هل يولد نظام عالمي جديد من تحت ظلال الردع النووي؟

 

الدار البيضاء: موقع مغربيّ تتقاطع عنده الخرائط الجيوسياسية للنظام العالمي القادم.


ليست كل المدن سواء حين تتحول إلى مسرح للقاءات كبرى. فبعض الأمكنة لا تستقبل الأحداث فقط، بل تمنحها معنى رمزيا. والدار البيضاء واحدة من هذه المدن. فهي ليست مجرد فضاء مغربي مفتوح على الأطلسي، ولا مجرد مدينة اقتصادية كبرى، بل تحمل في ذاكرتها السياسية لحظة من أكثر لحظات القرن العشرين حساسية: مؤتمر أنفا سنة 1943، حين اجتمع قادة الحلفاء في قلب الحرب العالمية الثانية، وبدأت ملامح عالم ما بعد الحرب تتشكل من تحت دخان المعارك.../...


في أنفا 1943 لم يكن العالم قد خرج بعد من الحرب، لكن النظام القادم كان قد بدأ يولد. كان ميزان القوة ينتقل من أوروبا القديمة إلى الولايات المتحدة الصاعدة. وكانت ترتيبات ما بعد النازية والفاشية تتهيأ، قبل أن تظهر لاحقًا مؤسسات النظام الدولي الجديد، وعلى رأسها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بما يحمله ذلك من احتكار المنتصرين الكبار لحق إدارة الأمن العالمي.


لهذا، فإن الحديث المتداول عن اجتماع سري في الدار البيضاء يضم ممثلين عن القوى النووية الخمس، أو عن أعضاء مجلس الأمن الدائمين، لا يمكن قراءته كخبر عابر، حتى لو بقي في مستوى التسريب أو الإشارة الدبلوماسية غير المكتملة. فقيمة الخبر لا تأتي من مضمونه المباشر وحده، بل من رمزية المكان، ومن التوقيت، ومن السياق الدولي الذي يحيط به.


فالدار البيضاء، بعد ثمانين عامًا تقريبًا من مؤتمر أنفا، تعود في لحظة عالمية لا تقل اضطرابًا: حرب في أوكرانيا لم تنتهِ إلى نظام أمني جديد، شرق أوسط يتأرجح على حافة الانفجار، تهديدات نووية تعود إلى الخطاب السياسي، اتفاقيات ضبط التسلح تتآكل، الناتو يتغير من الداخل، فرنسا تبحث عن دور نووي أوروبي، الصين تتمدد صناعيًا في إفريقيا وعلى أبواب أوروبا، وروسيا تعيد تثبيت نفسها في الساحل وإفريقيا بوصفها قوة لا يمكن تجاهلها.


بهذا المعنى، لا ينبغي أن يكون السؤال: هل انعقد الاجتماع فعلًا بهذه الصيغة أم لا؟ بل السؤال الأعمق هو: لماذا أصبحت الدار البيضاء، والمغرب عمومًا، مكانًا ممكنًا لعقد هذا النوع من الاجتماعات؟ ولماذا يبدو المغرب، في هذه اللحظة بالذات، كأنه يتحول إلى عقدة استراتيجية في عالم يبحث عن نظام جديد؟


إن الجواب لا يوجد في ملف واحد، بل في تقاطع عدة ملفات: الردع النووي، أزمة الناتو، الصراع على إفريقيا، سلاسل الصناعة الخضراء، إعادة التموضع الأمريكي، العودة الفرنسية إلى القارة الإفريقية من بوابة المغرب، الحضور الصيني الصناعي، والحضور الروسي في الساحل.


هنا تبدأ الصورة في الاكتمال.


لقد ظل الردع النووي، منذ نهاية الحرب الباردة، حاضرًا في الخلفية أكثر مما هو حاضر في الواجهة. لكنه عاد اليوم إلى سطح الخطاب الدولي. لم تعد الترسانات النووية مجرد بقايا من زمن قديم، بل صارت جزءًا من حسابات الردع اليومية بين روسيا والغرب، وبين الولايات المتحدة والصين، وبين القوى الكبرى التي تدرك أن النظام الدولي القديم فقد كثيرًا من قواعد ضبطه.


وتراجع الثقة في اتفاقيات الحد من التسلح، والجدل حول مستقبل “ستارت”، وتزايد الحديث عن توسيع الانتشار النووي داخل أوروبا، كلها مؤشرات على أن العالم لا يتجه إلى طمأنينة نووية، بل إلى مرحلة إعادة تعريف للردع. وقد نقلت Reuters اليوم عن Financial Times  أن واشنطن تبحث توسيع انتشار الأسلحة النووية في دول أوروبية إضافية داخل الناتو، وخاصة على الجناح الشرقي، مع تأكيد مسؤول في البنتاغون استمرار التزام الولايات المتحدة بالمظلة النووية للحلف، رغم تصاعد الضغوط على أوروبا لتحمل عبء دفاعي أكبر.


هذا وحده يكفي لفهم القلق الأوروبي. فالمسألة ليست أن الردع النووي عاد فقط، بل أنه عاد في لحظة لم تعد فيها أوروبا متأكدة من الحماية الأمريكية كما كانت. فقد قال ترامب في 2025 إنه لن يدافع عن حلفاء الناتو الذين لا يدفعون ما يعتبره نصيبهم الكافي من تكاليف الدفاع، كما سبق أن شكك في جدوى استمرار الإنفاق الأمريكي على الحلف وطلب من الأوروبيين رفع إنفاقهم العسكري إلى مستويات غير مسبوقة.


ومن هنا تبدأ أزمة الناتو كما عرفناه. فالحلف لم ينتهِ قانونيًا، ولا تزال مؤسساته قائمة، ولا تزال المظلة الأمريكية قائمة في التصريحات الرسمية على الأقل. لكن ما انتهى، أو بدأ ينتهي، هو اليقين النفسي الأوروبي القديم بأن الولايات المتحدة ستظل تحمي أوروبا تلقائيًا وبلا شروط. وقد نقلت Reuters قبل أيام عن صحيفة Spiegel الألمانية، أن واشنطن تخطط لتقليص بعض الموارد العسكرية المتاحة للناتو في الأزمات، بما في ذلك طائرات استراتيجية وقطع بحرية ودعم استطلاعي، في سياق أوسع يدفع أوروبا إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها.


هذا التحول يفتح فراغًا. وكل فراغ استراتيجي يستدعي من يحاول ملأه.


هنا تظهر فرنسا.


فرنسا تدرك أن اهتزاز الثقة في المظلة الأمريكية يمنحها فرصة تاريخية لتسويق نفسها بوصفها القوة النووية الأوروبية القادرة على حماية أوروبا أو جزء منها في مواجهة روسيا. لكنها، في الوقت نفسه، لا تعرض ردعًا أوروبيًا جماعيًا بالمعنى الكامل، بل ردعًا فرنسيًا ذا بعد أوروبي، يبقى فيه القرار النهائي في يد باريس. وهذا الفارق حاسم. ففرنسا لا تريد فقط حماية أوروبا، بل تريد أيضًا أن تصبح مركزًا قياديًا في أمنها الجديد.


لكن فرنسا تواجه مشكلة أخرى: لقد خسرت كثيرًا من نفوذها الإفريقي التقليدي، خاصة في الساحل. لم تعد العودة إلى إفريقيا ممكنة بالصيغة القديمة: قواعد، وصاية، لغة استعمارية ناعمة، وشبكات نفوذ مغلقة. لذلك تبدو الشراكة مع المغرب، في هذه اللحظة، أكثر من علاقة ثنائية. إنها بوابة فرنسية لإعادة التموضع في إفريقيا عبر شريك إفريقي قوي ومستقر وذي امتداد اقتصادي ودبلوماسي واسع كما أصبح المغرب اليوم.


ولهذا فإن التحضير لمعاهدة فرنسية-مغربية جديدة لا ينبغي أن يُقرأ فقط بوصفه ترميمًا لعلاقة توترت في السنوات الماضية. فقد أفادت Reuters بأن فرنسا والمغرب يحضران لمعاهدة لتعزيز العلاقات، في سياق زيارة ملكية مرتقبة واتفاق ثنائي واسع. كما تحدثت مصادر مغربية وفرنسية عن طابع “تاريخي” و ”غير مسبوق” لهذه المعاهدة.


المعنى السياسي الأعمق هو أن باريس تحاول العودة إلى إفريقيا من بوابة الرباط. والمغرب، من جهته، لا يمنح فرنسا عودة مجانية، بل يدخل في شراكة تعاونية من موقع قوة، بعد أن صارت له شبكة حضور في غرب إفريقيا والساحل عبر البنوك، والاتصالات، والفوسفاط، والطاقة، والبنية التحتية، والدبلوماسية الدينية، والتكوين العسكري، والمبادرات الأطلسية.


لكن فرنسا ليست وحدها في هذه الساحة.


الصين سبقتها إلى قراءة الموقع المغربي بوصفه منصة صناعية وتجارية استراتيجية. فقلق أوروبا من الاستثمارات الصينية في المغرب ليس قلقًا اقتصاديًا عاديًا، بل قلق من أن يتحول المغرب إلى قاعدة صناعية صينية على أبواب أوروبا. وقد نشرت Financial Times أن الاتحاد الأوروبي يخشى من بناء الصين قاعدة صناعية في المغرب، خصوصًا في السيارات الكهربائية والبطاريات، مع تقديرات تشير إلى أكثر من 6 مليارات دولار من الاستثمارات الصينية المعلنة منذ الجائحة.


هذا الرقم ليس هامشيًا. فمشاريع البطاريات والسيارات الكهربائية ليست صناعات عادية، بل تقع في قلب اقتصاد المستقبل: الطاقة، النقل، المعادن الحرجة، سلاسل التوريد، والانتقال الأخضر. وإذا استطاعت الصين أن تجعل من المغرب منصة إنتاج قريبة من أوروبا، مستفيدة من اتفاقيات التجارة وقواعد المنشأ، فإنها لا تستثمر في المغرب فقط، بل تعيد هندسة جزء من العلاقة الصناعية بين الصين وأوروبا وإفريقيا.


هنا يصبح المغرب في عين العاصفة: حليف أمني للغرب، شريك صناعي للصين، بوابة محتملة لعودة فرنسا إلى إفريقيا، ومنصة أمنية أطلسية تهم الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه فاعل يحاول ألا يقطع مع روسيا.


فروسيا ليست خارج الصورة. في الساحل، وخاصة في مالي، بات الحضور الروسي واقعًا عبر بنى أمنية وعسكرية حلت محل الحضور الفرنسي التقليدي. والمغرب، وهو يعزز علاقته مع باماكو ويدعم استقرار مالي، لا يتحرك بمنطق استبعاد روسيا، بل بمنطق احتواء التوازنات. قد لا يكون هناك تحالف ثلاثي معلن بين المغرب وروسيا ومالي، لكن هناك تقاطعًا موضوعيًا في دعم استقرار النظام المالي ومواجهة الجماعات المسلحة التي تهدد الدولة. وهذا التقاطع يسمح للرباط بأن تبقي موسكو داخل معادلة الساحل بدل دفعها إلى موقع الخصم غير المرغوب فيه.


وهذه نقطة أساسية في فهم السياسة المغربية الجديدة. المغرب لا يقدم نفسه بوصفه رأس حربة غربية ضد روسيا أو الصين، بل بوصفه منصة توازن بين القوى الكبرى. يفتح الباب لفرنسا كي تعود إلى إفريقيا بصيغة شراكة لا وصاية. يفتح الباب للصين كي تستثمر وتصنع وتربط سلاسل الإنتاج بالتعاون الثنائي ونقل التكنولوجيا. يحتفظ بعلاقته الأمنية العميقة مع الولايات المتحدة خصوصا في الصناعات العسكرية والمدنية والشبكات التجارية. ويبقي روسيا في موقع قابل للاحتواء والتنسيق غير المباشر، خاصة في الساحل ومن خلال التعاون الاقتصادي في مجال الصيد البحري بفضل ما أصبح يعرف باتفاقية القرن التي وقعتها الرباط مع موسكو كرد على موقف أوروبا من صادرات المغرب الفلاحية والبحرية للسوق الأوروبية بسبب الوضع القانوني للصحراء.


هذا بالضبط ما يجعل المغرب مرشحًا ليكون عقدة في النظام القادم، لا مجرد تابع في نظام قائم.


أما التسريبات التي تحدثت عن إمكان نقل بعض الثقل العسكري الأمريكي من روتا ومورون في إسبانيا إلى المغرب، أو عن فرضية نقل مقر أفريكوم من ألمانيا إلى المغرب، فحتى لو لم تثبت كقرارات نهائية، فإن أهميتها تكمن في أثرها النفسي والسياسي. أوروبا لم ترتعب لأن الخبر صار حقيقة رسمية، بل لأنها رأت فيه احتمالًا قائما: أن تعيد واشنطن هندسة حضورها العسكري بحيث تصبح أوروبا أقل مركزية في الحسابات الأمريكية، ويصبح جنوب المتوسط والمغرب تحديدًا جزءًا من بديل أطلسي-إفريقي جديد.


وهنا تلتقي الرمزية بالاستراتيجية.


في أنفا 1943، كان المغرب فضاءً احتضن لقاء المنتصرين لصياغة عالم ما بعد الحرب. أما في الدار البيضاء 2026، فالمغرب لا يبدو مجرد فضاء للاجتماع، بل موقعًا تتقاطع عنده رهانات العالم القادم: الردع النووي، أزمة الناتو، الصراع على إفريقيا، سلاسل الصناعة الخضراء، مستقبل الوجود الأمريكي في المتوسط، العودة الفرنسية، التمدد الصيني، واحتواء روسيا في الساحل.


لذلك، فإن اجتماعًا نوويًا في الدار البيضاء، حتى إن ظل في دائرة السريّة، يحمل دلالة أوسع من تسريب الخبر نفسه من قبل مساعد وزير الخارجية الروسي. فهو يكشف أن العالم لم يعد يدار من عاصمة واحدة، ولا من محور واحد، ولا من بنية أطلسية مستقرة كما كانت بعد الحرب العالمية الثانية. نحن أمام عالم تتوزع فيه القوة، وتتكسر فيه اليقينيات، وتعود فيه الجغرافيا السياسية إلى الواجهة بقوة.


ومن يقرأ المغرب في هذه اللحظة كبلد متوسط فقط، أو كحليف تقليدي فقط، أو كمنصة اقتصادية فقط، لن يفهم التحول. المغرب يتحرك ليصبح نقطة ربط بين الشمال والجنوب، وبين الأطلسي وإفريقيا، وبين أوروبا والصين، وبين الغرب وروسيا، وبين الأمن والطاقة والصناعة والدبلوماسية.


هذا لا يعني أن الطريق مضمون. فالتحول إلى عقدة استراتيجية كبرى يحمل فرصًا ومخاطر. قد يمنح المغرب وزنًا سياسيًا واقتصاديًا غير مسبوق يحوله إلى قوة إقليمية وازنة، لكنه يجعله أيضًا في قلب تنافس الكبار. وقد يسمح له بانتزاع شراكات متقدمة، لكنه يفرض عليه دقة عالية في التوازن. فكل قوة كبرى ستريد المغرب من زاويتها: أمريكا تريده منصة أمنية أطلسية، فرنسا تريده بوابة تجارية إفريقية، الصين تريده قاعدة صناعية متقدمة، روسيا تريده شريكًا لا ينخرط في حصارها، وأوروبا تريده قريبًا لكن غير مفتوح بالكامل للصين التي تهدد صناعاتها.


وهنا تكمن براعة الرباط في التعامل مع لحظة التحول الكبرى التي يعرفها العالم اليوم في خضم دخان الفوضى الذي يحجب الرؤيا، أن لا تتحول إلى أداة في يد قوة واحدة، بل إلى منصة توازن تجعل القوى الكبرى تحتاج إليها دون أن تبتلع قرارها.


من أنفا 1943 إلى الدار البيضاء 2026، تغير العالم كثيرًا. في الأولى، كان النظام الدولي يولد من انتصار عسكري واضح. في الثانية، يبدو النظام القادم كأنه يولد من فوضى انتقالية: لا منتصر نهائي، ولا قطبية واحدة، ولا تحالفات مستقرة، ولا قواعد ردع مطمئنة.


لكن المشترك بين اللحظتين أن الدار البيضاء تعود بوصفها مرآة لتحول عالمي كبير.


في 1943 كانت المدينة شاهدًا على صعود النظام الأطلسي الأمريكي. وفي 2026 قد تكون شاهدًا على اضطراب ذلك النظام، وعلى ولادة هندسة جديدة يصبح فيها المغرب، لا مجرد مكان للاجتماع، بل إحدى مفاتيح التوازن في عالم ما بعد القطبية الأحادية وما بعد الليبرالية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق