من انهيار النظام الليبرالي إلى فوضى النظام الجديد


تحليل جيواستراتيجي: العالم في لحظة التحولات الكبرى

(حين يولد النظام الجديد من رحم الفوضى)

تمهيد

لم يعد السؤال المطروح اليوم هو: هل ما زال النظام العالمي القديم قائمًا أم لا؟ بل السؤال الأعمق هو: ما الذي بقي منه؟

فالنظام الذي وُلد بعد نهاية الحرب الباردة، وادّعى أنه يقوم على الليبرالية، واحترام سيادة الدول، وحقوق الإنسان، وحرية التجارة، والقانون الدولي، والمؤسسات الدولية، لم يكن في حقيقته منفصلًا عن بنية أحادية القطبية جعلت الولايات المتحدة مركز القرار الدولي، والحارس الأعلى لقواعد اللعبة، والمفسّر الأخير لمعنى الشرعية والقانون والتدخل والعقوبة.

غير أن هذا النظام، بشقّيه المتداخلين: الليبرالي من حيث الخطاب، والأحادي من حيث القيادة، دخل اليوم مرحلة تفكك بنيوي عميق. لم تسقط مؤسساته كلها بعد، ولم تختف أدوات قوته التقليدية؛ فلا يزال الدولار حاضرًا، ولا يزال الناتو قائمًا، ولا تزال القواعد العسكرية الأمريكية منتشرة، ولا تزال المؤسسات المالية الغربية تمارس نفوذًا واسعًا. لكن ما انهار أو كاد ينهار هو شيء أخطر من البنية الشكلية: انهارت القدرة الأخلاقية والسياسية للنظام القديم على إقناع العالم بأنه نظام عادل، أو قادر، أو صالح لإدارة التوازنات الجديدة.../...


لقد صار العالم أمام مفارقة كبرى:

أمريكا لم تعد قادرة على حكم العالم وحدها، والصين لم تصبح بعد قائدًا بديلًا للنظام الدولي، وروسيا لا تملك اقتصادًا يؤهلها لقيادة العالم، لكنها تملك قدرة عسكرية ونووية قادرة على تعطيل قواعده، وأوروبا تبدو قوية اقتصاديًا لكنها ضعيفة سياسيا ومكبّلة استراتيجيًا، بينما تحاول قوى إقليمية كبرى، من الخليج إلى تركيا والهند وإيران، البحث عن مكان آمن داخل خرائط متحركة.


نحن إذن لا نعيش انتقالًا هادئًا من نظام قديم إلى نظام جديد مكتمل، بل نعيش مرحلة فوضى انتقالية. وفي هذه المرحلة لا تُكتب القواعد في المؤتمرات وحدها، بل في الحروب، والعقوبات، وخطوط الغاز، والممرات البحرية، وصفقات السلاح، وسلاسل التكنولوجيا، والتحالفات المؤقتة. إن النظام الجديد لا يولد في قاعة قانونية هادئة، بل من رحم أوكرانيا، وإيران، وبحر الصين، والخليج، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، والسباق على المعادن النادرة في إفريقيا وغيرها.


ومن هنا تأتي أهمية اللحظة الراهنة: زيارة الرئيس الأمريكي إلى الصين، ثم زيارة الرئيس الروسي إلى بكين، ليستا مجرد حدثين دبلوماسيين عابرين. إنهما، في رمزيتهما السياسية، تكشفان أن بكين لم تعد مجرد مصنع العالم، ولا مجرد قوة اقتصادية صاعدة، بل تحاول أن تقدم نفسها بوصفها مسرح المساومات الكبرى، والمكان الذي تُختبر فيه حدود القوة الأمريكية، وحاجة روسيا، وطموح الصين، وقلق العالم من فراغ القيادة.



أولًا: بكين كمسرح للمساومات الكبرى


من الخطأ أن نبالغ فنقول إن الصين أصبحت حاكمة العالم، أو إن بكين حلت محل واشنطن بوصفها عاصمة النظام الدولي. فهذه قراءة متسرعة. لكن الخطأ المقابل هو أن نتعامل مع الصين كما لو أنها ما زالت مجرد قوة تجارية ضخمة بلا مشروع استراتيجي. الصين اليوم لا تتحرك بمنطق الدولة الباحثة عن النمو فقط، بل بمنطق القوة الحضارية التي تريد إعادة تعريف موقعها في العالم.


لقد فهمت بكين أن النظام الدولي لا يتغير بالخطابات وحدها، بل بتغيير موازين الاعتماد. ولذلك اشتغلت على أكثر من مستوى في الوقت نفسه: الصناعة، التكنولوجيا، التجارة، الطاقة، الموانئ، العملات، البنية التحتية، الشراكات الإقليمية، والقدرة على التفاوض مع الخصوم دون أن تقطع الصلة بالحلفاء.


حين تستقبل الصين الرئيس الأمريكي، فهي لا تفعل ذلك بوصفها طرفًا تابعًا يبحث عن الرضا، بل بوصفها قوة لا يمكن للولايات المتحدة تجاوزها. وحين تستقبل الرئيس الروسي بعد ذلك، فهي لا تعلن اندماجًا كاملًا مع موسكو، بل تُظهر أن روسيا، رغم سلاحها النووي ومواردها الهائلة، تحتاج إلى الصين اقتصاديًا واستراتيجيًا أكثر مما تحتاج الصين إلى روسيا. هنا تكمن براعة بكين: إنها لا تختار بين واشنطن وموسكو اختيارًا أيديولوجيًا بسيطًا، بل تستعمل التناقض بينهما لتوسيع هامش مناوراتها السياسية.


في الظاهر، يبدو المشهد كأننا أمام “ثلاثة كبار”: أمريكا، الصين، وروسيا. لكن في العمق، لسنا أمام تحالف ثلاثي يحكم العالم، بل أمام مثلث تناقضات:


أمريكا تريد احتواء الصين دون أن تخسر السوق الصينية بالكامل.


الصين تريد تقليص الهيمنة الأمريكية دون أن تدخل في حرب شاملة معها.


روسيا تريد كسر العزلة الغربية عبر الصين، لكنها لا تريد أن تتحول إلى تابع اقتصادي لبكين برغم اعتمادها عليها بسبب ظروف الحرب في أوكرانيا.


ولذلك فعبارة “الملوك الثلاثة” قد تكون مفيدة كصورة رمزية، لكنها تحتاج إلى ضبط تحليلي. العالم لا يُدار اليوم من غرفة واحدة يجلس فيها ثلاثة رجال لتقسيمه بوضوح. ما يحدث أخطر وأعقد: العالم يُعاد تشكيله عبر مساومات متقاطعة بين قوى كبرى، كل واحدة منها تريد أن تمنع الأخرى من الانفراد، دون أن تملك وحدها القدرة على بناء نظام بديل مستقر.


وهذا ما يجعل بكين مركزية في هذه اللحظة. فهي لا تقدم نفسها كزعيمة أيديولوجية للعالم، كما فعل الاتحاد السوفيتي سابقًا، ولا ترفع خطابًا تبشيريًا كونيًا كالخطاب الليبرالي الأمريكي، بل تقدم نموذجًا باردًا وعمليًا: التنمية، التجارة، البنية التحتية، الطاقة، التكنولوجيا، وعدم التدخل المعلن في الأنظمة السياسية. هذا النموذج يغري كثيرًا من دول الجنوب، لأنه لا يطلب منها أن تتبنى قيمًا سياسية محددة مقابل الشراكة، لكنه في الوقت نفسه يخلق تبعيات جديدة من نوع آخر.


إن بكين في هذه اللحظة لا تعلن موت النظام الأمريكي، لكنها تتصرف كما لو أن ذلك النظام لم يعد قادرًا على ضبط العالم وحده. وهي لا تعلن ولادة نظام صيني كامل، لكنها تبني لبنة فوق أخرى في انتظار اللحظة التي يصبح فيها الواقع أقوى من الإعلان.


هنا نفهم لماذا تبدو أوروبا، رغم قوتها الاقتصادية، حاضرة على الهامش. ولماذا تبدو الهند مترددة بين الصعود والاستقلال عن المحاور. ولماذا تبدو اليابان قوة تكنولوجية كبيرة لكنها مقيدة بالمظلة الأمريكية. فالنظام الجديد لا يمنح المقاعد بحسب الناتج الاقتصادي وحده، بل بحسب القدرة على تغيير قواعد اللعبة. وهذه القدرة اليوم تتركز أساسًا في أربع أدوات: السلاح، الطاقة، التكنولوجيا، والقدرة على ضمان أو تعطيل أمن الممرات الاستراتيجية.


ومن هذه الزاوية، تصبح إيران أكثر من ملف إقليمي، وتصبح أوكرانيا أكثر من حرب حدودية، ويصبح الغاز الروسي إلى الصين أكثر من صفقة طاقة. إنها جميعًا علامات على أن العالم القديم لم يعد يعمل بالطريقة نفسها، وأن خرائط النفوذ لم تعد تُرسم فقط في واشنطن أو بروكسل، بل في بكين وموسكو والرياض وطهران ونيودلهي، وعلى ضفاف الممرات البحرية وخطوط الأنابيب.


ولذلك يمكن القول إننا لسنا أمام نظام عالمي جديد مكتمل، بل أمام بروفة كبرى لنظام قادم. نظام لم تتضح قواعده بعد، لكنه بدأ يفرض منطقه: لا أحد يملك العالم وحده، ولا أحد يثق في الضمانات القديمة كما كان يفعل، ولا أحد يريد أن يبقى خارج طاولة التفاوض حين يعاد توزيع النفوذ.



ثانيًا: إيران… لماذا فشلت أمريكا في هزيمة إيران بعد أن فشلت في احتوائها؟


إذا كانت بكين تكشف انتقال مركز المساومات الكبرى نحو الشرق، فإن إيران تكشف حدود القوة الأمريكية في الشرق الأوسط. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تضرب إيران؟ الجواب واضح: نعم، تستطيع. تملك واشنطن من القوة الجوية والبحرية والصاروخية والاستخباراتية ما يمكّنها من تدمير منشآت، وتعطيل بنى عسكرية، وإلحاق أضرار هائلة بالدولة الإيرانية. لكن السؤال الحقيقي أعمق من ذلك:


هل تستطيع أمريكا أن تهزم إيران سياسيًا واستراتيجيًا، لا أن تضربها عسكريًا فقط؟


هنا يبدأ التعقيد.


لقد حاولت واشنطن، منذ عقود، احتواء إيران بالعقوبات، والعزلة، والضغط الدبلوماسي، والتهديد العسكري، والحصار المالي، والردع الإقليمي. غير أن هذه السياسة، رغم أنها أضعفت الاقتصاد الإيراني وأرهقت المجتمع وضيّقت على الدولة، إلا أنها لم تنجح في تحقيق الهدف النهائي: لم تُسقط النظام، ولم تُنهِ برنامجه النووي والصاروخي، ولم تُلغِ نفوذه الإقليمي، ولم تجبره على التحول إلى دولة عادية داخل النظام الأمريكي القديم.


بل إن إيران، تحت الضغط، طورت منطقًا مختلفًا للبقاء. لم تنافس أمريكا في حاملات الطائرات، ولا في القواعد العالمية، ولا في التكنولوجيا العسكرية العليا، بل بنت شبكة ردع غير متماثلة: صواريخ، مسيّرات، حرس ثوري، نفوذ في العراق وسوريا ولبنان واليمن عبر أذرع مسلحة، قدرة على تهديد الممرات البحرية، واستعداد دائم لتحويل أي حرب مباشرة إلى حرب أوسع وأكثر كلفة.


وهنا يكمن أحد أسرار الفشل الأمريكي. فإيران ليست جيشًا تقليديًا يمكن هزيمته في معركة فاصلة، وليست دولة معزولة يمكن إسقاطها بعقوبات فقط، وليست نظامًا يسلّم كل أوراقه خوفًا من ضربة عسكرية. إنها دولة تعمل بمنطق “البقاء تحت الحصار”، وتعتبر أدوات الردع غير التقليدية شرطًا لاستمرارها، لا مجرد أوراق تفاوض عابرة.


لقد تعلمت إيران من العراق وليبيا درسًا قاسيًا: من يتخلى عن أدوات الردع كلها يصبح مكشوفًا أمام التدخل الخارجي. لذلك فإن الصواريخ، والنفوذ الإقليمي، والبرنامج النووي، وشبكات الحلفاء، ليست في العقل الاستراتيجي الإيراني مجرد ملفات يمكن التنازل عنها بسهولة، بل هي ما يشبه “تأمين الحياة” للنظام. وكلما زادت واشنطن الضغط، زاد اقتناع طهران بأن التخلي الكامل عن هذه الأدوات قد يكون طريقًا إلى الانتحار السياسي.


من جهة أخرى، لا تريد الولايات المتحدة حربًا برية جديدة في الشرق الأوسط. تجربة فيتنام ثم العراق وأفغانستان لم تخرج من الذاكرة الاستراتيجية الأمريكية ولا الوعي الشعبي العام. تستطيع واشنطن القصف من السماء، لكنها لا تريد الاحتلال من الأرض. تستطيع العقاب، لكنها لا تريد إدارة بلد بحجم إيران وتعقيده الجغرافي والمذهبي والقومي والسياسي. ولذلك تبقى القوة الأمريكية عالقة بين خيارين: ضربات لا تحسم، أو حرب شاملة غير مضمونة لا تريدها.


وهذا ما يجعل إيران عقدة صعبة داخل النظام الدولي الجديد. فالحرب الشاملة معها لا تعني فقط تدمير منشآت داخل إيران، بل قد تعني تهديد القواعد الأمريكية في المنطقة، وضرب منشآت الطاقة الخليجية، وإرباك الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، وتحريك أذرع إقليمية، ورفع أسعار النفط، وتعريض الاقتصاد العالمي لصدمة جديدة. بكلمة واحدة: تستطيع أمريكا أن تضرب إيران، لكنها لا تستطيع أن تضمن أن تبقى الحرب داخل الحدود التي تريدها.


وهنا يظهر الفرق بين القوة والحسم.

القوة هي القدرة على إلحاق الضرر.

أما الحسم فهو القدرة على إنتاج نتيجة سياسية مستقرة بعد الضرر.


أمريكا تملك الأولى بوضوح، لكنها لا تملك الثانية بالضمان نفسه. وهذا هو جوهر الفشل الأمريكي في إيران: واشنطن امتلكت قدرة العقاب، لكنها لم تمتلك قدرة تشكيل النتيجة النهائية. امتلكت القدرة على إضعاف إيران، لكنها لم تستطع تحويلها إلى دولة مندمجة في النظام الذي تريده. امتلكت العقوبات، لكنها لم تمنع طهران من بناء علاقات أعمق مع الصين وروسيا. وامتلكت التفوق العسكري، لكنها لم تستطع تحويله إلى انتصار سياسي منخفض الكلفة.


كما أن دول الخليج، رغم خوفها من إيران، لا تريد بالضرورة حربًا مفتوحة تحرق المنطقة. فهي تعرف أن أي حرب شاملة قد تجعل المدن، والموانئ، ومحطات التحلية، والمنشآت النفطية، والبنية الاقتصادية، أهدافًا سهلة نسبيًا للصواريخ والمسيّرات الإيرانية. ولذلك فهي تريد ردع إيران، لكنها لا تريد تفجير الخليج كله. تريد ضمانات أمنية، لا مغامرة مفتوحة. تريد أن تُرفع كلفة العدوان الإيراني، لا أن تتحول المنطقة إلى ساحة استنزاف لا يعرف أحد نهايتها.


من هنا يمكن فهم الفشل الأمريكي على أنه فشل استراتيجي لا عسكري. فواشنطن لم تُهزم لأنها عاجزة عن تدمير إيران، بل لأنها عاجزة عن فرض نهاية آمنة ومضمونة للصراع. وهذا النوع من الفشل هو أحد أعراض انهيار النظام الأحادي القديم: حين تصبح القوة الهائلة غير كافية لإنتاج الطاعة، وحين تستطيع دولة محاصرة ومتوسطة القوة أن تعطل إرادة قوة عظمى، لا لأنها أقوى منها، بل لأنها تجعل كلفة الانتصار عليها أعلى من المكاسب المتوقعة.


إيران، بهذا المعنى، ليست مجرد خصم إقليمي لأمريكا. إنها اختبار مكثف لحدود القوة الأمريكية في زمن الفوضى الانتقالية. وقد يكون أخطر ما كشفته هذه الأزمة أن واشنطن لم تعد قادرة على إدارة الشرق الأوسط بمنطق الأمر والنهي كما في تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية. فالمنطقة تغيرت، والخصوم تعلموا، والحلفاء صاروا أقل ثقة، والصين وروسيا دخلتا الحساب، والطاقة لم تعد مجرد سلعة، بل سلاحًا جيوسياسيًا شديد الحساسية.


ولهذا فإن السؤال الإيراني لا يبقى إيرانيًا فقط. إنه يفتح الباب مباشرة على سؤال الصين والطاقة: إذا كانت إيران قد استعصت على الحسم الأمريكي، فهل تستطيع واشنطن أن تضرب الصين من خاصرتها الطاقية عبر الضغط على إيران والخليج؟ أم أن الصين كانت قد قرأت المشهد مبكرًا، وبنت من المرونة الطاقية ما يجعلها أقل قابلية للاختناق مما ظن خصومها؟



ثالثًا: الصين والطاقة… لماذا لم تنكسر بكين من بوابة إيران؟


كانت إحدى القراءات الأمريكية القديمة ترى أن الصين، باعتبارها دولة صناعية ضخمة ومستوردة كبرى للطاقة، يمكن الضغط عليها من خلال الممرات البحرية، والخليج، وإيران، وسلاسل النفط والغاز. هذه القراءة ليست بلا أساس؛ فالصين تحتاج إلى الطاقة، وتعتمد على واردات كبيرة من النفط والغاز، ويهمها استقرار الشرق الأوسط والممرات البحرية. لكنها قراءة ناقصة إذا ظنت أن الصين ما زالت تقف في وضع هش يمكن كسره بسهولة من بوابة إيران.


لقد فهمت بكين، منذ سنوات طويلة، أن اعتمادها الكبير على الطاقة المستوردة يمثل نقطة ضعف استراتيجية. لذلك لم تتعامل مع الطاقة بوصفها ملفًا اقتصاديًا فقط، بل بوصفها ملف أمن قومي. وسعت إلى بناء شبكة واسعة من البدائل: تنويع الموردين، الاستثمار في خطوط برية، زيادة المخزون الاستراتيجي، توسيع العلاقات مع روسيا وآسيا الوسطى، وتطوير أسطول تجاري قادر على تأمين احتياجاتها. لكنها، فوق ذلك كله، فعلت شيئًا أكثر عمقًا: حولت أزمة الطاقة الأحفورية إلى فرصة لصناعة تفوق جديد في الطاقة النظيفة.


وهنا تكمن المفارقة التي لم تُقرأ جيدًا في واشنطن. الصين، رغم افتقارها النسبي إلى الطاقة الأحفورية مقارنة بروسيا أو دول الخليج، صارت في الوقت نفسه قوة عالمية في الطاقة الشمسية، والبطاريات، والسيارات الكهربائية، وسلاسل الإنتاج المرتبطة بالتحول الطاقي. أي إنها لم تكتفِ بالبحث عن نفط بديل، بل بدأت تغير بنية الطلب على النفط نفسها داخل اقتصادها.


صحيح أن الصين لم تستغنِ عن النفط والغاز، ولن تستغني عنهما قريبًا. لكن الفرق أن بكين لم تعد تفكر بمنطق الدولة التي تُخنق فورًا إذا ارتبكت إمدادات الخليج. فهي تبني نموذجًا مزدوجًا: تستورد الطاقة الأحفورية حيث تحتاجها، لكنها تستثمر بكثافة في تقليل انكشافها المستقبلي عبر الكهرباء، والطاقة المتجددة، والنقل الكهربائي، والتكنولوجيا الصناعية الجديدة.


لذلك، إذا كانت واشنطن قد ظنت أن الضغط على إيران سيضعف الصين اقتصاديًا بصورة حاسمة، فهي قرأت الصين بعين القرن العشرين: دولة صناعية عطشى للنفط، يمكن ابتزازها من المضائق والحقول. لكنها لم ترَ بما يكفي الصين الجديدة: دولة لا تزال تحتاج النفط، لكنها تقود في الوقت نفسه جزءًا كبيرًا من ثورة الطاقة البديلة التي قد تقلص تدريجيًا سلطان النفط نفسه بعد أن تحولت الصين من مستورد للطاقة الأحفورية إلى مصدر للطاقة النظيفة.


ثم إن الصين لا تعتمد على إيران وحدها. النفط الإيراني مهم، وربما مغرٍ لبكين بسبب الأسعار والظروف السياسية، لكنه ليس المصدر الوحيد ولا الضمان الوحيد. الصين تشتري من روسيا، ومن الخليج، ومن إفريقيا، ومن آسيا الوسطى، وتبني علاقات مع كل الأطراف، لا لأنها تثق بأحد، بل لأنها لا تريد أن تكون رهينة طرف واحد. هذه هي فلسفة بكين: تعدد المنافذ بدل الارتهان للممر الواحد.


ومن هنا نفهم لماذا لم تؤدِّ الحرب على إيران أو الضغط عليها إلى النتيجة التي ربما أرادتها بعض الدوائر الأمريكية. صحيح أنها أربكت الأسواق، ورفعت المخاطر، وأظهرت هشاشة الممرات البحرية، لكنها في الوقت نفسه منحت الصين حجة إضافية لتسريع سياساتها القديمة: مزيد من الطاقة النظيفة، مزيد من الخطوط البرية، مزيد من الغاز الروسي، مزيد من العلاقات مع الدول المنتجة، ومزيد من الحذر تجاه الاعتماد على نظام بحري تهيمن عليه أمريكا.


بعبارة أخرى، ما ظنته واشنطن أداة ضغط على الصين قد يتحول، على المدى الطويل، إلى دافع صيني إضافي للتحرر النسبي من أدوات الضغط الأمريكية. وكلما زادت الأزمات في الخليج، زاد اقتناع بكين بأن أمنها الطاقي لا يمكن أن يبقى معلقًا بممرات تراقبها البحرية الأمريكية أو تهددها الحروب الإقليمية.


وهنا يظهر الربط بين إيران وروسيا. فإذا كانت إيران تمنح الصين منفذًا طاقيًا وسياسيًا مهمًا في الخليج، فإن روسيا البلد المجاور والأكبر مساحة في العالم تمنحها عمقًا بريًا هائلًا شمالًا. الغاز الروسي القادم عبر الأنابيب لا يمر من مضيق هرمز، ولا من بحر الصين الجنوبي، ولا من الممرات التي يمكن أن تتحول إلى نقاط اختناق بحرية. إنه طاقة برية قريبة، وهذا بالنسبة للصين ليس تفصيلًا تقنيًا، بل مكسب استراتيجي.


ولذلك لا ينبغي قراءة صفقة الغاز الروسية الصينية كصفقة تجارية فقط. إنها جزء من هندسة أوسع للأمن الطاقي الآسيوي: روسيا تحتاج إلى سوق بديلة بعد انكماش السوق الأوروبية، والصين تحتاج إلى مورد بري ضخم يقلل انكشافها على البحار، وكلاهما يجد في الضغط الأمريكي سببًا إضافيًا لتعميق التعاون، حتى إن بقيت بينهما حسابات ومخاوف وتفاوت في القوة.


إن الصين لم تكسب المعركة الطاقية نهائيًا، لكنها لم تنكسر كما كان يتمنى خصومها. وهذا وحده كافٍ لتأكيد أن أدوات الضغط القديمة فقدت كثيرًا من فعاليتها. لم يعد يكفي أن تلوّح واشنطن بالخليج والنفط والممرات كي تغيّر سلوك قوة بحجم الصين. فبكين بنت لنفسها قدرة على امتصاص الصدمات، لا لأنها خارج الحاجة إلى الطاقة، بل لأنها فهمت مبكرًا أن الطاقة في القرن الحادي والعشرين ليست نفطًا فقط، بل تكنولوجيا، وبنية تحتية، وشبكات إمداد، وتحول صناعي طويل المدى.


ومن هنا ننتقل إلى روسيا. فإذا كانت الصين قد نجحت في عدم الانكسار من بوابة الطاقة، فإن روسيا بدورها لم تنكسر في أوكرانيا كما توقع الغرب. لكن سر صمود موسكو لا يكمن في قوة اقتصادها مقارنة بخصومها، بل في شيء آخر: تحويل الدولة كلها إلى اقتصاد حرب.



رابعًا: روسيا وأوكرانيا… لماذا لم تنكسر موسكو في حرب الاستنزاف؟


كان الرهان الغربي الأول أن الحرب الطويلة والعقوبات الواسعة ستؤدي إلى إنهاك روسيا، وربما إلى تفكك قدرتها على الاستمرار. من حيث الأرقام المجردة، بدا هذا الرهان منطقيًا وفق الدروس المستخلصة من انهيار الاتحاد السوفياتي السابق. صحيح أن الاقتصاد الروسي أصغر بكثير من الاقتصاد الأمريكي، وأضعف من الاقتصاد الصيني، ولا يمكن مقارنته مع بغض اقتصادات أوروبا. بل إن الناتج الاسمي الروسي لا يضعها ضمن مرتبة اقتصادية تتناسب مع حجم طموحها الجيوسياسي.


لكن الحروب لا تُدار بالناتج الاسمي وحده. فالقوة في الحرب لا تقاس فقط بحجم الاقتصاد، بل بقدرة الدولة على تحويل الموارد المتاحة إلى قدرة عسكرية مستمرة. وهنا امتلكت روسيا عناصر لا تظهر كلها في الجداول الاقتصادية: الطاقة، المعادن، الحبوب، الصناعة العسكرية، العمق الجغرافي، الإرث السوفيتي، الدولة المركزية، والقدرة على فرض منطق الحرب على المجتمع والسوق.


روسيا لم تصمد لأنها اقتصاد رفاه متفوق، بل لأنها انتقلت تدريجيًا إلى اقتصاد حرب. وهذا فرق جوهري. ففي اقتصاد الرفاه، تُقاس الصحة الاقتصادية بالاستهلاك، والنمو المتوازن، والاستثمار المدني، وارتفاع مستوى المعيشة. أما في اقتصاد الحرب، فتتغير المعايير: الأهم هو إنتاج السلاح، تعويض الخسائر، تعبئة العمالة، تمويل الجبهة، ضبط السوق، وإبقاء الدولة قادرة على القتال.


لقد جعلت موسكو الحرب مركز الدورة الاقتصادية. الدولة تشتري، المصانع تنتج، القطاع العسكري يتوسع، العقود الحكومية تكافئ الموالين، والشركات الكبرى تتكيف مع الأولويات الجديدة. وفي مثل هذا السياق، لا يعود القطاع الخاص مستقلًا تمامًا عن الحرب، بل يصبح جزءًا من شبكتها: عقود، امتيازات، حماية سياسية، فرص استثمارية، وربما وعود مستقبلية مرتبطة بإعادة الإعمار أو التوسع في المناطق الجديدة الواقعة تحت النفوذ الروسي.


هذا لا يعني أن الاقتصاد الروسي بخير بالمعنى الطبيعي. اقتصاد الحرب يخلق نموًا مشوهًا. قد ترتفع بعض المؤشرات بسبب الإنفاق العسكري، لكن ذلك لا يعني ازدهارًا حقيقيًا. فهناك ضغط على اليد العاملة، وتضخم، وتآكل في القطاعات المدنية، وارتفاع في كلفة التمويل، وتراجع في القدرة طويلة المدى على الابتكار المدني. غير أن اقتصاد الحرب لا يبحث أولًا عن الازدهار، بل عن القدرة على الاستمرار. لتجاوز صعوبة الظروف.


ومن هنا فشلت العقوبات في تحقيق الانهيار السريع. لقد أضعفت روسيا، لكنها لم تخنقها. لأن موسكو وجدت منافذ عبر الصين، والهند، وتركيا، وإيران، وآسيا الوسطى، وأسواق الطاقة البديلة. كما أن الدولة الروسية لم تتعامل مع العقوبات كأزمة مؤقتة داخل اقتصاد مفتوح، بل كحصار طويل يتطلب إعادة ترتيب الاقتصاد حول الداخل والحرب والشركاء غير الغربيين.


الغرب أراد استنزاف روسيا في أوكرانيا، لكن موسكو حاولت تحويل الحرب إلى استنزاف متبادل. فكلما طال القتال، لم يعد السؤال فقط: كم تخسر روسيا؟ بل صار أيضًا: كم يستطيع الغرب أن يدفع؟ كم تستطيع أوروبا أن تتحمل من كلفة الطاقة والتسلح؟ كم تستطيع الحكومات الغربية أن تبرر الدعم المتواصل أمام شعوبها؟ وكم تستطيع صناعات السلاح الغربية أن تواكب حربًا تستهلك الذخائر بمعدلات هائلة؟


هكذا صارت أوكرانيا اختبارًا لا لقدرة روسيا وحدها، بل لقدرة الغرب على إدارة حرب طويلة دون التورط المباشر فيها. وفي هذا الاختبار ظهر أن الغرب قوي جدًا، لكنه ليس سريعًا بما يكفي دائمًا؛ غني جدًا، لكنه محكوم بدورات انتخابية وانقسامات داخلية؛ متفوق تكنولوجيًا، لكنه ليس مهيأً صناعيًا بالضرورة لحرب استنزاف تقليدية طويلة.


أما روسيا، فقبلت بكلفة بشرية واقتصادية وسياسية لا تقبلها عادة الديمقراطيات الغربية بسهولة. وهذا لا يجعل نموذجها أفضل، لكنه يجعله أقدر على تحمل نوع معين من الحروب القاسية. فالسلطة المركزية الصارمة تستطيع أن تطيل النفس، وأن تخفض سقف الاعتراض، وأن تربط الوطنية بالحرب، وأن تجعل الخسائر جزءًا من سردية البقاء.


ومن هنا يمكن فهم صمود روسيا لا بوصفه دليلًا على قوتها المطلقة، بل بوصفه دليلًا على أن النظام الدولي القديم أخطأ في تقدير طبيعة الصراعات الجديدة. العقوبات، مهما كانت قوية، لا تكسر بالضرورة دولة تملك الطاقة، والسلاح النووي، والعمق الجغرافي، وشركاء بدلاء، ونظامًا سياسيًا قادرًا على إجبار المجتمع على دفع الكلفة.


لقد فشلت موسكو في تحقيق انتصار سريع، لكن الغرب فشل أيضًا في تحقيق انهيار روسي سريع. والنتيجة أن الحرب تحولت إلى ساحة استنزاف طويلة، تكشف أن العالم لم يعد يتحرك وفق منطق الهيمنة الأحادية القديمة: قرار غربي، عقوبات شاملة، عزلة دولية، ثم سقوط الخصم. الخصم هذه المرة لم يسقط، بل أعاد ترتيب نفسه داخل عالم لم يعد الغرب يحتكره بالكامل.


غير أن صمود روسيا لم يكن ممكنًا بالدرجة نفسها دون التحول شرقًا. وهنا تعود الصين إلى قلب المشهد. فالعلاقة الروسية الصينية لم تعد مجرد تقارب سياسي ضد واشنطن، بل صارت ضرورة اقتصادية واستراتيجية لموسكو. وفي قلب هذه العلاقة تقف الطاقة، وخاصة الغاز، باعتباره الجسر الذي ينقل روسيا من أوروبا التي كانت سوقها التاريخية، إلى آسيا التي صارت رئتها الجديدة.


وهنا يصبح خط قوة سيبيريا أكثر من أنبوب غاز. إنه عنوان انتقال جيوسياسي كامل: روسيا التي كانت تبيع أمن الطاقة لأوروبا، صارت تبيع جزءًا من مستقبلها الطاقي للصين. والصين التي تخشى اختناق البحار، وجدت في الغاز الروسي البري جزءًا من أمنها الاستراتيجي. هكذا يلتقي اقتصاد الحرب الروسي مع أمن الطاقة الصيني في نقطة واحدة: تراجع قدرة الغرب على عزل خصومه كما كان يفعل في السابق.



خامسًا: الغاز الروسي إلى الصين… حين تتحول الأنابيب إلى خرائط نفوذ


لا يمكن فهم التحول الروسي نحو الصين إلا من بوابة الطاقة. فروسيا ليست قوة صناعية عالمية بالمعنى الصيني، ولا قوة مالية بالمعنى الأمريكي أو الأوروبي، لكنها قوة طاقية كبرى. النفط والغاز ليسا مجرد موارد اقتصادية بالنسبة لموسكو، بل هما جزء من بنيتها الجيوسياسية: بهما موّلت الدولة، وبنت النفوذ، وربطت الأسواق، ووسّعت هامش المناورة أمام الغرب.


قبل حرب أوكرانيا، كانت أوروبا السوق الأكثر أهمية للغاز الروسي. لم تكن العلاقة بين موسكو وأوروبا علاقة تجارة عادية، بل علاقة اعتماد متبادل: أوروبا تحتاج الغاز الروسي الرخيص نسبيًا، وروسيا تحتاج العائدات الأوروبية الضخمة. لكن الحرب كسرت هذه المعادلة أو، على الأقل، أضعفتها بصورة بنيوية. لم يعد ممكنا لروسيا أن تراهن على أوروبا كما كانت تفعل، ولم يعد ممكنًا لأوروبا أن تتعامل مع الطاقة الروسية كملف اقتصادي منفصل عن الأمن والحرب.


هنا ظهرت الصين لا بوصفها زبونًا إضافيًا، بل بوصفها الرئة الشرقية التي تحتاجها روسيا كي لا تختنق. ومن هنا تبرز أهمية خط (1 Power of Siberia) أو “قوة سيبيريا 1”، الذي لا ينبغي النظر إليه كأنبوب غاز فقط، بل كتحول استراتيجي في اتجاه روسيا.


الصفقة الكبرى الأولى بين روسيا والصين سنة 2014، والتي بلغت قيمتها التقديرية نحو أربعمائة مليار دولار على مدى ثلاثين سنة، لم تكن مجرد عقد تجاري طويل الأمد. كانت إعلانًا مبكرًا عن أن موسكو بدأت تنظر شرقًا حتى قبل أن تنغلق أبواب الغرب بالكامل. وحين بدأت الحرب في أوكرانيا وتوسعت العقوبات، لم تعد هذه الوجهة خيارًا إضافيًا، بل صارت ضرورة استراتيجية.


لكن العلاقة هنا ليست علاقة توازن كامل. الصين تفاوض روسيا من موقع قوة. فهي تعرف أن موسكو تحتاج إليها أكثر مما تحتاج هي إلى موسكو. روسيا تريد سوقًا بديلة ومستقرة لغازها، بينما الصين تريد طاقة برية آمنة، وبأسعار مناسبة، ودون أن تمنح موسكو قدرة ابتزاز مشابهة لتلك التي كانت تملكها تجاه أوروبا. لذلك تتحرك بكين ببرودة: تأخذ ما تحتاجه، تفاوض بقسوة، وتترك موسكو تنتظر في الملفات الكبرى، مثل مشروع Power of  Siberia 2. "قوة سيبيريا 2".


وهذا المشروع الثاني، إذا اكتمل في المستقبل المنظور، سيكون أكثر من توسعة في الإمدادات. إنه محاولة لإعادة توجيه جزء مهم من الطاقة الروسية من الغرب إلى الشرق. أوروبا كانت هي المجال الطبيعي التاريخي للغاز الروسي، أما الصين فتصير اليوم السوق التي تسمح لموسكو بإعادة تعريف نفسها كقوة آسيوية - أوراسية، لا كقوة أوروبية فقط.


غير أن هذه النقلة تحمل في داخلها مفارقة عميقة. روسيا، التي أرادت أن تكسر التبعية لأوروبا، قد تجد نفسها في تبعية جديدة للصين. كانت تبيع الغاز لأوروبا ضمن علاقة توتر واعتماد متبادل، لكنها الآن تبيع للصين من موقع أضعف، لأن خياراتها تقلصت. بكين تعرف ذلك، ولذلك لا تستعجل منح موسكو كل ما تريد.


من جهة الصين، الغاز الروسي ليس بديلًا كاملًا عن نفط الخليج ولا عن الغاز المسال ولا عن الطاقة النظيفة، لكنه جزء من استراتيجية أوسع: تقليل الانكشاف على الممرات البحرية التي قد تتحول في لحظة أزمة إلى نقاط ضغط أمريكية. الغاز الذي يأتي عبر البر أقل تعرضًا لمضيق هرمز، وأقل ارتباطًا بسفن وموانئ وبحار يمكن مراقبتها أو تهديدها. لهذا لا ترى الصين في الطاقة الروسية مجرد سعر منخفض، بل ترى فيها عمقًا استراتيجيًا.


هنا تلتقي حرب أوكرانيا بأزمة إيران. أوكرانيا دفعت روسيا إلى الصين، وإيران والخليج يدفعان الصين إلى البحث عن طاقة أقل هشاشة. وما بين موسكو وبكين، تتشكل بنية جديدة لا تقوم على التحالف الأيديولوجي بقدر ما تقوم على الحاجة المتبادلة: روسيا تحتاج إلى سوق، والصين تحتاج إلى أمن طاقي، وكلتاهما تريد تقليص قدرة واشنطن على خنقها أو عزلها.


هذا لا يعني أن محورًا صينيًا روسيًا صلبًا قد وُلد بلا تناقضات. فالصين حذرة من أن تتحمل عبء روسيا، وروسيا حذرة من أن تتحول إلى ملحق طاقي للصين. لكن الأهم أن الغرب لم يعد قادرًا على عزل موسكو بالطريقة التي كان يتخيلها. ففي عالم أحادي القطبية، كانت العقوبات الغربية كافية لإخراج دولة من النظام. أما في عالم يتشكل من رحم الفوضى، فالعقوبات تدفع الدول المعاقبة إلى بناء أنظمة بديلة، ولو كانت ناقصة ومكلفة.


ومن هذه الزاوية، يصبح خط الغاز الروسي إلى الصين رمزًا لتحول أعمق: لم تعد الأنابيب تحمل الغاز وحده، بل تحمل معها خرائط نفوذ جديدة. فكل متر مكعب يذهب شرقًا هو، في المعنى الاستراتيجي، إعلان عن تقلص مركزية أوروبا في الحساب الروسي، وتزايد مركزية آسيا في اقتصاد الحرب الروسي، وفي أمن الطاقة الصيني.



سادسًا: الخليج القَلِق… من المظلة الأمريكية إلى شبكة ردع متعددة


إذا كانت إيران قد كشفت حدود القوة الأمريكية، وإذا كانت روسيا والصين قد كشفتا تراجع قدرة الغرب على العزل والحصار، فإن الخليج يكشف جانبًا آخر من التحول العالمي: أزمة الثقة في الضمانات الأمريكية.


لم تعد دول الخليج تنظر إلى الولايات المتحدة كما كانت تنظر إليها في العقود السابقة. ما زالت واشنطن الشريك العسكري الأكبر، وما زالت تمتلك القواعد، والاستخبارات، وأنظمة الدفاع الجوي، والبحرية، والقدرة على التدخل. لكن الثقة السياسية لم تعد مطلقة. فقد اكتشفت دول الخليج، من العراق إلى الربيع العربي، ومن الاتفاق النووي إلى الهجمات على المنشآت النفطية، ومن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان إلى التردد في مواجهة بعض الأزمات، أن المظلة الأمريكية قوية عسكريًا لكنها متقلبة سياسيًا تميل أينما مالت المصالح.


هنا لا يتعلق الأمر بقطيعة مع واشنطن. لا السعودية ولا الإمارات ولا بقية دول الخليج تستطيع، في المدى المنظور، الاستغناء عن القدرات الأمريكية. لكن ما يتغير هو تصور الأمن نفسه. لم يعد الأمن الخليجي يُبنى على ركيزة واحدة، بل على طبقات متعددة: أمريكا في الأعلى، ثم شركاء إقليميون وإسلاميون وآسيويون، ثم قدرات وطنية متزايدة في الدفاع الجوي، والصواريخ، والطائرات المسيّرة، والاستخبارات، والحرب السيبرانية.


من هنا يمكن فهم التحركات التي شملت باكستان ومصر وربما المغرب وغيرهم. ليست المسألة مجرد مشاركة رمزية أو استعراض تضامني. إن استدعاء قوات، طائرات، خبرات دفاعية، أو دعم لوجستي من دول عربية وإسلامية يعني أن الخليج بدأ يفكر بمنطق الردع الجماعي غير الغربي، أو على الأقل بمنطق التأمين الإضافي حين تتردد واشنطن أو تنشغل أو تساوم.


باكستان تحديدًا لها وزن خاص في الحساب السعودي. فهي دولة نووية، ذات جيش كبير، وتجربة عسكرية طويلة، وعلاقة تاريخية مع الرياض. حتى حين لا يُقال ذلك صراحة، فإن وجود العمق الباكستاني يمنح السعودية رسالة ردع أبعد من حدود الدفاع التقليدي. الرسالة ليست أن باكستان ستخوض حربًا شاملة ضد إيران بالضرورة، بل أن السعودية لا تريد أن تبقى وحيدة إذا اضطربت المظلة الأمريكية أو ترددت.


أما الإمارات، فهي تفكر بعقلية مختلفة لكنها قريبة في النتيجة: تريد شبكة حماية واسعة، تنويع الشركاء، وتحويل نفسها إلى مركز قوة عالي الاتصال، لا مجرد دولة صغيرة غنية تنتظر القرار الأمريكي. ولذلك يصبح التعاون مع مصر، والمغرب، وربما قوى أخرى، جزءًا من سياسة أوسع: بناء عمق عربي وإقليمي حول الأمن الخليجي.


لكن من المهم ألا نبالغ في تفسير هذه التحركات بوصفها إعلانًا عن حرب استنزاف خليجية ضد إيران. دول الخليج لا تريد حربًا مفتوحة. فهي تعرف أن قوتها الاقتصادية تقوم على الاستقرار، والاستثمار، والطاقة، والموانئ، والطيران، والخدمات، والمدن الآمنة. وكل هذه العناصر يمكن أن تتعرض لضرر هائل إذا تحولت المنطقة إلى ساحة صواريخ ومسيّرات وهجمات بحرية.


لذلك فالأقرب أن ما يجري هو بناء ردع احتياطي، لا إعلان حرب. الخليج يقول لإيران: أي هجوم لن يواجه دولة منفردة فقط، بل شبكة أوسع. ويقول لأمريكا في الوقت نفسه: نحن ما زلنا بحاجة إليك، لكننا لن نضع مصيرنا كله في يد قرارك وحدك. ويقول للصين وروسيا وبقية العالم: أمن الطاقة لم يعد مضمونًا إذا استمرت المنطقة مكشوفة أمام تصعيد لا يمكن ضبطه.


هذا التحول مهم جدًا؛ لأنه يعني أن دول الخليج بدأت تتصرف كقوى تبحث عن استقلال استراتيجي نسبي، لا كحلفاء ينتظرون التعليمات. قد يكون هذا الاستقلال محدودًا، وقد لا يصل إلى قطيعة مع واشنطن، لكنه يعكس تغيرًا في العقل السياسي الخليجي: الحليف الأمريكي ضروري، لكنه ليس كافيًا. والسلاح الغربي متقدم، لكنه لا يكفي إذا كانت الإرادة السياسية الغربية مترددة. والتحالفات القديمة مفيدة، لكنها لا تغني عن بناء بدائل.


ومن هنا يصبح الخليج جزءًا من الفوضى الانتقالية نفسها. فهو لا يقف خارج الصراع على النظام الجديد، بل في قلبه. فالخليج يملك الطاقة، والمال، والموقع، والممرات، والاستثمارات، والصناديق السيادية، والعلاقات مع الغرب والشرق معًا. ومن يظن أن الخليج مجرد ساحة، لا فاعلًا، يخطئ قراءة المرحلة. صحيح أن الخليج ليس قوة عظمى، لكنه يملك من الأوراق ما يجعله محورًا في أي نظام قادم.


لكن هذا الموقع يحمل مخاطر كبرى. فكلما زادت أهمية الخليج، زادت قابليته لأن يتحول إلى ساحة مساومة بين الكبار. أمريكا تريد بقاءه داخل مدارها الأمني، الصين تريد طاقته واستثماراته وممراته، روسيا تريد شراكة في الطاقة والأسعار، إيران تريد منع تحوله إلى قاعدة عدائية، وأوروبا تريد استقراره دون أن تملك دائمًا القدرة على حمايته. وسط هذه الحسابات كلها، تحاول دول الخليج أن تلعب لعبة دقيقة: الانفتاح على الجميع دون خسارة أحد، والاحتماء بأمريكا دون الارتهان الكامل لها، والتواصل مع الصين دون استفزاز واشنطن إلى حد القطيعة، وردع إيران دون إشعال حرب شاملة.


هذه اللعبة صعبة، لكنها تعكس روح النظام الجديد: لم يعد الولاء المطلق مضمونًا، ولم تعد الأحلاف صلبة كما كانت، ولم تعد الدول المتوسطة والغنية تقبل أن تبقى مجرد أدوات في يد قوة واحدة. الجميع يبحث عن هامش مناورة. والجميع يشعر أن العالم القديم لم يعد يوفر الضمانات نفسها.


لذلك يمكن القول إن الخليج لا يغادر النظام الأمريكي، لكنه يستعد لعالم قد لا تكفي فيه أمريكا وحدها. وهذه واحدة من أوضح علامات المرحلة الانتقالية: الحلفاء لم يعودوا يقطعون مع واشنطن، لكنهم لم يعودوا ينامون مطمئنين تحت مظلتها كما في السابق.



سابعًا: هل نحن أمام حرب استنزاف مع إيران أم ردع مسلح طويل؟


السؤال الذي يفرض نفسه بعد كل هذه التحركات هو: هل تستعد المنطقة لحرب استنزاف طويلة مع إيران، أم أن ما يجري لا يتجاوز بناء ردع احتياطي لمنع الحرب لا لإشعالها؟


الجواب الأقرب أن المنطقة تقف بين الاحتمالين. لا توجد رغبة واضحة عند الأطراف الكبرى في حرب شاملة، لكن لا توجد أيضًا ضمانات كافية تمنع الانزلاق إليها. فالحرب مع إيران، إن اندلعت، لن تكون حربًا كلاسيكية محدودة بين جيشين، بل شبكة اشتباكات متعددة الجبهات: صواريخ، مسيّرات، قواعد عسكرية، ممرات بحرية، منشآت نفطية، عمليات سيبرانية، وكلاء إقليميون، وضغوط على الأسواق العالمية.


وهذا ما يجعل إيران خصمًا صعبًا. فهي لا تحتاج إلى هزيمة أمريكا أو الخليج عسكريًا بالمعنى التقليدي، بل يكفيها أن تجعل كلفة الحرب عالية، وأن تخلق شعورًا دائمًا بعدم الاستقرار. في عالم الطاقة والأسواق والاستثمار، ليس المطلوب دائمًا تدمير الخصم؛ يكفي أحيانًا أن تجعله مكشوفًا أمام الخوف.


لذلك فإن دول الخليج تتحرك بمنطق مزدوج:

لا تريد حربًا شاملة، لكنها لا تريد أن تظهر عاجزة عن الدفاع.

لا تريد القطيعة مع أمريكا، لكنها لا تريد الارتهان الكامل لقرار واشنطن.

لا تريد استفزاز إيران وجرها إلى مواجهة مفتوحة، لكنها لا تريد ترك المجال لها لتفرض الردع من طرف واحد.


من هنا يمكن فهم نشر قوات أو طائرات أو دعم دفاعي من دول مثل باكستان ومصر والمغرب بوصفه جزءًا من سياسة الردع المسلح الطويل. هذا الردع لا يعني بالضرورة الإعداد لهجوم، بل يعني رفع كلفة الهجوم على الخليج، وإرسال رسالة مفادها أن أي تصعيد إيراني لن يواجه هدفًا منفردًا أو هشًا، بل شبكة دفاعية عربية وإسلامية أوسع.


لكن المشكلة أن الردع، في لحظات الفوضى، يمكن أن يتحول إلى استنزاف. كل طرف يعزز دفاعه كي يمنع الحرب، فيقرأ الطرف الآخر التعزيز بوصفه استعدادًا للحرب، فيزيد هو بدوره من جاهزيته. وهكذا تتراكم الإشارات العسكرية حتى يصبح الخطأ في الحسابات كافيًا لإشعال مواجهة لم يكن أحد يريدها كاملة.


وعلى هذا الأساس، هناك ثلاثة سيناريوهات ممكنة في المرحلة المقبلة:


السيناريو الأول هو تسوية مؤقتة. في هذا السيناريو، تدرك واشنطن وطهران ودول الخليج أن كلفة الحرب الشاملة أعلى من مكاسبها، فيتم الوصول إلى تفاهم محدود: لا يحل كل الملفات، لكنه يمنع الانفجار. هذا هو السيناريو الأقل كلفة، لكنه ليس الأكثر استقرارًا، لأنه يرحّل المشكلة ولا ينهيها. إيران ستبقى تملك أدوات الردع، وأمريكا ستبقى تريد تقييدها، والخليج سيبقى قلقًا من الطرفين.


السيناريو الثاني هو ردع متبادل طويل. لا حرب شاملة، ولا سلام حقيقي. تبقى المنطقة في حالة توتر محسوب: قواعد في حالة تأهب، دفاعات جوية نشطة، مناوشات بحرية، ضربات محدودة، رسائل عسكرية، عمليات سيبرانية، واشتباكات غير مباشرة عبر وكلاء. هذا السيناريو هو الأكثر احتمالًا، لأنه يسمح لكل طرف بالقول إنه لم يتراجع، دون أن يدفع ثمن الحرب الشاملة.


السيناريو الثالث هو حرب استنزاف إقليمية منخفضة الحدة. وفيه لا تدخل المنطقة حربًا كبرى معلنة، لكنها تعيش حربًا متقطعة: هجمات على منشآت، ردود محدودة، تهديد للملاحة، قصف متبادل، واستنزاف طويل للدفاعات الجوية والميزانيات والثقة الاستثمارية. هذا السيناريو خطير لأنه لا يبدأ عادة بقرار استراتيجي واضح، بل بتراكم ضربات وردود حتى يصبح الخروج منه صعبًا.


الراجح أن الأطراف لا تريد السيناريو الثالث، لكنها قد تنزلق إليه إذا فشلت التسويات المؤقتة، أو إذا اعتقد طرف ما أن الطرف الآخر فقد القدرة على الرد. فالحروب الكبرى لا تبدأ دائمًا من رغبة كاملة في الحرب، بل كثيرًا ما تبدأ من سوء تقدير: ضربة محسوبة تُقرأ كإعلان حرب، أو رد محدود يفتح باب رد أكبر، أو حليف صغير يجرّ الكبار إلى مواجهة لم يختاروها (إسرائيل نموذجا في هذه الحالة).


في هذا السياق، تصبح إيران ليست مجرد دولة محاصرة، بل أداة قياس لمدى صلابة النظام الدولي القديم. فإذا لم تستطع أمريكا حسم الملف الإيراني، ولم يستطع الخليج ضمان أمنه وحده، ولم تستطع الصين تجاهل أثر الحرب على الطاقة، ولم تستطع روسيا البقاء خارج الحساب، فهذا يعني أن إيران تحولت من أزمة إقليمية إلى عقدة نظامية تكشف تداخل العالم كله.


وهنا تظهر الحقيقة الأوسع: النظام الدولي القديم كان يعد العالم بالاستقرار تحت قيادة قوة واحدة. أما النظام الجديد الآخذ في التشكل، فيبدو أنه يعد العالم بشيء آخر: توازنات متحركة، ردع متبادل، تحالفات غير مكتملة، وتوترات قابلة للاشتعال في كل لحظة.



ثامنًا: أوروبا والهند واليابان… الحاضرون في ظل الغياب


إذا كان الحديث يدور حول أمريكا والصين وروسيا وإيران والخليج، فقد يبدو أن أوروبا والهند واليابان خارج المشهد. وهذا غير صحيح. هذه القوى حاضرة، لكنها حاضرة بطريقة مختلفة: ليست غائبة من حيث الأهمية، لكنها غائبة جزئيًا عن مركز القرار في لحظة إعادة تشكيل الخرائط.


أوروبا، في الظاهر، قوة هائلة: اقتصاد كبير، سوق ضخمة، تكنولوجيا متقدمة، عملة مؤثرة، تاريخ سياسي، ومؤسسات عابرة للدول. لكنها في لحظة الأزمات الكبرى تظهر أنها تفتقر لوحة القرار السياسي، ومحدودة الاستقلال الاستراتيجي. حرب أوكرانيا كشفت أن أوروبا لا تزال تعتمد أمنيًا على الولايات المتحدة، وأن قدرتها على اتخاذ قرار مستقل في مواجهة روسيا أو الصين تبقى مقيدة بالناتو، وبالتفاوت الداخلي بين دولها، وبالخوف من كلفة الانفصال الكامل عن المظلة الأمريكية.


وهذا لا يعني أن أوروبا ضعيفة بالمعنى المطلق، بل يعني أن قوتها الاقتصادية لا تتحول دائمًا إلى قوة جيوسياسية حاسمة. إنها قارة غنية، لكنها مترددة؛ مؤثرة، لكنها بطيئة؛ قادرة على التمويل والعقوبات والتنظيم، لكنها أقل قدرة على المبادرة السياسية والعسكرية المستقلة. ولذلك تبدو في النظام الجديد كفاعل كبير، لكنه لا يجلس دائمًا في المقعد الأول عند رسم الخرائط الصلبة.


أما اليابان، فهي قوة تكنولوجية واقتصادية عالية، لكنها مقيدة بترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية وبالمظلة الأمنية الأمريكية. صحيح أن اليابان تعيد النظر في سياساتها الدفاعية، وتزيد إنفاقها العسكري، وتشعر بقلق عميق من الصين وكوريا الشمالية، لكنها لا تزال تتحرك ضمن المدار الاستراتيجي الأمريكي. ولذلك يصعب اعتبارها رأسًا مستقلًا في نظام عالمي جديد، رغم أنها أحد أعمدة التوازن الآسيوي.


أما الهند فهي الحالة الأكثر تعقيدًا. فهي قوة صاعدة، ديموغرافيًا واقتصاديًا وعسكريًا، وتملك طموحًا واضحًا لأن تكون قطبًا مستقلًا لا تابعًا. لكنها لا تريد أن تدخل في محور صيني، ولا أن تصبح أداة أمريكية، ولا أن تقطع علاقتها التاريخية مع روسيا. الهند تلعب لعبة دقيقة: تشتري السلاح والطاقة من روسيا، تتعاون مع أمريكا ضد تمدد الصين، تنافس الصين في آسيا، وتحافظ في الوقت نفسه على خطاب استقلال استراتيجي.


لذلك فإن استبعاد الهند من أي تصور ضيق لـ“نظام ثلاثي” لا يعني أنها غير مهمة، بل يعني أنها لم تقبل بعد أن تكون جزءًا من طاولة يقودها غيرها. الهند تريد نظامًا متعدد الأقطاب، لكن بشرط أن تكون هي أحد هذه الأقطاب، لا مجرد ملحق بمحور أمريكي أو صيني أو روسي.


وهنا يظهر الفرق بين القوة الصاعدة والقوة المقررة. الهند قوة صاعدة بلا شك، لكنها لم تصل بعد إلى القدرة على التأثير في إعادة تشكيل النظام الدولي. أوروبا قوة مقررة اقتصاديًا، لكنها مترددة استراتيجيًا. اليابان قوة تكنولوجية، لكنها مقيدة أمنيًا. ولذلك يبقى مركز الصراع الراهن محصورًا أساسًا بين القوى التي تمتلك أدوات التعطيل المباشر: أمريكا، الصين، روسيا، ومعها عقد إقليمية شديدة التأثير مثل إيران والخليج.


لكن هذا الوضع لن يبقى ثابتًا. فالنظام الجديد، إن تشكل فعلًا، لن يكون ثلاثيًا خالصًا ولا ثنائيًا بسيطًا. سيكون على الأرجح نظامًا متداخل الطبقات: قوى عظمى تتنازع القمة، قوى كبرى تحاول انتزاع موقع مستقل، وقوى إقليمية غنية أو مسلحة أو ذات موقع استراتيجي تتحول إلى بيضات قبان في ملفات محددة.


وفي هذا العالم، قد تكون أوروبا والهند واليابان أقل حضورًا في لحظة الانفجار، لكنها ستعود بقوة في لحظة الترتيب. أوروبا ستبقى ضرورية في المال والتكنولوجيا والعقوبات وإعادة الإعمار. الهند ستصبح ضرورية في التوازن الآسيوي وسلاسل الإمداد والديموغرافيا. اليابان ستبقى ضرورية في التكنولوجيا والبحار الآسيوية والتحالفات الأمريكية. لكن لحظة الفوضى الحالية لا تكافئ دائمًا الأكثر ثراءً أو الأكثر تنظيمًا، بل تكافئ الأكثر قدرة على المناورة والردع وتعطيل الخصم.


وهذا يفسر لماذا تبدو دول مثل إيران، رغم أزماتها الاقتصادية، أكثر حضورًا من دول أغنى منها بكثير؛ ولماذا تبدو روسيا، رغم اقتصادها المحدود نسبيًا، أكثر تأثيرًا من قوى اقتصادية كبرى؛ ولماذا يبدو الخليج، رغم هشاشته الأمنية، حاضرًا في قلب التوازن العالمي. لأن النظام الجديد لا يُقاس فقط بحجم الناتج، بل بحجم الأثر في نقاط الاختناق: الطاقة، الحرب، الممرات، السلاح، التكنولوجيا، والمال السيادي.


وهكذا نعود إلى الفكرة المركزية: العالم لا ينتقل إلى نظام واضح المعالم، بل إلى فضاء تتغير فيه معايير القوة نفسها. لم تعد القوة الاقتصادية وحدها تكفي، ولا القوة العسكرية وحدها تكفي، ولا الشرعية الأخلاقية وحدها تكفي. القوة الجديدة هي القدرة على الجمع بين عدة أوراق: أن تملك ما يحتاجه الآخرون، وأن تستطيع تعطيل ما يخافون عليه، وأن تجد حلفاء حين يحاول خصومك عزلك.


في هذا المعنى، أوروبا والهند واليابان ليست خارج النظام الجديد، لكنها لم تحدد بعد موقعها النهائي داخله. إنها حاضرة في الخلفية، تنتظر أن تنتهي المرحلة الأخطر من التدافع، أو تحاول التأثير فيها من دون أن تتحمل وحدها كلفة المواجهة المفتوحة.



تاسعًا: من النظام العالمي إلى عالم الصفقات الكبرى… ماذا يولد من رحم الفوضى؟


إذا أردنا تلخيص اللحظة الدولية الراهنة في عبارة واحدة، فيمكن القول إن العالم لا ينتقل من نظام قديم إلى نظام جديد واضح، بل ينتقل من نظام ادّعى العالمية إلى عالم الصفقات الكبرى.


النظام القديم، رغم كل تناقضاته، كان يملك خطابًا جامعًا: الليبرالية، القانون الدولي، حقوق الإنسان، السوق الحرة، العولمة، المؤسسات الدولية، وقيادة أمريكية تزعم أنها تحمي الاستقرار. صحيح أن هذا الخطاب كان كثيرًا ما يخفي علاقات قوة وانتقائية وازدواجية في المعايير، لكنه كان يمنح النظام غطاءً أخلاقيًا وسياسيًا. أما اليوم، فقد تآكل هذا الغطاء. لم يعد كثير من العالم يصدق أن القواعد تطبق على الجميع بالطريقة نفسها، ولا أن المؤسسات الدولية قادرة على منع الحروب، ولا أن القوة الأمريكية تعمل دائمًا باسم المبادئ لا المصالح.


لكن سقوط الشرعية القديمة لم ينتج عدالة جديدة. وهذه هي خطورة المرحلة. ما يتشكل ليس نظامًا أخلاقيًا أكثر إنصافًا، بل نظام أكثر عريًا: مناطق نفوذ، مساومات بين الكبار، صفقات طاقة، خطوط أنابيب، أحلاف مرنة، ردع متبادل، عقوبات مضادة، سباق تكنولوجي، ومحاولات مستمرة لتقليل الارتهان للخصوم.


في هذا العالم الجديد، لا تختفي أمريكا. الحديث عن نهاية أمريكا بمعنى السقوط الكامل قراءة متعجلة. الولايات المتحدة ما زالت تملك الدولار والمؤسسات المالية الكبرى، والقوة العسكرية الأكبر، وشبكة القواعد، والتكنولوجيا، والجامعات، والاستخبارات، والتحالفات، والقدرة على العقاب المالي. لكنها لم تعد تملك الشيء الذي امتلكته بعد نهاية الحرب الباردة: القدرة شبه المطلقة على تعريف الشرعية الدولية وحدها.


ولا تحل الصين محل أمريكا بسهولة. الصين تصعد بقوة، لكنها لا تقدم حتى الآن نموذج قيادة عالمي مكتملًا. إنها بارعة في التجارة، الصناعة، البنية التحتية، التكنولوجيا، والصبر الاستراتيجي، لكنها حذرة في تحمل أعباء القيادة العالمية. الصين تريد تقليص الهيمنة الأمريكية، لكنها لا تريد أن ترث كل كلفة النظام الأمريكي. تريد نفوذًا أكبر، لكن دون أن تتحول إلى شرطي العالم.


أما روسيا، فهي ليست مرشحة لقيادة النظام العالمي اقتصاديًا، لكنها مرشحة لأن تكون قوة تعطيل كبرى. وهذا ما يجعلها خطيرة. فقد لا تملك موسكو اقتصادًا بحجم طموحها، لكنها تملك السلاح النووي، والطاقة، والعمق الجغرافي، والقدرة على الحرب الطويلة، والاستعداد لتحمل كلفة لا تتحملها مجتمعات غربية بسهولة. لذلك فإن روسيا في النظام الجديد ليست قائدًا عالميًا، بل قوة تقول للغرب: لن تستطيعوا بناء نظام ضدنا دون أن ندفعه إلى الفوضى.


أما إيران، فهي تكشف أن الدول المتوسطة، إذا امتلكت أدوات ردع غير متماثلة، تستطيع أن تفرض نفسها على حسابات الكبار. ليست إيران قوة عظمى، ولا تملك اقتصادًا يسمح لها بقيادة إقليمها بلا كلفة، لكنها تملك قدرة على الإزعاج والتعطيل والتهديد تجعل تجاهلها مستحيلًا. ولهذا فشلت محاولة التعامل معها كملف قابل للحسم بضربة أو عقوبة أو حصار فقط.


والخليج، من جهته، لم يعد مجرد خزّان طاقة تحت حماية أمريكية. إنه يتحول إلى فاعل يبحث عن تنويع الضمانات: يحافظ على علاقته بواشنطن، يفتح الأبواب لبكين، ينسق في الطاقة مع موسكو، يستدعي العمق الباكستاني أو العربي عند الحاجة، ويستثمر في بناء قدراته الدفاعية والاقتصادية. إنه لا يغادر النظام القديم كليًا، لكنه يستعد لعالم لا يضمنه ذلك النظام وحده.


هكذا تتشكل الفوضى الجديدة:

أمريكا قوية لكنها أقل قدرة على الإقناع.

الصين صاعدة لكنها حذرة في القيادة.

روسيا أضعف اقتصاديًا لكنها أكثر استعدادًا للتصعيد.

إيران محاصرة لكنها قادرة على التعطيل.

الخليج غني لكنه قلق.

أوروبا حاضرة اقتصاديًا وغائبة استراتيجيًا.

الهند صاعدة لكنها ترفض الاصطفاف الكامل.

واليابان متقدمة لكنها مقيدة بالمظلة الأمريكية.


هذه ليست خريطة نظام مستقر، بل خريطة عالم يبحث عن توازنه وسط صدامات متداخلة.


ولعل أخطر ما في هذه المرحلة أن الصفقات الكبرى قد تُعقد فوق رؤوس الدول الصغيرة والمتوسطة. فإذا كان النظام الليبرالي القديم يتحدث بلغة القانون والمؤسسات، فإن النظام الجديد قد يتحدث بلغة أبرد: ماذا تملك؟ ماذا تستطيع أن تعطل؟ من يحميك؟ من يحتاج إليك؟ وما الثمن الذي تستطيع أن تفرضه؟


في مثل هذا العالم، لا يكفي أن تكون الدولة محقة أخلاقيًا. ولا يكفي أن تكون غنية. ولا يكفي أن تكون محمية بتحالف قديم. الأهم أن تملك أوراقًا حقيقية: أمن غذائي، أمن طاقي، قدرة دفاعية، موقع استراتيجي، اقتصاد متنوع، تكنولوجيا، وحدة داخلية، وتحالفات متعددة لا تجعل مصيرها في يد طرف واحد.


إن العالم الذي يولد من رحم الفوضى ليس عالمًا مطمئنًا. إنه عالم تقل فيه الضمانات وتزداد فيه المساومات. عالم لا تنتهي فيه الهيمنة دفعة واحدة، ولا تولد فيه العدالة تلقائيًا من تراجع الغرب. قد يكون أكثر تعددية، لكنه ليس بالضرورة أكثر أخلاقية. وقد يكون أقل خضوعًا لقوة واحدة، لكنه قد يكون أكثر عرضة لصراعات متعددة.


لذلك فالسؤال الحقيقي ليس: هل انتهى النظام الأمريكي؟

بل: أي نوع من العالم سيحل محل النظام الذي يتفكك؟


هل سيكون عالمًا متعدد الأقطاب يفتح المجال لتوازن أكثر عدلًا؟

أم عالمًا تتقاسمه قوى كبرى بلا مرجعية أخلاقية جامعة؟

هل ستستفيد الدول المتوسطة من هوامش المناورة الجديدة؟

أم ستتحول إلى ساحات اختبار ومساومة؟

هل يؤدي تراجع الأحادية إلى حرية أكبر للشعوب؟

أم إلى عودة مناطق النفوذ والإمبراطوريات المقنّعة؟


لا أحد يملك جوابًا نهائيًا. لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن المرحلة القديمة انتهت كقدرة على إدارة العالم بالطريقة نفسها، وأن المرحلة الجديدة لم تولد بعد كقواعد مستقرة. نحن في المسافة الخطرة بين موت نظام وولادة آخر، وفي هذه المسافة تكثر الحروب، وتتكاثر الصفقات، وتضطرب التحالفات، وتُختبر الدول في قدرتها على حماية نفسها ومصالحها دون أن تفقد بوصلتها.



خاتمة: العالم بين موت الهيمنة وولادة الفوضى


ليست الأزمة الراهنة أزمة إيران وحدها، ولا حرب أوكرانيا وحدها، ولا صعود الصين وحده، ولا قلق الخليج وحده. إنها أعراض متفرقة لمرض واحد: النظام العالمي القديم لم يعد قادرًا على ضبط العالم الذي صنعته العولمة نفسها.


لقد صنعت العولمة ترابطًا هائلًا بين الطاقة، والغذاء، والتكنولوجيا، والمال، والممرات البحرية، وسلاسل الإمداد. لكنها لم تصنع عدالة دولية قادرة على إدارة هذا الترابط. وحين اهتزت الثقة في المركز الأمريكي، لم يظهر مركز بديل قادر على حمل العبء. هكذا دخل العالم مرحلة اضطراب: كل قوة تحاول أن تحمي نفسها، وكل دولة تبحث عن بدائل، وكل حليف يشك في حليفه، وكل خصم يحاول أن يستغل الفراغ.


بكين تستقبل الكبار لأنها تريد أن تقول إن العالم لم يعد يمر من واشنطن وحدها.

موسكو تصمد في أوكرانيا لأنها حولت الحرب إلى مركز اقتصادها.

طهران لا تُحسم لأنها جعلت كلفة هزيمتها أعلى من قدرة خصومها على الاحتمال.

الخليج يبني شبكات ردع جديدة لأنه لم يعد يثق في مظلة واحدة.

وأوروبا والهند واليابان تراقب وتناور، لأن النظام القادم لم يحدد بعد مقاعده النهائية.


من هنا فإن القول إن النظام العالمي القديم انهار يحتاج إلى دقة: لم تنهَر كل أدواته، لكنها فقدت يقينها القديم. لم يسقط الدولار، لكن شرعية القيادة اهتزت. لم ينتهِ الناتو، لكن العالم لم يعد أطلسيًا وحده. لم تختفِ أمريكا، لكنها لم تعد وحدها. لم تنتصر الصين نهائيًا، لكنها صارت عقدة لا يمكن تجاوزها. لم تنتصر روسيا، لكنها منعت هزيمتها السريعة. لم تنتصر إيران، لكنها أفشلت الحسم ضدها. ولم ينفصل الخليج عن واشنطن، لكنه بدأ يفتش عن أبواب أخرى.


هذه هي الفوضى الانتقالية: لا غالب نهائيًا، ولا نظام مكتملًا، ولا قواعد مستقرة. ومع ذلك، فإن التاريخ لا ينتظر حتى تتضح الخريطة. الخرائط تُرسم الآن: في خطوط الغاز، في المضائق، في المصانع، في غرف القيادة العسكرية، في صناديق السيادة، في صفقات السلاح، في التكنولوجيا المتقدمة، وفي كل حرب صغيرة قد تتحول إلى مرآة لحرب كبرى.


وربما تكون العبارة الأصدق لوصف اللحظة هي أن العالم لا يعيش نهاية التاريخ، كما قيل يومًا، بل يعيش عودة التاريخ بكل قسوته: عودة الجغرافيا، والطاقة، والحرب، والهوية، والخوف، والمساومة. لكن الفرق أن هذه العودة تحدث في عالم مترابط أكثر من أي وقت مضى؛ ولذلك فإن حريقًا في الخليج قد يربك الصين، وحربًا في أوكرانيا قد تعيد تشكيل أوروبا، وصفقة غاز بين موسكو وبكين قد تغيّر ميزان الطاقة، وترددًا أمريكيًا واحدًا قد يدفع الحلفاء إلى بناء مظلات بديلة.


إن ما يولد اليوم من رحم الفوضى قد يكون نظامًا أكثر تعددية، لكنه لن يكون بالضرورة أكثر عدلًا. العدالة لا تولد تلقائيًا من توازن القوى؛ قد يولد من التوازن نوع من الردع، وربما بعض المساحة للدول التي أحسنت المناورة، لكن العدالة تحتاج إلى وعي، ومؤسسات، وأخلاق سياسية، وقوة، وإرادة تمنع الأقوياء من تحويل العالم إلى سوق صفقات بلا ضمير.


ولهذا فإن أخطر ما في المرحلة المقبلة ليس فقط صعود الصين، أو صمود روسيا، أو استعصاء إيران، أو قلق الخليج. الأخطر هو أن يعتاد العالم فكرة أن القوة وحدها هي القانون، وأن الصفقات الكبرى يمكن أن تعوض غياب المبادئ، وأن مصائر الشعوب يمكن أن تُدار كما تُدار خطوط الغاز وممرات التجارة.


النظام القديم كان ظالمًا في كثير من وجوهه، لكنه كان يملك لغة أخلاقية يدعيها ظاهرياً. أما النظام الجديد، إن وُلد بلا ميزان أخلاقي، فقد يكون أكثر صراحة في قسوته، وأقل حاجة إلى التبرير. وهنا تصبح مهمة الدول والمجتمعات والمثقفين ألا يكتفوا بمراقبة انتقال القوة من يد إلى أخرى، بل أن يسألوا: أي عالم نريد أن يولد بعد هذا الانهيار؟


فالتحول الدولي لا يهم الخبراء وحدهم. إنه يمس الغذاء، والطاقة، والهجرة، والعمل، والحرب، والتكنولوجيا، والهوية، ومستقبل الإنسان. وما يجري اليوم في بكين وموسكو وطهران والرياض وواشنطن ليس بعيدًا عن حياة الناس، بل هو جزء من السؤال الأكبر: هل سيدخل الإنسان القرن الحادي والعشرين تحت رحمة صفقات القوى الكبرى، أم يستطيع أن يبحث عن نظام أعدل يوازن بين القوة والحق، وبين المصالح والكرامة، وبين الأمن والإنسان؟


ولعل الجواب لم يُكتب بعد.

لكن المؤكد أن العالم القديم لم يعد كما كان، وأن العالم الجديد لم يولد بعد، وأن ما بينهما هو أخطر الأزمنة: زمن الفوضى التي ترسم الخرائط قبل أن تعلن أسماءها.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق