الصحراء: كيف يعتزم المغرب تنزيل مقترح الحكم الذاتي

 

قراءة في المعطيات المتاحة

وأسئلة المرحلة الانتقالية والضمانات الدولية والمساواة بين المواطنين


أعادت المعطيات التي نشرتها الصحافة بشأن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء النقاش إلى سؤال عملي: كيف يمكن الانتقال من مقترح الحكم الذاتي إلى نظام مؤسسي قابل للتطبيق؟ فالموضوعات المنقولة عن المفاوضات تشمل مجلسًا انتقاليًا، وضمانات دولية، وتقاسم الموارد، والعفو والمصالحة، ونزع السلاح وإعادة الإدماج، إلى جانب الترتيبات الأمنية والانتخابية. وهذه تفاصيل تستدعي النظر في مضمون التسوية وشروط تنفيذها، دون اعتبار مناقشتها اتفاقًا نهائيًا عليها. 


لكن فهم هذه المستجدات يحتاج إلى العودة إلى المبادرة التي قدمها المغرب إلى الأمم المتحدة سنة 2007. فكثير من عناصر التنزيل التي تبدو اليوم جديدة كانت حاضرة في النص الأصلي، ومنها مراجعة الدستور، والعفو، والمجلس الانتقالي، ونزع السلاح، والموارد المالية. ولذلك لا يتعلق السؤال بوجود تصور مغربي للتنفيذ من عدمه، بل بما احتفظ به المشروع المحدَّث من ذلك التصور، وما أضافه إليه، وما أصبح موضوعًا للتفاوض.../...


وتستند هذه القراءة إلى المبادرة المغربية المنشورة، والبلاغ الرسمي المتعلق بتحيينها، وإلى ما نقلته المصادر الصحفية عن تقرير أكتوبر 2026. أما نص التقرير الجديد والمشروع المغربي المحدَّث، فلم يتيسر لنا بعد الاطلاع على نسختيهما الأصليتين الكاملتين من موقع الأمم المتحدة؛ ومن ثم تبقى التفاصيل المستجدة منسوبة إلى مصادرها، ولا نقدمها بوصفها نصوصًا عايناها مباشرة.



تصور للتنزيل موجود منذ 2007


لم تقتصر المبادرة المغربية الأصلية على إعلان منح صلاحيات للصحراء، بل عرضت تصورًا لمؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية جهوية، وحددت مجالات اختصاصها، مقابل اختصاصات تحتفظ بها الدولة، منها الدفاع والعلاقات الخارجية ومقومات السيادة. كما تناولت موارد المنطقة وصلتها بالتضامن الوطني، ونصت على استمرار تمثيل سكانها في المؤسسات الوطنية ومشاركتهم في الانتخابات الوطنية.


وبذلك رسمت المبادرة منذ البداية ملامح نظام خاص داخل الدولة المغربية. لكنها ظلت أرضية للتفاوض، ولم تصبح نظامًا نافذًا؛ إذ يتطلب إقرارها اتفاقًا يحدد الصيغة النهائية، ثم إجراءات دستورية وتشريعية تؤسس المؤسسات وتضبط اختصاصاتها وعلاقاتها.


لذلك يتوقف «تنزيل المقترح» على معرفة النظام الذي سيُعتمد بعد التفاوض: ما الصلاحيات التي ستُمنح لمؤسسات الحكم الذاتي؟ وبأي موارد ستمارسها؟ وكيف ستُحسم الخلافات بينها وبين المؤسسات المركزية؟ فالنص الأصلي يقدم أساسًا للإجابة، لكنه لا يغني عن الاتفاق على التفاصيل والقواعد الملزمة للتنفيذ.



ما الذي تغير في المسار؟


يشير بلاغ الديوان الملكي بشأن اجتماع 10 نوفمبر 2025 إلى دخول تحيين المبادرة وتفصيلها مسارًا رسميًا، بمشاركة الأحزاب الوطنية الممثلة في البرلمان.


وبحسب التغطيات الصحفية للتقرير الجديد، أعد المغرب مشروع نظام أساسي يطور مبادرة 2007، وتقاسمه في يناير 2026 مع المشرفين على المفاوضات وبقية المشاركين، باعتباره أرضية للتفاوض. ولم تُتح الوثيقة على نطاق واسع، مما يحد من إمكان المقارنة الدقيقة بين مضمونها والنص الأصلي.


لذلك تظل أسئلة جوهرية معلقة: ما الاختصاصات التي جرى تفصيلها أو تعديلها؟ وكيف صيغت العلاقة بين مؤسسات الحكم الذاتي والمؤسسات الوطنية؟ وهل تغيرت ترتيبات الموارد والتمثيل والضمانات؟ ولا تكفي المعطيات المنشورة لتقديم أجوبة تفصيلية عنها.


أما التحول الذي تشير إليه الموضوعات المنقولة عن المباحثات، فيتمثل في الانتقال إلى مناقشة البنية العملية لتسوية محتملة: مؤسساتها، وترتيبات الانتقال إليها، وضمانات تنفيذها. لكن هذا التقدم في مستوى التفصيل لا يعني حسم الخلاف السياسي؛ فالمصادر نفسها تنقل استمرار التباينات بشأن السيادة وتقرير المصير. ومن ثم يمكن الحديث عن تقدم في بحث شروط الحل، مع بقاء الاتفاق على أسسه ومضمونه النهائي غير محسوم.



المرحلة الانتقالية: متى تبدأ، وماذا تدير؟


من أهم المسائل التي تحتاج إلى التدقيق ترتيب العلاقة بين الاتفاق والمرحلة الانتقالية. فمبادرة 2007 تنص على إنشاء مجلس انتقالي بعد موافقة الأطراف، وتربطه بالمساعدة في العودة ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج وتنفيذ النظام وإجراء الانتخابات. أما العفو فتتناوله في بند مستقل ضمن ترتيبات التسوية.


وبحسب ما تنقله الصحافة عن مفاوضات 2026، يجري بحث مشروع اتفاق إطار لمرحلة انتقالية محتملة، يمكن أن يوفر أساسًا للتفاوض على نموذج مفصل للحكم الذاتي. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تبدأ هذه المرحلة بعد الاتفاق على العناصر الأساسية للنظام، أم تصبح إطارًا لاستكمال التفاوض عليها؟


الفرق مؤثر؛ فتنفيذ اتفاق محدد يختلف عن إدارة مرحلة تظل وجهتها النهائية موضوعًا للتفاوض. ولذلك يحتاج التصور المرتقب إلى تحديد نقطة البداية، وتشكيلة الهيئات الانتقالية وصلاحياتها ومدتها، وآليات الرقابة عليها، وكيفية معالجة تعثر التفاوض أو التنفيذ.


ويحتاج كذلك إلى تحديد مضمون الضمانات الدولية: ما الالتزامات التي تشملها؟ ومن يراقب الوفاء بها؟ وكيف تُعالج المخالفات؟ وهل تتعلق بالأمن والحقوق والعودة والانتخابات، أم تمتد إلى توزيع الاختصاصات واستقرار المؤسسات؟ فقيمة الضمان تتحدد بوضوح الالتزام وآلية حمايته.


ومن هنا ينتقل النقاش إلى جانب يمس المغاربة جميعًا: كيف سيُدرج النظام المتفاوض عليه في الدستور؟ وكيف ستنسجم خصوصية الصحراء مع المساواة في المواطنة والتضامن بين جهات المملكة؟



الدستور: كيف يتحول الاتفاق إلى نظام ملزم؟


لا يكتمل تنزيل الحكم الذاتي بمجرد التوصل إلى اتفاق سياسي؛ إذ يحتاج إلى أساس دستوري يحدد صلاحيات المؤسسات الجديدة وعلاقتها بمؤسسات الدولة، وآليات الفصل في النزاعات بينهما.


وهذا البعد حاضر في مبادرة 2007، التي تنص على مراجعة الدستور لإدراج نظام الحكم الذاتي وضمان استقراره. كما تقترح عرض النظام المتفاوض عليه على السكان المعنيين في استفتاء. وهنا ينبغي التمييز بين الموافقة على التسوية وإقرار المراجعة الدستورية: فالأولى تتعلق بقبول السكان المعنيين للحل، والثانية بتعديل قواعد تنظيم السلطة داخل الدولة. وقد تتصل العمليتان، لكن إحداهما لا تقوم تلقائيًا مقام الأخرى.


ويقرر الفصل 174 من الدستور عرض مشاريع ومقترحات المراجعة على الاستفتاء، مع إتاحة مسار خاص يسمح للملك، بعد استشارة رئيس المحكمة الدستورية، بعرض مراجعة بعض المقتضيات على البرلمان في اجتماع مشترك لمجلسيه. وتستلزم الموافقة أغلبية ثلثي مجموع أعضائه، مع رقابة المحكمة الدستورية على صحة الإجراءات. لذلك لا يمكن تحديد المسطرة التي ستُعتمد قبل معرفة مضمون المراجعة المقترحة.


أما السؤال السياسي فهو: ما نطاق التغيير المرتقب؟ هل سيقتصر على إدراج وضع خاص للصحراء، أم سيشمل إصلاحًا أوسع للتنظيم الترابي؟ وما الاختصاصات التي ستُحمى دستوريًا، وكيف ستُحسم الخلافات بشأن تفسيرها وممارستها؟


فقيمة الضمان الدستوري تتوقف على وضوح توزيع الاختصاصات، وفاعلية الفصل في النزاعات، وتحديد شروط تعديل النظام مستقبلًا. وهذه عناصر أساسية لبناء الثقة في استقرار التسوية وقدرتها على الاستمرار.



هل خصوصية الصحراء تتعارض مع المساواة؟


هذا هو أحد الأسئلة التي تهم المواطن المغربي مباشرة: إذا تمتعت الصحراء بصلاحيات تشريعية وتنفيذية ومالية أوسع، فما موقع بقية الجهات؟


ينبغي هنا التمييز بين المساواة في حقوق المواطنة وتطابق صلاحيات المؤسسات الترابية. فاختلاف تنظيم جهتين لا يثبت، بمفرده، وجود تمييز بين سكانهما. لكنه لا يعفي الدولة من بيان مبررات الاختلاف وآثاره، وضمان ألا يؤدي إلى تفاوت غير مبرر في الحقوق والفرص.


ويقرر الدستور المغربي المساواة أمام القانون، ويحظر في تصديره التمييز بسبب الانتماء الجهوي، كما يمنع أن تتناول المراجعة المكتسبات في الحقوق والحريات الأساسية. وهذه مرجعية ينبغي أن يظل أي ترتيب جديد منسجمًا معها. المحكمة الدستورية


وعليه، فالسؤال الأدق ليس: لماذا تحصل الصحراء على وضع خاص؟ وإنما: ما الذي سيترتب على هذا الوضع بالنسبة إلى المواطن المغربي، داخل المنطقة وخارجها؟


إذا كان الاختلاف يتعلق بمن يدير التعليم أو الاستثمار أو بعض الموارد، فنحن أمام توزيع للاختصاصات. أما إذا نتجت عنه قيود على الإقامة أو العمل أو المشاركة السياسية بسبب أصل المواطن أو انتمائه الجهوي، فإن النقاش ينتقل إلى حقوق المواطنة نفسها.


وهنا يحتاج النظام النهائي إلى أجوبة واضحة: من يحق له الانتخاب والترشح؟ وكيف تُضمن حقوق المقيمين والعائدين؟ وهل ستظل فرص العمل والخدمات والولوج إلى القضاء متاحة وفق قواعد معلومة؟ وما الضمانات التي تحمي المواطنين من تمييز تمارسه المؤسسات المركزية أو مؤسسات الحكم الذاتي؟


ويمتد السؤال إلى نطاق العفو والمصالحة: هل سيقتصر العفو المرتبط بالتسوية على الأفعال المتصلة بنزاع الصحراء، بما يشمل من حملوا السلاح، أم سترافقه مبادرة وطنية تشمل معتقلي ومحكومي أحداث الريف والاحتجاجات المرتبطة بجيل زد وغيرهم؟ لا تعني المساواة أن جميع الوقائع والملفات متطابقة، أو أن العفو عن فئة يوجب تلقائيًا العفو عن غيرها. لكنها تجعل معايير الاختيار وحدود الاستثناء موضوعًا مشروعًا للنقاش العام. فإذا كانت المصالحة مدخلًا لإنهاء نزاع الصحراء، فهل يمكن أن تصبح أيضًا فرصة لمعالجة ملفات الاحتجاج والتوتر داخل البلاد، وفق معايير واضحة تراعي حقوق المتضررين وتفتح أفقًا أوسع لاستعادة الثقة؟


هذه أسئلة ينبغي أن تجيب عنها النصوص، حتى يستطيع المواطن تقييم التسوية من خلال أثرها في حياته.



الموارد: صلاحيات محلية ومسؤولية وطنية


يظهر اختبار المساواة بصورة ملموسة في الملف المالي. فتقاسم الموارد يحتاج إلى تحديد مصادر الإيرادات وقواعد توزيعها، والاختصاصات التي تمولها، والجهات التي تراقب تحصيلها وإنفاقها.


ويمكن التوفيق بين تمكين المنطقة من الموارد اللازمة لتدبير شؤونها واستمرار التضامن الوطني، شرط اعتماد قواعد واضحة ومستقرة تراعي حاجات السكان والتفاوتات بين الجهات. فالمطلوب أن تكون الالتزامات المالية قابلة للتوقع والمحاسبة، وأن تنسجم ترتيبات التسوية مع العدالة في توزيع الموارد على المستوى الوطني.


ويظل توزيع الموارد داخل الصحراء نفسها اختبارًا أساسيًا: هل ستتحول إلى خدمات وفرص عمل ومشروعات يستفيد منها السكان على نحو منصف؟ وما الآليات التي ستمنع احتكار منافعها من فئات قريبة من مراكز القرار؟


لذلك لن يُقاس نجاح الحكم الذاتي بحجم الموارد والصلاحيات المنقولة وحده، بل بشفافية تدبيرها، وقدرة السكان على محاسبة المسؤولين عنها، وأثرها في تحسين المعيشة وتقليص التفاوتات.



تسوية للصحراء أم مدخل لإصلاح جهوي أوسع؟


لا يقتضي إقرار وضع خاص للصحراء تعميم النظام نفسه على جميع الجهات. لكنه يفتح نقاشًا مشروعًا حول تطوير الجهوية في المغرب: ما الصلاحيات والموارد وآليات المحاسبة التي تحتاج إليها بقية الجهات لتدبير شؤونها بفاعلية؟


ومن مصلحة المغرب توضيح العلاقة بين خصوصية التسوية وتطوير التنظيم الترابي على المستوى الوطني. فقد تتيح ترتيبات الحكم الذاتي فرصة لتقييم توزيع الاختصاصات والموارد، والاستفادة من بعض آلياتها في تعزيز التدبير الجهوي، مع مراعاة اختلاف السياقات والحاجات.


أما النظام الخاص بالصحراء، فستتحدد صيغته النهائية من خلال التفاوض وإجراءات إقراره داخليًا. ولذلك يقتضي بحث إمكان تنفيذه النظر في مواقف المشاركين: ما الذي يقبله كل طرف من ترتيبات الانتقال والضمانات؟ وأين تستمر الخلافات حول السيادة وتقرير المصير؟



مواقف الأطراف: التفاوض حول الحكم الذاتي لا يعني الاتفاق على مضمونه


بحسب التغطيات الصحفية للتقرير، اتُّخذت المبادرة المغربية أساسًا للمحادثات، وشملت المناقشات ترتيبات انتقالية وضمانات وآليات للتنفيذ. لكن الاشتراك في بحث هذه العناصر لا يثبت الاتفاق على مضمونها؛ فقد يناقش المشاركون الانتخابات والموارد وعودة اللاجئين، مع استمرار الخلاف حول الجهة التي ستشرف عليها والنتيجة السياسية التي ستفضي إليها.


بالنسبة إلى المغرب، تقوم مبادرة 2007 على الحكم الذاتي ضمن السيادة المغربية، مع احتفاظ الدولة باختصاصاتها السيادية وتمكين المنطقة من مؤسسات وصلاحيات لتدبير شؤونها. ويتمثل التحدي التفاوضي في تحديد مدى هذه الصلاحيات وضمان استقرارها، وصياغة علاقتها بالمؤسسات الوطنية على نحو يحقق حكمًا ذاتيًا فعليًا داخل الإطار الذي تقترحه الرباط.


أما مشاركة البوليساريو في المحادثات ومناقشتها ترتيبات انتقالية، فلا تكفي لإثبات قبولها الحكم الذاتي تسويةً نهائية. ويظل تقييم موقفها مرتبطًا بما تعلنه أو توافق عليه بشأن النظام المقترح، وكيفية استشارة السكان، والآثار المترتبة على نتائجها. فمناقشة آليات التنفيذ قد تدل على استعداد للتفاوض، لكنها لا تثبت وحدها حسم الخلاف حول السيادة وتقرير المصير.



الجزائر وموريتانيا: المشاركة وحدود الالتزام


لا تعني مشاركة الجزائر وموريتانيا في المسار التفاوضي تطابق موقفيهما أو التزاماتهما. فأي تسوية تحتاج إلى تحديد دور كل منهما: الدعم السياسي، أو تسهيل العودة والترتيبات الأمنية، أو الإسهام في ضمانات التنفيذ.


وتكشف التغطيات الإعلامية اختلافًا في إبراز مضمون التقرير؛ فبينما ركزت التغطيات المغربية التي استندنا إليها على الحكم الذاتي وترتيبات الانتقال، أبرزت وكالة الأنباء الجزائرية تقرير المصير وضرورة تمكين السكان من قبول المقترح أو رفضه بحرية. ويبين ذلك اختلافًا في تقديم المسار، لكنه لا يغني عن قراءة التقرير الأصلي أو الاطلاع على المواقف التفاوضية الرسمية.


وتبرز هنا مسألة تحتاج إلى حسم: ما موضوع التشاور مع السكان، وما الآثار المترتبة على نتيجته؟ هل يتعلق بإقرار نظام جرى التوافق عليه، وما الإجراءات المتبعة إذا رُفض؟ فوضوح هذه القواعد ضروري لتقييم التسوية، ولا تكفي عبارة «التشاور مع السكان» لتحديدها.


أما دور موريتانيا، فيحتاج إلى توضيح ما ستلتزم به بشأن الحدود والأمن وحركة الأشخاص وضمانات الاستقرار. ولا تسمح مشاركتها في المفاوضات، بمفردها، بافتراض موافقتها المسبقة على كل ترتيب يُطرح خلالها.



الضمانات الدولية: من يضمن ماذا؟


تتحدد قيمة الضمانات الدولية بالالتزامات التي تشملها، والجهات المسؤولة عن مراقبتها، والإجراءات المتاحة عند الإخلال بها.


وقد تشمل سلامة اللاجئين عند العودة، وترتيبات تسليم السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وتنفيذ العفو والمصالحة، ونزاهة الانتخابات، واستقرار صلاحيات مؤسسات الحكم الذاتي، والوفاء بالالتزامات الأمنية والمالية. ولكل مجال آليات تناسبه؛ ولذلك ينبغي أن يحدد الاتفاق من يراقب التنفيذ، ومن يتلقى الشكاوى ويفصل في النزاعات، وما صلاحيات الضامنين وحدود تدخلهم.


ومن هنا يمكن قياس تقدم المفاوضات بمدى الاتفاق على مضمون هذه الالتزامات وآليات الوفاء بها. فالتقدم نحو تسوية قابلة للتنفيذ يقتضي تحويل المبادئ إلى قواعد واضحة، تحدد مسؤولية كل طرف وآجال أدائها، وتتيح التحقق من التنفيذ ومعالجة التعثر أو المخالفة.



"مينورسو": تمديد البعثة أم تغيير وظيفتها؟


يرتبط مستقبل «مينورسو» بتطور المفاوضات، مع ضرورة التمييز بين تمديد ولايتها وتعديل مهامها وتغيير اسمها؛ فلكل منها قرار ومقتضيات خاصة.


وبحسب ما نقلته وكالة «إيفي» عن التقرير، أوصى الأمين العام بتمديد ولاية البعثة إلى 31 أكتوبر 2027، نظرًا إلى دورها في الحد من خطر تصاعد الأعمال العدائية أثناء التفاوض. وتظل هذه توصية ينتظر اعتمادها قرارًا من مجلس الأمن.


أما مستقبل مهام البعثة، فقد طلب القرار 2797 مراجعة استراتيجية لولايتها تأخذ في الاعتبار نتائج المفاوضات. لكن طلب المراجعة لا يثبت اعتماد مهام جديدة أو إقرار تغيير الاسم.


وفي حال التوصل إلى اتفاق، قد تقتضي ترتيبات التنفيذ بحث دور البعثة في مراقبة الالتزامات الأمنية، أو دعم العودة، أو مواكبة بعض مراحل الانتقال. وهذه احتمالات يتوقف تحديدها على مضمون التسوية والقرارات التي تمنح صلاحية تنفيذها.


لذلك يظل السؤال العملي: ما المهام الدولية التي سيحتاج إليها الاتفاق، ومن سيتولاها، وبأي صلاحيات وموارد، ولأي مدة؟ فالإجابة عنها هي التي ستحدد موقع البعثة في المرحلة المقبلة.



ما الذي يحتاج الرأي العام إلى معرفته؟


يمكن إطلاع المواطنين على المبادئ والآثار المتوقعة للتسوية مع مراعاة متطلبات التفاوض. فالمطلوب شرح ما قد يتغير في تنظيم السلطة وحقوق السكان والتزامات الدولة إذا أُقر الاتفاق.


ويشمل ذلك النطاق الترابي للحكم الذاتي، وتوزيع الاختصاصات، وقواعد الانتخاب والتمثيل، وتدبير الموارد، وضمانات الحقوق والمحاسبة. كما ينبغي توضيح العلاقة بين قبول السكان المعنيين للتسوية وإقرار التغييرات الدستورية على المستوى الوطني.


ويستحق العفو والمصالحة شرحًا خاصًا يحدد نطاقهما ومعاييرهما، ويميز بين الالتزامات المرتبطة بإنهاء النزاع والاختيارات الوطنية التي قد ترافقها لمعالجة ملفات الاحتجاج والتوتر في بقية البلاد.


فوضوح هذه العناصر يتيح للمواطنين تقييم المشروع والمشاركة في النقاش حوله، ويحد من التخمين الذي ينشأ حين تبقى آثاره الداخلية مجهولة. كما يساعد على بناء الثقة اللازمة لتنفيذ تسوية تمتد تبعاتها إلى ما وراء طاولة المفاوضات.



من مقترح سياسي إلى اتفاق قابل للتنفيذ


تشير التغطيات المتاحة إلى تقدم في مناقشة التفاصيل المؤسسية والأمنية والمالية للتسوية. ويظل تقدير مدى هذا التقدم مرتبطًا بالاطلاع على الوثائق الأصلية، وتحديد ما اتُّفق عليه وما بقي محل خلاف.


ولدى المغرب، منذ مبادرة 2007، تصور مؤسسي لتنزيل الحكم الذاتي. أما تنفيذه فعليًا، فيتوقف على الاتفاق على النظام النهائي، وتسلسل مراحل إقراره، وصلاحيات الهيئات الانتقالية، وضمانات الوفاء بالالتزامات، وإدماجه في البناء الدستوري الوطني. فوضوح هذه العناصر هو ما يجعل التسوية قابلة للتطبيق والمراقبة، ويحد من خطر إطالة المرحلة الانتقالية دون حسم.


والرهان المغربي يتجاوز إنهاء النزاع إلى بناء نظام يحقق الاستقرار ويحمي حقوق المواطنين، ويجعل خصوصية الصحراء منسجمة مع العدالة والتضامن بين جهات المملكة. وتستمد التسوية قدرتها على الاستمرار من قبول المعنيين بها، والثقة التي تبنيها داخل البلاد، وقدرة مؤسساتها على تحويل الالتزامات إلى واقع يلمسه السكان. 


والرهان المغربي يتجاوز إنهاء النزاع إلى بناء ترتيب يحقق الاستقرار، ويحمي حقوق المواطنين، ويجعل خصوصية الصحراء منسجمة مع العدالة والتضامن بين جهات المملكة. فالتسوية تستمد قوتها أيضًا من الثقة التي تبنيها داخل البلاد، ومن قدرة مؤسساتها على تحويل الالتزامات إلى واقع.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق