كوفيد في ميزان القرآن: حين يتحول العلم من أمانة إلى سلطة

 

حين يدخل الفيروس إلى مختبرات السياسة، لا يعود الخطر بيولوجيًا فقط؛ بل يصبح الخوف نفسه مادةً للتوجيه، والاحتكار، وصناعة الطاعة.


تمهيد: الإعلان الذي أعاد فتح الجرح

أعاد الإعلان الصحفي الصادر عن مكتب مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية، في 18 يونيو 2026، فتح واحد من أخطر ملفات العصر الحديث: منشأ فيروس كوفيد-19، وحدود العلاقة بين المختبر، والسياسة، والمال، والخوف، وصناعة الرواية العامة. فقد أعلنت تولسي غابارد، مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية، نشر وثائق جديدة تتهم أنتوني فاوتشي، المدير السابق للمعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المعدية، بأنه موّل، بأموال دافعي الضرائب، أبحاثًا خطرة على فيروسات كورونا الخفاشية في معهد ووهان الصيني، وأن هذه الأبحاث صارت تُطرح اليوم، داخل هذا الخطاب الرسمي، بوصفها مصدرًا محتملًا لتسرب مختبري غير مقصود أشعل الجائحة على مستوى العالم.../...


ولم تقف الزوبعة عند حدود التمويل. فقد اتهم الإعلان فاوتشي أيضًا بالتأثير في تقييمات استخباراتية، وبإخفاء أو تهميش معطيات تتعلق بأبحاث اكتساب الوظيفة، وبالتضليل أمام الكونغرس بشأن طبيعة التمويل الأمريكي وصلته بمعهد ووهان. وبذلك لم يعد السؤال محصورًا في أصل الفيروس: هل انتقل طبيعيًا من الحيوان إلى الإنسان، أم خرج من مختبر؟ بل اتسع إلى سؤال أشد خطورة: هل أُديرت الحقيقة نفسها؟ وهل استُعمل العلم، أو غُطي عليه، داخل شبكة من المصالح السياسية والاستخباراتية والدوائية والاقتصادية؟


والأهم في هذا الإعلان أنه لم يثبت، في حد ذاته، أن الفيروس نُشر عمدًا في العالم، ولم يقدم حتى الآن دليلًا مباشرًا على قرار جنائي بإطلاقه بين الناس. لكنه أسقط، أو كاد يسقط، براءة الرواية البسيطة التي رُوجت في بداية الجائحة، حين قُدمت فرضية المنشأ الحيواني بوصفها الحقيقة المقبولة، ودُفعت فرضية المختبر إلى خانة الشكوك غير المشروعة. فحين يصبح الحديث عن التمويل الأمريكي لأبحاث خطرة، وعن معهد ووهان، وعن تقييمات استخباراتية متأثرة، وعن تضليل محتمل للكونغرس، فإننا لا نكون أمام جدل علمي عابر، بل أمام ملف تتداخل فيه البيولوجيا بالسلطة، والصحة العامة بالأمن القومي، والطب بسوق الخوف.


من هنا لا يريد هذا المقال أن يقفز إلى حكم نهائي قبل الدليل، ولا أن يحوّل الشبهة إلى يقين، ولكنه يرفض أيضًا سذاجة القبول بالرواية الرسمية لمجرد أنها صدرت باسم العلم. فالعلم حين يدخل المختبرات الحساسة، وحين تموله الدول، وتحميه أجهزة الاستخبارات، وتربح من نتائجه شركات الدواء العابرة للقارات، وتديره الحكومات بالخوف والطوارئ، لا يبقى علمًا محايدًا بالمعنى البريء، يصبح جزءًا من بنية القوة ويصبح من حق الشعوب أن تسأل: من صنع الخطر؟ من أخفاه؟ من ربح منه؟ من استعمله لضبط الناس؟ ومن دفع الثمن؟



من الحيوان إلى المختبر: انهيار اليقين الرسمي

في بداية الجائحة، قُدمت فرضية المنشأ الحيواني بوصفها التفسير الأقرب، بل كادت تُفرض على الرأي العام بوصفها التفسير الوحيد المقبول. قيل إن الفيروس انتقل من الحيوان إلى الإنسان، وإن كل حديث عن المختبر ليس إلا انزلاقًا نحو الخيال التآمري. غير أن السنوات اللاحقة كشفت أن المسألة أعقد بكثير من هذه البساطة الإعلامية.


ففرضية المختبر لم تعد اليوم مجرد كلام هامشي، بل صارت مطروحة داخل مؤسسات سياسية واستخباراتية وعلمية، بدرجات مختلفة من الترجيح والثقة. والأمر لا يتعلق فقط بسؤال: هل خرج الفيروس من معهد ووهان؟ بل يتعلق بسؤال أعمق: ما طبيعة الأبحاث التي كانت تُجرى؟ من موّلها؟ ما حدودها؟ هل تضمنت تعديلًا أو تعزيزًا لقدرة فيروسات كورونا على العدوى؟ وهل كانت هناك محاولة مبكرة لتوجيه النقاش العام بعيدًا عن هذا الاحتمال؟


هنا تظهر خطورة ما يسمى بأبحاث “اكتساب الوظيفة”، أي تلك الأبحاث التي قد تجعل الفيروس أكثر قدرة على العدوى أو الانتقال أو مقاومة المناعة أو التكيف مع عائل جديد. قد يقال إن الهدف منها هو الاستعداد للأوبئة المستقبلية، وفهم المخاطر قبل وقوعها. لكن السؤال الأخلاقي يبقى قائمًا: من يضمن ألا يتحول الاستعداد إلى صناعة للخطر؟ ومن يضمن ألا يخرج ما في المختبر إلى العالم؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا تحولت التجربة إلى وباء؟


إن الفرق بين دراسة الفيروسات للوقاية منها، وبين العبث بخصائصها لجعلها أكثر قدرة على الفتك أو الانتشار، فرق جوهري. الأول علم داخل حدود الأمانة. أما الثاني فقد يصبح مقامرة بحياة البشر. فإذا أضيف إلى ذلك تمويل غامض، وتعاون عابر للحدود، ومختبرات عالية الحساسية، ثم تستر أو تضليل أو إدارة للسردية، فإن القضية لا تعود طبية فقط، بل تصبح قضية أخلاقية وسياسية واستخباراتية.



هل كان التسرب عرضيًا أم كان الانتشار مُدارًا؟

لا يكفي القول إن الفيروس ربما خرج من مختبر لكي نثبت أنه نُشر عمدًا. فالتسرب المختبري قد يكون حادثًا، وقد يكون نتيجة إهمال، وقد يكون ثمرة بحث خطر خرج عن السيطرة وقد يكون تم عمدا لأهداف سياسية واقتصادية وديموغرافية. لكن الجزم بوجود انتشار متعمد أو إدارة مقصودة للوباء، يحتاج إلى دليل مباشر: أوامر، مراسلات، خطط، اعترافات، أو وثائق تثبت القصد الجنائي، وهو ما لم تكشف عنه مديرة المخابرات السابقة حتى الآن.


لكن غياب الدليل المباشر لا يلغي مشروعية السؤال. ففي عالم السياسة والاستخبارات، لا تُقرأ الوقائع بمعزل عن المصالح والنتائج وطريقة إدارة الأزمة. قد لا يكون الفيروس أُطلق عمدًا، لكن يمكن أن يكون قد تُرك ينتشر بعد العلم بخطورته. وقد لا تكون الجائحة صُنعت كاملة، لكنها ربما وُظفت بعد وقوعها. وقد لا تكون كل الأطراف عرفت الحقيقة، لكن أطرافًا مؤثرة قد تكون أخفت ما تعلم، أو وجهت الرأي العام، أو منعت النقاش، أو حوّلت الأزمة إلى فرصة.


وهنا يصبح السؤال أدق: ليس فقط هل أُطلق الفيروس عمدًا؟ بل: هل صُنعت شروط الخطر؟ هل أُخفيت حقيقته؟ هل وُظف انتشاره؟ هل رُبحت منه أموال طائلة؟ هل استُعمل لفرض سياسات لم يكن ممكنًا تمريرها في الظروف العادية؟ وهل تحولت الجائحة من حادث صحي إلى تجربة عالمية في إدارة السكان والخوف واللقاح والرقابة؟


إن فرضية “الحادث العرضي البريء” تبدو ناقصة حين نضع بجانبها كل هذه العناصر: أبحاث خطرة، تمويل أمريكي، مختبر صيني، صراع دولي، شركات دواء، عقود لقاحات، إعلام خوف، سلطات طوارئ، رقابة رقمية، وسياسات سكانية واقتصادية. قد لا تكفي هذه العناصر لإثبات جريمة واحدة محددة، لكنها تكفي لجعل الرواية الرسمية البسيطة غير مقنعة.



العامل الديموغرافي: حين يصبح الإنسان رقمًا في معادلة الموارد

لا يمكن قراءة جائحة كوفيد بمعزل عن الخلفية الديموغرافية والاقتصادية التي كان العالم يعيشها قبل الوباء. فالدولة الحديثة لا تنظر إلى الإنسان، في كثير من سياساتها العملية، بوصفه نفسًا مكرمة فقط، بل بوصفه رقمًا داخل معادلة الإنتاج والاستهلاك والضرائب والرعاية الصحية والتقاعد. ومن هنا فإن كل اختلال ديموغرافي كبير يتحول، في عقل الدولة البارد، إلى مشكلة مالية وسياسية وأمنية.


في الشرق، تظهر المسألة من زاوية الانفجار السكاني وضغط الموارد. فالهند، التي أصبحت أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، تمثل نموذجًا شديد الدلالة: كتلة بشرية هائلة يمكن أن تكون قوة اقتصادية إذا وُظفت في التعليم والعمل والتكنولوجيا، لكنها قد تتحول أيضًا إلى ضغط خانق على الغذاء، والسكن، والطاقة، والتشغيل، والبنية التحتية، إذا عجزت الدولة عن تحويل الكثرة إلى إنتاج. أما الصين، فقد عاشت مفارقة أخرى: لقد استفادت لعقود من كثافة اليد العاملة، لكنها بدأت تدخل طور الشيخوخة والانكماش السكاني بسبب سياسة تحديد النسل الصارمة التي تنهجها الحكومة منذ عقود، بما يعني تقلص قوة العمل، وارتفاع تكلفة الرعاية، وتزايد الضغط على نموذج التنمية الذي قام طويلًا على الإنتاج الواسع والانضباط الاجتماعي الصارم.


وفي الغرب، تظهر الأزمة من جهة أخرى: لا يتعلق الأمر بانفجار سكاني، بل بشيخوخة متسارعة، وانخفاض في الخصوبة، واتساع في الفجوة بين عدد العاملين وعدد المتقاعدين. فكلما ارتفعت نسبة كبار السن، ازداد الضغط على صناديق التقاعد، وأنظمة الصحة، والرعاية طويلة الأمد، في الوقت الذي تتقلص فيه قاعدة دافعي الضرائب والاشتراكات الاجتماعية. وهنا لا تعود الشيخوخة مجرد ظاهرة إنسانية طبيعية، بل تتحول في حسابات الدولة الحديثة إلى “كلفة عامة”: معاشات تُدفع، أسرّة مستشفيات تُشغل، أدوية تُموّل، ورعاية مستمرة تُثقل الميزانية.


ومن هنا يمكن فهم القسوة التي ظهرت في بعض النقاشات السياسية أثناء الجائحة. فقد كشفت شهادات وتحقيقات بريطانية لاحقة أن داخل القرار السياسي البريطاني وُجد تفكير شديد البرودة يرى أن الوباء يصيب كبار السن أساسًا، وأن إغلاق الاقتصاد لحماية هذه الفئة قد يكون عبئًا أكبر من ترك الفيروس ينتشر جزئيًا ضمن ما سُمّي بسياسة “مناعة القطيع”. وسواء قيل ذلك بعبارات مباشرة أو دُفن داخل اللغة التقنية، فإن دلالته الأخلاقية خطيرة: حين يتحول المسن من أب وجد وإنسان ذي كرامة إلى عبء تقاعدي وصحي، تصبح الجائحة في عقل السياسة لا مأساة إنسانية فقط، بل أداة لإعادة ترتيب الكلفة السكانية.


ولا يقتصر الأمر على المسنين. فالفقراء أيضًا يدخلون في هذه المعادلة القاسية من باب آخر. ففي المنطق الاقتصادي المتوحش، يُنظر إلى الفقير لا بوصفه ضحية خلل في توزيع الثروة والفرص، بل بوصفه إنسانًا ضعيف الإنتاجية، قليل المساهمة في الضرائب، كثير الحاجة إلى الدعم، ومصدرًا محتملًا للاضطراب الاجتماعي. وهذا هو أخطر ما في العقل الاقتصادي حين ينفصل عن الميزان الأخلاقي: إنه لا يسأل أولًا عن العدل، ولا عن أسباب الفقر، ولا عن مسؤولية النظام السياسي والمالي في إنتاج الهشاشة، بل يسأل عن الكلفة والعائد، وعن الجدوى، وعن قدرة الفئات الضعيفة على خدمة آلة النمو.


في العصور القديمة، كانت الحروب، والمجاعات، والأوبئة، والكوارث الطبيعية، تتدخل بعنف في إعادة توازن السكان والموارد، لا لأنها كانت عدلًا، بل لأنها كانت جزءًا من هشاشة العالم القديم وقسوته. أما في العصر الحديث، فقد تراجعت قدرة هذه العوامل على أداء الدور نفسه بالطريقة القديمة: فالحروب أصبحت محكومة، نظريًا على الأقل، بقوانين دولية وأخلاقية تمنع القتل العشوائي والإبادة المكشوفة، والكوارث الطبيعية أصبحت تُدار بأنظمة إنذار وإغاثة، والأمراض المعدية صارت موضوعًا للطب واللقاحات والمراقبة الوبائية مما قلل من نسبة وفيات الأطفال ورفع متوسط الحياة عند كبار السن.


لكن هذا التراجع لا يعني أن منطق “إعادة التوازن بالقوة” اختفى، بل قد يكون انتقل إلى أدوات أكثر خفاءً: المختبر، والبيانات، والسياسات الصحية، وإدارة الخوف، والتلقيح، والعزل، وتصنيف السكان بحسب السن والهشاشة والإنتاجية. ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا، لا بوصفه حكمًا نهائيًا، بل بوصفه فرضية تحليلية ثقيلة: هل كان كوفيد مجرد حادث بيولوجي خرج من السيطرة، أم أن العالم كان مهيأً أصلًا لاستخدام الوباء، أو توظيفه، أو السماح له بإعادة ترتيب معادلة السكان والاقتصاد والرقابة؟


مجمعات الدواء واللقاح: اقتصاد الجائحة

ولا تكتمل قراءة كوفيد من دون النظر إلى مجمعات صناعة الأدوية واللقاحات، لأنها كانت من أكبر المستفيدين المباشرين من الوباء. فإذا كان العامل الديموغرافي يفسر جانبًا من عقل الدولة، فإن العامل الدوائي يفسر جانبًا من عقل السوق: الخوف الجماعي، والطوارئ الصحية، والعقود العاجلة، والشراء المسبق، والحصانات القانونية، والطلب العالمي شبه الإجباري على منتج لم يمر بالزمن الطبيعي الكافي لاختبار آثاره وحدوده.


لقد تحولت الجائحة، في زمن قصير، إلى فرصة مالية هائلة. فقد دخلت شركات كبرى سوقًا عالمية غير مسبوقة: حكومات تشتري بالمليارات، شعوب خائفة، إعلام يضغط، سفر مشروط، عمل مشروط، ومدارس وجامعات ومؤسسات تبحث عن العودة إلى الحياة بأي ثمن. وهنا ظهرت المفارقة الأخلاقية الكبرى: المال العام يمول البحث والمخاطر، ثم تشتري الحكومات المنتج النهائي بأموال الجمهور نفسه، بينما تستقر الأرباح الضخمة في يد الشركات الخاصة.


ولم يكن الأمر مجرد بيع عادي في سوق مفتوحة. فقد وُقعت عقود ضخمة وسريعة، كثير منها في ظروف غير شفافة. والدول النامية وجدت نفسها أمام معادلة أشد قسوة: إما شراء اللقاحات والدخول في سباق الجرعات، أو الظهور بمظهر الدولة التي تترك شعبها بلا حماية. وفي سياق الخوف العالمي، لم تكن القدرة التفاوضية لهذه الدول مساوية لقدرة الدول الغنية. فالدول الكبرى سارعت إلى عقود الشراء المسبق، وحجزت كميات ضخمة، ودفعت الأسعار، وفرضت إيقاع السوق، بينما بقيت الدول الفقيرة والنامية تنتظر آليات التوزيع الدولية أو تدخل في صفقات أقل شفافية وأكثر هشاشة.


وتظهر خطورة اقتصاد الجائحة بوضوح في قصة لقاح جونسون آند جونسون. فقد قُدم هذا اللقاح في بداية الأزمة بوصفه حلًا مثاليًا، خصوصًا للدول الفقيرة والنامية: جرعة واحدة، تخزين أسهل، وتوزيع أسرع من لقاحات أخرى تحتاج إلى سلاسل تبريد أكثر تعقيدًا. ولذلك لم يكن مجرد منتج طبي، بل صار جزءًا من خطاب إنقاذ عالمي يقول للدول: اشتروا سريعًا، لقحوا سريعًا، فالوقت لا يسمح بالانتظار.


لكن ما ظهر لاحقًا كشف أن المسألة لم تكن بهذه البساطة. فقد ظهرت إشكالات تتعلق بالفعالية، ومدة الحماية، وحدود الأمان، وبعض المخاطر النادرة والخطيرة، قبل أن تتجه بعض السلطات الصحية إلى تفضيل لقاحات أخرى عليه، ثم ينتهي استعماله في أسواق مهمة. ولا يعني ذلك أن اللقاح كان بلا أثر مطلقًا، ولا أن كل من أجازه كان متآمرًا بالضرورة، لكن الدلالة الأخلاقية والسياسية أعمق من ذلك: لقد سُوّق منتج طبي جديد في لحظة خوف عالمي بوصفه حلًا شبه يقيني، ثم تبيّن أن فعاليته ومخاطره وحدود استعماله كانت تحتاج إلى زمن أطول ونقاش أهدأ وشفافية أكبر.


وهنا تظهر مسألة منظمة الصحة العالمية والمؤسسات الدولية. لا يصح القول، دون دليل قضائي مباشر، إنها تآمرت مع شركات اللقاح، لكن يصح القول إن أداء المنظومة الصحية العالمية تعرض لانتقادات واسعة بسبب العجز عن ضمان عدالة التوزيع، وبسبب الخضوع العملي لميزان القوة بين الدول الغنية والشركات المالكة للتكنولوجيا والدول الفقيرة المحتاجة. فقد رُفع شعار “الصحة للجميع”، لكن الواقع كشف أن اللقاح، في نهاية الأمر، ظل محكومًا بالمال، وبراءات الاختراع، والعقود، وقوة التفاوض، لا بالحاجة الإنسانية وحدها.


ومن هنا لا تكون القضية في أن اللقاحات لم يكن لها أي أثر صحي، أو أنها كلها بلا فائدة مطلقًا؛ فهذه صياغة تبسيطية. القضية الأدق هي أن فعالية اللقاحات وحدودها ومخاطرها واستراتيجيات استعمالها تحولت إلى ملف سياسي واقتصادي وإعلامي، وأن كثيرًا من الدول اشترت ملايين الجرعات في ظل ضغط هائل قبل أن تتضح بالكامل مدة الحماية، ومدى منع الانتقال، والحاجة إلى الجرعات المعززة، والفوارق بين الفئات العمرية والصحية. وبذلك انتقل القرار من طب الوقاية الهادئ إلى اقتصاد الطوارئ: اشترِ الآن، وقّع الآن، لقّح الآن، ثم ناقش التفاصيل لاحقًا.



الخوف والطوارئ: من حماية الصحة إلى ضبط المجتمعات

ولم تكن الجائحة حدثًا صحيًا فقط، بل كانت أيضًا تجربة سياسية كبرى في إدارة الخوف. فقد وجدت الأنظمة، بدرجات متفاوتة، في الوباء فرصة نادرة لتوسيع سلطة الطوارئ، وتعليق بعض الحقوق، وضبط الحركة، ومراقبة الأجساد، وتنظيم الدخول والخروج، وربط الحرية اليومية بتطبيقات صحية وشهادات رقمية وقرارات إدارية سريعة. وما كان يصعب تمريره في الزمن العادي، صار ممكنًا تحت عنوان واحد: حماية الصحة العامة.


هنا ظهر وجه خطير من وجوه الدولة الحديثة. فالخوف من المرض جعل المجتمعات أكثر استعدادًا لقبول ما لم تكن لتقبله في الأحوال العادية: حظر التجول، إغلاق المساجد والكنائس والمدارس، منع السفر، تقييد الزيارات العائلية، فرض الكمامات، إجبارية الاختبارات، شهادات التلقيح، الرقابة الرقمية، والحملات الإعلامية التي لا تكتفي بالإخبار، بل تصنع حالة نفسية جماعية من الذعر والامتثال. ومع أن بعض التدابير قد يكون مفهومًا في بداية وباء مجهول، فإن السؤال الأخلاقي يبدأ حين تتحول الضرورة المؤقتة إلى نموذج حكم، وحين تتحول الصحة إلى ذريعة لتأديب المجتمع.


وقد بدا في كثير من التجارب أن السلطة لم تكن تدير المرض فقط، بل كانت تدير المعنى أيضًا. فالإعلام الرسمي والخاص، في دول كثيرة، لم يكتف بنقل المعطيات، بل شارك في إنتاج خطاب خوف متواصل: أرقام يومية، عدّادات موت، صور مستشفيات، لغة حرب، تصنيف للمواطنين، تخوين للمشككين، وتضييق على الأصوات التي تطالب بنقاش أوسع حول أصل الفيروس، وفعالية الإجراءات، ومخاطر اللقاحات، وكلفة الإغلاق على الفقراء والأطفال والمرضى النفسيين وأصحاب الأعمال الصغيرة.


ومن هنا لم تعد الجائحة مجرد أزمة وبائية، بل صارت مختبرًا سياسيًا عالميًا: كيف يمكن دفع الناس إلى الطاعة باسم الخوف؟ كيف يمكن تحويل الجسد إلى موضوع إداري دائم؟ كيف يمكن ربط الحركة والعمل والسفر والدراسة بوثيقة صحية؟ وكيف يمكن جعل المواطن نفسه رقيبًا على غيره باسم المسؤولية الجماعية؟ هذه الأسئلة لا تلغي وجود المرض، ولا تنكر خطورته، لكنها تكشف أن المرض استُعمل أيضًا لإعادة ترتيب علاقة السلطة بالمجتمع.


وفي هذا المعنى، لم يكن أخطر ما في كوفيد أنه أصاب الأجساد فقط، بل أنه أصاب مفهوم الحرية. فقد قبلت المجتمعات، تحت ضغط الخوف، بنقل جزء كبير من قرارها إلى الدولة والخبراء والمنصات الرقمية. وحين يصبح الخوف هو المدخل إلى الطاعة، يصبح السؤال الأخلاقي حاضرًا بقوة: هل تُحفظ النفس بإلغاء العقل؟ وهل تُصان الحياة بإسقاط الكرامة؟ وهل يجوز أن يتحول حفظ الأبدان إلى وسيلة لإخضاع النفوس؟



الميزان القرآني: لا خلق من العدم، بل عبث بخلق الله

في الميزان القرآني، لا ينبغي أن تُفهم فرضية التدخل البشري في الفيروس على أنها قدرة للإنسان على الخلق من العدم. فالإنسان، مهما بلغ علمه، لا يخلق الحياة، ولا ينشئ الكائن من لا شيء، ولا يملك سر السنن التي أقام الله عليها الوجود. وقد حسم القرآن هذا الوهم حين قال:


﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ الحج: 73.


هذه الآية لا تهدم عبادة الأصنام وحدها، بل تهدم كل غرور بشري يتوهم أنه امتلك سر الخلق لمجرد أنه استطاع أن يحلل، أو يركب، أو يعدل، أو ينقل، أو يعبث بالمادة الحية. فالإنسان قد يتدخل في بنية فيروس موجود، وقد ينقله من بيئة إلى أخرى، وقد يغير بعض خصائصه ليجعله أكثر عدوى أو أشد فتكًا أو أقدر على تجاوز الحواجز الطبيعية، لكنه في كل ذلك لا يخلق من العدم، بل يتصرف في خلق لم يصنعه، ويفتح بابًا في سنن لا يحيط بعواقبها.


ومن هنا تكون خطورة فرضية التلاعب المختبري ليست في أنها تمنح الإنسان صفة الخالق، بل في أنها تكشف درجة من العبث بخلق الله. فالخلل الأخلاقي لا يقع لأن الإنسان “خلق الفيروس”، فهذا ممتنع قرآنيًا ووجوديًا، بل لأنه ربما مدّ يده إلى مخلوق من مخلوقات الله، فحوّله من كائن جارٍ في سننه الطبيعية إلى أداة محتملة للفتك، أو التجريب، أو السيطرة، أو الربح، أو إعادة تشكيل الخوف الجماعي. وهذا يدخل في معنى تغيير خلق الله حين يتحول العلم من حفظ الحياة إلى العبث بالحياة:


﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ النساء: 119.


والفيروسات، مهما صغرت، ليست خارج سلطان الله ولا خارج نظام خلقه. إنها من جنود الله وسننه التي لا يحيط الإنسان بحقيقتها ولا بمآلاتها. وقد يتوهم المختبر أنه يمسك بالخيط الأول، لكنه لا يملك الخيط الأخير؛ يظن أنه يتحكم في التجربة، فإذا بها تخرج من حدود القارورة إلى جغرافية العالم. وهنا يتجلى معنى قوله تعالى:


﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ المدثر: 31.


فإذا صح أن تدخلًا بشريًا جعل الفيروس أكثر قدرة على العدوى أو الفتك، فإن ذلك لا يعني أن الإنسان صار خالقًا، بل يعني أنه صار عابثًا بخلق الله، مستكبرًا على حدود الأمانة، مستعملًا علمًا كان ينبغي أن يكون لحفظ النفس في طريق قد ينتهي إلى إهلاك النفس. والفرق كبير بين علم يدرس المرض ليمنعه، وعلم يعبث بالمرض فيجعله سلاحًا، أو سوقًا، أو أداة سياسية، أو تجربة مفتوحة على أجساد الناس.



الخوف في الميزان القرآني: من الابتلاء إلى الاستخفاف

وهنا يدخل المحور الثاني من الميزان القرآني: ضبط الناس بالخوف. فقد كشفت الجائحة أن الخوف قد يكون أداة حكم لا تقل خطورة عن المرض نفسه. فالقرآن لا ينكر الخوف بوصفه ابتلاءً من ابتلاءات الحياة، بل يذكره ضمن سنن الاختبار:


﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ البقرة: 155.


لكن القرآن يميز بين خوف يقع ابتلاءً طبيعيًا، وخوف يُصنع عمدًا ليُدار به الناس. فالخوف حين يتحول إلى وسيلة لإلغاء العقل، وإسكات السؤال، وفرض الطاعة العمياء، وتوسيع سلطة الطوارئ، يصبح أداة من أدوات الاستضعاف. وهنا لا تعود المشكلة في الاحتياط الصحي المشروع، بل في تحويل الخوف إلى هندسة سياسية للمجتمع: إعلام يرعب، وسلطة تأمر، وسوق يبيع، ومؤسسات دولية تمنح اللغة الأخلاقية للقرار، ثم يُطلب من الناس أن يطيعوا دون سؤال.


والقرآن يكشف أن الخوف يصبح أداة من أدوات الطغيان حين يستعمله المستكبرون لإضعاف وعي الناس، وإرباك قدرتهم على التمييز، ودفعهم إلى الطاعة العمياء. وهذا ما يصوره قوله تعالى عن فرعون:


﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ الزخرف: 54.


والاستخفاف هنا ليس مجرد إهانة لفظية، بل هو صناعة قابلية نفسية واجتماعية للطاعة: إضعاف العقل، تضييق المعلومة، تضخيم الخطر، احتكار القرار، ثم دفع الناس إلى الامتثال باسم النجاة. وهذا ما ظهر بدرجات متفاوتة أثناء الجائحة؛ إذ لم تُدار الأجساد وحدها، بل أُدير الوعي أيضًا. صار الخوف لغة يومية، وصارت الأرقام طقسًا إعلاميًا، وصار السؤال تهمة، وصار الاعتراض خروجًا عن “المسؤولية الجماعية”، حتى في المواطن التي كان فيها النقاش العلمي مشروعًا وضروريًا.


ولذلك لا يكفي أن نسأل: هل كان الفيروس طبيعيًا أم مختبريًا؟ بل يجب أن نسأل أيضًا: كيف استُعمل الخوف بعد ظهوره؟ من وسّع سلطته باسمه؟ من ربح من استمرار الرعب؟ من منع الأسئلة؟ من حوّل الصحة إلى طاعة؟ ومن جعل جسد الإنسان ميدانًا لقرارات لا يملك المواطن أن يناقشها أو يعرف خلفياتها كاملة؟


إن حفظ النفس مقصد عظيم، لكن حفظ النفس لا يبرر إلغاء الكرامة، ولا إسقاط العقل، ولا كتمان الحقيقة، ولا تحويل الشعوب إلى كتل مذعورة يسهل توجيهها. فالقرآن لا يقيم الحياة على الخوف وحده، بل على الحق والبينات والعدل والأمانة. وحين تغيب هذه القيم، يتحول الطب إلى سلطة، والإعلام إلى أداة ضبط، والسياسة الصحية إلى باب من أبواب التحكم في الإنسان.



خاتمة: حين يفقد العلم ميزانه

لم يكن كوفيد وباءً فقط، بل كان لحظة انكشاف كبرى في التاريخ الحديث. كشف هشاشة الإنسان أمام أصغر المخلوقات، وكشف هشاشة الدولة حين تستبدل الشفافية بالطوارئ، وكشف هشاشة السوق حين يحول الألم إلى أرباح، وكشف هشاشة العلم حين يدخل في تحالفات السلطة والمال والاستخبارات.


لا يستطيع هذا المقال أن يجزم، دون دليل مباشر، بأن الفيروس نُشر عمدًا في العالم. لكنه يستطيع أن يقول إن الرواية الرسمية البسيطة لم تعد كافية. فهناك منشأ مختبري محتمل، وتمويل مثير للأسئلة، وتستر مؤسسي، وسوق لقاحات هائل، وضغط ديموغرافي عالمي، واستعمال سياسي للخوف، وتوسيع غير مسبوق لسلطات الدولة على الجسد والحركة والوعي.


وفي الميزان القرآني، الخطر الأعظم ليس في الفيروس وحده، بل في الإنسان حين يفقد الميزان: يعبث بما لم يخلق، ويخفي ما علم، ويربح من خوف الناس، ثم يدّعي أنه يحميهم. هنا تنقلب الجائحة من مرض عابر إلى آية كاشفة: آية على ضعف الإنسان أمام خلق الله، وآية على فساد السلطة حين تنفصل عن الحق، وآية على أن العلم إذا لم تحكمه الأمانة قد يصبح بابًا من أبواب الإفساد في الأرض.


فالإنسان لا يخلق ذبابًا ولو اجتمع له، ولا يعلم جنود ربه، ولا يملك مآلات ما يطلقه من المختبر إلى العالم. وحين يظن أنه يستطيع أن يغير خلق الله ثم يضبط النتائج، وأن يصنع الخوف ثم يحكم به الناس، وأن يحول الصحة إلى سوق والطوارئ إلى نظام حكم، فإنه لا يثبت قوته، بل يكشف ضعفه. ذلك أن العلم بلا أمانة فتنة، والسياسة بلا عدل طغيان، والخوف بلا بينة عبودية جديدة.


ومن هنا يكون السؤال الأخير ليس: من أين جاء كوفيد فقط؟ بل: ماذا كشف كوفيد فينا؟ هل كشف علمًا يحفظ الحياة، أم علمًا يعبث بها؟ هل كشف دولة تحمي الإنسان، أم دولة تضبطه بالخوف؟ هل كشف طبًا رحيمًا، أم سوقًا يتربح من الفزع؟ وهل ما زال الإنسان الحديث يذكر أنه مستخلف مؤتمن، أم صار يتصرف في خلق الله كأنه سيد الوجود، حتى جاءه أصغر جند من جنود الله ليذكره بأن الخلق لله، وأن الأمر لله، وأن الميزان إذا سقط، سقط معه الإنسان؟


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق