهدئة. والعكس صحيح على الضفة المغربية: كلما ارتفعت اللغة الإسبانية التي تصور المغرب مصدرًا للتهديد أو تستحضر تاريخ «الاسترداد» والصراع الحضاري، أصبحت الأصوات المغربية المطالبة بإعادة فتح ملف المدينتين أكثر قدرة على تقديم موقفها باعتباره ردًا على تهديد أو استمرارًا لمسار استكمال الوحدة الترابية.


وهنا نعود إلى ما يسمى بـ «التعبئة المرآتية». ففي المغرب عاد إلى التداول خطاب الوحدة الترابية والتحرير والذاكرة التاريخية للمدينتين، بينما استُحضرت في إسبانيا مفردات الوحدة الوطنية والغزو وكوفادونغا (الحرب الصليبية زمن الأندلس) والاسترداد. وكل خطاب في إحدى الضفتين أصبح قادرًا على تقديم مادة للتعبئة في الضفة الأخرى.


لكن ما نراه الآن يسمح بتطوير المفهوم خطوة أخرى. فالتعبئة المرآتية تصف الكيفية التي يعزز بها خطاب أحد المجتمعين تعبئة المجتمع المقابل؛ أما التصعيد الذاتي فيبدأ عندما تصبح الحلقة قادرة على الاستمرار وإنتاج أحداث جديدة حتى من دون قرار حكومي جديد بإطلاقها.


وتقدم الاعتداءات التي تعرض لها صحفيون إسبان أثناء تغطية الاحتجاجات مؤشرًا مهمًا على هذه المرحلة. فالتوتر لم يعد متجهًا إلى المغرب أو المهاجرين وحدهم، وإنما بدأ يظهر داخل المجتمع الإسباني نفسه حول كيفية تعريف ما حدث. وحين يصبح الصحفي موضع اعتداء لأنه يُتهم بمحاباة المهاجرين أو تشويه حقيقة الأزمة، فإن الصراع يكون قد انتقل من الخلاف حول الحدث إلى الخلاف حول الرواية المشروعة للحدث.


وفي هذا السياق ينبغي تصحيح واقعة تداولت بصورة واسعة خارج إسبانيا. فقد نُسب إلى المحللة والإعلامية Sarah Santaolalla أنها دعت إلى إطلاق النار، استنادًا إلى اقتطاع عبارتها  : «طلقة في الرقبة» (¿Un tiro en la nuca?). لكن سياق التصريح يقلب المعنى تمامًا: كانت تستنكر الاعتداءات التي تعرض لها الصحفيون وتسأل، تحذيرًا من استمرار التصعيد، عما إذا كانت الخطوة التالية ستكون «رصاصة في مؤخرة الرأس». أي إن العبارة كانت تحذيرًا من بلوغ العنف مستوى القتل، لا دعوة إليه. وهذه الواقعة، بدل أن تكون دليلًا على خطاب يحرض على القتل، تكشف مشكلة أخرى لا تقل أهمية: كيف تستطيع الجملة المقتطعة من سياقها، عندما تنتقل بين لغتين ومجتمعين في بيئة شديدة الاستقطاب، أن تتحول إلى مادة جديدة للتعبئة.


وهنا يدخل عامل لم يكن يحتل هذا الموقع في بداية الأزمة: المعلومة نفسها أصبحت جزءًا من ساحة النزاع.


فلم يعد الخلاف قائمًا فقط حول ما ينبغي فعله في سبتة، وإنما حول ما حدث أصلًا في سبتة: هل كانت حركة هجرة جماعية خرجت عن السيطرة؟ هل سهلتها عناصر من الجانب المغربي؟ هل كانت عملية منظمة؟ من خطط لها؟ وما دور الحملات الرقمية وشبكات التواصل في تعبئة المشاركين وتضخيم الروايات المتعارضة؟ ولماذا انفجرت الأزمة سياسيا واجتماعيا وأمنيا وقضائيا وإعلاميا في إسبانيا بدل المغرب؟


ولا تزال الإجابات النهائية عن بعض هذه الأسئلة محل خلاف. فقد تمسك سانشيز حتى الآن بعدم وجود أدلة قاطعة تسمح بإسناد التخطيط للعملية إلى الحكومة المغربية، بينما اتجهت قوى سياسية وإعلامية إسبانية إلى تحميل الرباط المسؤولية بصورة أكثر مباشرة. وفي 7 سبتمبر انتقلت القضية إلى مستوى مؤسسي جديد مع تولي المحكمة الوطنية الإسبانية التحقيق في الوقائع والنظر في فرضيات مرتبطة بالمساس بالسلامة الترابية وبأدوات «المنطقة الرمادية». ولا يعني فتح التحقيق ثبوت المسؤولية المغربية؛ لكنه يعني أن توصيف الحدث نفسه أصبح موضوع صراع قانوني وسياسي وأمني، لا مجرد جدل إعلامي.


وتظهر خطورة هذه البيئة بصورة أوضح عند النظر إلى ما قد يأتي بعد ذلك.


فالأزمة الأصلية لم تُغلق بعد، بينما بدأت مجموعات على تطبيقات التواصل تتداول مواعيد لمحاولات عبور جديدة، من بينها 23 سبتمبر. وقد وثقت تحقيقات صحفية وجود مجموعات ورسائل تناقش هذا التاريخ وتدعو في بعض الحالات إلى عدم نشر تفاصيل التحرك على نطاق واسع. لكن هذا المعطى ينبغي ضبطه بدقة: وجود الدعوات لا يثبت أن محاولة جماعية ستقع في ذلك اليوم، ولا يثبت أن دولة أو جهازًا رسميًا يقف وراءها.


غير أن أهميته الاستراتيجية لا تتوقف على وقوع الحدث.


فمجرد الاعتقاد بإمكان وقوعه بدأ ينتج آثارًا قبل 23 سبتمبر: الأجهزة الأمنية تراقب، والنقابات الشرطية تطالب بموارد إضافية، والسياسيون يحذرون، والإعلام يناقش السيناريو، وسكان سبتة يتابعون احتمال تكرار تجربة ما تزال آثارها حاضرة. وبذلك يدخل حدث مستقبلي محتمل إلى العلاقة ويبدأ في تغيير سلوك الفاعلين قبل أن نعرف أصلًا هل سيقع.


وهذه النقطة تكشف التحول الأخطر في الأزمة.


في النزاع التقليدي، يكون عدد الفاعلين الرئيسيين محدودًا نسبيًا: الحكومة المغربية، الحكومة الإسبانية، أجهزتهما، وربما المؤسسات الأوروبية. أما الآن فقد دخلت إلى النسق عناصر أخرى: أحزاب المعارضة، الرأي العام، وسائل الإعلام، القضاء، النقابات الأمنية، جماعات المتظاهرين، المهاجرون، منظمو مجموعات التواصل، ناشطون، وشبكات رقمية يصعب تحديد مصدر بعضها أو التحكم الكامل في انتشار محتواها.


وكلما ارتفع عدد الفاعلين المستقلين، تراجعت قدرة الحكومتين على التحكم في جميع الأفعال التي يمكن أن تنتج ردًا من الطرف الآخر.


وهنا يصبح الفرق بين التوتر والتصعيد الذاتي مهمًا. التوتر يمكن أن يبقى مرتفعًا بينما يحتفظ الطرفان بقرار الزيادة أو الخفض. أما التصعيد الذاتي فينشأ عندما يصبح فعل صادر عن طرف ثالث قادرًا على تشغيل سلسلة من الردود لم يقررها الطرفان ابتداءً.


لنتصور، لا بوصفه توقعًا وإنما اختبارًا تحليليًا، أن دعوة رقمية جديدة أدت إلى تجمع كبير قرب الحدود؛ ثم حاول جزء من المشاركين العبور؛ ثم وقعت مواجهة وسقط قتلى. لن يكون على الحكومة الإسبانية بعد ذلك أن تتعامل فقط مع المهاجرين، بل مع رأي عام سبق أن أصبح مقتنعًا بدرجة واسعة بمسؤولية المغرب عن الأزمة السابقة. ولن يكون على الرباط أن تتعامل فقط مع إجراء أمني إسباني، بل مع رد فعل مغربي محتمل تجاه سقوط ضحايا وخطاب سياسي إسباني قد يصبح أكثر حدة. وكل رد سيصبح بدوره مادة جديدة للطرف المقابل.


عندها يمكن أن تعمل الحلقة على النحو الآتي: حدث حدودي _ تفسير تهديدي _ تعبئة اجتماعية _ ضغط سياسي _ رد أمني أو دبلوماسي _ تعبئة مقابلة _ تضييق هامش التراجع _ حادث جديد.


والخطورة هنا أن كل خطوة قد تكون عقلانية بالنسبة إلى الفاعل الذي يقوم بها منفردًا، بينما تنتج الخطوات مجتمعة مسارًا لم يكن أي طرف يريد الوصول إليه.


ولهذا فإن السؤال الذي تطرحه أزمة سبتة لم يعد فقط: هل تستطيع الدولتان منع المواجهة؟


الأسبق منه أصبح: هل تستطيع الدولتان الاحتفاظ بالسيطرة على سلسلة التفاعلات التي قد تجعل التصعيد ممكنًا من دون أن يقرره أحدهما؟


وهذا يغير أيضًا الطريقة التي ينبغي أن نقرأ بها التحول العسكري الجاري في غرب المتوسط. فعندما كانت المطالبة السيادية محكومة أساسًا بالدبلوماسية، كان تحديث القوات المسلحة المغربية أو التفوق العسكري الإسباني عنصرًا استراتيجيًا بعيدًا نسبيًا عن الحياة اليومية للنزاع. أما عندما ترتفع التعبئة الشعبية، وتصبح الحدود موقعًا لأحداث جماعية متكررة، وتدخل مفردات «الهجوم» و«الغزو» و«الدفاع» و«الاسترداد» إلى السياسة اليومية، فإن القدرات العسكرية الموجودة في الخلفية تكتسب معنى مختلفًا.


فالسلاح لم يتغير بالضرورة بسبب الأزمة؛ الذي تغير هو العلاقة التي أصبح السلاح يدخل فيها.



رابعًا: حين تدخل القوة العسكرية في بيئة التصعيد — هل تغير الردع بين المغرب وإسبانيا؟


إذا كان انتقال قضية سبتة من المؤسسات إلى الشارع قد ضيّق جزئيًا هامش المناورة السياسية، فإن التحول العسكري يضيف إلى الأزمة بعدًا مختلفًا. فالمشكلة لم تعد فقط في ارتفاع نبرة الخطاب، بل في أن هذا الخطاب يجري داخل بيئة استراتيجية تغيرت فيها القدرات المتاحة للطرفين، ومن ثم تغيرت معها كلفة الانتقال من التهديد إلى الفعل.


ولا ينبغي أن يبدأ التحليل من سؤال: هل أصبح المغرب أقوى عسكريًا من إسبانيا؟ فالإجابة بمقاييس القوة الشاملة ما تزال تميل لمصلحة إسبانيا، التي تمتلك اقتصادًا أكبر وقوات مسلحة أكثر تقدمًا في مجالات عديدة. ولا ينبغي في هذا المستوى من المقارنة إدخال شبكات التحالف تلقائيًا في ميزان القوة المباشر؛ إذ إن نطاق الالتزامات الدفاعية الخارجية وشروط تفعيلها يختلفان بحسب المؤسسة وطبيعة المواجهة ومكان وقوعها. لكن الردع لا يقوم على اشتراط التفوق الشامل. فقد تستطيع دولة أضعف أن تغير حسابات دولة أقوى إذا أصبحت قادرة على رفع كلفة استعمال القوة ضدها إلى مستوى يجعل القرار أقل يقينًا وأكثر مخاطرة.


وهذا هو التحول الذي ينبغي البحث عنه في الحالة المغربية.


خلال السنوات الأخيرة، لم يقتصر تحديث القوات المسلحة الملكية على زيادة حجم المشتريات العسكرية، بل اتجه إلى تنويع مصادر التسليح والتكنولوجيا، وتوسيع قدرات الطيران والمسيّرات والدفاع الجوي والاستطلاع والضربات الدقيقة، بالتوازي مع تعميق التعاون العسكري مع الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل. ولا يعني ذلك وجود شبكة تحالفات موجهة ضد إسبانيا، كما لا يعني أن كل سلاح يحصل عليه المغرب يرتبط بملف سبتة ومليلية. لكن تراكم القدرات يغير البيئة التي سيضطر أي مخطط عسكري إسباني إلى العمل داخلها.


وتقدم تجربة طانطان في أغسطس 2026 مثالًا واضحًا على هذا التغير. فقد أكدت القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا أن القوات الأميركية والمغربية استخدمت مركز التدريب والتجارب متعددة المجالات في طانطان في أول تجربة رماية حية من نوعها لصالح شريك من الصناعات الدفاعية الأميركية لاختبار قدرات ضرب دقيق بعيدة المدى. وتثبت التجربة أن المغرب، في حال استخدام إسبانيا للقوة العسكرية، أن الرباط أصبحت قادرة، نظريا، على الرد. لكن أهميتها تكمن في وظيفة أخرى: المجال العسكري المغربي أصبح جزءًا من منظومة اختبار وتطوير قدرات أميركية متقدمة، في إطار تعاون عسكري تتجاوز وظائفه مجرد شراء السلاح وتسلمه.


وتضيف الجغرافيا إلى هذه الوظيفة معناها الاستراتيجي. فقد جرت التجربة في طانطان، على مسافة تقارب مئتي كيلومتر من لانزاروت في جزر الكناري، وهو ما أثار نقاشًا مباشرًا في الإعلام الإسباني حول معنى اختبار قدرة بعيدة المدى في هذا المجال الجغرافي.


لكن ينبغي هنا ضبط الاستنتاج بدقة شديدة. فلا وجود لدليل على أن تجربة طانطان كانت رسالة مغربية إلى إسبانيا، ولا على أن جزر الكناري هدف مغربي، ولا حتى على أن الصاروخ المختبر سيدخل الخدمة لدى القوات المغربية في حال اندلاع مواجهة عسكرية. ومع ذلك، فإن التخطيط العسكري لا يقوم فقط على النيات المعلنة؛ بل يضع في حسابه أيضًا القدرات الممكنة والجغرافيا التي تعمل داخلها.


ومن هنا يتغير السؤال الإسباني في أي مواجهة افتراضية. فعندما كان التصور التقليدي للخطر المغربي محصورًا أساسًا في سبتة ومليلية، كان المجال المطلوب الدفاع عنه أكثر محدودية. أما إذا دخلت قدرات بعيدة المدى والمسيّرات وأنظمة الاستطلاع والضرب الدقيق إلى البيئة المحيطة بالنزاع، فإن السؤال يصبح: إذا اتسعت مواجهة بدأت في سبتة أو مليلية، فما الأصول الأخرى التي ينبغي لإسبانيا أن تحميها؟


وهذا السؤال أهم من المقارنة العددية بين الدبابات والطائرات، لأن كل أصل إضافي يدخل دائرة الخطر يفرض موارد إضافية للدفاع عنه ويرفع كلفة قرار استخدام القوة.


لكن المستجد الأحدث يضيف إلى هذه المعادلة وجهًا آخر للردع.


ففي 7 سبتمبر نشرت صحيفة La Razón أن المغرب يتفاوض بشأن اقتناء منظومة "مقلاع داود" David’s Sling  الإسرائيلية لتعزيز قدراته الجوية والمضادة للصواريخ، ضمن توجه نحو بناء شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات. والعنوان الذي استخدمته الصحيفة تحدث عن «شراء» المنظومة، لكن متن التقرير أكثر دقة يقول إن المغرب يفاوض على الشراء؛ ولذلك لا نستطيع حتى الآن الحديث عن صفقة مكتملة أو تسليم أو دخول المنظومة الخدمة.


كما كشفت وثيقة أمريكية رسمية في مطلع الشهر الجاري عن إدراج المغرب ضمن برنامج الدعم اللوجستي والتجهيزات المرتبطة براجمات الصواريخ المتعددة هيمارس  (HIMARS)، مع التخطيط لتسليم 10 راجمات للقوات المسلحة الملكية المغربية خلال السنة المالية 2027، في خطوة تعزز قدرات المملكة في مجال المدفعية الصاروخية بعيدة المدى.


وتشير الوثيقة، الصادرة ضمن برنامج FAL COSIS HIMARS and MLRS التابع للجانب الأمريكي، إلى أن أعمال الدعم والتخزين والخدمات اللوجستية في السنة المالية 2027 ستشمل عدداً من الدول المتعاقدة على راجمات هيمارس، من بينها أستراليا بـ22 راجمة، والمغرب بـ10 راجمات، وإيطاليا بـ7 راجمات، وتايوان بـ18 راجمة، إضافة إلى دعم بريطانيا في ما يتعلق براجمات  M270A2.


وتوضح الوثيقة أن الدعم يشمل التخطيط لعمليات التخزين والتجهيز والتكامل للراجمات والمعدات المرتبطة بها، بما في ذلك قطع الغيار ومعدات الاتصالات والتجهيزات اللازمة لدمج المنظومات قبل تسليمها إلى المستخدم النهائي.


وبحسب مصادر  استند إليها موقع الدفاع العربي، فمن المتوقع أن يتبع الدفعة الأولى تسليم 8 راجمات هيمارس إضافية للمغرب خلال عام 2028، ما سيرفع العدد الإجمالي المتوقع إلى 18 راجمة، مع بقاء الجدول النهائي للتسليم مرتبطاً ببرنامج الإنتاج والتعاقدات الأمريكية وإجراءات برنامج المبيعات العسكرية الخارجية FMS.


والأمر هنا لا يتعلق بمجرد التفاوض، لأنه إذا تأكد التسليم واستمر وفق المعلن، فسيلفت ذلك النظر إلى اتجاه أوسع في بنية القوة المغربية. فالردع لا يقوم فقط على قدرة الدولة على إصابة الخصم، وإنما أيضًا على قدرتها على تقليل فاعلية الضربة التي يستطيع الخصم توجيهها إليها. وإذا كانت القدرات بعيدة المدى توسع ما يستطيع المغرب تهديده في سيناريو افتراضي، فإن بناء دفاع جوي وصاروخي متعدد الطبقات يهدف في الاتجاه المعاكس إلى تقليص مقدار الضرر الذي يستطيع الخصم إيقاعه بالمغرب.


وهنا نقترب من تحول أكثر أهمية: الانتقال من امتلاك أسلحة متفرقة إلى محاولة بناء بنية ردع تجمع بين القدرة على الدفاع والقدرة على الهجوم.


ولا يجوز أن نستنتج من ذلك أن المغرب يبني هذه القدرات لمواجهة إسبانيا تحديدًا. فالدفاع الجوي المغربي يستجيب لبيئة أمنية أوسع بكثير، تشمل التنافس الإقليمي وتطور الصواريخ والمسيّرات والتهديدات الجوية والبحرية والبرية المختلفة. كما أن العلاقات الدفاعية المغربية الإسرائيلية والأميركية والفرنسية المقبلة لها دوافع ووظائف تتجاوز بكثير ملف سبتة إلى أمن غرب المتوسط وإفريقيا الأطلسية.


لكن القدرة العسكرية لا تحتاج إلى أن تكون قد بُنيت ضد خصم معين حتى تدخل في حسابه. فهذه إحدى خصائص القوة التي كثيرًا ما تضيع في النقاش السياسي. النية تحدد ما تريد الدولة فعله، أما القدرة فتحدد ما يجب على الآخرين الاستعداد لاحتمال أن تستطيع فعله.


ولهذا فإن السؤال بالنسبة إلى مدريد ليس: هل اشترى المغرب هذه المنظومة من أجل سبتة؟ بل: إذا ازدادت قدرة المغرب على حماية مجاله الجوي وعلى الصمود أمام الضربات، فكيف يتغير حساب استخدام القوة الإسبانية في أي أزمة مستقبلية؟


وعند هذه النقطة تتكامل جهتا الردع.


من جهة، يؤدي اتساع قدرات الضرب والاستطلاع والمسيّرات إلى زيادة عدد الأصول التي يجب على إسبانيا إدخالها في حساب المخاطر. ومن جهة ثانية، يؤدي تحسن الدفاع الجوي والصاروخي المغربي إلى احتمال تقليل الثقة في أن التفوق الإسباني يمكن تحويله بسرعة وبكلفة منخفضة إلى نتيجة عسكرية حاسمة.


ولا يعني ذلك اختفاء التفوق الإسباني. بل يعني شيئًا أدق: التفوق باقٍ، لكن تحويله إلى إكراه قد يصبح أكثر كلفة. وهذا هو الفرق الذي ينبغي أن نبني عليه القسم العسكري كله.


فالقوة ليست قيمة ثابتة داخل السلاح. مقاتلة حديثة أو صاروخ أو منظومة دفاع جوي تكتسب قيمتها الاستراتيجية داخل شبكة من العلاقات: مدى السلاح، وقدرة الخصم على اكتشافه، وما يستطيع الوصول إليه، وما يستطيع الطرف المقابل حمايته، وما يملكه من قدرة على الرد، وما ستكون عليه الكلفة الاقتصادية والسياسية والبشرية بعد بدء المواجهة.


ولهذا قد تبقى إسبانيا أقوى عسكريًا من المغرب، ومع ذلك يتغير ميزان الردع.


والأمر هنا قريب من المفارقة التي كشفناها في الاقتصاد عند الحديث عن سعي المغرب للتحول إلى نموذج سنغافورة. إسبانيا لم تتوقف عن كونها شريكًا اقتصاديًا أكبر وأكثر قوة، لكن تعدد البدائل المغربية يقلل قدرتها على تحويل ذلك التفوق إلى إكراه. وفي المجال العسكري يحدث شيء مشابه: التفوق المادي قد يبقى قائمًا، بينما تتراجع القدرة على استخدامه من دون مخاطرة كبيرة.


وهنا يصبح توقيت هذه التحولات أكثر حساسية.


فلو كانت العلاقات السياسية مستقرة، وكانت قضية سبتة ومليلية محصورة في إدارة دبلوماسية باردة، لبقي معظم هذه القدرات في الخلفية الاستراتيجية. لكننا أمام بيئة مختلفة: عشرات الآلاف عبروا الحدود في يوليو، وما تزال المسؤولية عن الحدث موضوع صراع داخل إسبانيا؛ تخرج مظاهرات وتظاهرات مضادة؛ تتصلب مواقف الأحزاب؛ تدخل القضية إلى القضاء؛ وتتداول مجموعات رقمية دعوات إلى محاولات جديدة، بينما يتابع المجتمع الإسباني الملف بدرجة من التوتر والخوف غير مسبوقة. وتقول الحكومة الإسبانية نفسها إنه لا توجد حتى الآن أدلة صلبة على أن الرباط دبرت العملية، في حين ترسخت لدى جزء واسع من الرأي العام رواية تحمل المغرب المسؤولية.


وهكذا يلتقي متغيران كان يمكن دراستهما منفصلين في السابق: ارتفاع قابلية التصعيد السياسي والاجتماعي، وارتفاع كلفة التصعيد الاقتصادي والعسكري.


وهذه العلاقة تنتج مفارقة شديدة الأهمية. فمن ناحية، تستطيع التعبئة القومية والمزايدة الحزبية أن تزيد الضغط على صانع القرار من أجل إظهار القوة. ومن ناحية أخرى، يجعل تغير ميزان الردع اللجوء الفعلي إلى القوة أكثر خطورة مما توحي به اللغة السياسية.


أي أن المسافة قد تتسع بين سهولة التهديد وصعوبة التنفيذ. وهنا تحديدًا يصبح النقاش الإسباني المتكرر حول قدرة القوات المسلحة على هزيمة المغرب ذا معنى يتجاوز الإجابة العسكرية نفسها. فالدلالة ليست في أن إسبانيا فقدت قدرتها على الدفاع عن المدينتين، بل في أن سؤال الحرب نفسه خرج من دوائر التخطيط ودخل إلى الإعلام والسياسة والرأي العام.


وكلما أصبح الحديث عن «سحق» الخصم أو «إطفائه» أو إغلاق الحدود أو خنقه اقتصاديًا جزءًا من الخطاب اليومي، ازدادت خطورة سوء تقدير المسافة بين ما تستطيع الدولة قوله وما تستطيع تنفيذه بكلفة مقبولة.


وهنا ينبغي أن نستعيد التمييز الثلاثي الذي وصل إليه التحليل الاقتصادي السابق: القدرة هي ما تستطيع الدولة فعله ماديًا. الإكراه هو ما تستطيع استخدام تلك القدرة لتحقيقه من دون أن تصبح الكلفة أكبر من المنفعة. الخطاب هو ما تستطيع قوله سياسيًا لجمهورها. لكن الأزمة الحالية تضيف عنصرًا رابعًا: التعبئة هي ما قد يصبح صانع القرار مضطرًا إلى فعله لأن المجتمع نفسه ضيّق مساحة التراجع أمامه. وعندما تتباعد هذه المستويات، يصبح خطر سوء الحساب أكبر.


قد يقول السياسي إن إسبانيا قادرة على سحق المغرب، ويكون جزء من ذلك صحيحًا نسبيا في ميزان القدرات التقليدية. لكن المخطط العسكري مطالب بأن يسأل أسئلة أخرى: ما الذي يستطيع المغرب إصابته؟ وما الذي يستطيع حمايته؟ وما الذي سيحدث للملاحة والتجارة والهجرة والمصالح الإسبانية في المغرب؟ وما موقف الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل؟ وما احتمال توسع الصراع جغرافيًا؟ وكم تستمر المواجهة؟ وما الذي يعنيه الانتصار أصلًا إذا كانت كلفته تفوق المصلحة التي بدأت الحرب من أجلها؟


وهذا هو الفرق بين حساب القوة وحساب الحرب.


ومن ثم فإن تحديث المغرب العسكري لا يجعل الحرب أكثر احتمالًا بالضرورة. بل قد يؤدي، في الظروف العادية، إلى النتيجة المعاكسة: كلما ارتفعت قدرة الطرف الآخر على إيقاع الكلفة وتحملها، ازدادت الحاجة إلى إبقاء النزاع دون عتبة المواجهة المباشرة.


لكننا عدنا الآن إلى المشكلة التي كشفها القسم السابق: ماذا لو لم تكن الحكومتان وحدهما من يحدد تلك العتبة وأصبح ضغط الشارع يملي على الحكومة المنتخبة نوع التصرف الذي يجب أن تقوم به تجاه المغرب؟


فإذا وقع حادث كبير على الحدود أو داخل إسبانيا، أو سقط عدد كبير من الضحايا، أو نُسب حدث إلى المغرب قبل اكتمال التحقيق، أو تحولت تعبئة شعبية إلى مواجهة، فقد تجد المؤسسات السياسية نفسها أمام ضغط للرد داخل بيئة عسكرية أصبحت فيها كلفة الرد أعلى.


وهنا يصبح الردع عامل استقرار وخطر في الوقت نفسه. هو عامل استقرار لأنه يجعل الحرب المتعمدة أقل عقلانية. لكنه يصبح عامل خطر إذا اعتقد كل طرف أنه يستطيع الاقتراب أكثر من حافة المواجهة لأن الآخر، بسبب ارتفاع الكلفة، لن يجرؤ على عبورها.


وهذا هو منطق المنطقة الرمادية: الاستفادة من المسافة الواقعة بين التعاون الطبيعي والحرب المفتوحة.


ولهذا تبدو تقديرات الأجهزة الإسبانية التي تعتبر هجومًا مغربيًا مباشرًا على المدينتين ضعيف الاحتمال، مقابل اهتمام أكبر بأدوات الضغط الواقعة دون عتبة الحرب، أكثر اتساقًا مع بنية العلاقة من السيناريوهات الإعلامية التي تبدأ مباشرة بالطائرات والصواريخ.


فالسؤال الاستراتيجي الحقيقي لا يصبح: من سيربح حربًا بين المغرب وإسبانيا؟


بل: إلى أي مدى يستطيع الطرفان مواصلة الضغط تحت عتبة الحرب من دون أن ينتج تفاعل لم يعد أي منهما قادرًا على إبقائه تحتها؟


وهذه النقطة تنقلنا مباشرة إلى جوهر المقال.


لأن المشكلة الإسبانية ليست أن المغرب أصبح أقوى منها، كما أن المشكلة المغربية ليست أن التفوق الإسباني اختفى. الذي تغير هو قابلية كل طرف لتحويل ما يملكه من قوة إلى تأثير على الطرف الآخر.



خامسًا: إذا كانت إسبانيا ما تزال أقوى... فلماذا أصبح إكراه المغرب أصعب؟


إذا كانت المقارنة العسكرية لا تكفي لفهم ما تغير، فإن المشكلة نفسها تظهر عندما ننتقل إلى الاقتصاد والدبلوماسية والمؤسسات. فإسبانيا ما تزال أقوى من المغرب في عدد من مؤشرات القوة التقليدية، وأكثر اندماجًا في المؤسسات الأوروبية والأطلسية، وتملك اقتصادًا أكبر وأدوات ضغط حقيقية. ولذلك فإن تفسير القلق الإسباني بصعود المغرب يواجه مفارقة ظاهرة: لماذا يثير صعود دولة ما تزال أضعف نسبيًا كل هذا النقاش حول الردع والعقوبات والتحالفات وحماية سبتة ومليلية؟


قد يكون الخطأ في السؤال نفسه.


فالقدرة على التأثير في دولة أخرى لا تتحدد فقط بالفارق بين ما يملكه الطرفان من موارد، وإنما أيضًا ببنية العلاقة التي تربطهما. وقد تكون الدولة أقوى في معظم مواردها، لكنها تجد أن تحويل هذا التفوق إلى سلوك مطلوب من الطرف الآخر أصبح أصعب إذا تغيرت حاجات ذلك الطرف وبدائله وعلاقاته.


وهذا هو التحول الذي يبدو أكثر أهمية في العلاقة المغربية الإسبانية.


فجزء من القيمة الاستراتيجية التي تمتعت بها إسبانيا بالنسبة إلى المغرب لم يكن ناتجًا فقط من حجم اقتصادها أو قوتها العسكرية، وإنما من وظائف كانت تؤديها داخل شبكة علاقاته الخارجية: بوابة جغرافية قريبة إلى أوروبا، وشريك تجاري رئيسي، وممر أساسي للأشخاص والبضائع، وفاعل أوروبي مؤثر في علاقة المغرب بالاتحاد، فضلًا عن موقعها الاستراتيجي في غرب المتوسط.


هذه الوظائف لم تختف. وإسبانيا لم تفقد أهميتها بالنسبة إلى المغرب. لكن الذي تغير تدريجيًا هو درجة حصريتها.


وهنا يصبح الفرق بين فقدان القوة وفقدان الاحتكار الوظيفي ضروريًا.


فطنجة المتوسط لا يجعل الموانئ الإسبانية بلا قيمة، لكنه يمنح المغرب قدرة لوجستية لم تكن موجودة بالحجم نفسه سابقًا. والعلاقة المتقدمة مع فرنسا لا تلغي أهمية إسبانيا داخل أوروبا، لكنها تمنع أن تكون مدريد القناة الأوروبية الكبرى الوحيدة المتاحة للرباط. والتوسع المغربي في إفريقيا لا يستبدل السوق الأوروبية، لكنه يمنح المغرب وظائف وعلاقات اقتصادية وسياسية خارج المجال الثنائي. والشراكة العسكرية مع الولايات المتحدة لا تجعل واشنطن حليفًا للمطالبة المغربية بسبتة ومليلية، لكنها تزيد قدرات المغرب وقيمته الأمنية داخل شبكة أوسع. والتعاون الدفاعي مع إسرائيل لا يحدد موقفًا إسرائيليًا من السيادة على المدينتين، لكنه يوسع مصادر التكنولوجيا والقدرات التي يستطيع المغرب الوصول إليها.


أي أن العلاقات الجديدة لا تستبدل إسبانيا؛ إنها تقلل من حصرية بعض الوظائف التي كانت تؤديها.


ومن هنا نستطيع إعادة صياغة المسألة بصورة أدق: إسبانيا لم تفقد قوتها، لكن المغرب أصبح أقل اعتمادًا على حصرية القوة الإسبانية داخل العلاقة. وهذا فارق استراتيجي كبير.


فالإكراه لا يعتمد فقط على مقدار الضرر الذي يستطيع الطرف الأقوى إيقاعه، بل على مقدار حاجة الطرف المستهدف إلى العلاقة التي يستطيع الأول تعطيلها. إذا كانت الدولة لا تملك إلا طريقًا واحدًا إلى مورد تحتاج إليه، فإن التهديد بإغلاق ذلك الطريق شديد الفعالية. أما إذا امتلكت طرقًا متعددة، فإن الطريق الأول يظل مهمًا، لكن قيمته بوصفه أداة إكراه تتراجع.


ومن هنا يمكن فهم محدودية بعض التهديدات التي ظهرت في النقاش الإسباني بعد أزمة سبتة.


فالحديث عن حرمان المغرب من السوق الأوروبية يبدو، للوهلة الأولى، أداة شديدة القوة بسبب أهمية الاتحاد الأوروبي للاقتصاد المغربي. لكن إسبانيا لا تملك السوق الأوروبية. وتحويل هذه السوق إلى أداة عقاب يتطلب نقل الموقف الإسباني إلى مؤسسات الاتحاد وإقناع دول أخرى بأن كلفة معاقبة المغرب أقل من كلفة المحافظة على الشراكة معه.


أي أن إسبانيا تستطيع عضو فاعل داخل الشبكة الأوروبية من دون أن تكون هي الشبكة نفسها.


وهذه نقطة مهمة لأنها تكشف أن القوة التي تمتلكها الدولة داخل علاقة متعددة الأطراف ليست مطابقة للقوة التي تستطيع استخدامها منفردة.


ويظهر المنطق نفسه في الاتجاه المقابل. فالمغرب يستطيع تعميق علاقاته مع الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل ودول إفريقية، لكنه لا يستطيع افتراض أن هذه العلاقات ستتحول تلقائيًا إلى تأييد لمطالبته بسبتة ومليلية. فالحليف أو الشريك يستطيع أن يزيد قدرة الدولة من دون أن يتبنى هدفها.


وهكذا تعمل الشبكات في الاتجاهين: توسع البدائل، لكنها تفرض القيود أيضًا.


وهنا نستطيع فهم الحركة التي ظهرت على الجانب الإسباني بصورة مختلفة.


فمحاولة تعميق الارتباط الأوروبي لسبتة ومليلية لا تعني بالضرورة أن إسبانيا عاجزة عن الدفاع عنهما منفردة، وإنما يمكن قراءتها باعتبارها استجابة شبكية لتحول شبكي: كلما وسع المغرب العلاقات التي تزيد قدرته، ازدادت القيمة الإسبانية لإدخال فاعلين آخرين في شبكة حماية الوضع القائم.


وبهذا المعنى، لا تعني «أوربة» المدينتين مجرد إضافة حماية قانونية أو اقتصادية، وإنما زيادة عدد الأطراف التي تصبح لها مصلحة في استقرار الوضع الحالي.


والمنطق نفسه يساعد على قراءة استعادة مدريد لعلاقتها مع الجزائر.


فلا حاجة إلى افتراض وجود تحالف إسباني جزائري سري ضد المغرب. لإسبانيا مصالح واضحة مع الجزائر في الطاقة والتجارة والهجرة والأمن، وللجزائر مصالحها الخاصة في استعادة العلاقة مع مدريد. لكن العلاقة تستطيع، بصرف النظر عن النيات التي أنشأتها، أن تؤدي وظيفة إضافية داخل النسق: منح إسبانيا بدائل هي الأخرى في جنوب المتوسط.


وهنا تظهر علاقة مرآتية أخرى، لكنها هذه المرة ليست اجتماعية بل استراتيجية: المغرب يبني البدائل، وإسبانيا تبني الموازنات. وكل طرف يحاول بذلك تقليل قدرة الطرف الآخر على تحويل الحاجة إليه إلى أداة ضغط. وهذا يقود إلى نتيجة تختلف عن القول إن ميزان القوة انقلب لمصلحة المغرب. فهو لم ينقلب. وإنما بدأ ميزان الاعتماد داخل العلاقة يتغير.


وهنا ربما نجد مفتاحًا أفضل لفهم ارتفاع خطاب القوة في إسبانيا.


فالمفارقة ليست أن دولة ضعيفة تهدد دولة قوية، ولا أن إسبانيا اكتشفت فجأة أنها عاجزة عن مواجهة المغرب الصاعد بسرة وبقوة. بل إن الدولة التي ما تزال تحتفظ بتفوق مهم بدأت تواجه طرفًا أصبح أكثر قدرة على تحمل الخلاف معها من دون أن يؤدي ذلك تلقائيًا إلى عزله أو شل خياراته. وهذا يجعل الفرق بين القوة والإكراه أكثر وضوحًا.


إسبانيا تستطيع إلحاق أضرار كبيرة بالمغرب في مواجهة اقتصادية أو سياسية أو عسكرية، لكن المغرب يستطيع بدوره إلحاق أضرار بإسبانيا، كما أن جزءًا من أدوات الضغط الإسبانية يمر عبر مؤسسات وشركاء لهم مصالحهم الخاصة مع المغرب. لذلك لم يعد السؤال: من يستطيع إيذاء الآخر؟ فكلاهما يستطيع.


السؤال هو: من يستطيع تغيير سلوك الآخر بكلفة يستطيع تحملها؟


وعند هذا المستوى تظهر القوة علائقية بصورة كاملة. فلا تكفي معرفة حجم الاقتصاد أو عدد الطائرات أو موقع الدولة داخل الاتحاد الأوروبي؛ ينبغي معرفة ما يحتاج إليه الطرف الآخر، وما البدائل التي يملكها، وما الضرر الذي يستطيع امتصاصه، وما الكلفة التي يستطيع ردها، وما الأطراف الأخرى التي ستدخل إلى العلاقة إذا وقع الضغط.


وهذا يفسر أيضًا لماذا لا ينبغي تفسير ارتفاع الخطاب الإسباني المتشدد باعتباره دليلًا بسيطًا على ضعف إسبانيا. فقد يكون العكس صحيحًا: إسبانيا ما تزال قوية وتعرف أنها قوية. لكن الذي أصبح أقل يقينًا هو النتيجة التي ستنتجها هذه القوة إذا استُعملت لإجبار المغرب على سلوك معين.


ومن هنا يصبح تأكيد التفوق نفسه ذا دلالة. فعندما يتحول السؤال من «إسبانيا أقوى من المغرب» إلى نقاش يومي حول المدة التي يحتاجها الجيش الإسباني لهزيمة المغرب، والأسلحة التي يستطيع استخدامها، والعقوبات التي يمكن فرضها، والحدود التي ينبغي إغلاقها، فإن القوة لم تعد حقيقة صامتة داخل العلاقة، بل أصبحت موضوعًا يجب إثباته سياسيًا واجتماعيًا.


ولا يعني ذلك أن الخطاب مجرد تعويض نفسي عن تراجع مادي، وإنما أنه يؤدي وظيفة أخرى: إعادة إنتاج اليقين داخل مجتمع بدأ يشعر بأن العلاقة القديمة لم تعد مضمونة كما كانت.


وهنا يكتمل التمييز الذي ظهر في القسم السابق بين القدرة والإكراه والخطاب والتعبئة. فإسبانيا قد تمتلك القدرة، لكن الإكراه يتوقف على بنية العلاقة؛ والخطاب يستطيع المبالغة في سهولة تحويل القدرة إلى نتيجة؛ ثم تأتي التعبئة الاجتماعية فترفع كلفة التراجع عن هذا الخطاب.


وهكذا نصل أخيرًا إلى السؤال الذي وضعناه في عنوان المقال:  لماذا تخشى إسبانيا المغرب الجديد؟


لا يبدو الجواب أن إسبانيا تتوقع أن يصبح المغرب غدًا أقوى منها في جميع عناصر القوة، ولا أن الرباط تستعد لغزو سبتة ومليلية، ولا أن مدريد فقدت قدرتها على الدفاع عنهما.


ما يثير القلق أعمق من ذلك وأبطأ: أن يبقى المغرب أضعف من إسبانيا في عدد من مؤشرات القوة، لكنه يصبح أقل قابلية لأن تنظم إسبانيا العلاقة معه بالشروط التي كانت ممكنة في الماضي.


وهنا يتضح معنى «المغرب الجديد» في عنوان المقال.


إنه ليس المغرب الذي أصبح أقوى من إسبانيا، وإنما المغرب الذي اتسعت بدائله، وتنوعت علاقاته، وتزايدت وظائفه داخل شبكات أوروبا وإفريقيا والأطلسي، وارتفعت قدرته العسكرية، فأصبح تعطيل علاقة واحدة أقل قدرة على شل حركته.


وبالمقابل، ليست إسبانيا في حالة تراجع خطي. فهي تعيد هي الأخرى بناء شبكتها: أوربة المدينتين، استعادة الجزائر، توظيف موقعها الأوروبي، الحفاظ على التفوق العسكري، التعبئة الداخلية، وتوسيع الحماية السياسية للوضع القائم.


وبذلك لا نكون أمام انتقال بسيط للقوة من إسبانيا إلى المغرب، وإنما أمام إعادة تنظيم للعلاقة نفسها. وهذا ربما هو التحول الأكثر أهمية الذي كشفت عنه صدمة سبتة: لم يتغير فقط مقدار ما يملكه كل طرف؛ تغيرت القيمة التي تنتجها هذه الموارد عندما تدخل في العلاقة بينهما.


وهنا تحديدًا يصبح المستقبل مفتوحًا على أكثر من نتيجة. فقد يدفع ارتفاع كلفة الإكراه الطرفين إلى مزيد من الحذر والتعاون، وقد يدفعهما إلى منافسة طويلة تحت عتبة الصدام، وقد يؤدي دخول المجتمعين والفاعلين الجدد إلى إنتاج أزمات يصعب التحكم فيها، وقد يعاد في المدى الأبعد تشكيل الإطار السياسي والقانوني الذي توجد داخله القضية نفسها.



سادسًا: ماذا بعد صدمة سبتة؟ — خمسة مسارات لا مستقبل واحد


إذا كانت أزمة سبتة قد كشفت أن الذي تغير ليس أصل المطالبة المغربية ولا الرفض الإسباني، وإنما النسق الذي يحمل كليهما، فإن استشراف ما سيأتي ينبغي أن ينطلق من التحفظ نفسه الذي حكم هذا التحليل. فلا توجد في المعطيات الحالية قرائن تسمح بالتنبؤ بقرب تغير الوضع السيادي للمدينتين، كما لا توجد مؤشرات جدية على أن المغرب يتجه إلى محاولة عسكرية لاستعادتهما. لكن ذلك لا يعني أن الأزمة ستعيد إنتاج الماضي كما كان؛ لأن العلاقات التي جعلت ذلك الماضي ممكنًا بدأت تتغير.


ومن ثم لا يكون السؤال: متى ستعود سبتة ومليلية إلى المغرب؟ بل: ما المسارات التي يمكن أن تسلكها العلاقة المغربية الإسبانية إذا استمرت التحولات التي كشفت عنها الأزمة؟


يمكن تصور خمسة مسارات. وهي ليست تنبؤات مستقلة ولا متساوية الاحتمال، ولا مراحل يفترض أن تتعاقب حتمًا. فقد يتداخل بعضها مع بعض، وقد يؤدي أحدها إلى الآخر، وقد تتوقف العلاقة عند أحدها سنوات أو عقودًا. 


هذه المسارات وظيفتها ليست التنبؤ بالمستقبل، وإنما اختبار النتائج المختلفة التي يمكن أن تنتجها البنية الجديدة للعلاقة.


المسار الأول: احتواء الصدمة واستعادة التعاون


يبقى الاحتواء احتمالًا قويًا، لأن شبكة المصالح التي تربط المغرب وإسبانيا أوسع بكثير من النزاع على سبتة ومليلية. فالتجارة والاستثمار والأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب وحركة الأشخاص والبضائع عبر المضيق تجعل انهيار العلاقة مكلفًا للطرفين، وقد أثبتت أزمات سابقة قدرة الرباط ومدريد على العودة إلى التعاون بعد فترات من التوتر.


ولا يملك أي من الطرفين، في الظروف الحالية، مصلحة واضحة في تحويل خلاف سيادي طويل الأمد إلى مواجهة تهدد شبكة المصالح التي يستفيد منها كلاهما. بل إن ارتفاع كلفة الصدام الذي كشفناه في القسمين السابقين يمكن أن يصبح في ذاته حافزًا أقوى للتهدئة.


لكن المشكلة أن الاحتواء لم يعد يعني بالضرورة العودة إلى ما قبل 30 يوليو.


فالأزمة لم تغير العلاقة بين الحكومتين وحدهما. لقد دخلت سبتة ومليلية بقوة إلى الرأي العام الإسباني، وعادتا بصورة أوضح إلى الخطاب المغربي، وأصبحت الهجرة والسيادة والعلاقة مع الرباط أدوات في الصراع الحزبي الإسباني، بينما دخل القضاء والنقابات الأمنية والشبكات الرقمية والمجتمع المدني إلى المجال الذي كان يمكن سابقًا ضبطه بدرجة أكبر من خلال القنوات الدبلوماسية.


ولهذا تستطيع الحكومتان استعادة التعاون، لكن استعادة النسيان السياسي أصعب.


وهنا يكمن الفرق بين احتواء الأزمة وإلغاء آثارها. فقد تعود الاجتماعات والتنسيق الأمني والتبادل التجاري إلى مستوياتها المعتادة، بينما تبقى داخل المجتمعين ذاكرة جديدة لما حدث، وتظل القضية أكثر قابلية للاستدعاء عند كل أزمة لاحقة.


ومن ثم قد يكون المسار الأول في حقيقته صيغة جديدة من التعايش: تعاون واسع فوق نزاع أصبح أكثر حضورًا مما كان عليه.


المسار الثاني: تنافس طويل تحت سقف عدم الصدام


هذا هو، في المدى المنظور، المسار الأكثر انسجامًا مع الاتجاهات التي كشفها التحليل.


فإذا كان المغرب لا يستطيع فرض تغيير الوضع السيادي بكلفة مقبولة، وإسبانيا لا ترى سببًا لفتح التفاوض عليه، فقد يستمر الوضع القائم على الأرض بينما يتحول الصراع تدريجيًا إلى منافسة على البيئة المحيطة به.


ستسعى مدريد إلى تثبيت اندماج سبتة ومليلية داخل الدولة والبنية الأوروبية، وتعزيز قدراتها الدفاعية، وتوسيع شبكة الأطراف التي تصبح لها مصلحة في استمرار الوضع القائم. وتجنيس الصحراويين للتدخل في مسار الحكم الذاتي. ويمكن أن تخدم إعادة بناء العلاقة مع الجزائر منطق الضغط نفسه.


وفي المقابل يستطيع المغرب إبقاء المطالبة حاضرة سياسيًا وتاريخيًا، مع الاستمرار في توسيع قدراته الاقتصادية واللوجستية والعسكرية والدبلوماسية، وتعميق علاقاته الإفريقية والأوروبية والأطلسية، وتقليل درجة اعتماده على الوظائف التي تستطيع إسبانيا استخدامها للضغط عليه.


وعندئذ لا يدور التنافس المباشر حول من يسيطر على المدينتين اليوم، وإنما حول أسئلة تبدو بعيدة عنهما لكنها قد تحدد مستقبلهما: من يصبح أكثر قيمة لأمريكا وأوروبا وإفريقيا في غرب المتوسط؟ من يؤدي وظائف أمنية ولوجستية أكبر؟ من يمتلك حضورًا أوسع في إفريقيا والساحل؟ من يستطيع تعبئة شبكة أكبر من الشركاء؟ ومن يستطيع تحمل ضغط الطرف الآخر مدة أطول؟


وفي هذا السيناريو تصبح سبتة ومليلية نقطتين ثابتتين داخل نسق متحرك. قد لا تتغير السيادة سنوات طويلة، بينما تتغير تدريجيًا العلاقات التي تحدد كلفة المحافظة عليها وكلفة المطالبة بتغييرها.


لكن لهذا المسار مشكلة كامنة. فالمنافسة التي تستطيع الحكومات إدارتها تصبح أكثر خطورة إذا استمرت التعبئة المرآتية التي كشفناها سابقًا. فكل تصريح مغربي عن «التحرير» يمكن أن يصبح مادة للتعبئة القومية الإسبانية، وكل خطاب إسباني عن «الغزو» أو «الاسترداد» يمكن أن يغذي التعبئة المغربية المقابلة. وكلما طال ذلك، قد تصبح الحكومتان أكثر قدرة على ردع بعضهما عسكريًا، لكنهما أقل قدرة على التراجع سياسيًا أمام مجتمعيهما.


ومن هذه المفارقة ينشأ المسار الثالث.


المسار الثالث: الانفلات غير المقصود — عندما يسبق الحدث القرار


هذا هو المسار الذي أضافته الأزمة الأخيرة إلى التحليل بصورة لا يمكن تجاهلها.


فالحرب المتعمدة بين المغرب وإسبانيا تبدو شديدة الكلفة وضعيفة العقلانية بالنسبة إلى الطرفين. لكن الحروب والأزمات الكبرى لا تبدأ دائمًا لأن حكومة قررت مسبقًا الوصول إليها. أحيانًا تبدأ بسلسلة من الأفعال المحدودة التي تبدو كل واحدة منها قابلة للإدارة، ثم تنتج مجتمعة وضعًا لا يعود الرجوع عنه سهلًا.


وهذا الاحتمال يصبح أكثر أهمية كلما ازداد عدد الفاعلين القادرين على إنتاج حدث ذي أثر استراتيجي. فدعوة رقمية لا تصدر عن حكومة تستطيع أن تجمع عددًا كبيرًا من الأشخاص قرب الحدود. ومحاولة عبور قد تتحول إلى مواجهة. والمواجهة قد تؤدي إلى سقوط قتلى. والضحايا يستطيعون إشعال الرأي العام. والرأي العام يستطيع دفع الأحزاب إلى المطالبة برد أشد. والرد الإسباني يمكن أن يولد ضغطًا مقابلاً في المغرب. وكل خطوة تصبح بعد وقوعها جزءًا من البيئة التي سيتخذ فيها القرار التالي.


وقد تتحرك السلسلة، على سبيل الاختبار التحليلي، هكذا: دعوة رقمية - حركة بشرية كبيرة - مواجهة حدودية - سقوط ضحايا - تعبئة إعلامية وشعبية - ضغط حزبي - رد أمني أو دبلوماسي - رد مقابل - تضييق مساحة التراجع.


لا يعني ذلك أن هذه السلسلة ستقع، ولا أن الدعوات المتداولة حاليًا ستنتج محاولة عبور جديدة. بل إن أهم ما تكشفه هو أن الحدث لم يعد يحتاج بالضرورة إلى قرار حكومي حتى ينتج آثارًا تضطر الحكومة إلى اتخاذ قرار بشأنها.


وهنا يظهر التحول الذي ربما يكون أخطر ما أنتجته صدمة سبتة. ففي الأزمة الثنائية التقليدية تستطيع الرباط ومدريد الاتصال والتفاوض وخفض التصعيد. أما عندما يصبح الحدث منتجًا بواسطة فاعلين متعددين — شبكات رقمية، متظاهرين، مهاجرين، أحزاب، إعلام، أجهزة أمن، قضاء، وجماعات يصعب تحديد مصدرها — فإن الحكومتين لا تعودان تملكان السيطرة نفسها على بداية كل حلقة. وعندئذ ينتقل النزاع من أزمة تديرها الدولتان إلى احتمال ظهور تفاعل يبدأ في فرض منطقه عليهما.


وتزداد خطورة ذلك بسبب ما كشفناه في القسم العسكري. فارتفاع كلفة الحرب يعمل عادةً عامل ردع، لكنه قد يشجع في الوقت نفسه على الاقتراب من الحافة إذا اعتقد كل طرف أن الآخر لن يجرؤ على تجاوزها. وقد تصبح أدوات الضغط تحت عتبة الحرب أكثر جاذبية تحديدًا لأن الحرب نفسها أصبحت أقل عقلانية.


لكن الحافة ليست خطًا ثابتًا يمكن قياسه دائمًا بدقة. حادث واحد، أو خطأ في التقدير، أو سقوط عدد كبير من الضحايا، أو اتهام سابق لأوانه، يمكن أن يغير تعريف ما يعتبره كل طرف فعلًا يستوجب الرد.


ولهذا فإن الخطر الحقيقي ليس أن تقرر الرباط أو مدريد الحرب غدًا، وإنما أن تتقلص بالتدريج المسافة المتاحة أمامهما لمنع سلسلة من الأفعال والردود من الوصول إليها.


المسار الرابع: إعادة تدويل النزاع — تغيير شبكة القضية قبل تغيير الأرض


إذا بقي النزاع تحت سقف عدم الصدام، فهناك مسار مختلف تمامًا يمكن أن يظهر في المدى المتوسط أو الطويل: ألا يحاول المغرب تغيير الوضع الميداني أولًا، وإنما تغيير الإطار الذي يُعرَّف النزاع داخله.


وهذا ليس افتراضًا تاريخيًا بلا أصل. ففي يناير 1975 وجه المغرب إلى اللجنة الخاصة المعنية بإنهاء الاستعمار في الأمم المتحدة مذكرة طالب فيها بإدراج سبتة ومليلية وعدد من المواقع الواقعة على الساحل الشمالي ضمن الأقاليم التي ينبغي تصفية الاستعمار منها. وبعد ذلك تبنى مجلس وزراء منظمة الوحدة الإفريقية موقفًا متضامنًا مع المغرب، ودعا إلى إنهاء ما وصفه بالوجود الاستعماري الإسباني وإلى التفاوض بين الطرفين. لكن المحاولة لم تؤد إلى إدراج المدينتين ضمن قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وظلت إسبانيا تعتبرهما جزءًا من وحدتها الترابية.


وهنا تكمن العقبة الأساسية لأي محاولة جديدة. فالنزاع لا يبدأ من سؤال: لمن تعود المدينتان؟ بل من سؤال أسبق: ما طبيعة القضية أصلًا؟


إسبانيا تقدمها بوصفها مسألة وحدة ترابية لدولة ذات سيادة. والمغرب يستطيع، إذا أعاد تنشيط المسار القديم، محاولة تقديمها بوصفها مسألة استكمال لتصفية الاستعمار في إفريقيا. ومن ثم يصبح الصراع على تصنيف القضية سابقًا على الصراع على نتيجتها.


لكن البيئة الإفريقية التي يمكن أن يتحرك فيها المغرب اليوم تختلف عن سنة 1975. فقد عاد المغرب  إلى الاتحاد الإفريقي بأوراق قوة، واتسعت علاقاته الاقتصادية والمالية والدبلوماسية والأمنية والدينية مع عدد كبير من الدول الإفريقية. وهذه الشبكة لا تضمن له التأييد، فالدول الإفريقية لها مصالحها المستقلة، ولإسبانيا والاتحاد الأوروبي علاقاتهما الواسعة بالقارة، كما ستعارض الجزائر على الأرجح أي مسار يعزز الموقع المغربي. لكنها تمنح الرباط قدرة أكبر على محاولة بناء موقف إفريقي مما كانت تملكه عندما كانت خارج المنظمة القارية. وهذه الإمكانية هي التي أبرزها النص الأصلي عند ربط القيمة الاستراتيجية للشبكة المغربية بقدرتها المحتملة على التحول من علاقات قائمة إلى تأييد حول مصلحة محددة.


وإذا اختارت الرباط هذا المسار، فقد لا يبدأ من الأمم المتحدة مباشرة. يمكن أن يبدأ بمحاولة بناء موقف إفريقي داعم لعودة المدينتين إلى جغرافية القارة، ثم نقل الرصيد السياسي إلى المجال الأممي، ثم محاولة إعطاء القضية بعدًا قانونيًا دوليًا، وربما السعي لاحقًا إلى رأي استشاري من محكمة العدل الدولية عبر جهاز أممي يملك صلاحية طلبه.


ولا ينبغي افتراض نتيجة أي من هذه الخطوات مسبقًا. كما أن الرأي الاستشاري، إذا وصل المسار إليه أصلًا، لا يعني نقل السيادة تلقائيًا. لكن التحول الاستراتيجي يمكن أن يقع قبل أي نتيجة قانونية.


فثمة فرق بين أن تواجه إسبانيا مطالبة مغربية ثنائية تستطيع رفض مناقشتها، وبين أن تضطر إلى الدفاع عن الوضع القائم داخل شبكة أوسع من الفاعلين الأفارقة والأمميين والقانونيين  الدوليين.


وهنا تحتفظ الفكرة التي وصل إليها النص السابق بقوتها: قد لا يحتاج المغرب إلى تغيير وضع الأرض أولًا؛ فقد يبدأ بتغيير شبكة الأطراف التي تحدد معناها.


لكن لا توجد في المعطيات الحالية قرائن كافية للقول إن الرباط اتخذت قرارًا بالسير في هذا الاتجاه. ولذلك يجب أن يبقى هذا سيناريوًا تحليليًا، لا سياسة ننسبها إلى المغرب.


المسار الخامس: عندما يصبح غير القابل للتفاوض قابلًا للتفاوض


هذا هو المسار الأبعد والأكثر حساسية، ولذلك ينبغي ألا يُقرأ بوصفه توقعًا سياسيًا، وإنما بوصفه اختبارًا للنتيجة المنطقية التي يمكن أن يبلغها تغير العلاقات في المدى الطويل.


فالخطاب الإسباني الحالي قطعي: السيادة على سبتة ومليلية ليست موضوعًا للتفاوض. وهذه حقيقة سياسية ينبغي أخذها كما هي.


لكن الوثائق التاريخية التي بدأنا بها المقال كشفت أن التفكير الإسباني في مستقبل المدينتين لم يكن دائمًا مغلقًا بالطريقة نفسها. وما تكشفه محادثات خوان كارلوس سنة 1979 ليس أن إسبانيا كانت قد قررت تسليمهما، وإنما أن ترتيبات مختلفة لمستقبلهما استطاعت في مرحلة معينة أن تدخل أصلًا في مجال التفكير السياسي.


وهذا يعيدنا إلى سؤال أعمق: ما الذي يجعل قضية ما غير قابلة للتفاوض؟


ليس القانون وحده، ولا التاريخ وحده، ولا القوة وحدها. فالمواقف السياسية التي تبدو نهائية تعمل داخل شبكة من المصالح والتكاليف والبدائل وموازين القوى فتتغير. وإذا تغيرت هذه الشبكة بدرجة كبيرة، يمكن أن يتغير ما يعتبره الفاعلون قابلًا للنقاش من دون أن يكونوا قد غيروا مبادئهم في البداية.


إسبانيا ليست مضطرة اليوم إلى التفاوض على السيادة، ولذلك تستطيع رفضه. والمغرب لا يملك اليوم وسيلة منخفضة الكلفة لإجبارها على ذلك، ولذلك يستطيع الاحتفاظ بالمطالبة والعمل على تفعيل الاسترداد على المدى الطويل.


لكن إذا تغيرت العلاقة بحيث أصبحت كلفة استمرار الوضع القائم أعلى، أو أصبحت تسوية معينة أكثر منفعة، فقد يظهر سؤال لم يكن مطروحًا من قبل: هل الشكل الحالي للعلاقة بالمدينتين ما يزال الترتيب الأقل كلفة والأكثر منفعة؟


ولا تعني ولادة السؤال أن الإجابة ستكون نقل السيادة. فقد تظهر ترتيبات اقتصادية خاصة، أو إدارة مختلفة لبعض الوظائف الحدودية، أو صيغ تعاون جديدة، أو ترتيبات لم نستطع تصورها بعد. وقد يبقى الوضع الحالي هو الخيار المفضل حتى بعد تغير العلاقة.


ولهذا لا فائدة علمية من اختراع الحل قبل ظهور الشروط التي تجعله ممكنًا. لكن يمكن استخلاص نتيجة أكثر عمومية: التفاوض لا يبدأ دائمًا عندما يغير أحد الطرفين موقفه المعلن؛ قد يبدأ عندما تتغير كلفة عدم تغيير ذلك الموقف.


وهنا تظهر مفارقة ربما تختصر المسار الطويل كله.


فزيادة قوة المغرب قد تجعل تعديل الوضع القائم أكثر قابلية للتفكير، لكنها قد تجعل محاولة تعديله بالقوة أقل عقلانية في الوقت نفسه. فالشبكات الأوروبية والأميركية والإفريقية والخليجية والأسيوية التي تزيد قدرة المغرب تمنحه بدائل ونفوذًا، لكنها تربطه أيضًا بمصالح لا يريد تدميرها. وإسبانيا التي تستفيد من الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو تزيد قدرتها على حماية وضعها، لكنها تعمل هي الأخرى داخل شبكات من المصالح لا تستطيع التعامل معها باعتبارها امتدادًا آليًا لإرادتها الوطنية.


وهكذا يمكن أن تؤدي زيادة القوة المتبادلة إلى نتيجة تبدو متناقضة: ارتفاع القدرة على تعديل العلاقة، بالتوازي مع انخفاض عقلانية تعديلها بالحرب. وهذا هو المجال الذي يمكن أن يصبح فيه التفاوض، في ظروف لم تتشكل بعد، أكثر عقلانية من الإكراه.


فأي المسارات أقرب؟


في المدى المنظور، يبدو الاحتمال الأكثر اتساقًا مع المعطيات الحالية مزيجًا من المسار الأول والثاني: استعادة قدر من التعاون مع استمرار منافسة أشد وضوحًا حول شروط العلاقة. فالمصالح المتبادلة تدفع إلى الاحتواء، بينما التحولات التي كشفتها الأزمة تجعل العودة الكاملة إلى الصيغة القديمة أصعب.


أما الانفلات غير المقصود فليس بالضرورة المسار الأكثر احتمالًا، لكنه ربما يكون الخطر الأكثر إلحاحًا؛ لأنه، بخلاف التدويل أو التفاوض أو الحرب المتعمدة، لا يحتاج إلى قرار استراتيجي كبير كي يبدأ.


والمسار الرابع يحتاج إلى قرار مغربي بإعادة بناء الملف إفريقيًا وأمميًا لا نملك اليوم دليلًا على اتخاذه. أما الخامس فهو الأبعد، لأنه يفترض تحولًا أعمق في المصالح والكلفة وشبكات العلاقات حتى يصبح فتح التفاوض أكثر عقلانية من إبقاء الملف مغلقًا.


لكن هذه المسارات لا توجد في عوالم منفصلة.


الاحتواء يحافظ على العلاقة.

والتنافس يعيد تشكيل ميزانها.

والانفلات قد يكسر قواعد إدارتها.

والتدويل يوسع شبكة الفاعلين فيها.

والتفاوض، إن أصبح ممكنًا يومًا، يغير قواعدها.


ولا يعني ذلك أن التاريخ سيتحرك عبر هذه المراحل بالترتيب. فقد يبقى النزاع عقودًا داخل الاحتواء والتنافس، وقد لا يحدث التدويل، وقد لا يفتح التفاوض أصلًا. كما يمكن لتحولات داخل المغرب أو إسبانيا أو أوروبا أو النظام الدولي أن تنتج مسارات أخرى لم تدخل في هذا التحليل، كأن يتغير النظام في الجزائر.


لكن السيناريوهات الخمسة تكشف المتغير الذي ينبغي مراقبته.


فسبتة ومليلية لم تتغيرا.

والمطالبة المغربية ليست جديدة.

والرفض الإسباني ليس جديدًا.

الذي تغير هو النسق الذي يحمل العناصر الثلاثة.



خاتمة: الأرض ثابتة... لكن العلاقة تغيرت


بدأ هذا البحث من مفارقة بسيطة: المطالبة المغربية بسبتة ومليلية ليست جديدة، والرفض الإسباني ليس جديدًا، والجغرافيا التي تضع المدينتين على الساحل الإفريقي قبالة شبه الجزيرة الإيبيرية لم تتغير. ومع ذلك، كشفت أزمة 2026 مستوى من القلق والتعبئة والتصعيد لم يكن يمكن تفسيره بمجرد استمرار نزاع سيادي قديم.


ولهذا لم يكن السؤال الحقيقي: لماذا يطالب المغرب بسبتة ومليلية؟ ولا: لماذا ترفض إسبانيا التفاوض بشأنهما؟ فكلا الموقفين معروف منذ عقود. كان السؤال الأهم: ما الذي تغير حتى أصبحت المطالبة القديمة تُقرأ اليوم داخل إسبانيا بطريقة مختلفة؟


قادنا البحث عن الجواب بعيدًا عن المدينتين نفسيهما.


فالذي تغير هو المغرب الذي يحمل المطالبة، وإسبانيا التي تواجهها، والشبكات التي يتحرك داخلها الطرفان، والمجتمعان اللذان أصبحا أكثر حضورًا في إنتاج الأزمة، والقدرات العسكرية التي تدخل في حساب الردع، والوظائف الاقتصادية والأمنية واللوجستية التي تمنح كل طرف قيمته بالنسبة إلى الآخر.


وهنا ظهرت النتيجة المركزية لهذا التحليل.


لم يصبح المغرب أقوى من إسبانيا في المطلق، ولم تفقد إسبانيا قدرتها على الدفاع عن سبتة ومليلية، ولم تتحول المطالبة المغربية إلى قدرة على فرض تغيير سيادي. الذي تغير هو العلاقة بين القوة والقدرة على إنتاج الأثر.


فإسبانيا ما تزال أقوى في مؤشرات عديدة، لكن بعض الوظائف التي منحتها تاريخيًا قدرة أكبر على التأثير في المغرب أصبحت أقل حصرية. والمغرب لم يستغن عن إسبانيا، لكنه وسع بدائله وشبكاته وقدراته، فأصبح تعطيل علاقة واحدة أقل قدرة على شل حركته. وفي المقابل، لم تقف مدريد أمام هذا التحول ساكنة، بل راحت هي الأخرى توسع شبكاتها، وتعزز البعد الأوروبي للمدينتين، وتعيد بناء علاقاتها في جنوب المتوسط، وتحافظ على تفوقها العسكري.


ومن ثم لا تجري المنافسة بين قوتين ثابتتين، وإنما بين شبكتين تتحركان باستمرار لإعادة إنتاج القيمة وتقليل الاعتماد وزيادة البدائل.


وهذا يفسر لماذا كان السؤال عن «الخوف الإسباني» يحتاج إلى ضبط. فالمقصود ليس خوفًا نفسيًا، ولا توقعًا لغزو مغربي وشيك، وإنما قلق استراتيجي من احتمال أن تصبح الأدوات التي كانت تكفي لإدارة العلاقة في الماضي أقل قدرة على إنتاج النتائج نفسها.


وبهذا المعنى، فإن «المغرب الجديد» ليس المغرب الذي تجاوز إسبانيا، بل المغرب الذي أصبح أصعب إكراهًا بالشروط القديمة.


لكن أزمة سبتة كشفت تحولًا آخر قد يكون أكثر خطورة من تغير ميزان القوة نفسه.


فالنزاع لم يعد محصورًا بالكامل بين حكومتين تستطيعان رفع مستوى التوتر ثم خفضه بالتفاوض. لقد دخلت إليه الأحزاب والرأي العام والإعلام والقضاء والنقابات الأمنية والمتظاهرون والمهاجرون والشبكات الرقمية وفاعلون يصعب أحيانًا تحديد مصادرهم. وكلما ازداد عدد العناصر القادرة على إنتاج حدث، ازدادت العلاقات الممكنة بينها، وأصبح التحكم في النتيجة أكثر صعوبة.


وهنا قد تكون أهم نقلة كشفتها الأزمة هي الانتقال من سؤال: ماذا يريد المغرب؟ وماذا تريد إسبانيا؟


إلى سؤال مختلف: إلى أي مدى ما تزال الرباط ومدريد قادرتين على تحديد ما ستنتجه العلاقة بينهما؟


فالخطر الأكبر ليس بالضرورة أن تقرر إحدى الدولتين الحرب. قد يكون أن ينتج حدث محدود تفسيرًا، وينتج التفسير تعبئة، وتولد التعبئة ضغطًا، ويستدعي الضغط ردًا، فينتج الرد تعبئة مقابلة، حتى تجد الدولتان نفسيهما أمام واقع لم تخطط له أي منهما.


ولهذا تبدو المفارقة النهائية أكثر تعقيدًا مما توحي به لغة القوة المتصاعدة على الضفتين.


فكلما ارتفعت قدرات المغرب، أصبحت محاولة إخضاعه بالقوة أكثر كلفة. وكلما عززت إسبانيا دفاعها وشبكاتها الأوروبية، أصبحت محاولة تغيير الوضع القائم بالقوة أقل عقلانية. أي أن زيادة القدرة المتبادلة يمكن أن ترفع قابلية الضغط، بينما تخفض عقلانية الحرب.


وهذا قد يدفع الطرفين، في الظروف الطبيعية، إلى مزيد من الردع والتفاوض وإدارة الخلاف. لكنه قد يدفعهما أيضًا إلى الاقتراب أكثر من المنطقة الرمادية، حيث يعتقد كل طرف أنه يستطيع ممارسة الضغط لأن الآخر لن يخاطر بتجاوز عتبة المواجهة.


ومن هنا لا يمكن اختزال مستقبل سبتة ومليلية في سؤال السيادة وحده.


قد يستمر الوضع القائم عقودًا. وقد يعود التعاون المغربي الإسباني بقوة. وقد يتحول النزاع إلى منافسة طويلة على البيئة المحيطة بالمدينتين. وقد يحاول المغرب يومًا إعادة تدويل القضية. وقد تتغير العلاقات في مدى أبعد بحيث يصبح ما يبدو اليوم غير قابل للتفاوض قابلًا للنقاش. كما يبقى احتمال الانفلات غير المقصود حاضرًا ما دامت الأزمة تنتج فاعلين وتفاعلات لا تتحكم فيهما الحكومتان بالكامل.


ولا يستطيع هذا البحث أن يقرر أي هذه المسارات سيتحقق.


لكن يمكنه أن يحدد ما ينبغي مراقبته لفهم الاتجاه الذي ستسلكه القضية: ليس الأرض وحدها، وإنما العلاقات التي تتشكل حول الأرض.


وهنا نعود إلى نقطة البداية:


سبتة ومليلية في المكان نفسه.

والمطالبة المغربية قديمة.

والرفض الإسباني قديم.

لكن المغرب تغير، وإسبانيا تغيرت، وأوروبا تغيرت، وإفريقيا تغيرت، وميزان القدرات والبدائل والاعتماد المتبادل تغير، كما تغير عدد الفاعلين الذين أصبحوا قادرين على التأثير في الأزمة.


ولذلك فإن صدمة سبتة لا تكمن في أن إسبانيا اكتشفت مطالبة مغربية لم تكن تعرفها، وإنما في أنها بدأت تواجه احتمالًا مختلفًا: أن تستمر في امتلاك التفوق، بينما تصبح قدرتها على تحويل هذا التفوق إلى العلاقة التي اعتادت إدارتها أقل يقينًا.


وعندئذ يصبح السؤال الذي سيحدد مستقبل القضية أوسع من سؤال: من يملك سبتة ومليلية اليوم؟


إنه: كيف ستتغير قيمة الوضع القائم إذا استمرت العلاقات التي تحيط به في التغير؟


لأن الجغرافيا قد تبقى ثابتة زمنًا طويلًا، والسيادة قد تبدو مستقرة، والمواقف الرسمية قد تظل قطعية؛ لكن العلاقات التي تمنح كل ذلك قيمته ليست ثابتة.


وربما كانت هذه هي الرسالة الأعمق لصدمة سبتة: الأرض لم تتغير. الذي تغير هو العالم العلائقي من حولها.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق