العلمانية والدولة المدنية بميزان قرآني

 


الصورة: صندوق الاقتراع يرمز إلى الآليات المدنية، والكتاب المفتوح يرمز إلى العدل والأمانة والشورى والكرامة. فالدولة العادلة لا تولد من كفة واحدة، بل من ميزان يجمع الحرية بالمحاسبة، والقانون بالأخلاق، والمواطنة بالمسؤولية.



تمهيد: هل الدين شأن شخصي فقط أم ميزان لبناء المجتمع؟

حين يُطرح مفهوم العلمانية في المجال العربي والإسلامي، لا يُطرح عادة بوصفه مصطلحًا سياسيًا يحتاج إلى تحرير، بل بوصفه ساحة صراع بين مشروعين متقابلين: مشروع يريد إخراج الدين من المجال العام باسم الحداثة، ومشروع يريد إدخال الدولة في الدين باسم الشريعة. وبين هذين الطرفين تضيع أسئلة أعمق: ما الدين في الخطاب القرآني؟ هل هو علاقة شخصية فقط بين الإنسان وربه؟ أم هو أيضًا ميزان اجتماعي للعدل والأمانة والكرامة؟ وهل يمكن بناء دولة مدنية جامعة دون أن تكون دولة علمانية بالمعنى الفلسفي، ودون أن تتحول في الوقت نفسه إلى دولة دينية أو حزبية تحتكر الكلام باسم الله؟.../...


ليست المشكلة في أن نرفض الاستبداد باسم الدين؛ فهذا الرفض من صميم الميزان القرآني. وليست المشكلة في أن نطالب بدولة مدنية، وقانون، ومواطنة، وحرية اعتقاد، ومحاسبة للسلطة؛ فهذه كلها شروط لازمة لمنع الظلم. المشكلة تبدأ حين يُقال إن هذه القيم لا يمكن أن تتحقق إلا داخل وعاء العلمانية كما تشكل تاريخيًا في الغرب، أو حين يُقال في المقابل إن حضور الدين في المجتمع لا يكون إلا عبر دولة تسمى “إسلامية”، أو خلافة، أو حزب ديني، أو مؤسسة فقهية تحتكر تنزيل الشريعة.


هنا ينبغي التوقف. فالقرآن لا يقدم الدين بوصفه شأنًا شخصيًا معزولًا عن الاجتماع، لأنه يأمر بالعدل، والقسط، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانات، ومنع الظلم، وحماية الضعيف. لكنه في الوقت نفسه لا يقدم الدين بوصفه سلطة قهرية تفرض الإيمان، أو تجعل الدولة وصية على ضمائر الناس. فالإيمان لا يُصنع بالقانون، والتقوى لا تقوم بالإكراه، والدولة لا تدخل الناس في الدين، ولا تملك أن تحاسب قلوبهم نيابة عن الله.


ومن هنا تبرز قاعدة مركزية يمكن أن تفتح طريقًا ثالثًا:


الدولة لا تطبق الدين بمعنى فرض التدين، لكنها تلتزم بالميزان القرآني الذي يحفظ الأمانات ويقيم العدل.


هذه القاعدة تضعنا خارج الثنائيتين معًا: خارج العلمانية المادية التي تحصر الدين في الضمير الفردي وتقطع السياسة والأخلاق عن مرجعية الوحي، وخارج الدولة الدينية التي تمنح الحاكم أو الحزب أو الفقيه حق تمثيل الإسلام واحتكار الشرعية.


ولكي نفهم هذا الطريق الثالث، لا بد أولًا من تحرير مفهوم العلمانية نفسه: ما أصله الغربي؟ كيف انتقل إلى الثقافة السياسية العربية؟ كيف فهمه نصر أبو زيد وعبد الله العروي ومحمد أركون من بين آخرين؟ ولماذا تحول عند بعضهم من مفهوم تاريخي قابل للنقاش إلى حتمية معرفية أو سياسية أو حضارية؟ ثم بعد ذلك يمكن أن نطرح السؤال الأهم: هل يحتاج المجتمع المسلم إلى علمانية كي يبني دولة مدنية عادلة، أم يستطيع أن يبني دولة مدنية بميزان قرآني، لا دينية ولا مادية، لا كهنوتية ولا إقصائية، دولة عهد وشورى وعدل، تحفظ حرية الضمير، وتمنع احتكار الدين، وتُحاسب السلطة بميزان الحق؟



أولًا: العلمانية في أصلها الغربي

قبل مناقشة العلمانية في السياق العربي والإسلامي، ينبغي تحرير أصلها المفهومي. فكلمة “العلمانية” في العربية ترجمة ملتبسة؛ لأنها توهم بوجود علاقة مباشرة بينها وبين “العِلم”، مع أن أصلها في اللغات الأوروبية لا يعود إلى العلم بمعنى science، بل إلى secular بالإنجليزية، وséculier  أو laïcité بالفرنسية، وهي ألفاظ ارتبطت تاريخيًا بالمجال الزمني أو الدنيوي أو المدني في مقابل المجال الكنسي أو الديني المؤسسي.


ومن هنا فإن العلمانية، في أصلها الغربي، لم تولد أولًا بوصفها “منهجًا علميًا لفهم الدين”، ولا بوصفها مجرد دعوة إلى العقل، بل نشأت في سياق تاريخي مخصوص: صراع أوروبا مع السلطة الكنسية، والحروب الدينية، وتكوّن الدولة القومية الحديثة، ومحاولة إخراج بعض مجالات الحياة العامة من هيمنة الكنيسة، ونقلها إلى سلطة الدولة المدنية.


ولهذا فإن من الخطأ أن تُفهم العلمانية في العربية كأنها مرادفة للعلم، أو كأن من يعارضها يعارض العلم، أو كأن من يقبل بعض وظائفها السياسية يقبل بالضرورة فلسفتها المادية. فالمفهوم نفسه متعدد الطبقات، ولا يصح اختزاله في معنى واحد.


يمكن التمييز هنا بين ثلاثة مستويات كبرى.


المستوى الأول هو العلمانية التاريخية الأوروبية، وهي مرتبطة بسياق الصراع مع الكنيسة، وتحرير الدولة الحديثة من السلطة الكنسية، ونقل المجال السياسي والقانوني والإداري إلى سلطة مدنية لا تديرها المؤسسة الدينية.


والمستوى الثاني هو العلمانية السياسية أو الإجرائية، وهي التي تعني حياد الدولة تجاه الأديان والمذاهب، ومنع الإكراه الديني، وضمان حرية الاعتقاد، وعدم منح مؤسسة دينية واحدة سلطة فوق القانون أو فوق المواطنين. وهذا المستوى قد يكون في بعض السياقات وسيلة لمنع الاستبداد باسم الدين، لا بالضرورة إنكارًا للدين نفسه.


أما المستوى الثالث فهو العلمانية الفلسفية أو المادية، وهي التي لا تكتفي بتنظيم علاقة الدولة بالدين، بل تنزع عن الدين حقه في تأسيس المعنى والقيم، وتحصره في الضمير الفردي أو الشعور الخاص، وتبني الأخلاق والسياسة والإنسان على مرجعية دنيوية مكتفية بذاتها. وهنا يقع التعارض الجوهري مع الرؤية القرآنية؛ لأن القرآن لا يجعل الدين شعورًا فرديًا معزولًا، بل ميزانًا للعدل والأمانة والعهد والكرامة في ظل الاجتماع الإنساني.


هذا التمييز ضروري؛ لأن كثيرًا من السجالات العربية خلطت بين هذه المستويات. فبعض الإسلاميين رفضوا العلمانية كلها بوصفها كفرًا واحدًا، دون تمييز بين حياد الدولة تجاه المذاهب وبين نفي الدين من الوجود العام. وبعض الحداثيين قبلوها كلها بوصفها خلاصًا واحدًا، دون تمييز بين منع الكهنوت وبين إخراج الوحي من بناء القيم.


والصواب أن العلمانية ليست كلمة بريئة ولا شيطانًا مطلقًا. إنها مفهوم تاريخي غربي، نشأ في سياق مخصوص، ثم انتقل إلى الثقافة السياسية العربية محملًا بأسئلته، وتوتراته، وصراعاته، ومفاهيمه عن الدين والدولة والإنسان والقيم.



ثانيًا: العلمانية في الفكر العربي بين التعريف والحتمية

حين دخل مفهوم العلمانية إلى الفكر العربي الحديث، لم يدخل بوصفه مصطلحًا محايدًا، بل دخل محملًا بسؤال النهضة، والتأخر، والحداثة، والدولة الوطنية، وعلاقة الدين بالسياسة. ولذلك اختلفت طريقة التعامل معه بين مفكر وآخر، لكن ما يجمع عددًا من الخطابات الحداثية العربية هو أنها لم تكتف بتقديم العلمانية كخيار قابل للنقاش، بل رفعتها أحيانًا إلى مقام الضرورة أو الحتمية.


عند نصر حامد أبو زيد، مثلًا، نجد ميلًا إلى تقديم العلمانية بوصفها شرطًا للفهم العلمي للدين. فهو لا يتعامل معها فقط كتصور سياسي لعلاقة الدولة بالمجال الديني، بل يربطها بمسألة التأويل وفهم النص. وهنا يقع الخلط؛ لأن العلمانية ليست في أصلها منهجًا في تفسير الدين، بل موقف تاريخي وسياسي وفلسفي من علاقة الدين بالدولة والمجال العام والمعرفة. ومن ثم فإن تحويلها إلى مرادف للفهم العلمي يجعل من يعارضها كأنه يعارض العلم، وهذا تبسيط شديد السطحية.


أما عبد الله العروي، فيربط العلمانية بمسار الدولة الوطنية الحديثة، حتى تبدو كأنها قدر الدولة العربية الحديثة، شاء من شاء وأبى من أبى. غير أن هذا التصور يصادر السؤال قبل أن يبدأ؛ لأنه يفترض أن الدولة الوطنية لا يمكن أن تكتمل بالضرورة إلا بالعلمانية، وأن كل محاولة لبناء دولة مدنية ذات مرجعية قيمية غير علمانية هي نوع من الخروج عن التاريخ ومن التاريخ. وهذا افتراض يحتاج إلى نقاش، لا إلى التسليم به كقدر.


وأما محمد أركون، فيقدم العلمانية بوصفها شرطًا من شروط دخول الحداثة وما بعدها، باعتبارها أداة لتحرير العقل من الانغلاق اللاهوتي والدوغمائي، وفتح المجال أمام النقد التاريخي والأنثروبولوجي والفلسفي. لكن الإشكال هنا أن أركون، وهو يستدعي الحداثة وما بعد الحداثة، يقع في نوع من الحتمية المضادة؛ إذ يجعل نموذجًا غربيًا مخصوصًا شرطًا عامًا لدخول التاريخ الحديث، في حين أن ما بعد الحداثة نفسها قامت على نقد الحتميات الكبرى والمركزيات التي تتكلم باسم الإنسان والتاريخ الكلي.


القاسم المشترك بين هذه المواقف الثلاثة أنها لا تُعرّف العلمانية فقط، بل تمنحها وضعًا معياريًا أعلى. فعند نصر أبو زيد، تصبح العلمانية شرطًا للتأويل العلمي للنص. وعند العروي، تصبح قدرًا حتميًا للدولة الوطنية. وعند أركون، تصبح بوابة إلزامية للحداثة.


وهنا تكمن المشكلة المنهجية. فبدل أن تُناقش العلمانية بوصفها تجربة تاريخية وسياسية وفلسفية نشأت في سياق أوروبي، تتحول إلى معيار لقياس تقدم المجتمعات العربية والإسلامية، وإلى بوابة وحيدة للحداثة، وإلى قدر لا يجوز الخروج عنه.


وهذا التحويل يجعل العلمانية نفسها مطلقًا جديدًا. فهي لا تعود مجرد أداة لتنظيم علاقة الدولة بالمؤسسات الدينية، بل تتحول إلى رؤية شاملة تحدد من هو الحديث ومن هو المتخلف، من هو العقلاني ومن هو اللاهوتي، من هو داخل التاريخ ومن هو خارجه.


والسؤال الذي ينبغي طرحه هنا هو: هل المطلوب تحرير الدولة من احتكار رجال الدين وهيمنة المذهب وديكتاتورية الحزب الديني؟ أم المطلوب تحرير الإنسان والمجتمع من مرجعية الوحي نفسها؟ هل المشكلة في الدين، أم في توظيف السلطة للدين؟ هل غاية الدولة المدنية أن تمنع الإكراه والتمييز والاستبداد، أم أن تقطع السياسة والقانون والأخلاق عن أي مرجعية قرآنية أو دينية؟


هذا هو الفرق الحاسم.


فإذا كان المقصود بالعلمانية منع الكهنوت، ومنع الإكراه الديني، ومنع احتكار الدولة أو الحزب للدين، فهذه أسئلة مشروعة يمكن أن نجد لها أساسًا قويًا داخل القرآن نفسه. أما إذا كان المقصود بها أن الدين لا شأن له ببناء القيم العامة، وأن الوحي لا علاقة له بالعدل والأخلاق والسياسة والاجتماع، فهذا اختزال للدين ومصادرة للخطاب القرآني.


ومن هنا لا يكفي أن نقول: العلمانية هي الحل، ولا أن نقول: العلمانية هي الكفر. بل ينبغي أن نسأل: أي علمانية؟ وفي أي سياق؟ وبأي علاقة مع الدين؟ وبأي ضمانات للحرية والعدل؟ وهل نحتاج فعلًا إلى علمانية فلسفية لبناء دولة مدنية عادلة، أم يمكن بناء دولة مدنية بميزان قرآني، لا يحكمها رجال دين، ولا حزب ديني، ولا مؤسسة كهنوتية، لكنها لا تقطع المجتمع عن الإيمان وقيم العدل والكرامة والأمانة وحرية الضمير؟ 


بمعنى أكثر وضوحا:  أن لا نحول الإيمان، من الإيمان بالله إلى الإيمان بالدولة.



ثالثًا: الدين بين العلاقة الشخصية والميزان المجتمعي

بعد تحرير المفهوم، نصل إلى السؤال الأعمق: هل الدين في القرآن شأن شخصي فقط، أم هو ميزان لبناء المجتمع؟


الدين في القرآن يبدأ من علاقة الإنسان بربه. الإيمان لا يفرضه قانون، ولا تصنعه الدولة التي هي كيان اعتباري لا يؤمن كما يؤمن المواطن، ولا تقوم التقوى بالإكراه. لقوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾ [البقرة: 256]، وقال أيضا: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ [الكهف: 29]. فالدولة لا تملك أن تدخل الناس في الإيمان، ولا أن تصنع الصدق في القلوب، ولا أن تحتكر طريق الخلاص في الدنيا والنجاة في الآخرة.


لكن الدين، في القرآن، ليس شعورًا فرديًا محضًا يُحبس داخل الضمير ولا أثر له في الاجتماع. فالقرآن يأمر بالصلاة العمودية التي هي علاقة بين العبد وربه من خلال الذكر، وبالصلاة الأفقية التي هي صلة بين العبد ومجتمعه، من خلال إقامة العدل، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانات، وعدم أكل أموال الناس بالباطل، ومنع الظلم، وتجنب الفواحش، والإصلاح بين الناس، والقسط في الحكم، وحماية الضعيف، والشهادة بالحق، وعدم العدوان. وهذه كلها ليست مسائل عبادية فردية فقط، بل قواعد لا يقوم الاجتماع الإنساني السليم إلا بها.


إذن الدين في القرآن له مستويان متكاملان: الدين بوصفه إيمانًا وضميرًا، وهو شخصي لا إكراه فيه؛ والدين بوصفه ميزانًا للعدل والأمانة ومنع الظلم، وهو مجتمعي لا يجوز طرده من الحياة العامة.


من هنا تتضح القاعدة المركزية:


الدولة لا تطبق الدين بمعنى فرض التدين، لكنها تلتزم بالميزان الذي يحفظ الأمانة ويقيم العدل.


وهذه العبارة تخرجنا من ثنائية الدولة الدينية والعلمانية المادية معًا. فالدولة ليست مطالبة بأن تجعل الناس متدينين، ولا أن تراقب ضمائرهم، ولا أن تفرض عليهم الإيمان. لكنها مطالبة بأن تؤدي الأمانة وتقيم العدل، وتصون الكرامة، وتحفظ العهد، وتحمي حرية الاعتقاد، وتمنع الظلم، وتمنع احتكار الدين من طرف السلطة أو الحزب أو الجماعة.


فإذا قيل إن الدين مسألة شخصية فقط، فإن العلمانية تبدو الحل الطبيعي؛ لأن الدولة ستُبنى حينئذ على مرجعية دنيوية مستقلة عن الوحي. وإذا قيل إن الدين سلطة سياسية، فإن الدولة الدينية أو الحزب الديني يصبحان النتيجة الطبيعية. أما القرآن فيفتح طريقًا ثالثًا: الدين إيمان حر، وميزان عدل. الإيمان لا يُفرض، والعدل لا يُعطل.



رابعًا: القرآن ومجتمع التعدد

القرآن نفسه يفتح الباب أمام مجتمع يتسع للمؤمن والمخالف. فهو لا يبني الاجتماع البشري على التمييز ومحو الاختلاف، ولا على إكراه الناس على عقيدة واحدة. بل يقرر قاعدة الحرية في الإيمان، ويعترف بوجود جماعات دينية متعددة.


قال تعالى: 


﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [البقرة: 62]. 


وهذه الآية، مهما اختلف المفسرون في تفاصيلها، تفتح أفقًا مهمًا: أن القرآن لا ينظر إلى الوجود الديني بمنطق احتكار اسمي للهداية، بل يربط النجاة بالإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، ويترك الحكم النهائي لله.


وتجربة المدينة تمثل نموذجًا عمليًا شديد الأهمية. فانتقال النبي عليه السلام من مكة إلى المدينة لم يكن انتقالًا من قبيلة إلى دولة دينية بالمعنى الكهنوتي، بل انتقالًا من العصبية القبلية إلى جماعة سياسية قائمة على العهد في ظل التنوع. المدينة ضمت مهاجرين وأنصارًا ويهودًا ونصارى  ومشركين ومكونات اجتماعية متعددة، وكانت صحيفة المدينة، في معناها العام، تعبيرًا عن عقد سياسي يحفظ السلم، والحقوق، والدفاع المشترك، والمسؤولية، دون أن يلغي اختلاف المكونات الدينية والاجتماعية.


وهذا يؤكد أن الاجتماع السياسي في المنظور القرآني لا يقوم على فرض العقيدة، بل على العهد والعدل ومنع الظلم احتراما لحرية الإنسان وحفظا لكرامته.


فالقرآن لا يؤسس دولة ملة مغلقة، ولا دولة عقيدة مفروضة، بل يفتح المجال لمجتمع سياسي تحفظه الأمانة والعهد والعدل. وهذا لا يعني أن الدين ينسحب من الاجتماع، بل يعني أنه يحضر فيه بوصفه ميزانًا، لا بوصفه إكراهًا.



خامسًا: المرجعية القيمية لا سلطة التمثيل الديني

هنا تبرز المسألة الأصعب: إذا لم تكن الدولة علمانية بالمعنى الفلسفي، وإذا كانت تستلهم الميزان القرآني، فمن يمثل هذه المرجعية؟ ومن يمنع أن تتحول إلى سلطة رمزية باسم دين الأغلبية؟ وهل يصبح رئيس الدولة أو الحزب أو الفقيه ممثلًا للإسلام؟


الجواب أن المرجعية في الدولة المدنية ليست مرجعية تمثيل ديني، بل مرجعية ميزان لقيم جامعة.


أي أن الدولة لا تحتاج إلى مؤسسة دينية فوقها، ولا إلى حزب يقول: أنا أمثل الإسلام، ولا إلى فقيه رسمي يملك حق الحسم باسم الله. بل تحتاج إلى دستور مدني ذي روح قيمية، يترجم المبادئ الكبرى إلى قواعد عامة: العدل، الكرامة، حرية الاعتقاد، منع الإكراه، المساواة أمام القانون، الأمانة، حماية الضعيف، الوفاء بالعهد، ومحاسبة السلطة.


هذه القيم يستطيع المسلم أن يراها قرآنية، ويستطيع غير المسلم أو اللاديني أن يقبلها بوصفها مبادئ مدنية وإنسانية كونية عادلة. وهنا تكمن قوة الدولة المدنية بميزان القرآن: إنها لا تفرض على المواطن تفسيرًا دينيًا رسميًا يختزل الإسلام في سجن الدولة، لكنها لا تجعل الدولة بلا قيم.


فالفرق كبير بين مرجعية قيمية ومرجعية سلطوية. المرجعية القيمية تجعل العدل فوق الجميع. أما المرجعية السلطوية فتجعل جهة بشرية تتكلم باسم الله، ومن خالفها بدا كأنه خالف الله.


لذلك لا بد من قواعد حاسمة: لا قداسة لأي قرار سياسي أو قانوني؛ لأن تنزيل القيم في القوانين اجتهاد بشري قابل للنقاش والمراجعة. ولا حزب يمثل الإسلام؛ لأن الحزب، مهما رفع من شعارات، يبقى تنظيمًا بشريًا محدودا يصيب ويخطئ، في حين أن الإسلام جعله الله دينا للعالمين. ولا مواطنة ناقصة بسبب العقيدة؛ لأن المواطن لا يأخذ حقه من انتمائه إلى عقيدة الأغلبية، بل من كونه إنسانًا ومواطنًا داخل عقد مدني جامع يحترم عقيدته وإن اختلفت عن عقيدة الأغلبية.


بهذا المعنى، لا تكون المرجعية في سؤال: من يتكلم باسم الدين؟ بل في سؤال آخر: ما القيم التي تمنع السلطة من الظلم، سواء تكلمت باسم الدين أو باسم الحداثة أو باسم الأمن أو باسم الشعب؟



سادسًا: إشكال تسمية الدولة الإسلامية

من الأخطاء الشائعة تسمية الدولة بـ “الإسلامية”. ذلك أن الدولة كيان معنوي، لا تؤمن ولا تكفر، ولا تصلي ولا تصوم، ولا تُحاسَب يوم القيامة كما يُحاسَب الإنسان. الذي يؤمن أو يكفر هو الإنسان. والذي يعدل أو يظلم هو الإنسان. والذي يؤدي الأمانة أو يخونها هو الإنسان. أما الدولة فهي بناء مؤسسي، وجهاز تدبير، وتنظيم بشري لإدارة الشأن العام.


لذلك فالأدق قرآنيًا ألا نقول: دولة إسلامية، بل نقول: دولة عادلة في مجتمع مسلم، أو دولة مدنية بميزان قرآني، أو دولة عهد وشورى وعدل، أو دولة مؤتمنة على الحقوق، أو دولة في خدمة مواطنيها لا العكس.


فالمطلوب من الدولة ليس أن تحمل صفة دينية رمزية، بل أن تقيم العدل، وتحفظ الأمانة، وتمنع الظلم، وتصون حرية الاعتقاد، وتلتزم بالعهد، وتحمي الناس من الاستبداد والفساد والعدوان، وتسعى لرفاهية مواطنيها بغض النظر عن عقيدتهم أو مشاربهم الفكرية أو توجهاتهم السياسية في ظل احترام الدستور الذي يجمعهم في وعاء الوطن.


أما تحويل الدولة إلى كائن ديني، فهو باب واسع للالتباس؛ لأنه يسمح للسلطة بأن تستعير قداسة الدين، وأن تقدم قراراتها وسياساتها وأخطاءها بوصفها تعبيرًا عن الإسلام نفسه. وهنا يصبح نقد الدولة كأنه نقد للدين، ومعارضة الحاكم كأنها معارضة للشرع، وفشل الحزب كأنه فشل للمشروع الإسلامي. وهذا. ما حدث مع تجربة الأحزاب والتنظيمات الإسلاموية التي استلمت السلطة بعد الربيع العربي.


وهذا من أخطر ما وقع في التاريخ السياسي الإسلامي: خلط الدين بالسلطة، لا بمعنى حضور القيم الدينية في الاجتماع، بل بمعنى منح السلطة السياسية غطاءً مقدسًا يحميها من النقد والمحاسبة.


فالقرآن لم يفرض على الناس شكلًا سياسيًا مغلقًا اسمه “الدولة الإسلامية” أو “الخلافة” بالمعنى المؤسسي الذي صنعه التاريخ لاحقًا. القرآن قدم مبادئ حاكمة: العدل، والشورى، والأمانة، والوفاء بالعهد، وعدم الإكراه، ومنع الظلم، ومحاسبة الفساد. أما شكل الدولة، وطريقة اختيار الحاكم، وتنظيم السلطات، وتداول المسؤولية، فهذه كلها من مجال الاجتهاد البشري، تتغير بتغير الزمان والمكان، وتُقبل أو تُرد بقدر ما تحقق الميزان.


ومن هنا، فإن كل من يحول الخلافة أو الدولة الإسلامية إلى واجب قرآني محدد الشكل، فإنه يحمّل القرآن ما لم يقله، وينقل صراعات التاريخ السياسي إلى مقام الوحي. فالقرآن لم ينزل ليمنح السياسيين قداسة، بل ليحاسبهم بالعدل. ولم ينزل ليجعل الحاكم ظلًا لله في الأرض، بل ليذكر الإنسان بأنه مسؤول عن الأمانة، وأن الظلم لا يكتسب شرعية بمجرد رفع شعار الدين.



سابعًا: رئيس الدولة والرمزية الدينية

تبقى هنا مسألة دقيقة: إذا كان المجتمع مسلمًا في غالبيته، فهل يجب أن يكون رأس الدولة ممثلًا للمرجعية الدينية الرمزية للأغلبية؟


هذا السؤال لا ينبغي أن يُجاب عنه بمنطق الهوية وحدها، بل بمنطق الميزان. فالعبرة ليست بالانتماء المعلن فقط، بل بالالتزام بالعدل والأمانة وحماية الحقوق. فقد يرفع الحاكم شعار الدين ويظلم، وقد لا يرفع هذا الشعار ويقيم قدرًا من العدل. والقرآن لا يقدس الهوية إذا خانت الأمانة.


ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن المجتمعات تحمل ذاكرة دينية وثقافية، وأن رموز الدولة قد تتأثر بتاريخ الأغلبية وهويتها. لكن الخطر يبدأ حين تتحول هذه الرمزية إلى شرط إقصائي، أو إلى تفويض ديني، أو إلى سلطة فوق العقد الإجتماعي المدني.


لذلك ينبغي التفريق بين أن يختار المجتمع، بحرية، ضمن عقده الدستوري، شكلًا رمزيًا معينًا لرئاسة الدولة أو لمؤسساتها، وبين أن يُقال إن هذا الشكل مفروض من الله، أو إن رئيس الدولة يمثل الدين، أو إن معارضته معارضة للإسلام.


الأول اختيار سياسي وتاريخي قابل للنقاش والمراجعة. أما الثاني فهو ادعاء خطير لا سند له من الميزان القرآني.


رئيس الدولة في الدولة المدنية ليس إمامًا دينيًا، ولا وكيلًا عن الله، ولا ظلا له في الأرض، ولا خليفة، ولا ممثلًا للسماء، بل مسؤول مدني مؤتمن على العدل والعهد والحقوق. يُحاسَب إذا ظلم، ويُراجع إذا أخطأ، وتنزع عنه الشرعية إذا خان، ولا تمنحه رمزية الأغلبية حصانة من النقد.


فليست المشكلة أن تكون للمجتمع هوية إسلامية غالبة، وإنما المشكلة أن تتحول هذه الهوية إلى أداة لإنتاج مواطنة ناقصة أو سلطة فوق المساءلة.



ثامنًا: الشورى لا تفرض شكل الدولة

من المفاهيم القرآنية الأساسية في هذا الباب مفهوم الشورى. قال تعالى: 


﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ [الشورى: 38]. 


واللافت أن الشورى جاءت في سياق صفات الجماعة المؤمنة، مقترنة بالصلاة والإنفاق، لا بوصفها تقنية حكم جامدة، بل بوصفها نمطًا دائمًا من العلاقات الأفقية داخل المجتمع.


الشورى ليست مجرد آلية لاختيار الحاكم، بل هي روح عامة تمنع الاستبداد، وتربي الناس على التداول، والإنصات، ومراجعة الرأي، وعدم احتكار القرار. إنها تبدأ في الأسرة، والجماعة، والمؤسسة، والمجتمع، ثم تمتد إلى السلطة والدولة.


ولأن القرآن لم يحدد شكلًا مؤسسيًا مغلقًا للحكم، فإن هذا يعني أن أشكال الدولة تُترك لاجتهاد الناس، بشرط أن تحقق الميزان: العدل، والشورى، والمحاسبة، ومنع الاستبداد، وحفظ الحقوق. لذلك يمكن للمجتمعات أن تعتمد من النظم السياسية ما يحقق هذه المقاصد، دون أن تدعي أن نموذجًا تاريخيًا واحدًا هو الشكل الإلهي النهائي.


ومن هنا يمكن النظر إلى الديمقراطية الحديثة لا بوصفها وحيًا، ولا بوصفها نموذجًا كاملًا، بل بوصفها صيغة بشرية قابلة للإصلاح والنقد، قد تقترب من روح الشورى حين تضمن التداول، والمحاسبة، وحرية الرأي، وحق الاختلاف، وقد تبتعد عنها إذا تحولت إلى حكم المال، أو التلاعب الإعلامي، أو استبداد الأغلبية، أو واجهة شكلية لسلطة عميقة.


فالميزان القرآني لا يقدس الديمقراطية، لكنه يرفض الاستبداد. ولا يفرض شكلًا واحدًا للدولة بدليل أنه امتدح حكم بلقيس ملكة اليمن وأقر حكم ملوك بني إسرائيل الذين كانوا أنبياء ورسل، ما يؤكد أن شرط القرآن في الحكم هو العدل والأمانة والشورى. وكل نظام يحقق هذه القيم فهو أقرب إلى روح القرآن من نظام يرفع شعار الإسلام ويمارس الظلم والقهر.



تاسعًا: الإسلام لا يُختزل في حزب أو جماعة

من أخطر أزمات الوعي السياسي العربي اختزال الإسلام في حزب أو جماعة أو مذهب أو مشروع سياسي. فالإسلام، في أصله القرآني، هداية وميزان وأمانة ومسؤولية أمام الله. وهو أوسع من كل الأشكال السياسية التي ينتجها البشر. أما الحزب والجماعة والمذهب والدولة فهي تشكيلات تاريخية واجتماعية وسياسية، تصيب وتخطئ، وتعدل وتظلم، وتنجح وتفشل.


ولا يجوز أن تُمنح هذه التشكيلات قداسة الإسلام نفسه.


تاريخيا، وفي غياب الديمقراطية الحقيقية، وانغلاق المجال السياسي، واستبداد السلطة الدينية، وفساد المؤسسات، ظهرت جماعات ذات مرجعية إسلامية قدمت نفسها بوصفها البديل الأخلاقي والسياسي عن الأنظمة القائمة. وكانت تقول للناس: نريد الشريعة، والعدل، والأمانة، ومحاربة الفساد، ورد السلطة إلى قيم الإسلام. وهذا الخطاب كان يجد دائما قبولًا واسعًا؛ لأن الناس كانوا يعانون فعلًا من الظلم والفساد والمهانة وغياب المحاسبة.


لكن المشكلة تبدأ حين تتحول المرجعية الإسلامية من مصدر أخلاقي للاحتجاج على الظلم إلى مشروع حزبي لاحتكار تمثيل الدين. عندها يصبح الحزب كأنه يتكلم باسم الإسلام، وتصبح معارضته كأنها معارضة للدين، ويصبح فشله عبئًا على صورة الإسلام، ويصبح نجاحه خطرًا إذا استعمل المقدس لحماية السلطة الجديدة من النقد.


لذلك يجب التمييز بين أن يستلهم حزب أو جماعة قيم الإسلام في العدل والأمانة ومحاربة الفساد، وهذا حق سياسي وفكري ما دام داخل التنافس المدني المفتوح، وبين أن يدعي حزب أو جماعة أنه يمثل الإسلام نفسه، أو يحتكر تنزيل الشريعة، أو يجعل خصومه في موقع الخصومة مع الدين. فهذا خطر؛ لأنه يحول الدين إلى رأسمال سياسي، ويجعل المنافسة على السلطة منافسة على الشرعية الدينية.


في الدولة المدنية بميزان، يمكن للمتدين وغير المتدين، وللإسلامي والليبرالي واليساري والمحافظ، أن يتنافسوا ببرامج بشرية قابلة للمحاسبة. لكن لا يحق لأحد أن يقول: أنا الإسلام. ولا يحق لحزب أن يحول برنامجه إلى مرادف للشريعة. ولا يحق لجماعة أن تجعل ولاءها التنظيمي معيارًا للتقوى.


فالإسلام يعلو على الحزب، ولا يُختزل فيه. والشريعة لا تصبح برنامجًا انتخابيًا يحتكره تنظيم. والعدل لا يحتاج إلى حزب ديني كي يكون واجبًا. والأمانة لا تمنح أي جماعة حق الوصاية على المجتمع.



عاشرًا: الدولة المدنية بميزان

من كل ما سبق يتضح أن البديل ليس دولة دينية ولا دولة علمانية مادية، بل دولة مدنية بميزان.


هي دولة لا يحكمها رجال دين، ولا حزب ديني، ولا مؤسسة كهنوتية، لكنها في الوقت نفسه لا تقطع السياسة والقانون والأخلاق عن قيم العدل والكرامة والحرية والأمانة.


وهي دولة لا تطبق الدين بمعنى فرض التدين، لكنها تلتزم بالميزان الذي يحفظ العدل.


وهي دولة لا تجعل الإيمان شرطًا للمواطنة، لكنها لا تجعل الحياد ذريعة لترك الظلم والفساد والاستبداد.


وهي دولة لا تمنح الأغلبية حق الوصاية على الضمير، لكنها لا تمنع المجتمع من استلهام قيمه العليا من مرجعيته القرآنية.


وهي دولة لا تجعل الدين سلطة فوق المواطن، ولا تجعل الدولة وصية على الإيمان، بل تجعل القيم القرآنية الكبرى — العدل، الكرامة، الحرية، الأمانة، الوفاء بالعهد، منع الإكراه، حفظ الضعيف — روحًا دستورية عامة، تُترجم إلى قوانين بشرية قابلة للمراجعة والمحاسبة.


هذه الدولة لا تحتاج إلى سلطة رمزية دينية تمثل دين الأغلبية، لأن هذه السلطة ستتحول غالبًا إلى احتكار. وهي لا تحتاج إلى علمانية مادية تقطع المجتمع عن مرجعيته الروحية. إنها تحتاج إلى دستور مدني ذي روح قيمية، وقضاء مستقل، ومؤسسات قابلة للمحاسبة، وحرية اعتقاد، ومواطنة كاملة، ومجال سياسي مفتوح، ومنع صارم لاحتكار الدين أو احتكار الدولة باسم الحداثة.


بهذا المعنى، تكون المرجعية ليست في سؤال: من يتكلم باسم الدين؟ بل في سؤال: ما القيم التي تمنع السلطة من الظلم، سواء تكلمت باسم الدين أو باسم الحداثة أو باسم الأمن أو باسم الشعب؟



خاتمة: الإيمان لا يُفرض، والأمانات لا تضيع، والعدل لا يُعطّل

إذا قيل إن الدين مسألة شخصية فقط، فإن العلمانية تبدو الحل الطبيعي؛ لأن الدولة ستُبنى حينئذ على مرجعية دنيوية مستقلة عن الوحي. وإذا قيل إن الدين سلطة سياسية، فإن الدولة الدينية أو الحزب الديني يصبحان النتيجة الطبيعية. أما القرآن فيفتح طريقًا ثالثًا:


الدين إيمان حر، وميزان عدل.


الإيمان لا يُفرض، والأمانات لا تضيع، والعدل لا يُعطل.


الدولة لا تصنع التدين، لكنها تمنع الظلم.


الدولة لا تحكم باسم الله، لكنها تُحاسَب بميزان الله: العدل، والأمانة، والكرامة، وحرية الضمير، والوفاء بالعهد، ومنع الإكراه.


ومن هنا، فالدولة المدنية بميزان قرآني لا تعني أن تحكم الأغلبية باسم الدين، بل أن تُمنع الأغلبية والأقلية والدولة والحزب والفقيه من الظلم باسم أي شيء. إنها دولة عهد وشورى وعدل، لا دولة عقيدة مفروضة. دولة مواطنة لا دولة ملة مغلقة. دولة تجعل الدين هداية للمجتمع وميزانًا يحاسب السلطة، لا سلطة قهرية تحتكرها الدولة أو الحزب أو الفقيه.


وبذلك نستطيع أن نخرج من الوهمين معًا: وهم أن الحداثة لا تقوم إلا بعلمانية تقطع الإنسان عن الوحي، ووهم أن الإسلام لا يحضر في الاجتماع إلا عبر دولة دينية أو خلافة أو حزب يحتكر الشريعة.


فالقرآن لم يفرض شكل دولة مغلقًا، ولم يجعل الإيمان وظيفة السلطة، ولم يمنح أحدًا حق احتكار الدين. لكنه فرض الميزان: أن يُقام العدل، وأن تُؤدّى الأمانة، وأن يُحفظ العهد، وأن تُصان الكرامة، وأن لا يُكره الناس في دينهم، وأن لا يُظلم أحد باسم الله أو باسم الإنسان.


وهذه هي الدولة المدنية التي يمكن أن تنسجم مع الخطاب القرآني: دولة لا تُسمى “إسلامية” لتكتسب قداسة، بل تكون عادلة همها خدمة المواطن ورفاهيته، لتقترب من روح الإسلام.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق