هل يستعيد المغرب جناحه الاجتماعي، أم يكتفي بتحديث صورته المادية؟
تمهيد: دلالة التعيين بين الشخص والمرحلة
لم يكن تعيين الملك محمد السادس لفاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة، وتكليفها بتشكيلها بالتشاور مع الأحزاب السياسية، مجرد تطبيق عادي للفصل السابع والأربعين من الدستور بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة انتخابات مجلس النواب. فالتعيين يحمل دلالة تتجاوز انتقال رئاسة الحكومة من حزب إلى آخر، بل تتجاوز أيضًا وصول امرأة، للمرة الأولى منذ الاستقلال، إلى قمة الجهاز التنفيذي المغربي. إنه يفتح سؤالًا أوسع حول المرحلة التي يريد المغرب دخولها بعد أكثر من ربع قرن انصب خلاله الجهد الأكبر على تحديث الدولة وبنياتها المادية: فهل حان الوقت للانتقال من الانتقال من تحديث الدولة إلى تحديث المجتمع؟.../...
لقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة انتخابات الثالث والعشرين من شتنبر 2026 بحصوله على سبعة وتسعين مقعدًا من أصل ثلاثمائة وخمسة وتسعين، متقدمًا على التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال، من غير أن يحصل على أغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة منفردًا. وجاء هذا الفوز بعد دخول فوزي لقجع الحملة الانتخابية في أسابيعها الأخيرة، محمولًا على رصيد صنعه في تدبير الميزانية وكرة القدم والمشاريع المرتبطة بكأس العالم 2030، حتى بدا في نظر كثيرين بمثابة «أرنب السباق» الذي مكّن الحزب من الانتقال من موقع الشريك الحكومي إلى موقع الحزب المتصدر. apnews.com
ومع ذلك لم يقع اختيار الملك على الرجل الذي أصبح الوجه الأبرز للحملة وصاحب الوعود الاقتصادية الأكبر، بل حافظ على تعين رؤيس الحكومة من قمة هرم الحزب المتصدر، وإن كانت فاطمة الزهراء المنصوري هي منسقة الجماعية للحزب ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في الحكومة السابقة. وبذلك فصل التعيين بين من ساهم بقوة في صناعة الانتصار الانتخابي ومن كُلّف بتحويله إلى أغلبية وبرنامج وحكومة.
ويمكن تفسير هذا الاختيار من داخل الاعتبارات الحزبية والدستورية المباشرة. فالمنصوري هي الوجه التنظيمي الأول لحزب الأصالة والمعاصرة، بينما لم يلتحق لقجع بالحزب إلا قبل الانتخابات بمدة قصيرة، ولم يتكون داخل هياكله ولم يخض مساره التنظيمي. كما أن الفصل السابع والأربعين لا يلزم الملك بتعيين الشخصية الأكثر شعبية في الحزب أو التي قادت حملته، وإنما يلزمه باختيار رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب وعلى أساس نتائجها. ومن ثم كان تعيين المنصوري مطابقًا للنص، كما كان تعيين لقجع سيظل ممكنًا لو وقع عليه الاختيار. www.parlement.ma
لكن القراءة الدستورية وحدها لا تكفي لفهم الدلالة السياسية للتعيين. فالسؤال ليس فقط: لماذا اختار الملك المنصوري بدل لقجع؟ بل أيضًا: ما الوظيفة التي أصبح مطلوبًا من كل واحد منهما أن يؤديها في المرحلة الجديدة؟
قد يكون لقجع أكثر فائدة للمشروع العام إذا بقي قريبًا من ملفات الميزانية والاستثمار والبنيات التحتية وتنظيم كأس العالم، بدل أن يُستنزف يوميًا في مفاوضات الأحزاب وأسئلة البرلمان والصراعات المرتبطة بتوزيع الحقائب وتدبير الأغلبية. فهو يرأس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ويحظى بحضور داخل المؤسسات الدولية للعبة، ويقود اللجنة المكلفة بالإعداد لمونديال 2030، فضلًا عن خبرته الطويلة في تدبير مالية الدولة. وهذه وظائف لا تمثل مجرد ملف رياضي، بل تقع في قلب مشروع اقتصادي واستثماري ودبلوماسي يريد المغرب أن يبلغ ذروته مع كأس العالم. www.ft.com
أما المنصوري فتملك خصائص من نوع آخر. فهي ابنة الحزب قبل أن تكون ابنة اللحظة الانتخابية، ولها تكوين معمق في قانون والأعمال في كل من المغرب وفرنسا والولايات المتحدة، بالإضافة إلى تجربة في تدبير مدينة مراكش وفي العمل الوزاري، كما تستطيع أن تمنح الحكومة وجهًا سياسيًا واجتماعيًا مختلفًا. وإذا كان لقجع يمثل المغرب الذي ينجز ويستثمر ويبني المنشآت، فإن المنصوري تستطيع أن تمثل المغرب الذي يريد تغيير صورته عن القيادة والمرأة والمجتمع.
ومن هنا تظهر فرضية أولى: لم يختر الملك بين شخصين يؤديان الوظيفة نفسها، بل وزع وظيفتين مختلفتين. تتولى المنصوري القيادة السياسية للحكومة والتفاوض مع الأحزاب وتمثيل التحول الاجتماعي، بينما يحتفظ لقجع بدور مركزي في قيادة البرنامج المالي والاستثماري والمونديالي. وبذلك قد تتشكل الحكومة الجديدة برأس سياسي تمثله المنصوري ومحرك تنفيذي يمثله لقجع، داخل قيادة استراتيجية تحتفظ بها المؤسسة الملكية.
غير أن هذا التوزيع لا يخلو من المخاطر. فإذا امتلك لقجع أدوات الإنجاز والميزانية والشبكات الدولية، بينما تحمّلت المنصوري وحدها المسؤولية أمام البرلمان والرأي العام، فقد يظهر اختلال بين من يملك القوة ومن يتحمل المحاسبة. وعندئذ لن يعود السؤال هل المنصوري رئيسة للحكومة من الناحية الدستورية، بل هل تستطيع أن تكون رئيسة فعلية لوزراء أقوياء يستمد بعضهم وزنه من الثقة الملكية أو من مواقع تتجاوز الحزب والحكومة؟
أولًا: تعيين امرأة أم إعلان عن مرحلة؟
يمثل وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة حدثًا غير مسبوق في التاريخ السياسي المغربي، لكنه لا ينبغي أن يُختزل في جنسه الرمزي. فالمرأة هنا ليست مجرد شخص شغل منصبًا كان يحتكره الرجال، بل يمكن أن تكون عنوانًا لانتقال أوسع في مشروع التحديث المغربي.
منذ اعتلاء محمد السادس العرش، ركزت الدولة جانبًا كبيرًا من مواردها وقدراتها على تحديث المجال المادي: الطرق السيارة، والموانئ، والقطارات، والمطارات، والصناعة، والطاقات المتجددة، والمشاريع الحضرية الكبرى، والتحول الرقمي، والانفتاح الاقتصادي على أفريقيا والعالم. وقد بنت هذه المرحلة صورة المغرب بوصفه دولة قائدة للاستثمار، قادرة على التخطيط طويل المدى وإنجاز أوراش تتجاوز عمر الحكومات المتعاقبة.
لكن سرعة تحديث الدولة لم تقابلها سرعة مماثلة في تحديث المجتمع. بقيت المدرسة أبطأ من المصنع، والمستشفى أضعف من الطريق، والحزب أقل تنظيمًا من الإدارة، والمجتمع السياسي أقل قدرة على إنتاج القيادات من قدرة الدولة على إنتاج كبار الموظفين والتكنوقراط. ونتج عن ذلك مغرب يسير بسرعتين: دولة تندفع نحو المستقبل ببنياتها ومشاريعها، ومجتمع لا تتوزع داخله ثمار التحديث وفرصه بالوتيرة نفسها.
وقد عبر الملك نفسه عن اختلال قريب من هذه الصورة حين تحدث عن مغرب يسير بسرعتين، وعن تنمية لا تؤدي وظيفتها إذا تركت فئات ومجالات خارج حركتها. والمشكلة لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت سياسية واجتماعية وثقافية. فالدولة تستطيع بقرار مركزي أن تنشئ ميناءً أو قطارًا أو ملعبًا، لكنها لا تستطيع بالطريقة نفسها بناء الثقة أو تغيير موقع المرأة أو إصلاح الأسرة أو إنتاج مواطن مسؤول يشارك في القرار.
من هذه الزاوية، يمكن أن يمثل تعيين المنصوري انتقالًا رمزيًا من تحديث المكان إلى تحديث المكانة: من بناء الطريق التي يتحرك عليها المجتمع إلى مراجعة العلاقات التي تتحكم في حركته؛ ومن تحديث صورة الدولة في الخارج إلى تحديث تصور المجتمع للسلطة والقيادة وتقسيم الأدوار بين الرجال والنساء.
غير أن الرمز لا يكفي وحده. فقد تكون المرأة في رئاسة الحكومة دليلًا على تحديث اجتماعي حقيقي إذا مُنحت سلطة اختيار فريقها وضبط وزرائها وصياغة برنامجها، وإذا تحول حضورها إلى سياسات تمس حياة النساء والشباب والأسر. وقد تكون، في المقابل، تحديثًا لصورة المجتمع فقط إذا بقيت مراكز القرار والتنفيذ الفعلي في أيدي رجال أقوياء، بينما أُسند إليها التمثيل السياسي وتحمل كلفة القرارات أمام البرلمان والرأي العام.
ولهذا لا ينبغي الاحتفاء بالتعيين بوصفه نتيجة مكتملة، ولا رفضه باعتباره واجهة قبل اختباره. الأصح أن نتعامل معه باعتباره إعلانًا محتملًا لمرحلة لم تبدأ بعد في الواقع: مرحلة يريد فيها المغرب أن ينتقل من الدولة التي نجحت في بتحديث بنياتها إلى الدولة التي تحاول تحديث المجتمع الذي يسكن تلك البنيات.
ثانيًا: استئناف المشروع المؤجل للأصالة والمعاصرة
يصعب فهم الدلالة الكاملة لتعيين المنصوري من دون العودة إلى الوظيفة التي أُنشئ من أجلها حزب الأصالة والمعاصرة. فقد ظهر الحزب سنة 2008 في سياق صعود العدالة والتنمية، وحمل منذ بدايته وظيفتين متداخلتين: بناء قوة حزبية تستطيع وقف تمدد الحزب الإسلامي، وصياغة مشروع تحديثي يجمع بين المعاصرة والمرجعية التاريخية والثقافية للمجتمع المغربي.
لم يكن اسم الحزب، من هذه الزاوية، اختيارًا لغويًا محايدًا. فقد حاول نظريًا تجاوز ثنائية حكمت جانبًا من النقاش المغربي: إما أصالة تنغلق على الماضي وتقاوم التحديث، وإما معاصرة تقدم نفسها قطيعة مع الهوية الدينية والثقافية للمجتمع. وكان المطلوب بناء حداثة لا تلغي الأصالة، وأصالة لا تتحول إلى سلطة لرفض التغيير.
لكن الوظيفة الانتخابية العاجلة غلبت على المشروع الفكري والاجتماعي. عُرف الحزب بكونه القوة التي أُنشئت لمواجهة العدالة والتنمية أكثر مما عُرف بالرؤية التي يريد تقديمها للمغرب. وقبل أن يستطيع تحويل اسمه إلى مشروع اجتماعي، جاءت احتجاجات سنة 2011، فأصبح قربه من السلطة عبئًا، ودخل المغرب مرحلة دستورية وسياسية جديدة قاد خلالها الحزب الإسلامي الحكومة عشر سنوات.
لم يختف مشروع التحديث خلال هذه المرحلة، لكنه عاد إلى الدولة أكثر مما انتقل إلى المجتمع. تقدمت المشاريع المادية والاستثمارية، بينما تأجل بناء الدولة الاجتماعية، وضعفت الوساطة الحزبية، واتسعت الفوارق، وظل إصلاح التعليم والصحة والأسرة أبطأ من إيقاع تحديث البنيات الأساسية.
واليوم يعود حزب الأصالة والمعاصرة إلى واجهة الحكم، لا لمواجهة العدالة والتنمية انتخابيًا فحسب، بل في لحظة أصبح فيها السؤال الاجتماعي نفسه أكثر إلحاحًا. فالبطالة، وضعف الخدمات، وعزوف الشباب، والهجرة، والامتناع الواسع عن التصويت، كلها تكشف أن الدولة التي نجحت في بناء أدواتها لم تنجح بالدرجة نفسها في إدماج المجتمع في مشروعها.
وبذلك قد يكون تعيين المنصوري محاولة متأخرة لإحياء الوظيفة الثانية للحزب: قيادة تحديث اجتماعي يجمع بين الأصالة والمعاصرة بدل الاكتفاء باستعماله قوةً انتخابية في مواجهة حزب "المصباح".
لكن نجاح هذه العودة سيتوقف على قدرة الحزب على تجاوز طبيعته الحالية. فلا يكفي أن يحمل اسمًا تحديثيًا بينما يظل تجمعًا للأعيان والمنتخبين الباحثين عن المقاعد والمصالح الظرفية. فالأحزاب المغربية، في معظمها، لا تحمل رؤية سياسية متكاملة للدولة والمجتمع، بل تتحرك وفق حسابات الانتخابات والتحالفات والحقائب. تتغير مواقفها بتغير موقعها من الحكومة، وتدخل في تحالفات لا تجمع أطرافها رؤية مشتركة، ثم تقدم التوازن العددي بوصفه برنامجًا سياسيًا.
والفرق كبير بين حزب يريد الوصول إلى الحكومة وحزب يعرف ماذا سيفعل بالدولة والمجتمع بعد وصوله. الأول يجمع المقاعد؛ والثاني يجمع المجتمع حول رؤية. وقد نجح الأصالة والمعاصرة في المهمة الأولى، لكنه لم يثبت بعد قدرته على الثانية.
ولهذا ستكون المنصوري أمام امتحان مزدوج: تشكيل أغلبية برلمانية، ثم تحويل حزب تشكل تاريخيًا من تيارات وأعيان وشبكات متباينة إلى حامل لرؤية اجتماعية. وقد يكون تشكيل الحكومة هو الجزء الأسهل؛ أما إنتاج معنى سياسي لفوز الحزب فسيكون الامتحان الحقيقي.
ثالثًا: الملكية التنفيذية تقود قاطرة التحديث الثانية
يوحي اختيار المنصوري بأن الملكية لا تريد الانتقال من ممارسة السلطة التنفيذية إلى موقع رمزي على النموذج البريطاني أو الإسباني. بل يبدو أنها تريد المحافظة على موقعها بوصفها منتجة للرؤية السياسية والاستراتيجية، والمخططة للأوراش الكبرى، والمشرفة مباشرة على تنفيذها، مع تجديد الواجهة الحكومية والأدوات الاجتماعية التي تتحرك بها.
لقد قاد الملك خلال ربع قرن قاطرة التحديث المادي. أما المرحلة المقبلة فتبدو أقرب إلى محاولة قيادة قاطرة التحديث الاجتماعي: الدولة الاجتماعية، وإصلاح التعليم والصحة، وإصلاح مدونة الأسرة، وتمكين المرأة، وإعادة إدماج الشباب، وتقليص الفوارق المجالية، وإعادة بناء الثقة في المؤسسات.
ولا يعني ذلك أن رئاسة الحكومة منصب بروتوكولي؛ فالدستور يمنحها صلاحيات اقتراح الوزراء، وقيادة العمل الحكومي، وممارسة السلطة التنظيمية، والإشراف على تنفيذ البرنامج. لكن هذه الصلاحيات تعمل داخل نموذج تحتفظ فيه الملكية بتحديد الاتجاهات الكبرى، ولا سيما في الملفات السيادية والاستراتيجية والمشاريع الممتدة عبر الحكومات: كالجيش، والداخلية، والخارجية، والأوقاف والشؤون الإسلامية.
ومن هذه الزاوية، قد يكون اختيار المنصوري بدل لقجع وسيلة لتفادي جمع الشرعية السياسية والقوة التنفيذية في يد واحدة. فالمنصوري تحمل شرعية الحزب المتصدر والرمزية الاجتماعية، بينما يحتفظ لقجع بأدوات الإنجاز المالي والاستثماري. وتبقى الملكية هي المركز الذي يجمع المسارين ويحدد اتجاههما العام.
إنها صيغة تحديث ومحافظة في الوقت نفسه: تحديث اجتماعي محتمل من خلال امرأة تقود الحكومة بمعية وزراء أقوياء كـ لقجع وعبد اللطيف على سبيل المثال لا الحصر، ومحافظة مؤسساتية من خلال استمرار الملكية التنفيذية في إنتاج الرؤية والإشراف على المشاريع.
لكن السؤال الذي سيلازم هذه الصيغة هو: هل ستستطيع المنصوري استخدام الوزراء الأقوياء داخل برنامج حكومتها، أم سيستخدم هؤلاء قوتهم لتنفيذ برامجهم تحت غطائها السياسي؟
ومن هنا تبدأ المسألة الأعمق: لماذا تبدو الملكية، مرة أخرى، المؤسسة الوحيدة القادرة على إطلاق مشروع التحديث الاجتماعي؟ ولماذا لا تستطيع الأحزاب والمجتمع إنتاج هذا التحول من داخلهما؟
والجواب يقود إلى إمارة المؤمنين، وإلى ضعف الأحزاب، ثم إلى معضلة غياب رجال الدولة والمثقفين القادرين على التأثير لتغيير المسار.
رابعًا: إمارة المؤمنين — حين يحتاج التحديث الاجتماعي إلى شرعية دينية
إذا كان تحديث الدولة ومجالها المادي يحتاج إلى القرار والتخطيط والتمويل والكفاءة التنفيذية، فإن تحديث المجتمع يدخل مجالًا أكثر تعقيدًا؛ لأنه يمس منظومة القيم والعلاقات التي تكونت تاريخيًا حول الأسرة والدين وموقع المرأة والسلطة الأبوية والمغرب الذي يريده المغاربة. وهنا لا تعود مقاومة الإصلاح من قبل العقليات المحافظة اقتصادية أو إدارية فقط، بل تكتسب طابعًا ثقافيا ودينيًا يجعل كل تعديل قابلًا لأن يُقدَّم بوصفه تهديدًا للإسلام أو استجابة لضغوط خارجية.
ولا تستطيع حكومة حزبية، مهما كانت أغلبيتها، أن تتحرك بحرية كاملة داخل هذا المجال. فالأحزاب المحافظة والإسلاموية تستطيع تعبئة جزء من المجتمع ضدها، والأحزاب الحداثية لا تملك في الغالب الشرعية الدينية ولا الامتداد الاجتماعي اللذين يسمحان لها بحسم الخلاف. وقد تتحول مراجعة قانونية لمدونة الأسرة إلى مواجهة مصطنعة بين الإسلام والحداثة، بدل أن تبقى نقاشًا حول العدل والمصلحة وتحولات المجتمع.
أما الملك فيدخل هذا المجال بصفتين متكاملتين: رئيسًا للدولة وأميرًا للمؤمنين. وبذلك يستطيع أن يقدم الإصلاح الاجتماعي لا باعتباره انتصارًا للحداثة على الإسلام، بل اجتهادًا داخل المرجعية الإسلامية نفسها.
تمنح إمارة المؤمنين الملك القدرة على إحالة القضايا الدينية على المجلس العلمي الأعلى، وعلى ضبط حدود الاجتهاد المؤسسي، وعلى نزع احتكار الحديث باسم الإسلام من الأحزاب والجماعات. فلا يستطيع حزب سياسي أن يقدم نفسه ممثلًا حصريًا للدين، أو أن يحول معارضته لخيار حكومي إلى حكم على إيمان المجتمع والدولة.
وهذا ما يجعل الملكية قادرة على فتح ملفات تتردد الحكومات في الاقتراب منها. فالملك يستطيع أن يواجه المحافظين من داخل المرجعية التي يستندون إليها، وأن يقول إن الإصلاح لا يقع خارج الإسلام، بل داخل اجتهاد يستحضر مقاصده وتحولات الواقع. ويستطيع، في الوقت نفسه، أن يمنع الحداثيين من تحويل الإصلاح إلى قطيعة رمزية مع هوية المجتمع قد تجعل التغيير القانوني سببًا في مقاومة اجتماعية أوسع.
ومن ثم تؤدي إمارة المؤمنين وظيفة قريبة من المعنى النظري الذي يحمله اسم «الأصالة والمعاصرة»: حماية الأصالة من الانغلاق، وحماية المعاصرة من التحول إلى اقتلاع وتغريب.
الدولة لا تؤمن ولا تكفر
تنبع صعوبة النقاش في جزء منها من الخلط بين إسلام المجتمع وعقيدة الدولة. فالإيمان صفة للإنسان الذي يملك قلبًا وإرادة ومسؤولية أخلاقية عن الأمانة التي حمّل بها، وليس صفة لشخصية قانونية مجردة. الدولة لا تصلي ولا تصوم ولا تتوب، ولن تُبعث يوم القيامة لتدخل جنة أو نارًا؛ إنما يحاسب الأشخاص الذين أداروها على ما فعلوا بالسلطة التي كانت في أيديهم.
ويمكن للمغرب أن يكون مجتمعًا مدنيا مسلمًا، وأن ينص دستوره على أن الإسلام دين الغالبية من مواطنيه، وأن تحمي مؤسساته المجال الديني، من غير أن تتحول السياسة إلى امتحان للعقيدة أو أن يُمنح حزب حق التحدث باسم الإسلام فيخير المغاربة بين العقيدة والدجاج.
فالقول إن للدولة مرجعية إسلامية لا يعني أن كل قانون تاريخي اكتسب حصانة أبدية، ولا أن الاجتهادات التي صاغها بشر في ظروف ماضية أصبحت هي الإسلام نفسه. كما لا يعني أن من يقترح تعديلها يخرج من الدين أو يهدد هوية المجتمع.
وإذا تحولت «إسلامية الدولة» إلى سلاح حزبي، أصبحت معارضة الإسلاميين معارضة للإسلام، وصار الاختلاف في قانون الأسرة نزاعًا بين الإيمان والكفر، وفقدت السياسة طبيعتها البشرية القائمة على الاجتهاد والخطأ والمصلحة المتغيرة.
وتمنع إمارة المؤمنين، من الناحية المؤسسية، هذا الاحتكار. فهي تجعل المرجعية الدينية فوق التنافس الحزبي، وتسمح للإسلاميين بالمشاركة في السياسة بوصفهم حزبًا له برنامج قابل للنقد، لا بوصفهم أوصياء على إيمان المغاربة.
المنصوري والغطاء الديني للإصلاح
إذا ارتبطت المرحلة المقبلة بمراجعة مدونة الأسرة وتوسيع حضور النساء وإعادة تنظيم بعض العلاقات الاجتماعية، فإن المنصوري ستمنح الإصلاح وجهه السياسي والاجتماعي، لكن الغطاء القادر على حمايته أمام الاعتراض المحافظ سيأتي من إمارة المؤمنين.
يمكن أن تتوزع الوظائف على النحو الآتي: يحدد الملك الاتجاه العام ويمنح الإصلاح شرعيته الدينية والدستورية، ويقدم المجلس العلمي الأعلى اجتهاده في المسائل ذات الطبيعة الشرعية، وتحول الحكومة التوجيهات إلى مشروع قانون وسياسات عمومية، ويناقش البرلمان النص ويقره، ثم يتولى القضاء والإدارة تطبيقه.
وبذلك تصبح أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة الأداة السياسية لتنزيل تحديث اجتماعي تقوده الملكية وتحميه دينيًا.
لكن قوة هذا النموذج هي أيضًا موضع محدوديته. فإذا كانت المؤسسة الملكية وحدها قادرة على فتح باب الاجتهاد، فإن الأحزاب والجامعات والمجتمع لا تتعلم إدارة الخلاف الديني والاجتماعي من داخلها. وينجح الإصلاح بفضل قوة التحكيم الملكي، لكنه لا ينتج بالضرورة مجتمعًا قادرًا على مواصلة الإصلاح إذا غاب ذلك التحكيم.
وهنا يعود السؤال نفسه: هل ستقود الملكية تحديث المجتمع، أم ستفتح المجال أمام المجتمع كي يشارك في تحديث نفسه؟
خامسًا: ملكية تنفيذية لأن الأحزاب بلا رؤية
لا تحتفظ الملكية بدورها التنفيذي بسبب رغبتها في إدارة التفاصيل وحدها، بل كذلك لأن المجال الحزبي لا يقدم بديلًا قادرًا على حمل الدولة. فالأحزاب المغربية لا تفتقر فقط إلى الشعبية أو الانضباط أو الديموقراطية الداخلية، بل تفتقر، في معظمها، إلى رؤية سياسية متكاملة تجيب عن سؤالين متلازمين: أي دولة نريد؟ وأي مجتمع ينبغي أن تنتجه سياساتها؟
تقدم الأحزاب برامج انتخابية مليئة بالأرقام والوعود: مناصب شغل، وزيادات في الأجور، وتحسينات في الصحة والتعليم، ودعم للفئات الهشة. لكنها نادرًا ما تضع هذه الالتزامات داخل تصور متماسك للعلاقة بين الدولة والسوق، وبين المركز والجهات، وبين النمو والتوزيع، وبين المرجعية الدينية وحقوق الأفراد، وبين تحديث الاقتصاد وتحديث المجتمع.
ولذلك تتشابه برامجها حتى حين تختلف خطاباتها. فجميعها تعد بالتشغيل والاستثمار وتحسين الخدمات، لكن القليل منها يوضح من أين ستأتي الموارد، وأي مصالح ستتضرر، وما الإصلاحات التي ستتحمل كلفتها، وكيف ستوازن بين الإنفاق الاجتماعي والاستدامة المالية.
تتحول الانتخابات، في هذه الظروف، إلى تنافس على عدد المقاعد أكثر مما هي منافسة بين اتجاهات سياسية. ويصبح النجاح هو الوصول إلى الحكومة، لا تنفيذ تصور مختلف للحكم.
الحزب الذي يريد المقاعد لا الدولة
الحزب صاحب الرؤية ينظر إلى المقعد بوصفه أداة لتنفيذ مشروع. أما الحزب الانتخابي فينظر إلى البرنامج بوصفه أداة للحصول على المقعد. وبعد ظهور النتائج يصبح همه المشاركة في الحكومة وتحصيل الحقائب والمحافظة على مواقع ومصالح أعيانه.
ولهذا تستطيع أحزاب تبادلت الاتهامات القاسية أثناء الحملة أن تتحالف بعد أيام من إعلان النتائج، من غير أن تقدم تفسيرًا سياسيًا عميقًا لما تغير. فالخلاف لم يكن دائمًا خلافًا بين رؤيتين، بل منافسة على من يقود الائتلاف ومن يحصل على الحصة الأكبر منه.
وقد أعلن حزب الأصالة والمعاصرة أثناء الحملة رفضه استمرار الائتلاف السابق، وحمّل التجمع الوطني للأحرار مسؤولية عدد من إخفاقاته. لكن الحساب البرلماني بعد الانتخابات يجعل التحالف مع التجمع الوطني للأحرار والاستقلال الطريق الأقصر إلى أغلبية مستقرة تبلغ 228 مقعدًا. وهكذا يعود المنطق العددي ليضغط على الخطاب السياسي وفي حال حصل هذا التحالف فيكون كارثة بكل المقاييس.
ولا يعني ذلك أن التحالف ممنوع أو غير مشروع؛ فالحكومات الائتلافية بطبيعتها تحتاج إلى تنازلات. لكن التنازل الديمقراطي يكون بين برامج واضحة تبحث عن أرضية مشتركة، لا بين شبكات انتخابية تطوي تصريحات الأمس لأنها تحتاج اليوم إلى الحقائب.
الحزب لا ينتج قياداته
تكشف حالة الأصالة والمعاصرة مفارقة إضافية. فالحزب الذي تصدر الانتخابات لم يجد داخل مساره التنظيمي شخصية حظيت بالإجماع بوصفها صاحبة البرنامج الاقتصادي القادر على تعبئة الناخبين، فاستدعى لقجع قبل الانتخابات بمدة قصيرة ليستفيد من رصيده الذي تكوّن أساسًا خارج الحزب ومن لغته التقنية المغلفة بالسياسة في مواجهة لعة الخشب التي ينتجها الخطاب الإسلاموي.
لقد احتاج الحزب إلى رجل لم يصنعه، بينما احتاج لقجع إلى حزب لم يتكون داخله. منح الحزب لقجع الوعاء الانتخابي، ومنحه لقجع صورة الإنجاز والكفاءة والشعبية.
وهذا الالتقاء قد يكون مفيدًا للطرفين، لكنه يكشف ضعف الوظيفة الأساسية للأحزاب: إنتاج النخب والبرامج والقيادات من داخلها. فعندما تصبح الشخصية أقوى من الحزب قبل أن تدخله، يتحول التنظيم إلى منصة انتخابية أكثر من كونه مدرسة سياسية.
وينطبق الأمر بدرجات مختلفة على أحزاب أخرى تعتمد على زعمائها التاريخيين أو أعيانها المحليين أو موارد شبكاتها الاقتصادية. ولا تتشكل القيادة من تراكم النقاش الداخلي والعمل الميداني وبناء التصور، بل من القدرة على جذب شخصية جاهزة أو الحفاظ على شبكات انتخابية مضمونة.
الأحزاب بين ضعفها والحاجة إليها
مع ذلك لا يمكن بناء تحديث اجتماعي من دون الأحزاب. فالملكية تستطيع إطلاق الإصلاح وحمايته، والإدارة تستطيع تنفيذه، لكن لا واحدة منهما تستطيع وحدها تحويله إلى اقتناع اجتماعي دائم.
الحزب هو الذي يفترض أن يشرح السياسات، ويجمع المصالح المتعارضة، ويكوّن القيادات، ويقدم البدائل، ويحول مطالب الشارع إلى قوانين. فإذا غاب هذا الوسيط، وجدت الملكية نفسها في مواجهة مباشرة مع المجتمع، وأصبحت كل أزمة اجتماعية موجهة إلى قمة الدولة بدل أن تمر عبر الحكومة والأغلبية والمعارضة.
وهنا تدخل الدولة في مفارقة: تحتاج إلى أحزاب قوية حتى لا تتحمل وحدها جميع المطالب، لكنها تخشى أن تتحول الأحزاب القوية إلى مراكز مستقلة لإنتاج الرؤية والشرعية.
والنتيجة أحزاب مطلوبة لكي تمنح المؤسسات شكلها الانتخابي، لكنها لا تُمنح دائمًا المجال الذي يسمح لها بأن تصبح مصدرًا فعليًا للقرار. ثم يُستدل بضعفها على ضرورة استمرار الملكية في القيادة التنفيذية.
سادسًا: غياب رجال الدولة — حين تنتج الإدارة منفذين ولا تنتج السياسة قادة
لا يفتقر المغرب إلى الكفاءات. فقد نجح في تكوين أجيال من المهندسين والخبراء الماليين وكبار الموظفين ومديري المؤسسات العمومية، وأثبت عدد منهم قدرة عالية على تنفيذ المشاريع والتفاوض مع الشركاء الدوليين وإدارة القطاعات المعقدة.
لكنه لا ينتج بالوتيرة نفسها رجال ونساء دولة يجمعون بين الكفاءة والشرعية السياسية والرؤية المستقلة والقدرة على تمثيل المجتمع.
رجل الدولة ليس مجرد موظف ناجح، ولا سياسيًا يفوز بمقعد، ولا شخصية تحظى بثقة الملك. إنه من يستطيع فهم اتجاه الدولة، وقراءة حاجات المجتمع، وصياغة رؤية تربط بينهما، ثم اتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته وبناء مؤسسات تستمر بعد مغادرته.
وفي المغرب تبدو عناصر هذه الشخصية متفرقة:
- تكنوقراط يملكون الكفاءة ولا يملكون قاعدة اجتماعية.
- سياسيون يملكون المقاعد ولا يملكون رؤية.
- أعيان يملكون النفوذ المحلي ولا يحملون مشروع دولة.
- مثقفون يمتلكون التصور ولا يملكون أدوات التنفيذ.
- ومسؤولون يستمدون قوتهم من الثقة العليا أكثر مما يستمدونها من شرعية سياسية بناها المجتمع.
ويمثل لقجع نموذجًا لهذه المفارقة. فهو يمتلك كثيرًا من خصائص رجل الدولة من جهة المعرفة بالمؤسسات والقدرة على الإنجاز وفهم المال العام وبناء العلاقات الدولية. لكن قوته لم تتكون داخل حزب أو حركة اجتماعية، بل داخل الإدارة والمؤسسات التي كلفته الدولة بتدبيرها.
أما المنصوري فتملك تجربة حزبية وانتخابية ووزارية أطول، لكنها تنتمي إلى حزب ارتبط بالدولة منذ نشأته أكثر مما خرج من حركة اجتماعية مستقلة. ولذلك فإن جمع الشخصيتين قد يوفر للحكومة كفاءة التنفيذ ومهارة السياسة، لكنه لا يعالج وحده أزمة إنتاج النخب.
كيف جفت المنابع؟
تتكون قيادات الدولة داخل فضاءات تسمح بالتجربة والخطأ والتراكم: أحزاب ذات حياة داخلية، وبرلمان له سلطة، وجامعة حرة، ومثقفون مبدعون، وصحافة قوية، ونقابات تمثل المجتمع، وإدارة تفتح المجال للكفاءة، وجماعات محلية تمنح المنتخبين مسؤولية فعلية.
وحين تضعف هذه الفضاءات، لا يبقى أمام النظام إلا اختيار المسؤولين من دوائر الإدارة أو المال أو الأعيان. وقد يكون المختارون أكفاء، لكنهم يظلون مرتبطين بالوظيفة التي عُيّنوا فيها أكثر من ارتباطهم بمشروع سياسي بنوه ودافعوا عنه.
لقد استفادت الدولة في مراحل مختلفة من إضعاف الوسطاء حتى تضمن الاستقرار وسرعة القرار. لكنها اكتشفت لاحقًا أن المجتمع الذي لا يملك وسطاء حقيقيين يتوجه مباشرة إلى الملك في كل أزمة، لأن الحكومة لا تبدو له صاحبة القرار الكامل، ولأن الأحزاب لا تمثله بما يكفي.
ربحت الدولة فعالية القرار المركزي، لكنها خسرت جزءًا من القدرة على تحويل القرار إلى ثقة واقتناع اجتماعي.
الحلقة المغلقة
تتكون هنا حلقة يصعب كسرها: تضعف الأحزاب، فتتدخل الملكية أكثر لضمان الاستمرارية والإنجاز. وكلما توسع التدخل الملكي، تقل مساحة القرار التي تتعلم فيها الأحزاب تحمل المسؤولية. وحين تفشل الأحزاب في إنتاج القيادات، يصبح تدخل الملكية أكثر ضرورة.
وبذلك يصبح ضعف الأحزاب مبررًا لملكية التنفيذية، وتصبح الملكية التنفيذية أحد أسباب استمرار ضعف الأحزاب.
وهذه ليست حجة للانسحاب الملكي المفاجئ؛ لأن الفراغ قد تستولي عليه شبكات المال والأعيان بدل أن يملأه المجتمع الديمقراطي. لكنها حجة ضد تحويل الوضع الانتقالي إلى بنية دائمة لا تسمح للبديل بالنمو.
سابعًا: لماذا لا يبدو المغرب مستعدًا لملكية برلمانية؟
تكشف هذه المعضلات أن الانتقال المباشر إلى ملكية برلمانية على غرار بريطانيا أو إسبانيا لا يبدو واقعيًا في المرحلة الحالية. فالملكية البرلمانية لا تقوم بمجرد تراجع الملك عن التنفيذ؛ إنها تحتاج إلى مؤسسات سياسية واجتماعية قادرة على استلام السلطة وممارستها والخضوع للمحاسبة.
ولا تتوفر هذه الشروط كاملة في المغرب. فما تزال الأمية بمستوياتها التعليمية والسياسية والقانونية واسعة، وتعاني الأحزاب من الفساد وضعف الديمقراطية الداخلية، وتراجعت الثقة في المؤسسات المنتخبة، وغابت القيادات القادرة على الجمع بين رؤية الدولة وتمثيل المجتمع.
كما أن نقل السلطة التنفيذية كاملة إلى أحزاب يتحكم فيها الأعيان والمال الانتخابي قد لا ينتج ديمقراطية، بل أوليغارشية حزبية تتقاسم الدولة باسم صناديق الاقتراع.
ولا تقتصر المسألة على الداخل. فالمغرب يواجه ملفات استراتيجية تتطلب استمرارية عابرة للحكومات: الصحراء، والعلاقات مع أفريقيا وأوروبا، والأمن، والماء والطاقة، والاستعداد لكأس العالم، والتحولات الإقليمية. ويصعب ترك هذه الملفات لتقلب ائتلافات حزبية لم تثبت بعد قدرتها على إنتاج رؤية طويلة المدى.
لكن عدم الجاهزية يحمل خطرًا فكريًا وسياسيًا: أن يتحول إلى حجة دائمة. فإذا قيل إن الأحزاب لا تستطيع الحكم لأنها ضعيفة، ثم لم تُمنح مسؤولية فعلية تسمح لها بالنضج، فستبقى ضعيفة. وإذا انتظر المغرب اكتمال الجاهزية قبل نقل أي صلاحية، فلن تكتمل الجاهزية أبدًا.
من الملكية التنفيذية إلى الملكية الاستراتيجية
لا يكون الحل في قفزة فورية إلى ملكية برلمانية مكتملة، ولا في تثبيت الملكية التنفيذية بصورتها الحالية إلى أجل غير معلوم. وقد يكون المسار الواقعي انتقالًا تدريجيًا من ملكية تدير الرؤية والتخطيط والتفاصيل إلى ملكية تحتفظ بالقيادة الاستراتيجية والتحكيم وضمان الاستمرارية، بينما تتحمل الحكومة المنتخبة مسؤولية أوضح في الاقتصاد والاجتماع والتعليم والصحة والتشغيل.
يمكن تسمية هذه المرحلة بالملكية الاستراتيجية: يحتفظ الملك فيها بإمارة المؤمنين، ووحدة الدولة، والملفات السيادية، وضمان استمرارية الاختيارات الكبرى، وحماية قواعد التداول؛ بينما تُمنح الحكومة سلطة فعلية على السياسات التي تعرض برنامجها بشأنها أمام الناخبين والبرلمان بدل أن يتدرع كل وزير يسائله النواب بالقول أنه "ينفذ سياسة صاحب الجلالة".
ويقتضي ذلك قاعدة ضرورية: من يملك القرار يتحمل المسؤولية، ومن لا يملك القرار لا ينبغي أن يُحاسب وحده على نتائجه.
فالمواطن المغربي يجد اليوم صعوبة في تحديد المسؤول. الحكومة تنسب الإنجازات إلى برنامجها، لكنها تحيل المشاريع الكبرى على التوجيهات الملكية. وحين يقع الفشل تتبادل الأحزاب والوزراء والإدارة المسؤولية. وينتج عن هذا التداخل نظام يوزع السلطة لكنه لا يوضح المحاسبة.
وقد تصبح حكومة المنصوري اختبارًا لصيغة انتقالية من هذا النوع. فإذا مُنحت القدرة على اختيار فريقها وضبط الوزراء الأقوياء وصياغة أولويات اجتماعية حقيقية، أمكن أن تتكون داخل الملكية التنفيذية نواة لرئاسة حكومة أكثر استقلالًا ومسؤولية. أما إذا بقيت منسقة بين برامج ومراكز قرار لا تسيطر عليها، فإن التعيين سيغير صورة رئاسة الحكومة من دون أن يغير وظيفتها.
ثامنًا: وعود لقجع — لمن تعود شرعية الفوز؟
لا تستطيع الحكومة الجديدة تجنب سؤال الوعود التي حملها لقجع خلال الحملة وأكدها بعد ظهور النتائج. فقد قدم حزب الأصالة والمعاصرة برنامجًا يقوم على استثمارات ضخمة وإحداث مليون منصب شغل ورفع الأجور وتطوير الصحة والتعليم وربط الاستعداد لكأس العالم بفرص اقتصادية واجتماعية. وهذه لم تكن أحاديث شخصية معزولة، بل عناصر استعملها الحزب للحصول على ثقة الناخبين. en.hespress.com
وقد تحاول المنصوري الاحتجاج بأن الحكومة الائتلافية تحتاج إلى برنامج توافقي، وأن وعود الحملة ستخضع لمفاوضات الأحزاب وإمكانات الميزانية. وهذا صحيح من الناحية العملية. لكن الائتلاف لا يمحو مسؤولية الحزب المتصدر عن جوهر البرنامج الذي أوصله إلى رئاسة الحكومة.
فإذا استفادت المنصوري من الفوز الذي صنعه لقجع، فإنها لا تستطيع فصل شرعية تعيينها عن الالتزامات التي أقنعت الناخبين بالتصويت للحزب. وإلا أصبح لقجع أداة انتخابية استُعملت للفوز، ثم تُركت وعوده خارج البرنامج الحكومي.
وسيكون نص البرنامج المعروض أمام البرلمان الوثيقة الفاصلة. فهو الذي سيكشف ما إذا كانت الوعود ستتحول إلى التزامات حكومية محددة بموازنات وآجال، أم ستذوب داخل عبارات عامة بعد انتهاء الحملة.
كما سيكشف موقع لقجع داخل الحكومة طبيعة العلاقة بين الوعد والمسؤولية. فإذا أُسندت إليه حقيبة اقتصادية ومالية مركزية، أصبح مسؤولًا مباشرة عن تنفيذ ما وعد به. أما إذا احتفظ بنفوذه التنفيذي من خارج رئاسة الحكومة من دون أن يتحمل مسؤولية سياسية واضحة، فقد يظهر الاختلال مرة أخرى بين القوة والمحاسبة.
تاسعًا: هل تستعيد الدولة جناح المجتمع؟
يمكن للمنصوري أن تمنح المغرب صورة جديدة في الخارج: دولة عربية مسلمة تقود حكومتها امرأة، وتستعد لتنظيم كأس العالم، وتقدم نفسها شريكًا حديثًا لأوروبا وأفريقيا. لكن نجاح التعيين لن يقاس بما ستكتبه الصحافة الأجنبية عن أول امرأة في المنصب، بل بما إذا كان المجتمع المغربي نفسه سيشعر بأن موقعه داخل الدولة قد تغير.
فاستعادة الجناح الاجتماعي لا تعني تعيين امرأة فقط، وإنما ربط الاستثمار بالتوزيع، والمونديال بالمستشفى والمدرسة، والنمو بالتشغيل، والإصلاح القانوني بتغيير شروط الحياة، وتمثيل النساء بمشاركتهن الاقتصادية والاجتماعية الفعلية.
كما تعني إعادة بناء الوساطة التي فقدتها الدولة: أحزابًا تستطيع تمثيل الاختلاف، وبرلمانًا يراقب، ونقابات تتفاوض، ومجتمعًا مدنيًا يشارك، وإعلامًا يكشف، ومدرسة تنتج مواطنين قادرين على فهم القرار ومحاسبة أصحابه.
فإذا ظلت الدولة هي التي تفكر وتخطط وتنفذ وتشرح وتصحح، فلن ينشأ الجناح الثاني؛ سيظل المجتمع عربة تجرها قاطرة الدولة. أما إذا استعملت الملكية قوتها لفتح المجال أمام المجتمع، فقد يتحول التحديث من مشروع تنفذه الدولة لأجل الناس إلى مشروع تشارك فيه الدولة والمجتمع.
وهنا يكمن الفرق بين تحديث المجتمع والتحديث بالمجتمع. الأول قد يغير القوانين والصور من أعلى، أما الثاني فيبني القدرة الاجتماعية التي تجعل التحول مستمرًا وقابلًا للدفاع عن نفسه.
خاتمة: امرأة الواجهة أم امرأة دولة؟
يحمل تعيين فاطمة الزهراء المنصوري إمكانًا تاريخيًا لا ينبغي التقليل منه. فهو يعلن أن قيادة الحكومة لم تعد حكرًا على الرجال، ويعيد حزب الأصالة والمعاصرة إلى الوظيفة التحديثية التي حملها اسمه منذ تأسيسه، ويفتح أمام الملكية مجالًا لقيادة قاطرة اجتماعية بعد أن قادت قاطرة التحديث المادي.
لكنه يكشف كذلك استمرار البنية التي حكمت المرحلة السابقة: الملكية تنتج الرؤية وتشرف على تنفيذها، والتكنوقراط يديرون الملفات الكبرى، والأحزاب تجمع المقاعد من دون أن تنتج مشروعًا للدولة، والحكومة تتحمل مسؤولية سياسات لا تملك جميع مفاتيحها.
وسيكون نجاح المنصوري متوقفًا على قدرتها على تجاوز هذه الحدود. فإذا استطاعت أن تبني أغلبية على برنامج لا على توزيع الحقائب، وأن تفرض سلطتها على الوزراء الأقوياء، وأن تحول وعود لقجع إلى التزامات قابلة للمحاسبة، وأن تقود إصلاحًا اجتماعيًا يحترم مرجعية المجتمع من دون أن يخضع لابتزاز المحافظين، فقد تنتقل من كونها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة إلى كونها أول امرأة دولة في تاريخ المغرب المعاصر.
أما إذا اقتصر دورها على تمثيل المغرب الجديد، بينما بقيت أدوات القرار في يد مراكز أخرى، فسيكون التعيين قد حدّث صورة المجتمع أكثر مما حدّث بنيته.
إن الملك محمد السادس، الذي قاد تحديث الدولة ومجالها المادي، يبدو راغبًا في قيادة تحديث المجتمع كذلك، مستندًا إلى سلطته التنفيذية وإلى إمارة المؤمنين. غير أن ما أمكن إنجازه بالقرار والتمويل والهندسة في المجال المادي لا يمكن نقله آليًا إلى الإنسان. فالميناء يُبنى من أعلى، أما المجتمع فلا يتغير بصورة راسخة إلا إذا شارك في بناء نفسه.
لذلك لا يتعلق امتحان المرحلة المقبلة بقدرة الملكية على إطلاق قاطرة ثانية فقط، بل بقدرتها على السماح للمجتمع بأن يصبح شريكًا في قيادتها.
فهل يستعيد المغرب، مع المنصوري، جناحه الاجتماعي ويبدأ التحليق بالدولة والمجتمع معًا؟ أم يظل يسير بسرعتين، مكتفيًا بأن يضع على مقدمة قاطرته القديمة وجهًا أنثويًا جديدًا؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق