الحرب الروسية الأوكرانية إلى أين؟

 

من حرب الاستنزاف إلى سؤال الحسم التكتيكي أو التحالف الاستراتيجي

(تحليل سياسي)

تمهيد: 

لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية حربًا محدودة بين جيشين على خطوط تماس واضحة، ولا مجرد نزاع إقليمي حول حدود وسيادة ونفوذ. لقد تحولت، بعد سنوات من القتال والاستنزاف، إلى مواجهة مركبة بين اقتصاد حرب روسي يريد الصمود طويلًا، ومنظومة غربية تسعى إلى رفع كلفة هذا الصمود حتى يصبح مكلفًا على موسكو أكثر مما تحتمل، أو على الأقل أكثر مما تستطيع تحويله إلى نصر سياسي واضح.


في بدايات الحرب، كان السؤال المركزي: هل تسقط كييف؟ ثم صار السؤال: هل تستطيع أوكرانيا الصمود؟ وبعد ذلك أصبح السؤال: هل تستطيع روسيا فرض واقع ميداني نهائي؟ أما اليوم، فإن السؤال يبدو أعمق وأخطر: هل دخلت الحرب مرحلة البحث عن حسم تكتيكي أو تحالف استراتيجي يخرجها من منطق الاستنزاف الطويل، خصوصًا بعدما بدا أن كل طرف عاجز عن فرض نصر شامل، وقادر في الوقت نفسه على منع هزيمة كاملة؟.../...


هذا السؤال لا يطرح من فراغ. فالمشهد الأخير حول قمة السبع، وتكثيف الضربات الأوكرانية في العمق الروسي، واستهداف المصافي ومنشآت الطاقة، وتزايد الحديث الأوروبي عن نقل التكنولوجيا العسكرية وتوسيع إنتاج المسيّرات والصواريخ، كل ذلك يكشف أن الحرب لم تعد تُدار فقط على الجبهة الأوكرانية، بل صارت تُدار داخل الاقتصاد الروسي نفسه. وهذا بالضبط ما تدركه موسكو: الغرب لا يريد فقط منع سقوط أوكرانيا، بل يريد أن يمنع روسيا من الخروج من هذه الحرب قوةً رابحة قادرة على إعادة تهديد أوروبا في المستقبل.



أولًا: من دعم أوكرانيا إلى ضرب اقتصاد الحرب الروسي

أوروبا تقول رسميًا إنها تدافع عن سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها. وهذا صحيح من زاوية القانون الدولي والخطاب السياسي الغربي. لكن ما يجري على الأرض يتجاوز مجرد الدفاع عن أوكرانيا. فالغرب، وخاصة أوروبا، انتقل تدريجيًا من منطق “منع الهزيمة الأوكرانية” إلى منطق “إضعاف القدرة الروسية على مواصلة الحرب”.


هذا التحول يظهر في ثلاثة مستويات.


المستوى الأول هو العقوبات، خصوصًا ضد قطاعات الطاقة والمال والتكنولوجيا. فالمطلوب ليس فقط معاقبة روسيا، بل إضعاف قدرتها على تمويل الحرب، وتقييد وصولها إلى التكنولوجيا، ورفع كلفة الإنتاج العسكري.


المستوى الثاني هو استهداف البنية الاقتصادية التي تغذي الحرب. وهنا تبرز الضربات الأوكرانية ضد المصافي ومرافق النفط والطاقة داخل روسيا. فهذه الضربات لا تهدف فقط إلى إحداث أضرار عسكرية مباشرة، بل إلى نقل الحرب إلى الداخل الاقتصادي الروسي، وإشعار المواطن والمؤسسة والدولة بأن العمق الروسي لم يعد آمنًا.


المستوى الثالث هو إدماج أوكرانيا في شبكة إنتاج عسكري أوروبية، خصوصًا في مجال المسيّرات والذخائر والقدرات بعيدة المدى. وهذا يعني أن أوكرانيا لم تعد فقط مستهلكًا للسلاح الغربي، بل تتحول تدريجيًا إلى مختبر ميداني ومنصة تصنيع وخبرة قتالية تستفيد منها أوروبا نفسها في إعادة بناء دفاعها.


وهنا يكمن التحول الأخطر: أوكرانيا لم تعد مجرد دولة تتلقى الدعم، بل صارت جزءًا من هندسة عسكرية أوروبية جديدة. وهذا ما تراه موسكو انتقالًا من “دعم طرف في الحرب” إلى “مشاركة غير مباشرة في إنهاك روسيا”.



ثانيًا: أوروبا بين الخوف من روسيا والقلق من أمريكا

أوروبا لا تتحرك فقط بدافع التضامن مع أوكرانيا. هناك خوف أعمق يحكم القرار الأوروبي: ماذا لو خرجت روسيا من الحرب متماسكة، مسلحة، معتادة على اقتصاد الحرب، وقادرة على الضغط على شرق أوروبا في مرحلة لاحقة؟


هذا السؤال أصبح أكثر إلحاحًا بعد تراجع الثقة الأوروبية في الضمانة الأمريكية. فالتلويح الأمريكي، في مراحل مختلفة، بتقليص الالتزام تجاه الناتو أو تحميل أوروبا كلفة أمنها، جعل العواصم الأوروبية الكبرى، خصوصًا باريس ولندن وبرلين، تفكر في مستقبل الردع الأوروبي خارج الاطمئنان الكامل إلى المظلة الأمريكية.


من هنا نفهم لماذا تقود فرنسا وبريطانيا وألمانيا خطًا أكثر تشددًا تجاه موسكو. فهذه الدول لا ترى الحرب فقط كملف أوكراني، بل كاختبار لمستقبل الأمن الأوروبي كله. وإذا كانت الولايات المتحدة تستطيع أن تنظر إلى الحرب من مسافة استراتيجية بعيدة، فإن أوروبا تراها على حدودها، وفي مجالها الحيوي، وداخل معادلة ردعها الضعيفة.


لكن هذه الرؤية الأوروبية تحمل تناقضًا خطيرًا. فأوروبا تريد إضعاف روسيا دون الدخول في حرب مباشرة معها. وتريد تمكين أوكرانيا من ضرب العمق الروسي دون أن تتحمل هي رسميًا مسؤولية الحرب. وتريد بناء قدرة دفاعية مستقلة عن أمريكا، لكنها لا تزال في حاجة إلى المظلة النووية الأمريكية. وهذا يجعلها تتحرك على حافة دقيقة: تصعيد كافٍ لإيلام روسيا، لكن غير كافٍ — في تصورها — لدفع موسكو إلى رد مباشر على أوروبا.


المشكلة أن ما تعدّه أوروبا “تصعيدًا مضبوطًا” قد تراه روسيا “تورطًا متدرجًا”. وحين تختلف تعريفات الخط الأحمر بين الخصوم، تصبح احتمالات سوء التقدير أكبر من احتمالات القرار العقلاني الهادئ.



ثالثًا: أمريكا الرابح الأكبر من حرب لا تنتهي

الموقف الأمريكي يبدو، من زاوية واقعية، أكثر انتهازية من الموقف الأوروبي. فواشنطن تستطيع أن تربح في أكثر من سيناريو.


إذا استُنزفت روسيا، تكون الولايات المتحدة قد أضعفت خصمًا استراتيجيًا كبيرًا دون أن تدخل حربًا مباشرة ودون أن تتحمل كلفة بشرية أمريكية واسعة. وإذا خافت أوروبا، زادت حاجتها إلى السلاح الأمريكي والمظلة النووية الأمريكية والغاز الأمريكي. وإذا اضطرت أوروبا إلى رفع إنفاقها الدفاعي، فإن ذلك يخفف العبء عن واشنطن داخل الناتو، ويفتح في الوقت نفسه سوقًا ضخمًا للصناعات العسكرية الغربية.


حتى في حال تعثر أوكرانيا، تبقى أمريكا قادرة على إعادة ترتيب الموقف، وتحميل أوروبا جزءًا كبيرًا من كلفة الفشل، ثم التفاوض من موقع القوة مع روسيا أو مع الحلفاء الأوروبيين. لذلك تبدو واشنطن في موقع من يدير الأزمة أكثر مما يعيشها وجوديًا.


هذا لا يعني أن أمريكا تريد بالضرورة حربًا أبدية، لكنه يعني أن استمرار الحرب ضمن سقف مضبوط لا يضرها بقدر ما يضر روسيا وأوروبا وأوكرانيا. روسيا تُستنزف، أوكرانيا تُدمّر، أوروبا تُرهق وتخاف، وأمريكا تبقى ممسكة بجزء كبير من مفاتيح السلاح والردع والطاقة والقرار الأطلسي.



رابعًا: روسيا واقتصاد الحرب: صمود أم استنزاف مؤجل؟

استطاعت روسيا أن تفاجئ خصومها بقدرتها على الصمود. العقوبات لم تسقط الاقتصاد الروسي كما توقع كثيرون. وموسكو استطاعت تحويل جزء كبير من اقتصادها إلى اقتصاد حرب: مصانع، ذخائر، تعويضات، تعبئة صناعية، عقود دفاعية، وتكيّف مع طرق التفاف تجارية ومالية.


لكن اقتصاد الحرب ليس علامة قوة مطلقة. إنه يمنح الدولة قدرة على الاستمرار، لكنه يخلق أيضًا اختلالات عميقة. فالإنفاق العسكري يضخ المال في قطاعات محددة، لكنه يضغط على قطاعات مدنية. والتوظيف العسكري والصناعي يخفف البطالة، لكنه يخلق نقصًا في اليد العاملة. والعقوبات لا تسقط الدولة دفعة واحدة، لكنها ترفع كلفة التكنولوجيا والتمويل والتحديث. وكلما طال الزمن، صار السؤال أقل تعلقًا بالقدرة على الصمود، وأكثر تعلقًا بكلفة هذا الصمود.


هنا تفهم موسكو خطورة استهداف المصافي والبنية النفطية. فالطاقة ليست قطاعًا اقتصاديًا عاديًا في روسيا؛ إنها أحد أعمدة التمويل والقوة والنفوذ. وحين تضرب أوكرانيا المصافي، فإنها لا تضرب فقط منشآت صناعية، بل تضرب إحدى رئات اقتصاد الحرب الروسي.


ومع ذلك، لا ينبغي أن نفترض أن روسيا على وشك الانهيار. فهذا خطأ تحليلي. روسيا دولة واسعة، تملك موارد كبيرة، وقدرة على القمع الداخلي، وشبكات تجارية بديلة، وشراكات مع قوى غير غربية وعلى اسها الصين. لكنها في المقابل لا تستطيع أن تتحمل حرب استنزاف مفتوحة بلا نهاية دون ثمن سياسي واقتصادي واجتماعي متراكم.


ومن هنا يظهر سؤال الحسم التكتيكي.



خامسًا: ما المقصود بالحسم التكتيكي؟

الحسم التكتيكي لا يعني بالضرورة نصرًا شاملًا أو احتلال أوكرانيا كلها. كما لا يعني بالضرورة استعمال السلاح النووي. المقصود به أن تسعى روسيا إلى ضربة أو سلسلة ضربات تغيّر ميزان التفاوض، أو تكسر معنويات الخصم، أو تفرض على الغرب إعادة حساباته.


قد يكون ذلك عبر هجوم بري مركز في منطقة حاسمة. وقد يكون عبر تدمير واسع للبنية التحتية الأوكرانية. وقد يكون عبر ضربات صاروخية نوعية ضد مراكز قيادة أو تصنيع عسكري. وقد يكون عبر استخدام سلاح تقليدي عالي التأثير لإرسال رسالة ردع. وقد يكون عبر توسيع الضغط على خطوط الإمداد والسكك والطاقة بحيث تصبح قدرة أوكرانيا على مواصلة الحرب أكثر كلفة.


أما النووي التكتيكي، فهو الاحتمال الأخطر والأقل ترجيحًا في الوقت نفسه. خطورته أنه يكسر حاجزًا عالميًا وضع منذ 1945، ويفتح بابًا لا تستطيع موسكو التحكم في كل نتائجه. وضعفه أنه لا يضمن نصرًا عسكريًا حاسمًا، بل قد يوحد الغرب ضد روسيا، ويدفع الصين والهند ودولًا كثيرة إلى الابتعاد عنها أو الضغط عليها. لذلك سيبقى السلاح النووي، على الأرجح، أداة تهديد وردع وابتزاز سياسي أكثر من كونه أداة استعمال فعلي.


لكن انخفاض احتمال استعماله لا يعني استحالة ذلك. إذا شعرت موسكو أن الحرب تحولت إلى تهديد وجودي مباشر، أو أن الغرب يقترب من ضرب عمقها الاستراتيجي على نحو يهدد تماسك الدولة، فقد ترتفع مخاطر التصعيد النووي الرمزي أو التكتيكي. غير أن الوضع الحالي، رغم خطورته، لا يبدو بعد في تلك الدرجة القصوى. الأقرب هو تصعيد تقليدي عنيف، مصحوب بلغة نووية عالية النبرة.



سادسًا: هل تريد روسيا توسيع الحرب؟

تقول روسيا إنها لا تريد حربًا مع الناتو، وتقول أوروبا إنها لا تريد حربًا مباشرة مع روسيا. لكن الطرفين يقتربان عمليًا من منطقة رمادية بين الحرب و اللاحرب.


أوروبا تمد أوكرانيا بالسلاح والمال والتكنولوجيا. أوكرانيا تضرب العمق الروسي. روسيا تضرب المدن والبنية التحتية الأوكرانية، وتلوّح بأن من يساعد أوكرانيا قد يصبح جزءًا من الحرب. ومع كل دورة تصعيد، تتسع المنطقة الرمادية، ويصبح الخط الفاصل بين الدعم والمشاركة أقل وضوحًا.


روسيا لا تحتاج بالضرورة إلى توسيع الحرب جغرافيًا كي ترد. يمكنها أن توسعها وظيفيًا: سيبرانيًا، استخباراتيًا، اقتصاديًا، طاقيًا، أو عبر عمليات تكتيكية غير مباشرة. وقد تضرب مصالح أوروبية بطريقة لا تصل إلى إعلان حرب، لكنها توصل رسالة أن العمق الأوروبي ليس بعيدًا عن كلفة التصعيد.


وهذا هو الخطر الأكبر: ليس اندلاع حرب عالمية بقرار واضح، بل الانزلاق إلى مواجهة أوسع عبر سلسلة ردود متنوعة، محسوبة جزئيًا، لكنها تتراكم خارج السيطرة.



سابعًا: أوكرانيا بين البطولة والاستعمال

لا شك أن أوكرانيا تدافع عن أرضها من منظورها الوطني، وقد أظهرت قدرة عالية على الصمود والتكيف والابتكار العسكري. لكن ذلك لا يلغي حقيقة أخرى: أوكرانيا صارت أيضًا ساحة استعمال استراتيجي.


الغرب يدعمها، لكنه لا يمنحها بالضرورة كل ما تحتاجه للحسم السريع. وروسيا تضربها لأنها تراها واجهة للغرب. وأوروبا تستفيد من خبرتها القتالية في بناء صناعاتها الدفاعية. وأمريكا تستفيد من إنهاك روسيا ومن خوف أوروبا. وفي وسط هذا كله يدفع الشعب الأوكراني الثمن الأكبر: مدن مدمرة، بنية تحتية منهكة، ديموغرافيا نازفة، واقتصاد معلق على الدعم الخارجي.


ولهذا تبدو أوكرانيا اليوم بين صورتين: دولة تقاوم من أجل البقاء، ومنصة جيوسياسية يُدار عبرها صراع أكبر من حجمها ومن حدودها.



ثامنًا: إلى أين تتجه الحرب؟

الأرجح أن الحرب لن تنتهي قريبًا بنصر كامل لأحد الطرفين. هناك أربع سيناريوهات رئيسية.


السيناريو الأول هو استمرار حرب الاستنزاف، مع ضربات متبادلة أعمق، وتصعيد في حرب المسيّرات والطاقة والبنية التحتية. وهذا هو السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب.


السيناريو الثاني هو حسم تكتيكي روسي محدود، تحاول موسكو من خلاله فرض واقع ميداني أو نفسي جديد قبل الدخول في تفاوض. هذا السيناريو يصبح أكثر احتمالًا كلما ازدادت كلفة الحرب على الداخل الروسي، وكلما شعرت موسكو أن الغرب يريد إطالة الحرب لا إنهاءها.


السيناريو الثالث هو تصعيد خطير خارج السيطرة، نتيجة ضربة كبيرة في العمق الروسي أو خطأ في الحسابات أو رد روسي على دولة أوروبية بطريقة مباشرة أو شبه مباشرة. هذا السيناريو ليس هو الأكثر احتمالًا، لكنه الأكثر خطورة.


أما التسوية السياسية، فهي ممكنة فقط حين يصل الطرفان إلى قناعة بأن كلفة الاستمرار أكبر من كلفة التنازل. وحتى الآن، لا يبدو أن هذه القناعة نضجت. أوكرانيا لا تستطيع قبول سلام يبدو كاستسلام. وروسيا لا تستطيع قبول سلام يبدو كهزيمة. وأوروبا لا تريد سلامًا يعيد روسيا قوية. وأمريكا لا تستعجل سلامًا قد لا يخدم حساباتها الاستراتيجية.



السيناريو الرابع: انقلاب البوصلة — هل تتحالف روسيا مع أمريكا ضد الصين؟

هناك سيناريو رابع، أقل تداولًا في الخطاب الإعلامي، لكنه ربما يكون الأشد عمقًا من زاوية هندسة النظام الدولي. وهو أن تبحث روسيا عن مخرج من فخ أوكرانيا عبر صفقة كبرى مع الولايات المتحدة، لا ضد أوكرانيا وحدها، ولا ضد أوروبا فقط، بل ضد الصين بوصفها الخصم الاستراتيجي الأكبر لواشنطن في القرن الحادي والعشرين.


هذا السيناريو يبدو للوهلة الأولى بعيدًا؛ لأن موسكو وبكين تقفان اليوم في خندق واحد ضد الضغط الغربي. فالصين وفّرت لروسيا منفذًا اقتصاديًا مهمًا بعد العقوبات، ووسّعت شراء الطاقة الروسية، وزادت المبادلات التجارية، وأصبحت أحد أهم منافذ روسيا إلى الأسواق والتكنولوجيا والتمويل البديل. لكن هذا التقارب لا يخلو من اختلال خطير: فكلما طال أمد الحرب، ازدادت حاجة روسيا إلى الصين، وكلما ازدادت الحاجة، تحولت الشراكة تدريجيًا إلى علاقة غير متكافئة.


فالصين لا تريد لروسيا أن تنهار، لأن انهيار روسيا سيقوي الغرب ويقربه من حدودها الاستراتيجية. لكنها لا تريد أيضًا لروسيا أن تخرج من الحرب قوةً مستقلة منتصرة قادرة على منافستها أو فرض شروطها في آسيا وأوراسيا. الأفضل لبكين هو روسيا قوية بما يكفي لإشغال الغرب، وضعيفة بما يكفي لتحتاج إلى الصين. وهذه هي النقطة التي قد تدركها موسكو مع الزمن: فخ أوكرانيا لا يستنزف روسيا أمام الغرب فقط، بل يدفعها أيضًا إلى الارتهان البطيء للصين.


من هنا قد يظهر منطق “الصفقة الكبرى” مع واشنطن. فبالنسبة إلى الولايات المتحدة، الصين هي الخصم الاقتصادي والتكنولوجي الأخطر، لا روسيا. روسيا قوة عسكرية ونووية وطاقية كبرى، لكنها لا تملك القدرة الاقتصادية والتكنولوجية نفسها التي تجعلها منافسًا شاملًا للهيمنة الأميركية. أما الصين، فهي قوة صناعية وتجارية وتكنولوجية وسكانية، وتملك مشروعًا طويل المدى لتعديل ميزان القوة العالمي. ولذلك قد تجد واشنطن، في لحظة معينة، أن التفاهم مع روسيا أقل كلفة من دفع موسكو نهائيًا إلى الحضن الصيني.


في هذا التصور، قد تعرض أمريكا على روسيا صفقة غير معلنة أو شبه معلنة: تخفيف العقوبات تدريجيًا، الاعتراف ببعض الوقائع الأمنية، تجميد ملف أوكرانيا وفق تسوية لا تُظهر موسكو مهزومة، وإعادة فتح قنوات اقتصادية وطاقية، مقابل ابتعاد روسي تدريجي عن الصين، أو على الأقل حياد روسي في الصراع الأميركي–الصيني القادم.


سيكون ذلك شبيهًا بما يمكن تسميته “نيكسون معكوسًا”. ففي السبعينيات استعملت واشنطن الانفتاح على الصين لموازنة الاتحاد السوفيتي. أما في القرن الحادي والعشرين، فقد تحاول استعمال الانفتاح على روسيا لموازنة الصين. والفرق أن الصين اليوم ليست قوة هامشية تبحث عن الاعتراف، بل قوة اقتصادية عالمية ضخمة، وأن روسيا ليست الاتحاد السوفيتي السابق، بل دولة نووية كبرى ذات اقتصاد محدود نسبيًا، لكنها تملك موقعًا جغرافيًا وطاقيًا وعسكريًا لا يمكن تجاهله.


والحقيقة أن السيناريو الرابع لا يقوم فقط على فصل روسيا عن الصين عسكريًا أو سياسيًا، بل على تفكيك الجبهة المالية التي يمكن أن تهدد الدولار. فروسيا، بما تملكه من طاقة وسلاح نووي وموقع داخل البريكس، تملك ورقة مؤلمة لواشنطن: دفع العالم أكثر نحو التسويات خارج الدولار. وأمريكا، التي تدرك أن الصين هي الخطر الاقتصادي الأكبر، قد تجد أن مصالحة روسيا أو تحييدها أقل كلفة من تركها تتحول إلى الذراع الجيوسياسية لمشروع صيني–بريكسي يطعن الدولار ببطء.


لكن الخلاصة الأهم هي أن الورقة الروسية ليست أن البريكس تملك اليوم عملة بديلة جاهزة، بل أن استمرار الضغط على روسيا يدفعها إلى تسريع كل مسارات كسر الدولار: الطاقة بغير الدولار، المدفوعات البديلة، اليوان الصيني، العملات الرقمية، وأنظمة التسوية خارج الغرب (السويفت). وهذا بالضبط ما لا تريد واشنطن أن يتحول من تجربة محدودة إلى نظام عالمي موازٍ يسقطها عن عرش العالم.


غير أن هذا السيناريو يواجه عقبات كبرى. أولها أن الثقة بين واشنطن وموسكو شبه مدمرة. وثانيها أن أوروبا، خصوصًا بولندا ودول البلطيق وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، قد ترى في أي صفقة أميركية–روسية خيانة لأمنها. وثالثها أن الصين لن تقف متفرجة إذا شعرت أن روسيا تُسحب من مجالها الاستراتيجي. ورابعها أن بوتين لا يستطيع داخليًا أن يظهر كمن خرج من الحرب ليصبح تابعًا لواشنطن بعدما بنى خطابه كله على مقاومة الهيمنة الغربية.


ومع ذلك، لا ينبغي استبعاد هذا الاحتمال نهائيًا؛ لأن الدول الكبرى لا تتحالف دائمًا على أساس الود، بل على أساس الخوف والمصلحة. وإذا شعرت موسكو أن استمرار الحرب يعني استنزافًا أمام الغرب وارتهانًا للصين، فقد ترى في التفاهم مع واشنطن مخرجًا يحفظ لها موقعها كقوة مستقلة. وإذا شعرت واشنطن أن الصين هي التحدي الحقيقي، فقد تقبل بشروط روسية كانت ترفضها سابقًا، لا حبًا في روسيا، بل لمنع قيام كتلة صينية–روسية صلبة قادرة على تحدي المركز الأميركي.


هنا يصبح السؤال أكبر من أوكرانيا: هل تتجه الحرب إلى ترسيخ عالم متعدد الأقطاب، أم إلى صفقة كبرى تعيد إنتاج القطب الواحد بقيادة أميركية، عبر فصل روسيا عن الصين وتطويق بكين؟ إذا تحقق هذا السيناريو، فإن أوكرانيا لن تكون سوى المسرح الذي كُتبت عليه مقدمة إعادة ترتيب النظام الدولي كله.



خاتمة: أوكرانيا ليست نهاية الحرب بل بوابة النظام العالمي القادم

الحرب الروسية الأوكرانية لم تعد حربًا على حدود أوكرانيا فقط، ولا مجرد مواجهة بين موسكو وكييف، بل أصبحت ساحة مكثفة لإعادة ترتيب النظام الدولي كله. ففي ظاهرها تقاتل روسيا من أجل أمنها ومجالها الحيوي، وتقاتل أوكرانيا من أجل بقائها وسيادتها، وتدعم أوروبا كييف خوفًا من عودة روسيا قوةً ضاغطة على حدودها. لكن في عمق المشهد يدور صراع أكبر: صراع على موقع روسيا بين الغرب والصين، وعلى مستقبل الدولار، وعلى شكل العالم القادم: هل يكون متعدد الأقطاب، أم يعود إلى هيمنة أمريكية معاد تشكيلها؟


لقد أدركت أوروبا أن روسيا إذا خرجت من الحرب متماسكة وقوية، فإنها ستظل تهديدًا مباشرًا لأمنها. لذلك لم يعد الهدف الأوروبي مجرد منع سقوط أوكرانيا، بل إضعاف اقتصاد الحرب الروسي، وضرب قدرة موسكو على تحويل الصمود إلى نصر سياسي. وأدركت روسيا، في المقابل، أن الحرب الطويلة لا تستنزفها أمام الغرب وحده، بل تدفعها أيضًا إلى اعتماد متزايد على الصين، وهو اعتماد قد يتحول مع الزمن من شراكة إلى تبعية غير معلنة.


أما أمريكا فتقف في الموقع الأكثر براغماتية. فهي تربح من إنهاك روسيا، وتربح من خوف أوروبا، وتربح من استمرار حاجة الحلفاء إلى سلاحها ومظلتها النووية. لكنها ترى في الصين الخطر الأكبر: قوة اقتصادية وتكنولوجية وصناعية قادرة على تهديد مركزية الولايات المتحدة في النظام العالمي. ولذلك قد يصبح فصل روسيا عن الصين، أو تحييدها على الأقل، هدفًا أمريكيًا أكبر من هزيمتها الكاملة في أوكرانيا.


وهنا تبرز ورقة البريكس والدولار. فروسيا لا تملك فقط السلاح النووي والطاقة والجغرافيا، بل تملك أيضًا القدرة على دفع معركة نزع الدولرة إلى الأمام، عبر التسويات خارج الدولار، وأنظمة الدفع البديلة، وتوسيع التجارة داخل فضاء البريكس بعيدًا عن الهيمنة المالية الغربية. صحيح أن البريكس لم تمتلك بعد عملة عالمية بديلة جاهزة، لكن الخطر بالنسبة إلى واشنطن ليس في عملة تصدر غدًا، بل في مسار طويل قد يحوّل الدولار من مركز إلزامي للنظام المالي العالمي إلى خيار بين خيارات متعددة.


من هنا يصبح السيناريو الرابع بالغ الأهمية: صفقة أمريكية–روسية كبرى لا تنهي فقط حرب أوكرانيا، بل تعيد ترتيب موقع روسيا في النظام الدولي. قد تقبل واشنطن بشروط كانت ترفضها سابقًا إذا كان الثمن هو منع تماسك المحور الروسي–الصيني، وإضعاف مشروع مالي بريكسي يهدد الدولار على المدى الطويل. وقد تجد موسكو في هذه الصفقة مخرجًا من فخ الحرب ومن خطر الارتهان للصين، مع احتفاظها بصورة قوة كبرى لا تُهزم ولا تُعزل نهائيًا.


لكن هذه الصفقة، إن تحققت، لن تكون سلامًا بريئًا، بل إعادة توزيع كبرى للأدوار. فواشنطن لن تعلن أنها تسلم أوكرانيا لروسيا، ولن تستطيع سياسيًا أن تتخلى صراحة عن خطاب السيادة ووحدة الأراضي. لكنها قد تقبل بما هو أخطر من الإعلان: تجميد أوكرانيا داخل واقع ناقص السيادة، وترك جزء من أراضيها خارج سيطرتها الفعلية، ومنعها من دخول الناتو، وتحويلها إلى دولة حاجزة بين روسيا وأوروبا.


في الحساب الأمريكي البارد، قد يكون هذا الثمن مقبولًا إذا كان المقابل أكبر: فصل روسيا عن الصين، أو تحييدها في المواجهة القادمة مع بكين، أو إضعاف اندفاع البريكس نحو نظام مالي بديل يهدد الدولار. عندئذ لن تكون أوكرانيا مجرد ساحة حرب، بل ورقة في مقايضة عالمية أكبر: أوكرانيا مقابل الصين، والجبهة الأوروبية مقابل مستقبل الدولار، وتسوية الحرب مقابل منع قيام محور روسي–صيني صلب.


لذلك فإن سؤال: “الحرب الروسية الأوكرانية إلى أين؟” لا يقود إلى جواب عسكري فقط. الحرب قد تستمر، وقد تُجمّد، وقد تُحسم تكتيكيًا، وقد تنتهي بصفقة كبرى. لكن جوهرها الحقيقي صار أبعد من الجبهة: إنها معركة على من يكتب قواعد النظام العالمي القادم، ومن يملك العملة، والطاقة، والردع، والتحالفات، ومن يستطيع أن يمنع خصومه من الاتحاد قبل أن يصبحوا أقوى من أن يُهزموا.


الجواب لم يتضح بعد. لكن المؤكد أن الحرب لم تعد أوكرانية فقط، ولم تعد روسية فقط، بل صارت مرآة لتحول النظام الدولي كله: أوروبا تبحث عن أمنها المفقود، وأمريكا تدير مصالحها من موقع القوة، والصين تزحف بصبر عبر الاستثمار والتجارة والتمدد الهادئ، وروسيا تدافع عن موقعها بين الغرب والشرق، وأوكرانيا تدفع ثمن الجغرافيا حين تتحول الدول الصغيرة والمتوسطة إلى ساحات اختبار بين الإمبراطوريات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق