من حبل الله إلى حبال المذاهب والأحزاب والجماعات

 

(المذاهب والجماعات والأحزاب الإسلامية بميزان قرآني)


تمهيد

ليست المشكلة في الاختلاف، بل في أن يتحول الاختلاف إلى تفرقة في الدين، وأن يصبح المذهب أو الجماعة أو الحزب حبلًا بديلًا عن حبل الله. فالقرآن لا يلغي العقل ولا الاجتهاد، لكنه يرفض أن تُختزل الرسالة في راية مغلقة، أو أن يصبح الولاء للجماعة أقوى من الولاء للحق.


حين يفقد الناس الثقة في الدولة، وفي القضاء، وفي الإدارة، وفي النخب السياسية، يبحثون عن بديل. وحين يرى الشباب فسادًا، واستبدادًا، ومحسوبية، وتفاوتًا اجتماعيًا، وخطابًا رسميًا لا يصدقه الواقع، يصبحون أكثر استعدادًا للتعاطف مع كل صوت يرفع شعار الإصلاح، ويهاجم السلطة، ويتكلم باسم الدين والعدل والشرع.../...


وهنا يبدأ المأزق الكبير.


فليس كل من عارض السلطة كان بالضرورة على هدى. وليس كل من تكلم باسم الإسلام صار ممثلًا للإسلام. وليس كل حزب يرفع شعار الشريعة صار أمينًا على شرع الله. فقد يكون الحزب معارضًا للسلطة، لكنه يحمل في داخله منطق سلطة أخرى. وقد يكون خطابه دينيًا، لكنه يستعمل الدين رأسمالًا سياسيًا. وقد يرفع شعار الأمة، لكنه يختزل الأمة في جماعته. وقد يتحدث باسم القرآن، لكنه يطلب من الناس في النهاية أن يتبعوا قيادته، ومذهبه، وتنظيمه، وتأويله.


وهذه هي العقدة التي لم تنتبه إليها كثير من المجتمعات المسلمة، خصوصًا بعد لحظات الانهيار السياسي وفقدان الثقة في الدولة عبر التاريخ. فقد ظن كثير من الناس أن البديل عن الدولة الفاسدة هو الحزب الديني، وأن البديل عن استبداد السلطة هو جماعة ترفع شعار الإسلام، وأن مناهضة الحاكم تكفي وحدها لتزكية المشروع السياسي. لكن القرآن لا يزكي أحدًا لمجرد أنه يعارض الظلم ويناهض الفساد، بل يزنه بميزان أعمق: هل يردّ الناس إلى ما أنزل الله، أم يردّهم إلى نفسه؟ هل يجمعهم على حبل الله، أم يفرقهم شيعًا ومللا ونحلا وأحزابًا؟ هل يحررهم من عبودية الدولة، أم ينقلهم إلى عبودية الجماعة؟


لذلك لا بد من العودة إلى القرآن، لا لنناقش شرعية الأحزاب من زاوية سياسية فقط، بل لنطرح السؤال الأسبق والأعمق:


هل يجيز القرآن أن يتحول الدين إلى مذهب مغلق، أو جماعة مالكة للحقيقة، أو حزب يدّعي أنه الممثل الحقيقي للإسلام؟



أولًا: القاعدة المؤسسة — اتبعوا ما أُنزل إليكم

يفتح القرآن هذا الباب بقاعدة حاسمة:


﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 3].


هذه الآية تصلح أن تكون مفتاح المقال كله. فهي لا تقول: اتبعوا المذهب، ولا اتبعوا الجماعة، ولا اتبعوا الحزب، ولا اتبعوا الشيخ، ولا اتبعوا ما وجدتم عليه آباءكم، بل تقول: اتبعوا ما أُنزل إليكم من ربكم.


وهنا ينبغي أن نكون دقيقين. فالآية لا تمنع التعلم من العلماء، ولا الاستفادة من المدارس الفقهية، ولا التعاون داخل جماعة منظمة، ولا التنظيم السياسي المدني. لكنها تمنع أن تتحول هذه الوسائط إلى أولياء من دون الله؛ أي إلى مراجع اتباع نهائية، تُقدَّم أقوالها وولاءاتها على ما أنزل الله.


فالعالم نافع حين يدلّ على القرآن، وخطر حين يحجب عنه. والمذهب نافع حين يساعد على الفهم، وخطر حين يتحول إلى قفص. والجماعة نافعة حين تعين على البر والتقوى، وخطر حين تجعل الولاء لها فوق الولاء للحق. والحزب مشروع بوصفه أداة سياسية مدنية، وخطر حين يقدّم نفسه باعتباره لسان الإسلام أو وكيل الله في السياسة.


إذن القاعدة الأولى هي:

كل وسيط يردّك إلى ما أنزل الله فهو وسيلة، وكل وسيط يطلب منك الاتباع له من دون ما أنزل الله، أو فوق ما أنزل الله، أو رغم ما أنزل الله، فقد تحول إلى وليّ من دون الله.



ثانيًا: الإسلام دين الله لا دين المذاهب والأحزاب

من أخطر ما أصاب الوعي الديني أن صار المسلم يُعرّف أولًا بانتمائه الفرعي: هذا سني، وهذا شيعي، وهذا مالكي، وهذا حنبلي، وهذا سلفي، وهذا صوفي، وهذا إخواني، وهذا حزبي. أما الاسم الذي جعله القرآن جامعًا، فقد صار عند كثيرين أقل حضورًا من أسماء الجماعات والمذاهب.


والقرآن يقرر أن الدين عند الله هو الإسلام:


﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19].


ويقول:


﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85].


ويقول: 


﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: 125].


ويقول:


﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَٰذَا﴾ [الحج: 78].


هذه الآيات تؤسس لاسم جامع: الإسلام، والتسليم لله، وملة إبراهيم الحنيفية. أما الأسماء اللاحقة فهي أسماء تاريخية وبشرية، قد يكون لها دور تعليمي أو تنظيمي، لكنها لا يجوز أن تزاحم الاسم الذي اختاره الله، ولا أن تصبح معيار النجاة وما سواها إلى الهلاك، ولا أن تتحول إلى رايات يتقاتل حولها الناس.


فالإسلام لا يُنسب إلى إمام مذهب، ولا إلى شيخ طريقة، ولا إلى جماعة سياسية، ولا إلى حزب انتخابي. الإسلام دين الله. وكل نسبة فرعية إن خدمت هذا الأصل بقيت في حدودها البشرية. أما إذا صارت بديلًا عنه، أو ميزانًا للحكم على الناس، أو بابًا للولاء والبراء، فقد دخلت في منطقة الخطر القرآني.



ثالثًا: منطق الآباء — حين يرث الناس الدين بلا تدبر

ينتقد القرآن في مواضع كثيرة منطق الاتباع الوراثي. والمشكلة ليست في احترام الآباء، ولا في الانتفاع بما تركه السابقون من علم وتجربة، بل في تحويل الموروث إلى حجة نهائية تغلق باب السؤال.


قال تعالى:


﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 170].


وقال:


﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23].


وقال:


﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 22].


هذا المنطق لا يخص الوثنية القديمة وحدها. فقد يتكرر داخل التدين نفسه حين يقول الإنسان: هذا ما وجدنا عليه مذهبنا، أو جماعتنا، أو هذا ما قاله شيخنا، أو حدده حزبنا. وقد يتكرر حين يصبح السؤال خيانة، والمراجعة فتنة، والرجوع إلى القرآن خروجًا عن الجماعة.


الخطر ليس في أن يرث الإنسان معرفة، بل في أن يرثها وقد أغلق باب المحاسبة والتدبر. والخطر ليس في أن يتعلم من السابقين، بل في أن يجعل السابقين حجابًا بينه وبين ما أنزل الله.



رابعًا: الأولياء والشيوخ والسادة حين يزاحمون الوحي

القرآن لا يحذر فقط من عبادة الأصنام، بل يحذر أيضًا من اتخاذ الأولياء من دون الله. والولي هنا ليس مجرد صديق أو ناصر في الخير، بل كل مرجع ولاء وطاعة واتباع يزاحم سلطان الله وبيانه.


قال تعالى في الآية المؤسسة:


﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: 3].


وقال تعالى:


﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۖ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ [الشورى: 9].


والقرآن يقرر أن من صور الانحراف أن يجعل الناس أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله:


﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31].


وهذه الآية شديدة الدلالة في موضوعنا؛ لأن الربوبية هنا لا يلزم أن تكون عبادة صريحة بالسجود والركوع، بل قد تكون في مقام الطاعة والتشريع والاتباع؛ حين يصبح قول الأحبار والرهبان والسادة والشيوخ فوق بيان الله، وحين يصير الحلال والحرام تابعًا لسلطة الكهنوت لا لسلطان الوحي.


ومن هنا نطرح السؤال القرآني:

متى يصبح الشيخ أو الإمام أو المذهب أو الجماعة أو الحزب وليًا من دون الله؟


يصبح كذلك حين يكون قوله أقوى من الآية المحكمة.

ويصبح كذلك حين يمنع الناس من التبين باسم الطاعة.

ويصبح كذلك حين يجعل الانتماء إليه أمانًا من السؤال.

ويصبح كذلك حين يتحول نقده إلى طعن في الدين.

ويصبح كذلك حين تُعلَّق النجاة بالجماعة لا بالحق والعمل.



خامسًا: الشرك الخفي داخل التدين

يقول تعالى:


﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106].


هذه الآية لا ينبغي أن تُستعمل للحكم على أعيان الناس أو تكفيرهم، فذلك باب خطير ليس من شأن هذا المقال. لكنها تكشف حقيقة قرآنية عميقة: أن الشرك لا يأتي دائمًا في صورة إنكار الله، بل قد يجتمع مع نوع من الإيمان بالله إذا اختلّ ميزان الاتباع والولاء والمرجعية.


قد يقول الإنسان: أؤمن بالله.

لكنه في التلقي يتبع غير ما أنزل الله.

وقد يذكر اسم الله، لكنه يجعل الشيخ أو السيد أو الحزب مصدر الطاعة النهائي.

وقد يرفع شعار القرآن، لكنه يعطل محكماته باسم الناسخ والمنسوخ أو باسم المذهب أو الرواية أو الإجماع المدّعى.

وقد يقول: نحن أنصار الدين، ثم يجعل نصرة الجماعة أعلى من نصرة الحق.


هذا هو الشرك الخفي في بنية التدين: أن يحضر اسم الله، وتغيب مرجعية الله. أن يُذكر القرآن في الشعارات، لكنه لا يكون الحاكم على المواقف. أن يتكلم الحزب باسم الشريعة، لكنه يطلب من الناس عمليًا الولاء له، والثقة فيه، والطاعة لقيادته، والفرح بما لديه.


والتوحيد في القرآن ليس كلمة تقال باللسان فقط، بل هو تحرير للاتباع والولاء والمرجعية. أن يكون الله هو الغاية، وأن يكون ما أنزل هو الميزان، وأن لا يتحول أحد من خلقه إلى باب إلزام فوق الحق.



سادسًا: التفرق في الدين ليس اختلاف رأي فقط

قد يقال: الناس يختلفون، وهذا طبيعي. نعم، الاختلاف في الفهم والاجتهاد واقع بشري لا يمكن إنكاره. لكن القرآن لا يتحدث فقط عن اختلاف الرأي، بل عن التفرقة في الدين، أي تحويل الدين الواحد إلى شيع ورايات وأحزاب متنازعة.


قال تعالى:


﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۝ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 31-32].


الآية تضع تفريق الدين في سياق التحذير من الشرك. وهذا خطير جدًا. فهي لا تصف مجرد اختلاف اجتهادي، بل تصف حالة تصبح فيها الجماعة أو الحزب أو الفرقة مركزًا للفرح والهوية والولاء.


كل حزب بما لديهم فرحون: هذه ليست مجرد عبارة وصفية، بل تشخيص لحالة نفسية جماعية. كل فريق يطمئن إلى ما عنده، ويفرح برايته، ويستغني عن مراجعة نفسه، ويظن أنه وحده على الحق. عندئذ لا يعود السؤال: أين الحق؟ بل يصبح السؤال: أين جماعتنا؟ أين مذهبنا؟ أين حزبنا؟ كيف ننتصر له ولديننا؟


وهنا يتحول الدين من هدى جامع إلى ملكية جماعية مغلقة. ويتحول القرآن من ميزان يحاكم الجميع إلى نص يستعمله كل فريق لتزكية نفسه.



سابعًا: الرسول ليس طرفًا في سوق الفِرَق

يزيد القرآن الأمر وضوحًا حين يقول:


﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: 159].


هذه الآية تقطع الطريق على كل محاولة لجعل الرسول زعيم فرقة أو حزب أو مذهب مغلق. فالرسول ليس طرفًا في صراع الفرق، ولا شاهد تزكية لراياتها، ولا اسمًا يُستعمل لتبرير تمزق الدين. هو مبلغ عن الله، داع إلى صراط مستقيم، لا إلى سوق مذهبية يتنافس فيها كل فريق على احتكار اسمه أو ما اصطلح على تسميته بسنّته. 


قول القرآن: لست منهم في شيء يعني أن التفريق في الدين ليس امتدادًا للرسالة، بل خروج عن مقصدها الجامع. وكل جماعة تجعل نفسها الممثل الحصري للإسلام ينبغي أن تقف طويلًا أمام هذه الآية. فالرسول الذي جاء بالقرآن لم يكن مؤسس حزب ينازع الأحزاب، بل جاء ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن عصبية الرايات إلى الاعتصام بحبل الله.



ثامنًا: التفرق بعد البينات بغي لا اجتهاد بريء

هنا نصل إلى نقطة جوهرية. فالقرآن لا يفسر التفرق دائمًا بأنه نتيجة غموض الدليل أو نقص البيان، بل يكشف أن التفرق قد يقع بعد مجيء العلم والبينات.


قال تعالى:


﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105].


وقال:


﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 14].


وقال:


﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: 19].


إذن الخلل ليس دائمًا في نقص العلم، بل في البغي بعد العلم. والبغي قد يكون صراعًا على المكانة، أو الزعامة، أو السلطة الرمزية، أو المصالح السياسية، أو الخوف على نفوذ الجماعة، أو تعظيم الرجال، أو تحويل الدين إلى رأس مال اجتماعي وسياسي.


وهذا مهم جدًا عند فهم الأحزاب الإسلاموية. فهي لا تنشأ دائمًا لأن الناس يريدون فهم القرآن أكثر، بل كثيرًا ما تنشأ داخل صراع السلطة والمجتمع، ثم تستعمل الدين لتعبئة الأنصار، وتحصين القيادة، وإضفاء القداسة على المشروع السياسي.


فحين يتحول الخلاف إلى بغي، لا يعود اختلافًا محمودًا. وحين تتحول الجماعة إلى أداة صراع على السلطة باسم الدين، لا يعود الأمر اجتهادًا دينيًا بريئًا. وحين يصبح الحزب فرحًا بما لديه، ويستعمل الآيات لتزكية نفسه واتهام خصومه، فنحن أمام المعنى الذي حذر منه القرآن.



تاسعًا: الاعتصام بحبل الله لا بحبل الجماعة

بعد نقد التفرق، يضع القرآن البديل:


﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].


هذه الآية لا تدعو إلى فوضى فردية، ولا إلى أن يصبح لكل إنسان دينًا مستقلًا، ولا إلى إسقاط قيمة العلم والتعاون. لكنها تجعل الاعتصام بحبل الله الذي هو القرآن، لا بحبل المذهب، ولا بحبل الجماعة، ولا بحبل الحزب.


والفرق كبير.


الاعتصام بحبل الله يجعل القرآن حاكمًا على الجميع.

أما الاعتصام بحبل الجماعة فيجعل الجماعة حاكمة على أتباعها.

الاعتصام بحبل الله يفتح باب الفهم والتصحيح.

أما الاعتصام بالمذهب المغلق فيجعل التصحيح خروجًا عن الجماعة، ولو كان رجوعا إلى القرآن.

الاعتصام بحبل الله يجمع الناس حول الأصل الذي هو كلام الله.

أما الاعتصام بالحزب فيجعل الحزب أصلًا جديدًا منافسا لمرجعية القرآن.

الاعتصام بحبل الله يطلب الحق ولو جاء من غير المسلمين.

أما منطق الحزب فيفرح بما لديه، ولو خالف الميزان القرآني.


ولهذا ينبغي أن يكون الميزان واضحًا: كل تجمع يرد الناس إلى حبل الله، ويعينهم على الحق والعدل والرحمة، فهو تعاون مشروع. وكل تجمع يجعل نفسه حبلًا بديلًا، ويطلب الولاء له، ويبشر بالخلاص، ويخيف أتباعه من الخروج عليه، فقد صار فتنة.



عاشرًا: من فقدان الثقة في الدولة إلى الارتماء في حضن الحزب الديني

بعد هذا التأسيس القرآني، نفهم المأزق المعاصر.


حين تفشل الدولة في العدل، يتقدم الحزب الديني بوصفه البديل الأخلاقي.

وحين تفسد النخب، تظهر الجماعة بوصفها “النقية” وصاحبة "اليد النظيفة".

وحين يشعر الشباب بالمهانة والبطالة والقهر، يصبحون مستعدين لتصديق من يقول لهم: نحن مشروع الإسلام، ونحن المدافعون عن الشرع، ونحن صوت الأمة الحقيقي.


لكن القرآن لا يزكي الخطاب لمجرد أنه ضد السلطة. فكم من معارض للاستبداد يحمل في داخله استبدادًا آخر. وكم من جماعة تتحدث عن الحرية حتى تصل إلى القوة، ثم تجعل الطاعة التنظيمية أعلى من الضمير. وكم من حزب يتحدث عن الأمة، ثم يختزل الأمة في أنصاره. وكم من مشروع يهاجم فساد الدولة، لكنه لا يراجع فساد الجماعة.


لقد كشفت تجارب ما بعد الربيع العربي أن سقوط الخوف من السلطة لا يكفي لبناء وعي حر. فالفراغ السياسي، وضعف المؤسسات، وفقدان الثقة، والغضب الشعبي، كلها عوامل سمحت لأحزاب منظمة، تمتلك خطابًا دينيًا تعبويًا، أن تقدم نفسها باعتبارها الممثل الطبيعي للإسلام والناس والعدالة.


لكن حين يختلط الدين بالحزب، يقع الالتباس الخطير: يصبح نقد الحزب نقدًا للدين، وتصبح معارضته خيانة للإسلام، وتصبح أخطاؤه ابتلاءات، وتصبح قياداته رموزًا مقدسة، وتصبح السياسة معركة إيمان وكفر بدل أن تكون مجالًا مدنيًا للتدبير والمحاسبة.


وهنا يجب أن نقول بوضوح:


ليست كل معارضة للسلطة تحريرًا للإنسان؛ فقد تكون بعض المعارضات انتقالًا من سلطان الدولة إلى سلطان الجماعة، ومن قهر المؤسسة الرسمية إلى قهر التنظيم، ومن فساد السياسة إلى قداسة الحزب.



حادي عشر: الحزب الإسلامي لا يمثل الإسلام

لا ينبغي الخلط بين حق المسلمين في العمل السياسي المدني، وبين ادعاء حزب ما أنه يمثل الإسلام.


فمن حق أي مواطن، مسلمًا كان أو غير مسلم، أن يشارك في السياسة، وأن يدافع عن قيم يراها عادلة، وأن يقترح برامج للإصلاح، وأن ينتقد السلطة. لكن ليس من حق أي حزب أن يقول للناس، صراحة أو ضمنًا، إنه هو الإسلام، وإن خصومه خصوم الدين، وإن التصويت له نصرة للشريعة، وإن فشله ابتلاء من الله، وإن نقده طعن في المشروع الإسلامي.


الحزب كيان بشري. له قيادة، وأهداف سياسية، ومصالح دنيوية، وتحالفات ظرفية، وحسابات انتخابية، وأخطاء، وتنازلات، وصراعات داخلية. لذلك لا يجوز أن يُعصم باسم الدين، ولا أن تُخلع عليه قداسة الوحي.


يمكن أن يوجد حزب يضم مسلمين.

ويمكن أن يوجد حزب يستلهم قيمًا أخلاقية من الإسلام.

ويمكن أن يوجد برنامج سياسي قريب من العدل والشورى والكرامة.

لكن لا يجوز أن يوجد حزب يدّعي أنه إسلامي لأن الله لا يحاسب الكيانات الاعتبارية يوم القيامة  كالحزب و المذهب والجماعة أو الدولة.، بل يحاسب الناس فردا فردا.


وبهذا المعنى، فالدين أوسع من الحزب، والقرآن أعلى من البرنامج الانتخابي، والأمة أكبر من التنظيم، والإسلام دين العالمين لا يختزل في سجن المذهب أو معتقل الجماعة أو شرنقة الحزب، كما أن الحق لا يحتكره شعار في سوق النخاسة السياسية.



ثاني عشر: من الحزب المؤدلج إلى الجماعة العنيفة

ولا يقف استغلال الدين في السياسة عند حدود الحزب الذي يدخل الانتخابات ويرفع شعار الإسلام، بل قد يبلغ صورته الأشد خطرًا في الجماعات المتطرفة أو الجهادية التي تجعل من الدين أداة صراع مسلح، ومن النصوص وقودًا للتعبئة، ومن الولاء للجماعة بديلًا عن الولاء للحق والرحمة والعدل.


فهذه الجماعات لا تكتفي بأن تقول: نحن نمثل الإسلام سياسيًا، بل تزعم أنها تملك الحق في تصنيف الناس والمجتمعات والدول، وتحديد من هو المؤمن ومن هو الكافر، ومن هو المسلم ومن هو المرتد، ومن لا يجوز قتاله ومن يجب قتاله. وهنا ينتقل احتكار الدين من مستوى الخطاب إلى مستوى الدم.


ولعل أخطر صور استغلال الدين في السياسة تظهر حين تمنح الجماعة نفسها حق الحكم على دماء الناس ومصائرهم باسم الله. فالقرآن يجعل حرمة النفس أصلًا محكمًا، فيقول: 


﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 151]، 


ويقرر أن قتل نفس واحدة بغير حق كقتل الناس جميعًا: 


﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]. 


لذلك لا يمكن لخطاب يدفع إلى التكفير، أو التفجير، أو استباحة الدماء، أو تحويل الشباب إلى أدوات قتل، أن يكون خادمًا للقرآن، ولو أكثر أصحابه من رفع شعاراته.

فإذا كان الفرح الحزبي المغلق مذمومًا حين يصنع عصبية دينية، فإنه يصبح أشد خطرًا حين يتحول إلى عنف، وإقصاء، وتكفير، واستباحة، وتدمير للعمران باسم إقامة الدين.


والجهاد في القرآن لا يمكن فصله عن العدل، ورفع الظلم، ومنع العدوان، وحفظ النفس، وعدم الاعتداء. لذلك لا يجوز أن يتحول إلى شعار مفتوح في يد جماعة تغلق باب العقل، وتعزل الشباب عن أسرهم ومجتمعاتهم، وتستبدل القرآن ببيانات القيادة، وتجعل الطاعة التنظيمية طريقًا إلى الجنة. فحين يصبح الشيخ أو الأمير أو التنظيم هو الذي يحدد للإنسان دينه وعدوه ومصيره، نكون أمام صورة حادة من اتباع الأولياء من دون الله، لا أمام تحرير للإنسان بالدين.


وهنا تظهر المأساة الكبرى: كثير من الشباب لا يدخلون هذه المسارات ابتداءً حبًا في العنف، بل يدخلونها من باب الغضب من الظلم، أو الألم من فساد الدولة، أو الشعور بالمهانة، أو البحث عن معنى وبطولة ورسالة، أو فقدان الأمل من الحياة والتوق للانتقال إلى الجنة. لكن الجماعة المتطرفة تلتقط هذا الغضب، ثم تعيد تشكيله داخل سردية مغلقة: نحن الحق، والعالم كله باطل؛ نحن الجماعة المؤمنة، ومن خالفنا عدو؛ نحن الطريق إلى الله، وما سوانا جاهلية أو نفاق أو ردة. وهكذا يتحول طلب العدل إلى بغي، ويتحول البحث عن الخلاص إلى عبودية للتنظيم.


والميزان القرآني هنا واضح: كل جماعة تجعل ولاءها فوق حرمة النفس، وفوق العدل، وفوق التبين، وفوق رحمة الله بالناس، فهي لا تخدم الدين، بل تستعمله. وكل خطاب ديني يحول الإنسان إلى أداة قتل أو كراهية أو تفجير أو استباحة، فقد خرج من منطق القرآن، ولو أكثر من الاستشهاد بالآيات.



ثالث عشر: متى تكون المذاهب والجماعات والأحزاب مشروعة؟

ليس المقصود من هذا المقال هدم كل مذهب، ولا إسقاط كل جماعة، ولا تحريم كل تنظيم سياسي. فهذا تبسيط مخل. المقصود هو وضع هذه الوسائط في حجمها الصحيح.


المذهب مشروع إذا كان مدرسة لفهم النص، لا بديلًا عن النص.

ومشروع إذا بقي اجتهادًا بشريًا، لا وحيًا موازيًا.

ومشروع إذا قبل أن يُراجع على ضوء القرآن ومحكماته.

أما إذا تحول إلى هوية مغلقة، أو معيار للنجاة، أو سلطة فوق القرآن، فقد خرج عن حجمه.


والجماعة مشروعة إذا كانت تعاونًا على البر والتقوى، وخدمة للناس، وتعليمًا، وإصلاحًا.

لكنها تنحرف إذا صارت ولاءً فوق الحق، أو طاعة فوق الضمير، أو وسيطًا بين الإنسان وربه، أو معيارًا للحكم على إيمان الناس.


والحزب السياسي مشروع إذا كان أداة مدنية، يقبل المحاسبة والتداول والنقد، ولا يدّعي العصمة، ولا يحتكر الدين.

لكنه يصبح خطرًا إذا جعل الدين رأسماله السياسي، وقدم نفسه بوصفه الممثل الحصري للإسلام، واستعمل النصوص لتعبئة الأنصار وتحصين القيادة.



رابع عشر: الميزان القرآني للتمييز بين الوسيلة والبديل

يمكن أن نختصر الميزان في أسئلة واضحة:


هل يردّك المذهب إلى القرآن أم يحجبك عنه؟

هل تفتح الجماعة باب السؤال أم تغلقه؟

هل يقبل الحزب النقد أم يجعله خيانة؟

هل يفرح أتباعه بالحق إذا ظهر عند غيرهم، أم يفرحون بما لديهم فقط؟

هل يجعل الإسلام هو الاسم الجامع، أم يجعل اسمه الخاص راية أعلى؟

هل يقدم العدل على الولاء، أم الولاء على العدل؟

هل يحترم ضمير الإنسان، أم يطلب منه أن يذوب في الجماعة؟

هل يحرر الناس من الاستبداد، أم يستبدل استبدادًا بآخر؟


إذا ردّك إلى ما أنزل الله، وفتح باب التبين، وحفظ العدل، واحترم الضمير، فهو وسيلة نافعة.


أما إذا ردّك إلى ذاته، وطلب الولاء لنفسه، وفرّق الدين شيعًا، وفرح بما لديه، فهو بديل خطير عن الدين.



خامس عشر: الاختلاف سنة… والتفرق في الدين فتنة

ينبغي التمييز هنا بين الاختلاف والتفرق في الدين. فالقرآن لا يطلب من الناس أن يكونوا نسخة واحدة في التفكير، ولا أن تُلغى عقولهم، ولا أن يتحول المجتمع إلى كتلة صامتة لا اجتهاد فيها ولا سؤال. بل يخبرنا أن الناس كانوا أمة واحدة ثم وقع بينهم الاختلاف:


﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: 213].


فالاختلاف واقع إنساني، ولذلك جاء الوحي لا ليلغي العقل، بل ليهدي الاختلاف، ويمنعه من التحول إلى بغي وتنازع واحتكار للحقيقة.


ويقول تعالى:


﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ۝ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119].


أي في عالم إبتلاء تتعدد فيه المدارك والاختيارات، ويظهر فيه من يطلب الحق ممن يحول الاختلاف إلى بغي.


وهذه الآية تفتح أفقًا مهمًا: فالاختلاف جزء من طبيعة الاجتماع الإنساني، ومن حكمة الابتلاء، ومن مجال استعمال العقل. ولو شاء الله لجعل الناس نسخة واحدة، ولكنه خلقهم في عالم امتحان، حيث يظهر الصدق، والعدل، والتدبر، والتبين، وحسن استعمال العقل.


لكن هذا الاختلاف يكون رحمة حين يكون مسعى إلى معرفة الحق، وتوسيع الفهم، وتحقيق العدل، وتصحيح الخطأ. ويصير فتنة حين يتحول إلى وسيلة لتكفير الآخر، أو إقصائه، أو احتكار الدين، أو تحويل الرأي إلى راية مغلقة، أو جعل الجماعة معيارًا للنجاة.


لهذا لا يرفض القرآن الاختلاف في السياسة والفكر والاجتهاد؛ إنما يرفض أن يتحول الاختلاف إلى تفريق للدين:


﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 159].


ويرفض أن يصبح الناس شيعًا وأحزابًا دينية مغلقة:


﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 32].


إذن ليست المشكلة أن يختلف الناس في الرأي السياسي، أو في الاجتهاد الفكري، أو في تقدير المصالح. المشكلة أن يتحول هذا الاختلاف إلى دين موازٍ، وولاء مغلق، واحتكار للحق، وفرح حزبي يعمي صاحبه عن المراجعة.


ومن هنا نفهم لماذا حث القرآن الإنسان على استعمال عقله: لا ليحتكر الحقيقة، بل ليهتدي إليها. فالعقل في الميزان القرآني أداة طلب وتدبر وتبين، لا أداة استعلاء واستبداد. والقرآن حين يقول: أفلا تعقلون، وأفلا يتدبرون، وأفلا يتفكرون، لا يدعو الإنسان إلى أن يجعل رأيه وحيًا جديدًا، بل إلى أن يخرج من أسر التقليد، والعصبية، ودين الآباء، وسلطان الأولياء، حتى يقف أمام الحق متواضعًا ومسؤولًا.


والخلاصة التي ينبغي تثبيتها هنا هي:


أن الاختلاف رحمة حين يبقى طريقًا إلى الحق، وفتنة حين يتحول إلى ملكية حزبية للحقيقة.

والتعدد السياسي والفكري مشروع ما دام لا يفرّق الدين، ولا يحتكر الإسلام، ولا يجعل الانتماء للجماعة بديلًا عن الاعتصام بحبل الله.



خاتمة

الإسلام في القرآن ليس مذهبًا من المذاهب، ولا حزبًا من الأحزاب، ولا جماعة من الجماعات. إنه دين الله، وملة إبراهيم، وصراط مستقيم، وتسليم لله وحده.


والمذاهب والجماعات والأحزاب لا تُرفض بإطلاق ولا تُقبل بإطلاق. إنما تُوزن بميزان القرآن. فما كان منها وسيلة للعلم، والتعاون، والعدل، وخدمة الإنسان، بقي في دائرة المشروعية البشرية. وما تحول منها إلى عصبية، ووصاية، واحتكار للحق، وتفريق للدين، وفرح حزبي مغلق، فقد دخل في المنطقة التي حذر منها القرآن.


ليست المشكلة في أن يعارض الناس سلطة ظالمة، بل في أن يسلموا عقولهم وضمائرهم بل ومصائرهم لسلطة أخرى تلبس لباس الدين. وليست المشكلة في أن يبحث الشباب عن بديل أخلاقي، بل في أن يظنوا أن كل من رفع شعار الإسلام صار أمينًا على الإسلام.


القرآن لا يطلب من الإنسان أن يخرج من طاعة الدولة الفاسدة ليدخل في طاعة الجماعة المغلقة. ولا يحرره من استبداد الحاكم ليقع في استبداد الشيخ أو الحزب أو التنظيم. بل يرده إلى أصل واحد:


﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: 3].


فمن أراد أن يخدم الدين، فليكن خادمًا لما أنزل الله، لا مالكًا له. ومن أراد أن يعمل للناس، فليقبل المحاسبة كأي عمل بشري. ومن أراد أن ينصر القرآن، فلا يفرّق الناس شيعًا وأحزابًا باسم تنظيمات تستغل الدين في السياسة.


وأخطر صور هذا الاستغلال حين لا يكتفي الحزب أو الجماعة بادعاء تمثيل الإسلام، بل يمنح نفسه حق الحكم على دماء الناس ومصائرهم باسم الله. فهنا لا يصبح الدين رأسمالًا سياسيًا فقط، بل يتحول إلى سلاح في يد تنظيم مغلق، وهذا أبعد ما يكون عن هدى القرآن وميزانه.


ذلك أن الدين لله، لا للمذهب.

والقرآن ميزان على الجماعات، لا شعار في يدها.

والإسلام هدى للناس، لا رأسمالًا انتخابيًا لحزب من الأحزاب.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق