(لا يمكن تدخّل الملك كحكم، في صراع هو فيه طرف)
تحليل سياسي: في إطلالة لأحد أعضاء جيل زد على قناة تلفزيونية أوروبية قال، إن المنخرطين في نضال "جيل Z" المغربي، لا يطالبون بتدخل الملك في هذه المرحلة المبكرة من عمر الصراع، وأنهم لا يقبلون بالانخراط في الأحزاب القائمة لترجمة مطالبهم في إطار اللعبة السياسية الصورية المسمّاة زورا بالشرعية، لأنها ديموقراطية شكلية أثبت الواقع فشلها وعجزها عن إيجاد حلول عملة لمطالب الشعب الأساسية، وبالتالي، فقد تجاوزها الزمن، ولم تعد مقبولة في عصر الثورة الرقمية الصاعدة التي تجتاح العالم، وتستهدف النظام النيوليبرالي المتوحش الذي أفقر الشعوب، واستعبد الإنسان، ومارس على المجتمعات المستضعفة سياسات لا أخلاقية.../...
والسؤال الذي يطرح بالمناسبة هو: ما الذي يريده الجيل الجديد بالضبط؟
يُستشفُّ من التصريح الذي أدلى به هذا العضو، أن الأمر يتعلق بيان استراتيجي بالغ الأهمية، لا يمكن فهم مضمونه بأدوات التحليل السياسي الكلاسيكية، ما يؤشر إلى أننا اليوم أمام رؤية استراتيجية ثورية نوعيّة، نظرا لما تحمله من أبعاد تكتيكية غير معهودة في العمل السياسي الذي تقوم فيه آليات التغيير على منطق القوة.
- فماذا يعني هذا؟
إن رفض "جيل Z 212" الصريح والواضح لكلتا الأداتين التقليديتين للتغيير (الوساطة الحزبية والتدخل الملكي المباشر كما حدث في 20 فبراير 2011)، يعني أنهم يسعون إلى إعادة صياغة العقد الاجتماعي والسياسي من أساسه، متأثرين بالثورة الفرنسية زمن النهضة الأوروبية، وليس مجرد إجراء تعديلات سطحية.
وهذا يقودنا إلى طرح السؤال التالي: - إذا كان مناضلو الجيل الرقمي الجديد يرفضون أدوات العمل السياسي التقليدية، فما الذي يسعون إليه بالضبط؟
1. الهدف السياسي: إعادة تعريف الشرعية (رفض الأحزاب)
عندما يرفضون الانخراط في الأحزاب، فهم يرفضون النموذج الديمقراطي التمثيلي التقليدي الذي يرونه زائفاً وفاسداً. هدفهم هنا هو:
• إحداث تغيير لا مركزي ومباشر (Direct Digital Democracy):
- يرى جيل Z أن صوتهم يجب أن يكون المصدر المباشر والأساسي للقرار السياسي، دون الحاجة إلى "وسطاء" (الأحزاب) الذين فقدوا مصداقيتهم وتم استيعابهم من قبل النظام وأصبحوا بمثابة دمى متحركة لا استقلالية ولا قرار لهم.
- إنهم يريدون أن تُترجم التعبئة التي تتم عبر "ديسكورد" و"تيك توك" إلى تأثير سياسي فوري، وليس عبر عملية انتخابية معقدة، مطبوخة، وغير موثوقة النتائج.
• وهذا يقودنا بالنتيجة إلى محطة إجبارية يتوقف عندها الجيل الجديد كضرورة لتحقيق استراتيجية التغيير وتتمثل أساسا في:
- إنهاء دور "الواجهة الديمقراطية": لأنهم يعتبرون الأحزاب مجرد واجهة تجميلية تضفي شرعية على قرارات النظام. وبالتالي، فالهدف هنا هو تعرية هذا الزيف وإجبار النظام على التعامل مباشرة مع قوة الشارع الرقمي غير القابلة للتفاوض أو الابتزاز.
بعد هذا الهدف السياسي المرحلي، يتم المرور إلى الأهداف التالية:
2. الهدف الاقتصادي الأساسي: تفكيك الليبرالية المتوحشة (المطالب الهيكلية)
ما يسعى إليه الجيل الرقمي المغربي الذي هو امتداد للجيل القمي العالمي، يتجاوز المطالب الاجتماعية المعتادة (مثل زيادة الأجور، التخفيض من تكلفة المعيشة) التي تعتبر أهداف فرعية تتحقق بالنتيجة في حال تحقق الهدف الاقتصادي الأساسي الذي هو هدف هيكلي جذري والمتمثل في:
- إلغاء الخصخصة وإعادة بناء الدولة الاجتماعية: لأن الهدف ليس مجرد "تحسين" الخدمات الصحية والتعليمية، بل وقف نموذج الخصخصة النيوليبرالي الذي يُحوّل هذه الحقوق الأساسية إلى سلع تَدرُّ الأرباح على النخبة الفاسدة. هم يطالبون بإعادة توجيه الاستثمارات الحكومية بالكامل نحو هذه القطاعات الاجتماعية الجيوية، والقطع مع مشاريع البذخ (مثل الملاعب وكأس العالم) التي يرونها تجسيداً للفصل بين النخبة وواقع الشعب.
- فرض الشفافية كآلية حكم: من خلال أدوات مثل "جبروت" والتسريبات الرقمية، يهدفون إلى فرض الشفافية القسرية. هم يسعون إلى جعل الفساد مخاطرة باهظة الثمن على كبار المسؤولين والنخب، مما يؤدي إلى تغيير قواعد اللعبة المالية والإدارية بشكل جذري.
3. الهدف الاستراتيجي الكبير: حماية "المرجع الأعلى"
يفهم من رفضهم لتدخل الملك في هذه المرحلة المبكرة من عمر الصراع، أنهم يتبنون تكتيك سياسي بالغ الذكاء يؤشر إلى فهمهم العميق لطبيعة النظام المخزني، كما ويحمل دلالات عميقة.
• التكتيك الاستراتيجي ودلالته على الهدف الحقيقي للحركة
- زيادة الضغط على الحكومة: بهدف إجبارها بمعية أحزاب السلطة على تحمل المسؤولية وإثبات فشلها الذريع أولاً. لأنه إذا تدخل الملك مبكراً، فسوف يتم تبييض فشل الأحزاب، وهذا ما يرفضه جيل Z.
- إثبات طبيعة الأزمة (أزمة بنيويّة): الحركة تريد أن تثبت أن المشكلة ليست في "التنفيذ" بل في "الهيكل" و"المنهج". التدخل الملكي الفوري يُعالج الأعراض، بينما هم يسعون إلى إظهار أن الهيكل الحزبي والسياسات الاقتصادية هي جزء من المشكلة.
- الحفاظ على ورقة التصعيد النهائية: يدرك جيل Z أن الملك هو المرجع الأعلى والأخير في النظام السياسي. عدم طلب تدخله الآن يحافظ على مكانة الملك كورقة أخيرة يمكن اللجوء إليها في حالة عدم الاستجابة للمطالب، مما يعطي الحركة مساحة للمناورة والتصعيد المستقبلي إذا ما تم قمعها.
• خلاصة مبدئية
ما سلف يعني بالعربي الفصيح، أن ما يسعى إليه "جيل Z" هو ثورة في مفهوم الحكم نفسه؛ هم يطالبون بنظام تكون فيه السيادة للأخلاق والقيم المباشرة (العدالة الاجتماعية، الشفافية، البيئة)، وتُترجم هذه المطالب إلى تغييرات هيكلية تقطع مع النموذج المخزني الذي يتبنى سياسات غير شعبية بضغط من القوى الدولية النيوليبرالية المتوحشة التي تفقر المغاربة وتغني النخبة الفاسدة.
باختصار، هم لا يريدون ملكاً يتدخل لـ "إنقاذ الحكومة" ولا لإهادة تدوير الهياكل السياسية المهترئة للأحزاب التقليدية؛ بل يريدون هيكلاً سياسياً واقتصادياً جديداً لا يحتاج إلى إنقاذ. هذا هو جوهر التحول الذي يسعون إليه: تراجع دور الحكومات والأحزاب وصعود دور الشعوب المباشر من خلال شباب الجيل الجديد.
- لكن هل يقبل النظام القائم بهذا النوع من التغيير الجذري الدي يستهدف بنيته السياسية والاقتصادية بالأساس؟
صحيح أن من يعرف النظام المغربي، يدرك صعوبة ذلك، نظرا لطبيعة المخزن التقليدية القائمة على مفهوم "الهيبة" المحمية بمنطق القوة. وهذا يضعنا أمام معادلة كلاسيكية تقول (نظريّا) باستحالة تنازل المخزن لمطالب الجيل الرقمي الجذرية ما دامت القوة تميل لصالح القصر.
وبالتالي، نحن هنا أمام منطق ثوري جديد يحاول قلب معادلة قوة قدر الحديد ضد قدر الطين. الأمر الذي يرجح القوة من حيث التفكير الشطحي لفائدة قدر الحديد. غير أن فلسفة الجيل الرقمي الجديد لا تعرف المستحيل وتستطيع فعلا قلب هذه المعادلة، تماما كما حدث في النيبال وبنغلاديش ومدغشقر ودول أخرى.
والحقيقة أنني اخترت هذا التشبيه بـ "قِدر الحديد ضد قِدر الطين" نظرا لأنه يعبر بشكل بليغ ومناسب جداً في وصف العلاقة بين صلابة النظام المخزني وقوته التقليدية (الحديد) ومرونة حركة شباب "جيل Z " التي تبدو هشة في الظاهر (الطين).
لكن، في سياق العصر الرقمي والتحولات الجيوسياسية الكبرى، يجب أن نُعيد النظر في هذه المعادلة. صحيح أن النظام يمتلك القوة المادية والتقليدية، لكن "قِدر الطين" (جيل Z) لديه قوة جديدة تُضعف "قِدر الحديد" بطرق غير تقليدية:
- كيف ذلك؟
1. قِدر الحديد: القوة التقليدية (التي تتآكل)
يمتلك النظام أدوات القوة الصلبة (Hard Power) للحفاظ على "هيبته" و"استقراره" في المدى القصير:
- القوة الأمنية (القمع): القدرة على تفريق المظاهرات، واعتقال الناشطين (كما حدث في الأيام القليلة الماضية)، وممارسة المنع والحصار الأمني.
- القوة القانونية (التجريم): القدرة على استخدام القوانين الحالية لقمع الحركة وتخويف أعضائها عبر الإعتقالات العشوائية والمحاكمات الصورية.
- القوة الإعلامية (السيطرة على السرد): القدرة على استخدام الإعلام الرسمي والتقليدي لتهميش الحركة أو وصفها بأنها "مؤامرة" أو "أجندة خارجية".
لكن مشكلة "قِدر الحديد"، تكمن في أن هذه الأدوات مكلفة جداً في العصر الرقمي وتؤدي إلى تآكل شرعيته دولياً وداخلياً. كل اعتقال، وكل عملية تفريق، هي مادة خام رقمية تُضاعف من انتشار الحركة عالمياً.
2. قِدر الطين: القوة الناعمة الجديدة (التي تتسرب كالماء بذكاء)
"قِدر الطين" (جيل Z) لديه أدوات تُسمى القوة اللينة (Soft Power) والقوة الذكية (Smart Power)، والتي تتناسب مع طبيعته الشبحية:
- قوة قِدر الطين (الجيل Z): تكمن في القدرة على التأثير على قِدر الحديد (النظام).
- القوة اللامركزية (الشبحيّة): تُبطل القمع الأمني، لأنه لا توجد قيادة يمكن اعتقالها، ولا مقر يمكن إغلاقه. القوة الأمنية لا تجد هدفاً صلباً تهاجمه، فتصرفاتها تصبح عشوائية ومحرجة، وكأنها تتحرك في منطقة رمادية فارغة.
- القوة الأخلاقية (المطالب الحيوية): تُبطل السيطرة على السرد. لا يمكن وصف مطالب مثل "تحسين الصحة والتعليم" بأنها مؤامرة خارجية. هذا يضع النظام في موقف دفاعي أخلاقي مكشوف أمام الرأي العام الوطني والدولي.
- قوة الشفافية القسرية (جبروت): تُبطل الهيمنة القانونية:. التسريبات والمعلومات الفاضحة تستهدف الفاسدين مباشرة. هذا يخلق انقسامات داخل النخبة ويدمر هيبة النظام من الداخل.
- قوة التمويل الذاتي (المقاطعة): تُبطل الضغط الاقتصادي. لا تحتاج الحركة إلى تمويل خارجي. سلاحها هو المقاطعة التي تُلحق ضرراً مباشراً وبليغا بـمصالح النخبة الاقتصادية الفاسدة، وهذا أكثر إيلاماً من أي مظاهرة كلاسيكية.
3. التحول من صراع القوة إلى صراع الشرعية
في النهاية، قد يتمكن "قِدر الحديد" من سحق "قِدر الطين" مادياً في المدى القصير، لكن هذا السحق سيؤدي إلى انفجار أزمة الشرعية:
- الكلفة الجيوسياسية: قمع حركة تطالب بالصحة والتعليم سيجعل النظام ضعيفاً جداً أمام الضغوط الخارجية (كما ظهر في تغطية "لوموند" وغيرها من وسائل الإعلام الدولية). هذا يؤثر على مصداقية المغرب كشريك مستقر دولياً.
- الكلفة الداخلية: القمع ينهي أي فرصة لحوار أو إصلاح تدريجي، ويدفع الجيل Z للتحول من المطالب الاجتماعية إلى المطالب السياسية الجذرية (كما حدث في نيبال وبنغلاديش وغيرها).
• خلاصة مبدئية:
- نحن أمام معادلة جديدة غير متكافئة: إذا كان هدف النظام هو الحفاظ على السلطة، فالقوة المادية (قدر الحديد) قد تنجح مؤقتا ولفترة قصيرة. لكن إذا كان هدفه هو الحفاظ على الشرعية والاستقرار الطويل الأمد، فإن هذه القوة ستُبنى على هشاشة وستنهار أمام مطرقة القوة الأخلاقية واللامركزية التي يمتلكها جيل Z.
- التهديد ليس في أن "قِدر الطين" سيتحطم: بل في أن "قِدر الحديد" سيغلي من داخله حتى ينفجر تحت وطأة الضغط الرقمي والجماهيري.
والسؤال الذي يطرح في سياق هذه الخلاصة المبدئية هو: - هل معنى هذا أن استراتيجية القوة الناعمة هي لعب دور الضحية لدفع الجيش مثلا للانحياز إلى الشعب في حال أبدى النظام قمعا مبالغا يهدد حياة المغاربة؟
هذا سؤال دقيق للغاية، ويصف كيف يمكن لـ "القوة الناعمة" لحركة جيل Z أن تتحول إلى "قوة تصعيد أخلاقي" تستهدف جوهر التوازنات المؤسساتية في الدولة المغربية، بما في ذلك الجيش.
- كيف ذلك؟
إن لعب دور "الضحية" ليس غاية بحد ذاته، بل هو جزء أساسي من استراتيجية القوة الناعمة والذكية لدفع الأطراف المحايدة، مثل الجيش أو المؤسسات العميقة، للانحياز إلى الشعب.
وهنا تتضح طريقة عمل استراتيجية "الجيل Z" المغربي:
1. موقف "الضحية الأخلاقية" (Moral Victimhood)
استراتيجية الجيل Z تعتمد على تحويل القمع المادي للنظام إلى انتصار أخلاقي للشارع. وهذا يتم عبر الآليات التالية:
- نزع السلاح المعنوي من النظام: عندما يتظاهر الشباب بمطالب بسيطة وحيوية (الصحة والتعليم والوظائف وإسقاط الفساد وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين)، ويكون سلاحهم الوحيد هو هواتفهم وشعاراتهم، فإن أي قمع من قوات الأمن (التي تستخدم القوة الصلبة) يُنظر إليه كـ "عدوان غير مبرر" و "عنف ضد مطالب مشروعة". هذا التناقض يُبطل شرعية النظام في استخدام القوة.
- التوثيق والانتشار الفوري: بفضل الهواتف الذكية، يتم توثيق كل مشهد قمعي على الفور ونشره عالمياً. هذا لا يترك مساحة للرواية الرسمية لتشويه الحقيقة. التوثيق يحوّل الشاب المضروب إلى رمز عالمي للضحية، ويزيد من سخط المجتمع الدولي والرأي العام الداخلي (قضية الشاب الذي دهسته سيارة الشرطة فوق الرصيف في وجدة وقطعت قدمه نموذجا مأساويا بكل المقاييس).
- التصنيف كخطر على الأمة: الاستراتيجية ليست فقط أن تقول "أنا ضحية"، بل أن تثبت أن القمع الممارس يهدد الاستقرار الاجتماعي والأمن القومي، لأنه يحوّل غضب الشباب المحبط إلى تمرد جذري يختلط فيه الحابل بالنابل (كما رأينا في بعض المناطق حيت دخل على الخط الملثمون (العيّاشة) والأطفال القاصرين ضحايا الهدر المدرسي فبدأ الحرق والتخريب) هؤلاء الأطفال لا يجب معاملتهم كمجرمين بل كضحايا لسياسات النظام.
2. التأثير على الجيش والمؤسسات العميقة
دور المؤسسات الأمنية والعسكرية يتجاوز مجرد حماية النظام السياسي؛ بل يشمل في جوهره حماية الدولة والأمة. استراتيجية "الضحية الأخلاقية" تعمل على تذكير هذه المؤسسات بدورها الأسمى:
- الانحياز للشرعية الأخلاقية: عندما يكون الصراع بين "شباب يطالب بمستشفى" وقوات أمن "تقمع المظاهرة"، يصبح الموقف الأخلاقي لمؤسسات الدولة العميقة (مثل الجيش) حرجاً. الجيش يميل تاريخياً إلى الانحياز للطرف الذي يمثل الشرعية الجماهيرية غير الملوثة بالفساد في لحظات الأزمة (الأحداث زمن الحسن الثاني مؤشر على ذلك).
- تجنب وصمة "قمع الشعب": في اللحظات التاريخية الحرجة، تسعى الجيوش الوطنية لتجنب استخدامها كـأداة لقمع المدنيين العزل، خاصة وأن المطالب ليست سياسية راديكالية (على الأقل في البداية). إذا تصاعد القمع المبالغ فيه، فإن هذا يضع الجيش أمام خيارين:
أ. المشاركة في القمع: مما يضر بسمعته ويخلق انقسامات داخلية خطيرة.
ب. الامتناع عن التدخل أو الانحياز للشارع: في حال رأت قياداته أن استمرار القمع سيهدد وحدة وسلامة الأمة بسبب فشل الطبقة السياسية الحاكمة. (وقد رأينا نموذجا لموقف الجيش في أحداث الربيع العربي في مصر على سبيل المثال لا الحصر).
3. التصعيد المشروط (Contingent Escalation)
استراتيجية الجيل Z هي إذن تصعيد مشروط وفق المراحل التالية:
- المرحلة الأولى (الضغط الناعم): ممارسة ضغط ناعم وأخلاقي بحد أقصى (مطالب اجتماعية بالإضافة إلى توثيق رقمي).
• المرحلة الثانية (التحول): إذا رد النظام بقمع مبالغ فيه اعتبره الجيل الرقمي تهديدا لوجوده (كما حدث في نيبال)، عند هذا المنعطف ستحوّل الحركة القمع إلى شرارة تدفع المؤسسات العميقة (مثل الجيش) إلى إعادة تقييم موقفها بين حماية النظام السياسي الاستبدادي أو حماية الدولة من التمرد الشعبي.
بهذه الطريقة، يستخدم "قِدر الطين" هشاشته الظاهرة كقوة ضاربة ضد القوة الصلبة لـ "قِدر الحديد".
لكن هناك من يُذكّرنا بسداجة أن النظام ليس غبيا، وأنه أمام هذه المعطيات، لا يمكنه أن يعترف بالجيل الرقمي الجديد كمحاور له، بل كطرف في الصراع يتوجب مواجهته بنفس قدر الذكاء الذي يتمتع به. وهنا يدخل المغرب في نفق مظلم ليقفز نحو المجهول حيث لا وجود للنور:
- لماذا؟
قد يلجأ النظام إلى استخدام أدواته الإجرامية كما فعل في 20 فبراير 2011 ليستهدف الشعب مباشرة (كسر ونهب وحرق محلات تجارية، وكالات بنكية، مساكن، معامل الخ..) بهدف خلق شرخ بين الشعب من الجيل القديم وجيل Z المثقف والمسالم الجديد. ناهيك عن أن تكتيك اعتقال الشباب ومحاكمتهم كما حدث لمناضلي الريف سيؤدي إلى إرهاب أهاليهم ويدفعهم للوقوف ضد ابنائهم خوفا عليهم.
هذا تحذير واقعي خطير. خصوصا وأن النظام لديه خبرة تاريخية في التعامل مع الاحتجاجات بهذه الطريقة الإجرامية الخبيثة، خاصة بعد حركة 20 فبراير وحركة شباب الريف.
غير أن هذا السيناريو الذي يطرحه البعض يعكس استراتيجية "فرق تسد" (Divide and Rule) الميكيافيلية التي اعتاد النظام اللجوء إليها كلما شعر بأنه محاصر، وذلك باستخدام القوة الإجرامية الخفية للتلاعب بالرأي العام الوطني وتضليل الرأي العام الدولي.
غير أن استراتيجية القوّة الشبحيّة لـ "جيل Z" في مواجهة مثل هذه التكتيكات والأدوات الإجرامية ستكون كالتالي:
1. تكتيك "إحداث الفوضى والشرخ" (Divide and Rule)
الهدف من استخدام "الأدوات الإجرامية" (مثل تخريب الممتلكات أو محلات التجار) ليس فقط قمع الاحتجاج، بل:
- عزل الحركة عن القاعدة الشعبية: تحويل الشباب من "مطالبين بالعدالة" إلى "مثيري شغب وفوضى" في نظر الجيل القديم والطبقة الوسطى.
- دفع رجال الدين لاعتبار احتجاجات حركة الجيل الرقمي فتنة، وحث المؤثرين والإعلاميين على مطالبة الحركة بوقف الاحتجاجات حتى لا تسود الفوضى.
- خلق عدو مشترك مزيف: إجبار الجيل القديم من النخبة (الذي يملك مصالح اقتصادية راسخة) على الوقوف ضد الشباب لحماية ممتلكاته واستقراره (ألم يقل أخنوش أن ثلث رجال الأعمال المغاربة سيتركون المغرب إذا استمرت مضايقته؟).
أمام هذا التكتيك الهجومي، سيضطر "جيل Z" إلى الرد بـ "القوة المِجهرية" كالتالي:
- التوثيق المضاد الفوري: بفضل الكاميرات والهواتف الذكية المنتشرة، يصعب جداً على الأطراف الأمنية الخفية ممارسة التخريب دون توثيق. حركة جيل Z متخصصة في توثيق ونشر "من فعل ماذا ولماذا؟"، وتستطيع تحويل أي عملية تخريب مفبركة إلى دليل قاطع على لجوء النظام إلى أساليب غير نزيهة، مما يزيد من غضب الشارع بدلاً من تهدئته.
- المطالب الأخلاقية: لأن مطالبهم (الصحة/التعليم/مكافحة الفساد/إطلاق سراح المعتقلين السياسيين) أخلاقية بامتياز، فإن أي عنف أو تخريب يُمارس ضدهم يبدو أكثر عبثية وظلماً، مما يزيد من تعاطف الجماهير العريضة معهم، حتى لو لم تشارك في المظاهرات.
2. تكتيك "ترهيب الأهالي" (The Parental Fear Factor)
اعتقال الشباب هو سلاح تقليدي قوي، لأنه يستغل كأقوى محرك اجتماعي: "خوف الوالدين على مصير أبنائهم وبناتهم". هذا الضغط العائلي ينجح عادةً في إخماد الحركات الشعبية التقليدية.
- لكن كيف تتجاوز الحركة الجديدة تكتيك "إرهاب الأهالي"؟
الجواب يكمن في: (القوة الجماعية الشبحيّة):
- لا قيادة للاستهداف: لأن الحركة شبحيّة ولا مركزية، فإنها تحد من عدد المستهدفين مقارنة بحركة تقليدية لديها قيادات معروفة.
- تحويل الخوف إلى غضب: الاعتقالات لا تقضي على الحركة، بل تصب الزيت على النار وتُشعل غضباً إضافياً. عندما يُعتقل ابن أو ابنة بسبب المطالبة بـ "مستشفى جيد"، فإن الأهل لا يخافون فقط؛ بل يدركون أن مصير أبنائهم (وفرصهم في الحياة) مهدد بالفعل من قبل النظام الفاسد الذي يحرمهم من العدالة. خصوصا وأن الحراك يمتد لمجمل جغرافية الوطن وليس لمنطقة بعينها يمكن احتواؤها كما حدث مع أحداث الريف.
- التضامن الرقمي والمساءلة: تستخدم الحركة منصاتها لـمساءلة النظام قضائياً على المستوى المحلي والدولي، وضمان عدم إساءة معاملة المعتقلين، مما يرفع من تكلفة الاعتقال السياسي على النظام.
3. المعادلة الجديدة: "الغباء الاستراتيجي" للنظام
النظام ليس غبياً في التكتيكات (مثل القمع والترهيب)، لكنه قد يكون "غبياً استراتيجياً" في المدى الطويل.
• المنطق التقليدي (غباء تكتيكي)
- المنطق الجديد (غباء استراتيجي)
• التفكير الرسمي: "قمع 200 شاب سينهي الحركة".
- الواقع الميداني: قمع 200 شاب سينتج 200,000 مشاهدة عالمية لـفيديو القمع، مما يغذي التنظيم الشبحي.
• التفكير الرسمي: "استخدام المجرمين للتخريب سيقسم الشعب".
- الواقع الميداني: التوثيق الرقمي يثبت تلاعب النظام، مما يقلل من شرعيته ويُغضب الطبقة الوسطى التي كانت محايدة.
• التفكير الرسمي: "الأمن والاستقرار أهم من الحقوق".
- الواقع الميداني: إنكار الحقوق في الصحة والتعليم هو بحد ذاته قنبلة موقوتة تهدد الاستقرار بشكل جذري وأكثر خطورة من أي مظاهرة (الهدر المدرسي والبطالة تساهم في تضاعف نسب الجريمة وتغذي بيئة التطرف والإرهاب).
• خلاصة مبدئية:
- الأدوات الإجرامية للنظام هي أدوات من الجيل السابق (قبل عصر الشفافية الرقمية). قد تُبطئ حركة "جيل Z" أو تُسبب لها بعض الخسائر الجانبية (Side effects)، لكنها لن تستطيع القضاء على الأسباب الجذرية للغضب، بل ستزيد من العزلة الدولية والاحتقان الداخلي الذي يغذي التنظيم الشبحي.
من المواقع إلى الواقع
هذا هو الصراع بين القوة الباطشة القديمة والقوة الناعمة والذكية الجديدة التي لا تموت بالاعتقال، بل تنمو بالضغط وتتوسع كرقعة زيت على امتداد جغرافية الوطن.
والسؤال الذي يطرح في النهاية هو:
- هل يعيد النظام قراءة استراتيجياته على ضوء الواقع الجديد الذي خطط له حراك "جيل Z " المغربي في المواقع، ويجنب بالتالي المغرب والمغاربة ما يمكن أن يرتسم في الواقع من كوارث؟
الجواب لدى النظام.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق