القرآن ومناهج القراءة: بين التفسير والتأويل (01)

 

 بين قرآنٍ يُبيّن، وتراثٍ يراكم، وفتوى تُربك، وواقعٍ يتعثّر: أين ضاع الميزان؟


تمهيد:

يعيش المسلم اليوم مفارقة موجعة. فالقرآن يقدّم نفسه بوصفه فرقانًا يميز الحق من الباطل، وهاديا يخرج الإنسان من الظلمات إلى النور، وميزانًا يقوم به العدل والقسط. غير أن الواقع في كثير من البيئات الإسلامية يبدو بعيدًا عن هذا الصفاء: اضطراب في السياسة، ضعف في العلم، فساد في العمران، انقسام في الوعي، وتدين كثيرًا ما يتحول إلى شعار، أو عادة، أو خصومة، أو أداة تبرير.


من هنا ينهض السؤال الذي لا يذوب في التاريخ: إذا كان القرآن بهذا الوضوح في مقاصده الكبرى، فلماذا يبدو الواقع الإسلامي مرتبكًا؟ وإذا كان الوحي يدعو إلى التقوى، والعدل، والشورى، والرحمة، والعلم، والإصلاح، ومحاسبة النفس وتقويم السلطة، فلماذا حضرت في تاريخ المسلمين، قديمًا وحديثًا، صور كثيرة من الاستبداد، والفساد، والجمود، والضلال، والتنازع، والخلط بين الدين والمذهب، وبين الوحي والسلطة، وبين القرآن وما قيل في القرآن؟.../...


ليست الإجابة عن هذا السؤال سهلة، ولا يجوز أن تُختزل في عبارة جاهزة. فهناك من يرد الأزمة كلها إلى “ترك الدين”، ثم يجعل العودة إليه مرادفة للعودة إلى منظومة مذهبية أو سياسية مخصوصة، ترفع الشعار القرآني دون أن تحتكم فعليًا إلى ميزانه. وهناك من يذهب إلى الطرف المقابل، فيحمّل الدين نفسه مسؤولية التخلف، ويجعل الخروج من الدين أو من مرجعية الوحي شرطًا للتقدم. وكلا الجوابين قاصر؛ لأن الأول يخلط بين القرآن وما صنعه البشر باسم القرآن، والثاني يحاكم الوحي من خلال أخطاء التدين التاريخي.


والمشكلة، في جوهرها، ليست في القرآن، بل في الوسائط التي تراكمت بين القرآن والإنسان. فقد صار كثير من الناس لا يقرأون القرآن مباشرة بمنهجه وميزانه، بل يقرؤونه من خلال نظارات جاهزة: مذهب، أو تراث، أو فتوى، أو سلطة، أو أيديولوجيا، أو قراءة حداثية مسبقة. وهكذا يتحول الخطاب الديني أحيانًا من جسر إلى القرآن إلى حجاب عنه؛ يضع على عين القارئ تصورًا جاهزًا، ثم يطالبه أن يرى الواقع من خلاله.


وتتحدد جذور الانحراف في ثلاثة أمور كبرى.


أولها: سوء فهم الخطاب القرآني.

فحين تُقرأ ألفاظ القرآن خارج شبكتها الدلالية، وتُحمّل بمعانٍ صاغها التاريخ أو الجدل الكلامي أو الصراع المذهبي أو الفقه السلطاني، يتحول المفهوم القرآني من ميزان للعمل إلى تعريف محفوظ لا يغير شيئًا. عندئذ يصير التدين ذاكرة ألفاظ، لا حركة إصلاح؛ ويصبح الإيمان شعارًا، لا بناءً للإنسان؛ وتغدو مفاهيم مثل العدل، والتقوى، والطاعة، والأمة، والجهاد، والشورى، والميزان، مفاهيم سائبة أو مشحونة بتاريخ لا يطابق دائمًا مقصد القرآن.


وثانيها: استغلال الدين في السياسة.

فحين يغدو الدين أداة لشرعنة السلطة، أو أداة للصراع عليها، يضيق القرآن حتى يصير خطاب تعبئة أو تبرير. وتُستدعى الآيات لتثبيت الطاعة، أو إسكات السؤال، أو إضفاء القداسة على الحاكم، أو تخوين المخالف، بينما تُهمَل مقاصد القرآن الكبرى التي يكررها بلا مواربة: الحرية، الكرامة، العدل، القسط، الأمانة، المحاسبة، الإصلاح، ورفض الطغيان. وهكذا تتحول الرسالة من قسط يُقام إلى راية تُرفع.


وثالثها: عدم التفريق بين الوحي والاجتهاد التاريخي.

فالقرآن وحي مؤسس يضع المبادئ والمعايير، أما التفسير والفقه والكلام والتصوف والسياسة الشرعية فهي جهود بشرية تشكلت داخل التاريخ، وتأثرت بأسئلة عصرها، وصراعاتها، وحدود معرفتها، ومواقع أصحابها. فإذا رُفع الاجتهاد إلى مقام الوحي، استُبدل الميزان الحي بذاكرة مقدسة، وعاش المسلم داخل متحف فقهي أو مذهبي، بدل أن يقرأ الحاضر بميزان القرآن ويجتهد لبناء مستقبل أعدل وأرشد.


من هنا تأتي غاية هذا العمل. فهو لا يريد مهاجمة التراث، ولا تبرير الواقع، ولا الارتماء في مناهج حديثة تعيد تعريف القرآن باسم التاريخ أو اللغة أو الثقافة. إنما يريد تحرير نقطة الارتكاز: أن نعيد التمييز بين القرآن وما قيل في القرآن، بين الوحي والتأويل، بين الدين والتدين، بين النص المؤسس وتاريخ الفهم البشري له.


والغاية ليست أن نلغي أدوات الفهم، بل أن نعيد ترتيبها. فاللغة ضرورية، لكنها خادمة للبيان لا حاكمة على الوحي. والتاريخ مهم، لكنه يضيء التلقي ولا يفسر مصدر التنزيل. والعقل لا غنى عنه، لكنه لا يستعلي فوق الوحي. والمقاصد تكشف الغايات، لكنها تُستخرج من القرآن ولا تُفرض عليه من خارجه. والعلوم الحديثة نافعة، لكنها أدوات لا آلهة معرفية. والتراث ذاكرة ثقافية، لكنه ليس قرآنًا يؤسس لدين موازي.


إن المسلم اليوم لا يحتاج إلى ثقافة تُسكِّن السؤال، ولا إلى خطاب سياسوي يعد بكل شيء دون أن يعطي أي شيئ ، ولا إلى حداثة تذيب الوحي في التاريخ، بل يحتاج إلى منهج يفهم به القرآن والواقع معًا. منهج يقيس به الأفكار قبل أن يتبعها، والسلطات قبل أن يطيعها، والفتاوى قبل أن يسلم لها، والنتائج قبل أن يبررها.


وهذا هو معنى الميزان الذي نتحدث عنه: أن يكون القرآن أصلًا حاكمًا، لا مادة تُساق لتأييد ما نريد؛ وأن يكون التراث مجالًا للمراجعة، لا سلطة تغلق باب الفهم؛ وأن تكون الحداثة مجال أدوات وأسئلة، لا مرجعية تعيد تشكيل الوحي على صورتها.


فكل حل لا يميز بين الوحي والاجتهاد التاريخي سيعيد إنتاج الأزمة في صورة جديدة. وكل تدين لا يتحول إلى معيار قابل للقياس: قسطًا، وإصلاحًا، وعلمًا، ومحاسبة، وكرامة، سيبقى شعارًا بلا أثر. وكل قراءة لا تجعل القرآن ميزانًا على التراث والواقع والذات، ستنتهي إما إلى جمود يقدس الماضي، أو إلى سيولة تذيب الوحي في التاريخ.


ولهذا نبدأ هذه السلسلة من المقالات المنهجية من سؤال التفسير والتأويل، لا بوصفه سؤالًا فنيًا خاصًا بالمفسرين وحدهم، بل بوصفه سؤالًا مصيريًا يتعلق بعلاقة الإنسان بكلام الله: كيف نفهم الوحي؟ وبأي أدوات؟ وتحت أي ميزان؟ ومن الذي يملك حق تحويل النص إلى معنى ملزم في حياة الناس؟ هنا تبدأ المسألة، وهنا يبدأ البحث عن الميزان الذي ضاع بين قرآن يُبيّن، وتأويلات تتنازع، وواقع يتعثر.



مقدمة منهجية: 

تجيب هذه السلسلة من المقالات عن سؤال مركزي واحد: كيف نقرأ القرآن قراءة أمينة، لا تحبسه في التراث، ولا تذيبه في مناهج الحداثة؟


هذا السؤال ليس سؤالًا نظريًا مجردًا، بل هو سؤال يمسّ واقع المسلم اليوم، وعلاقته بالوحي، وبالتراث، وبالعقل، وبالسلطة، وبالعصر. فقد تراكمت حول القرآن عبر القرون تفاسير ومناهج وعلوم وقواعد واجتهادات، كان فيها علم كثير وجهد كبير، لكنها بقيت، في النهاية، فهمًا بشريًا للوحي لا الوحي نفسه. وفي المقابل، ظهرت في العصر الحديث قراءات ومناهج جديدة أرادت تحرير القرآن من سلطة التراث، لكنها ذهبت أحيانًا إلى إخضاعه لسلطة التاريخ، أو اللغة، أو الثقافة، أو القارئ، أو الدولة، أو أهواء الإنسان الحديث.


ومن هنا تأتي الحاجة إلى الميزان.

والميزان، كما نستعمله في هذا العمل، ليس شعارًا بلاغيًا، ولا دعوة عامة إلى الاعتدال، بل قاعدة منهجية حاكمة: أن يبقى القرآن هو الأصل، وأن تبقى الأدوات خادمة له لا حاكمة عليه. فاللغة أداة لفهم البيان، لكنها ليست مصدر الوحي. والتاريخ أداة لفهم التلقي والسياق، لكنه ليس أصل التنزيل. والعقل أداة للتدبر والتمييز، لكنه لا يستقل عن الهداية. والمقاصد تكشف الغايات، لكنها تُستخرج من القرآن ولا تُفرض عليه. والتراث ذاكرة ثقافية، لكنه ليس قرآنًا ثانيًا. والعلوم الحديثة نافعة، لكنها ليست حقائق أعلى على كلام الله.


هذا العمل لا يدعو إلى رفض التراث بالمطلق، ولا إلى الانبهار بالحداثة، ولا إلى قراءة فردية منفلتة تجعل كل قارئ يصنع قرآنه الخاص. كما لا يدعو إلى إغلاق باب الفهم عند المذاهب والتفاسير القديمة والمعاصرة والحديثة. إنما يسعى إلى طريق ثالث: قراءة قرآنية جامعة، تميز بين الوحي والتأويل، بين النص والتفسير، بين الدين والتدين، بين القرآن والتراث، بين الأداة والميزان.


فالخلل الأكبر في تاريخ القراءة لم يكن في وجود الأدوات، بل في اضطراب ترتيبها. حين تتحول الرواية إلى حاكم على القرآن، يختل الميزان. وحين يتحول المذهب إلى مفتاح وحيد للفهم، يختل الميزان. وحين يتحول الواقع إلى مصدر للمعنى، يختل الميزان. وحين تتحول مناهج الحداثة إلى سلطة تعيد تعريف الوحي، يختل الميزان. وحين يتحول القارئ إلى مركز إنتاج الدلالة بلا ضابط، يختل الميزان.


لذلك يقوم هذا الجهد على تمييز أساسي: تاريخية الفهم لا تعني تاريخية الوحي. فأفهام المسلمين تاريخية، وتفاسيرهم تاريخية، ومذاهبهم تاريخية، ومؤسساتهم الدينية والسياسية تاريخية. أما القرآن، في مقامه ومصدره، فليس منتجًا من هذه التمثلات، بل هو الأصل الذي تُعرض عليه، والميزان الذي تُقاس به.


سنحاول من خلال هذه السلسلة حول القرآن أن نفكك مناهج ظاهرتين أساسيتين:


الظاهرة الأولى: وتتعلق بسؤال التفسير والتأويل، ومناهج التفسير القديمة والمعاصرة بالإضافة إلى القراءات الحديثة. لتحرير العلاقة بين التفسير والتأويل، ثم ننتقل إلى علوم القرآن بوصفها أدوات للفهم قد تخدم البيان وقد تتحول إلى سلطة على النص إذا انفصلت عن مقصدها. وبعد ذلك نفكك مناهج التفسير المعاصرة: الإصلاحية، والحركية، والموضوعية، والمقاصدية، والمفاهيمية، والسننية، والعلمية، والواقعية، والسياسية، والحقوقية، والجندرية، والنفسية، والرمزية، والرقمية، والاستشراقية، والمقارنة، وظاهرة القرآنيين. والغاية من ذلك ليست التصنيف فقط، بل وزن هذه المناهج: ماذا أفادت؟ وأين قصرت؟ ومتى خدمت القرآن؟ ومتى أوشكت أن تحجبه؟


الظهرة الثانية: هنا ننتقل إلى مناهج التفسير الحديثة وآليات التأويل التي اقتربت من القرآن والتراث بأدوات التاريخانية، والتاريخية، واللسانيات، والهرمينوطيقا، والأنثروبولوجيا، والأركيولوجيا، ونقد الخطاب، والتفكيك، والمقارنة. وفي هذا الجانب نكشف الجذور الغربية لهذه المناهج، مع التركيز على نماذج من القراءات الحداثية العربية التي تأثرت بها، والمتمثلة في بعض أعمال عبد الله العروي، ومحمد أركون، ونصر حامد أبو زيد، وغيرهم، لا بوصفهم خصومًا يجب إقصاؤهم، ولا رموزًا يجب تقديسهم، بل بوصفهم نماذج كاشفة لسؤال خطير: متى تتحول الأداة الحديثة من وسيلة لفهم التراث إلى سلطة على الوحي نفسه؟


ثم ينتهي العمل إلى اختبار المنهج القرآني الجامع الذي نقترح ميزانه الجديد في النهاية، وذلك من خلال نماذج تطبيقية على مفاهيم قرآنية كبرى. فالغرض ليس أن يبقى الميزان فكرة نظرية، بل أن يُختبر في قراءة المفاهيم: الطاعة، الجهاد، العدل، الشورى، الأمة، الملة، المعروف والمنكر، الطاغوت، الحرية، الكرامة، وغيرها من المفاهيم التي تعرضت إما لاختزال تراثي أو إعادة تشكيل حداثية. وفي هذه النماذج يظهر أن القرآن لا يعطينا ألفاظًا معزولة، بل شبكة مفهومية متكاملة، يفسر بعضها بعضًا، ويضبط محكمها متشابهها، ويعيد بناء علاقة الإنسان بالله والناس والتاريخ والمصير.


ولذلك ينبغي أن تقرأ هذه السلسلة، لا بوصفها موسوعة تفصيلية في كل مسائل التفسير، بل بوصفها عملًا منهجيًا يحاول إعادة ترتيب السؤال. فهي لا تقدّم تفسيرًا كاملًا للقرآن، ولا تدّعي إغلاق باب البحث، ولا تزعم امتلاك القول النهائي. إنما تضع أمام القارئ خريطة نقدية ومنهجية تساعده على التمييز: ما القرآن؟ وما التفسير؟ وما التأويل؟ وما التراث؟ وما المنهج؟ وما حدود الأداة؟ ومتى يكون التجديد عودة إلى القرآن؟ ومتى يكون إخضاعًا للقرآن لمرجعيات أخرى؟


من هنا فإن القارئ مدعو إلى أن يقرأ هذه السلسلة بعينين معًا: عين نقدية لا تقدس كل ما ورثناه، وعين مؤمنة لا تجعل كل جديد "حقًّا" لمجرد أنه جديد. فليس كل قديم باطلًا، وليس كل حديث صوابًا. وليس التراث عدوًا، ولا الحداثة خلاصًا. الميزان هو القرآن: فما أعان على فهمه قُبل، وما حجبه روجع، وما استعلى عليه رُدّ إلى حدّه.


إن غاية هذا العمل أن يسهم في تحرير علاقة المسلم بالقرآن من حجابين كبيرين: حجاب التراث حين يتحول إلى سلطة مغلقة، وحجاب الحداثة حين تتحول إلى سلطة مُذيبة. فالقرآن لا يحتاج إلى من يحميه بإغلاق باب الفهم، ولا إلى من يحرره بنزع مقام الوحي عنه. بل يحتاج إلى قارئ أمين، يعرف قدر الوحي، ويستعمل أدوات العلم، ويميز بين كلام الله وكلام البشر، ويطلب الهداية لا الغلبة.


بهذا المعنى، ليس هذا العمل دفاعًا عن الماضي، ولا خصومة مع العصر، بل بحث عن ميزان يصلح للماضي والحاضر معًا. ميزان يقرأ التراث دون أن يستعبده، ويقرأ الحداثة دون أن ينخدع بها، ويقرأ الواقع دون أن يسجد له، ويقرأ القرآن بوصفه نورًا وهدى وفرقانًا لا ينفد عطاؤه، ولا يملكه مذهب، ولا تحتكره مؤسسة، ولا تحيط به قراءة واحدة.


وخلاصة هذه المقدمة المنهجية، أن هذا العمل يريد أن يقول للقارئ: قبل أن تسأل عن الحكم، اسأل عن المنهج. وقبل أن تتبع التأويل، اسأل عن الميزان. وقبل أن تحاكم القرآن بتراث أو حداثة أو واقع، عُد إلى القرآن نفسه، واجعل كل ذلك معروضًا عليه. فهناك فقط يبدأ الفهم، وهناك فقط يستعيد الإنسان صلته بالوحي: لا بوصفه ذكرى من الماضي، بل بوصفه ميزانًا للحياة، ونورًا يضيء طريق الهدى كلما التبست السبل، وأظلم الواقع، وتزاحمت المناهج، واضطربت التأويلات.


يتبع...


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق